ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > على مشنقة الحياة

ملتقى الخطباء

(325)
5067

على مشنقة الحياة

1439/05/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

مما لاشك فيه أن المسلم يرتفع على أكتاف البلاء، ومن البلاء أن ترى هدفك الذي أفنيت ساعات عمرك لتحصيله يُشنق أمام عينيك ..

أُدرك جيدًا حجم أغلال الآلام التي تُطوق قلبا يرى هدفه يحتضر بين يديه ولا يستطيع إنعاشه ..

 

لكن ليس كل ما يؤلم القلب يؤذيه، هناك ألم يُرّقي ويُربي، ولو لم يقع هذا الألم لم تنل الروح كل هذا التهذيب والتشذيب.

إياك أن تشعر بالخذلان .. ارفع رأسك شامخاً .. هنيئًا لك فقد فزت بالوفاء لهذا الهدف ..لم تفرط.. لم تتقاعس.. لم تستسلم في بداية الطريق.. بذلت وتنازلت.. سعيت وجاهدت.. جددت النية مستعينًا بربك .. صبرت وصابرت على أمل الظفر .. لكن أمر الله نافذ، لا رادّ لأمره، ولا معقب لحكمه.

 

مات هدفك .. تهاوت صروح أحلامك التي علقتها على جدران تحقيقه ؟!

هل ما زالت سهام الحنين لتحقيقه تطعن خاصرتك ؟!

أعلم أنك استنشقت هذا الهدف حتى تغلغل في عروقك، ولن ترتاح حتى تخرجه في زفيرك لتستطيع استنشاق هواء هدف آخر أنقى و أصفى ..

 

صَهٍ صَه ..

مَن جعل هذا الهدف ينمو في بستان روحك، قادر على أن يجتثه دون أن تصاب بأذى.

فالرحمن الرحيم لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يُحمّل روحاً إلا ما تطيق.

آن الأوان أن تنصرف عن ذاك الهدف الميت، وتيمم وجهك شطر هدف آخر يناسبك.

لا تُثبت هذا الهدف بمسامير على جدار حياتك لأنك لا تعلم هل يناسبك أو لا ؟!

لا تجدي المجاهدة في أمر لا تدري هل هو الأصلح لك أو لا ؟!

لا ترهق روحك في تحصيل أمر لا تدري أهو خيرٌ لك أو لا ؟!

ما خلقنا ربي ليعذبنا “ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم “، فلِم تعذب نفسك في تحصيل هدف صرفه الله عنك رحمة بك ؟!

 

أعلم أنك صدقت النية وأحسنت الظن بالله واستفرغت وسعك على أمل أن يتحقق هدفك، بات حلمًا مبتورًا ثم لفظ أنفاسه الأخيرة بين يديك ..ربما لم يكن هذا هو الوقت المناسب لتحقيقه، وربما لم يكن هذا الهدف مناسبًا لك الآن فلعل الله استجاب دعاءك “قنا واصرف عنا برحمتك شر ما قضيت” لو كان خيرًا لأتمه الكريم وحققه، لكنه شر صرفه اللطيف برحمته .. وليقر في القلب ليس كل خسارة فشل فبعض الخسائر أرباح .. وبعض الأرباح خسائر.. وكم في طيات المحن من منح .. والرب ما يغلق بابًا إلا ويفتح أبوابًا أفضل وأوسع.

 

ولنا في نبينا -صلى الله عليه وسلم- خير أسوة كان هدفه هداية قومه لكنهم تخلوا عنه وآذوه، تركهم وتوجه لأهل الطائف فطردوه وأدموا قدمه الشريفة بالحجارة، كانت نية نبينا صافية وأسلوبه في الدعوة راقٍ، وأخلاقهُ عالية لكنه لم يوفق، فتركهم ولم يذهب نفسه عليهم حسرات، ولم يطل في طرق أبوابهم بل بحث عن غيرهم .. ودارت عجلة الزمان وجاء الفتح فأذعنوا له.

 

ذلك الذي ولد بمرض مزمن أو أصيب بحادث أشله لم يبق طريقا للشفاء إلا وسلكه .. فعجز الطب عن ذلك .. حين ترك تحقيق هدف الشفاء وتعايش مع المرض ورضي باختيار الله فعادت لروحه البسمة واستطاع أن يحقق أهدافاً ما كان ليحققها وهو معافى .. وقد يولد هدف الشفاء بحلة جديدة في وقت آخر أنسب.. وقد تولد أهداف تناسبه أكثر من الشفاء فتنسيه ذكره.

 

ومثله الذي دخل قسماً في الجامعة وتعثر فيه، فلم يستسلم منذ البداية بل حاول مرة واثنتين وثلاثاً وعشراً وعشرين وثلاثين، صرف مالَه ووقته لينجح وكل محاولاته تبوء بالفشل فقدراته لا تتناسب مع هذا القسم، فلما حول لقسم آخر يناسب قدراته تفوق.

 

ومثله ذاك الذي سلك طريق العقار بحثاً عن الغنى، فعل كل ما بوسعه ليصبح ثرياً .. لكن الله لم يكتبه له .. فصرف جهده في الأسهم .. فلم يُكتب له الثراء .. انتقل لتجارة العطور .. فلم يُكتب له الثراء .. فيمم وجهه شطر هدف آخر يناسبه فأبدع ..كلٌ ميسر لما خُلق.

 

وعليه فقِس كل مجالات الحياة .. فالهدف الذي تبذل فيه شتى الطرق لتحصيله بأساليب متنوعة، ونية خالصة، مجتنبا معيقات التوفيق، ولسان حالك ومقالك ” وما توفيقي إلا بالله ” ثم لا يتحقق، فاعلم أن الله ما صرفه إلا رحمةً ولطفاً وسيبهرك بهدف أفضل يليق بك .. فإن أردت أن تحيا بنفس مطمئنة توقن بأنها لن تموت حتى تستوفي رزقها كاملًا غير منقوص .. فلا تتشبث بهدف يصارع الموت .. أحيانًا يكون الإصرار على النجاح في أمر ما هو بحد ذاته فشلًا .. لا أنادي بالتقاعس، أو تسليم الراية مبكرًا، لا و كلا ..فالسماء لا تمطر ذهبًا .. ” اعقلها وتوكل “.. ولا عزاء لمن تقاعس أو قَصّر .

 

حروفي منسوجة لأولئك الذين استفرغوا وسعهم وطاقتهم في تحقيق أملهم، بذلوا قصارى جهدهم لنيل مرادهم وفوضوا ربهم الحكيم الخبير في النتيجة إن كانت خيرا لهم أتمها، وإن كانت شراً لهم صرفها دون أذى ..

فليس كل مَن جد وجد

ولا كل من زرع حصد

ولا كل من صبر ظفر

ولا كل ما تركز عليه تحصل عليه

ولا يستطيع أحد أن يرسم قدره

ولا أن يلون حياته بكل أمنياته

المؤمن يفعل السبب، والنتيجة على مسبب الأسباب سبحانه .. ولا خير كاختيار الحكيم العليم الخبير الذي يعلم ما يُصلح كل عبد ..

 

ولا تندم على وقت مضى في تحقيق هدف صرفه الله عنك، فذاك الوقت هو أيضاً تربية من الرب لك .. واختبار لعبودية التفويض وصدق التوكل، وصدق الملجأ، ومتى ما نجحت في الاختبار كُفيت ووقيت وهديت .. أما يكفيك أنك استفدت خبرة .. وتعلمت دروساً ما كنت لتتعلمها لولا هذا الهدف الذي مات بين يديك .. ونلت شرف المحاولة .. وأجر الصبر .. فليس في أقدار الله صُدَف .. أو عبث .. حاشاه .. كلها بعلم شامل دقيق .. وحكمة نافذة .. وتدبير بديع.. ” ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين “.

ومما أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في كمال التسليم والتفويض أنه قال : (لئن أضع جمرة في فمي حتى تنطفي، أحب إلي من أن أقول لأمر قضاه الله تعالى: ليت الأمر لم يكن كذلك)

 

واعلم علم اليقين أن أمانيك وأحلامك لن تتحقق بقوة السبب المبذول؛ وإنما بقوة استعانتك وتوكلك على الله!

فإن فعلت المأمور، واجتنبت معيقات التوفيق ولم تجنِ الثمر!

فاعلم أن الخير في الصرف، وما كنت تظنه يومًا سوء حظ ستُجلي لك الأيام أنه كان حصانة من الوقوع في صعاب وآلام لا تطيقها، فخيرة الله مُبهرة.

بت مرتاح البال هادئ الضمير، فقد مات هدفك بعد أن استفرغت وسعك في تحقيقه .. إذن فلتمت كل المشاعر معه .. وكبر عليهما أربعاً .. وادفنهما في نفس القبر.. محتسباً أجرك عند ربك .. حتى لا يذهب عمرك سدى في الصبر على أمر قُدر أنه لا يصلح لك .. فليس كل من صبر ظفر.

 

وجفف منابع الوساوس الشيطانية التي تحاول إضعاف عزمك، أو الطعن في نيتك، أو جهدك، أو طريقتك .. لتعيقك عن تحقيق هدف آخر..

 

أرجوك لا تتقاعس .. ولتبقَ أحلامك عالية لا سقف لها .. فإنك تتعامل مع من بيده خزائن السموات والأرض .. ابدأ رحلة جديدة في تحقيق هدف جديد .. اصدق في نيتك مع ربك وابذل في تحصيله قصارى جهدك، مستفيدا من تجربتك السابقة فإن كان خيراً أتمه الله وإلا صرفه وعوضك بما يليق بك، ويناسبك.

 

المصدر: تواصل

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات