ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > أنواع الدعوة إلى الله تعالى

ملتقى الخطباء

(328)
5036

أنواع الدعوة إلى الله تعالى

1439/04/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

الدعوة إلى الله إما أن تُؤَدَّى بصورة جماعية، أو بصورة فردية.

 

الدعوة الجماعية: وهي أن يقوم الفرد بتأدية واجب الدعوة، أو جانبٍ منه، بصفته فردًا في جماعة تدعو إلى الله تعالى، وهذا واجب وضروري؛ لا سيَّما أن الدعوة إلى الله -تعالى- في هذا العصر تحتاج إلى جهود جسيمة ومنظَّمة، ويدلُّ على ذلك: قوله -تعالى-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104].   وقوله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2].

 

وفي هذه الآية دليل على مشروعية ذلك، بل ووجوب ذلك إذا كان البِرُّ لا يمكن تحصيلُه إلا بالتجمع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.   وإني أنصح في هذا الموطن الداعيَ من خلال الجماعة أن يُخلِص نيته لله -تعالى- ويتواضع، وأن يكون على أهبة الاستعداد للبذل والتضحية حيثما يُطلب منه أن يكون، ما لم يكن في معصية، والأصل في ذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عند البخاري: (طُوبَى لعبدٍ آخذ بعِنَان فرسه في سبيل الله أشعثَ رأسُه، مُغْبَرَّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذَن لم يُؤذَن له، وإن شَفَع لم يُشفَّع).

 

فهذا العبد يقلِّب نفسَه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه، إن كان ليلاً أو نهارًا؛ رغبةً في ثواب الله، وطلبًا لمرضاته، ومحبة لطاعته، ثم يحمد ربَّه -تعالى- على أن استخدمه ربه في طاعته، وجعله جنديًّا من جنوده.

 

الدعوة الفردية: وهذا النوع له ثلاثة تعريفات على حسب واقع الدعوة:

فالأول: أن يقوم داعٍ بدعوة فرد أو جمعٍ للالتزام بالدين، كما فهمه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمَّة الهدى من بعدهم، ويلاحَظ على هذا التعريف أنه عامٌّ يدخل فيه أفراد كثيرون.

 

والثاني: دعوة داعٍ لفرد متلبِّس بمنكَر أو تارك لمعروف، ويلاحظ على هذا التعريف أن مجاله الحِسبة، وليست الدعوة الفردية؛ فالحِسبة هي أمر بمعروف إذا ظهر تركُه، ونهيٌ عن منكر إذا ظهر فعلُه، وهي فرضٌ على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإلا أثِم القادرون جميعًا، ولا يخلو المكلَّف من قدرة، وقد يصير فرضَ عين إذا تعينت على شخص معين، كأن لا يرى المنكَرَ غيرُه، أو يكون في مكان ولا يوجد غيرُه يقوم بهذا الفرض، والأجر فيها عظيم، وهي مضبوطة بضوابط المصلحة والمفسدة.

 

والثالث: دعوة داعٍ لفرد آخر، وتعهُّده حتى يصير على منهج السلف – من الصحابة ومن تبعهم – في العقيدة، والأخلاق، والعمل، والسلوك.   وهذا التعريف هو الأدق لمفهوم الدعوة الفردية؛ وذلك لعدة أسباب، منها:

 

1- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دعا أحدًا، أو أسلم أحدٌ يتعهده، أو يأمر بمن يتعهده؛ فقد ثبت في السنة المطهرة أنه عندما أسلم عمير بن وهب قال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: ((فقِّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن))، وراجِع في ذلك أصول الدعوة للدكتور عبدالكريم زيدان، ولما حاصر النبي -صلى الله عليه وسلم- حِصْن الطائف، فأسلموا، أمر بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض أصحابه ليعلِّموهم، منهم: إبراهيم بن جابر عَهِد به إلى أُسَيد بن حُضَير، والأزرق عَهِد به إلى خالد بن سعيد بن العاص، كما في الإصابة لابن حجر.

 

2- أنَّ من أهداف الدعوة إيجادَ الفرد المسلم بالفهم الصحيح؛ ليكون نواة لمجتمع يعبد الله رب العالمين لا شريك له.

 

3- قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلىٍّ – -رضي الله عنه– كما في الصحيحين: (فوالله لَأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم)؛ فهذا الأجر العظيم المترتب على هداية رجل، ليس في كلمة تقال وتذهب، بل في التعهد حتى يصير مهتديًا، والله أعلم.

 

مميزات الدعوة الفردية بالمفهوم الأخير:

1- أنها دعوة مباركة، طيبة الثمار، تنتج ملتزمين بالإسلام التزامًا صحيحًا.

 

2- أنها من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله، وكذلك أصحابه الكرام – رضي الله عنهم.

 

3- أنها لازمة، وتنتقل مع كل مرحلة من مراحل الدعوة.

 

4- أنها تَنْزِع الشعور بالغربة من نفس المدعوِّ عندما يندمج بصفوف الملتزمين.

 

5- أنها تكتشف الطاقات، وتوظفها توظيفًا صحيحًا؛ لأن حسن النهاية من حسن البداية.

 

6- أنها تدفع تدريجيًّا إلى العمل للإسلام.

 

7- أنها تمكّن من الإجابة عن جميع ما في نفس المدعوِّ من شبهات أو شهوات.

 

8- أن فيها شغلاً لجميع أفراد الدعوة، وناهيك عن هذه ميزة تقتل جميع مظاهر الشغب، وتلاشي الالتزام بين صفوف الملتزمين؛ فإن المعسكر الذي توجد فيه البطالة يكثر بين صفوفه المشاغبون.

 

9- أنها تَنعم بالحرية في كل الأحوال والظروف، ولا يكاد يُتصور فرض قيود عليها، وأحب هنا أن أذكر ما قاله الشيخ عبدالحميد الجزائري عندما استدعاه المندوب السامي الفَرَنسي، وقال له: إما أن تُقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار، وإلا أرسلتُ جنودًا لإغلاق المسجد الذي تبث فيه السموم ضدنا، وإخماد أصواتكم المنكرة، فأجاب الشيخ: أيها الحاكم، إنك لن تستطيع إخماد أصواتنا مهما فعلتَ، فاستشاط غضبًا، وقال: كيف لا أستطيع؟ فقال له: إذا كنتُ في عُرسٍ علَّمتُ أحد الحاضرين، وإذا كنت في عزاء وعظتُ أحد المعزِّين، وإذا جلستُ في قطار كلَّمت أحد المسافرين، وإن دخلتُ السجن أرشدت أحد المسجونين، وإن قتلتموني التهبت مشاعر المواطنين، وخيرٌ لكم – أيها الحاكم – ألا تتعرَّضوا لهذه الأمَّة في دينها ولغتها.

 

أركان الدعوة الفردية: إن الدعوة الفردية هي المتيسرة لجميع أفراد المسلمين، فلا تحتاج منبرًا قد يُمنَع منه، ولا محاضرة لا تتيسَّر له، ولا شيئًا من هذا؛ إنما تحتاج إلى الداعية نفسه، والمدعوِّ، ومادة الدعوة، ووسيلتها، وهي مما يسهل توافرها للداعية الصادق؛ ولهذا كان التركيز الآن على الدعوة الفردية، وكان الأمر يحتاج إلى تناول أركانها هذه بقليل من التفصيل، والله المستعان.   الركن الأول: الداعي: وهو الذي يقوم بالدعوة؛ وأعني به كل مسلم ومسلمة، كلٌّ على حسب قدرته وطاقته، وهذا الداعي ينتظره أجرٌ عظيم في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا، فيكفيه شرفًا وفضلاً أنه داخلٌ في زمرة أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحقيقة؛ كما قال -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: 108].

 

وجعل الله -تعالى- قولَه أحسن الأقوال فقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33]؛ أي: لا أحدَ أحسنُ قولاً منه.   قال الحسن البصرى: “هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحبُّ أهل الأرض إلى الله، أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب اللهَ فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله”.   فكلمة الداعية – لا سيما عند الجحود والتمرد على الله – هي أحسن كلمة تقال في الأرض.

 

وأما أجر الآخرة، فمثل قوله -صلى الله عليه وسلم- عند مسلم: ((مَن دعا إلى هدًى، كان له من الأجرِ مثلُ أجور مَن تَبِعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا))، وفيه أيضًا: ((مَن دلَّ على خيرٍ، فله مثلُ أجر فاعله))، وقد سبق منذ قليل قولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لعليٍّ – رضي الله عنه.   وعُدَّة الداعية التي يحتاج إليها في أداء مهمته هي: الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والاتصال الوثيق بالله – تبارك وتعالى.   فأما الفهم الدقيق، فهو علم طريق الآخرة الذي يهيِّج القلب ويزعجه، ويدفعه إلى سلوكه، ويُشعر صاحبه بغربته في هذه الدنيا، وقُرب رحيله عنها إلى سفر بعيد لا يرجع بعده إلى دنياه، ولا ينفع فيه إلا زادُ التقوى؛ ولذلك فهو دائمًا مشغول بإعداد هذا الزاد: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197].

 

وهذا عِلم نادر يحتاج إليه كل مسلم، والعالِم أشدُّ حاجةً إليه، والداعي أحوج من الجميع إليه، هذا العلم هو الذي فقهه الصحابة فضنُّوا بكل لحظة من وقتهم أن تذهب سدًى في غير طاعة الله -تعالى- ودعوةٍ إليه، فنشطت جوارحهم في العبادة والجهاد في سبيل الله -تعالى- حتى أتاهم اليقين.

وطريق الوصول إلى هذا الفهم هو تدبُّر معاني القرآن، وإطالة النظر فيها؛ فهذا سببٌ يتعرف به العبدُ على ربه الذي يدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وكذلك تتولَّد عنده البصيرة التي يُفرِّق بها بين الحق والباطل.

ومن أركان هذا الفهم الدقيق معرفةُ الداعي غايتَه ومركزه بين الناس؛ فغايته توحيد الله -تعالى- ومركزه بينهم هدايتُهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

 

ومنها أيضًا: التجافي عن دار الغرور، والتعلق بالآخرة؛ فلا شيء أفسدُ للقلب من التعلق بالدنيا والركون إليها، وإيثارها على الآخرة، وهذا هو ما يقعد بالمسلم عن التطلع إلى الآخرة والعمل لها، وإتعاب الجسد في سبيل الله، وهيهات لقلب فاسدٍ مريض أن يَقْوَى على مهامِّ الدعوة إلى الله.

وعلاج ذلك الناجع – بإذن الله – هو تيقُّن زوال الدنيا ومفارقتها، وتيقن لقاء الآخرة وبقائها، ثم قطع التسويف وطول الأمل؛ حتى يشعر بالغربة في هذه الدنيا: “إذا أصبحت فلا تنتظرِ المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح”.

 

وأما الإيمان العميق، فالمراد منه تيقن المسلم أن الإسلامَ بفهم السلف الصالح الذي هداه الله -تعالى- إليه، وأمَره بالدعوة إليه – حقٌّ؛ لأنه هدى الله، وما عداه باطل وضلال قطعًا.   قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) [البقرة: 120].

وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85].

 

هذا الإيمان عند الداعي ثابتٌ لا يتزعزع، مهما صادفتْه محنةٌ أو شدة، ومهما كانت حاله من ضعف وقلة، ومهما كان حال الكفرة من قوة ومَنَعة، حتى لو بقِيَ في الأرض وحده، وهذا الإيمان ضروري لكل مسلم، وهو للداعية أشد ضرورةً في الوقت الحاضر الذي ضعُفت فيه كلمةُ الإسلام أمام كلمة الكفر.

ولهذا الإيمان العميق ثمرات، منها: محبة العبد لله تعالى، ومحبة الله -تعالى- لعبده، قال -تعالى-: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54]، وقال الحسن: “مَن عَرَف ربَّه أحبه”.

 

ومن لوازم هذه المحبة إلفُ العبد لذكر الله -تعالى- في كل حين، والأنس بمناجاته في الخَلوة، وعدم الاستيحاش، وكذلك التنعم بالطاعة، وعدم استثقالها، وكذلك إيثار ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه النفس عند غلبات الهوى، وكذلك الغيرة لله، وعلامتُها الغضب إذا انتُهكت محارمُ الله.

ومن ثمرات هذا الإيمان العميق: الخوف من الله تعالى؛ لأن مَن عَرَف الله خافه، ومَن خاف الله لم يَخَف أحدًا من الناس، بل وخافه الناسُ، والأسباب الجالبة للخوف كثيرة؛ من أهمها: تدبر آيات الوعيد، والتعرف على الله من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ حتى يَقدُرَه حق قدره، فيعبُدَه على المراقبة.

 

ومن ثمرات هذا الإيمان العميق: الرجاء، وعدم القنوط من رحمة الله تعالى؛ ذلك لأن اليأس حرام، والمؤمن يؤمن بوعد الله الصادق الذي وعَده إياه في كتابه، فيحمله هذا الرجاء على تحقيق أسبابه، وهي طاعة الله -تعالى- ومنها الدعوة إليه – سبحانه.   وأما الاتصال الوثيق، فمعناه تعلق الداعي المسلم بربه، وتوكُّله عليه في جميع أموره؛ لتيقنه أن الله -تعالى- هو المنفرد بالخلق والتدبير، والضر والنفع، والمنع والإعطاء، وأنه – سبحانه – ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله -تعالى- يكفي مَن يتوكل عليه، ويفوِّض أمرَه كله إليه، لا سيما في أمور الدعوة، ونصرة الله، وإعلاء كلمته.

 

وحالة الداعية في توكله على الله كحالة الطفل مع أمه؛ لا يعرف غيرها، ولا يتعلق إلا بها، ولا يفزع إلا إليها، وليس يعتمد إلا عليها، وإذا نابه شيءٌ لم يهتف إلا باسمها، وليس معنى ذلك ترك الأخذ بالأسباب؛ فافهم هذا.

ويزداد هذا الاتصال بالله -تعالى- إذا استحضر الداعيةُ ما يوقن به من أن الناس لا يملكون لأنفسهم – ولا لغيرهم – نفعًا ولا ضرًّا، وأن الأمور كلها بلا استثناءٍ بيد الله -تعالى- القوي العزيز.

والداعية يَثِقُ بربه ثقة كاملة، بأنه يحفظه، وينصره، ويدفع عنه الشرور، وليس له إلا الله -تعالى- قال – سبحانه -: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) [الحج: 38]، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

 

هذا الاتصال الوثيق بالله -تعالى- ضروريٌّ جدًّا للداعي إلى الله -تعالى- لأنه يهوِّن عليه الصعاب، ويخفِّف عنه الآلام، وينتزع من قلبه الخشيةَ من الناس، قال -تعالى-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173].

ويشعر بعزة الإيمان؛ لأنه موصول بالقوي العزيز؛ قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8]؛ فلا يعظُم في عينيه باطلٌ ولا مبطِلٌ؛ لأن الباطل وأهله من التافه الحقير، فلا يمكن أن يَعظُم في عين المؤمنين.

 

الركن الثاني: المدعو: وهو الشخص الذي يُدعَى إما إلى الإسلام أو الالتزام، وحق هذا المدعو أن يُؤتَى ويُدعَى، لا أن يَجلس الداعي في بيته أو مسجده، وينتظر مجيء الناس إليه، وهكذا كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتي إلى مجالس قريش ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في منازلها في موسم قدومها مكةَ ويدعوهم، وهذا من تمام شفقته -صلى الله عليه وسلم- وحرصه على هداية الناس، وتخليصهم من الكفر.   والداعية لا يستصغر شأنَ أي إنسان، أو يستهين به فلا يدعوه؛ لأن من حق كل إنسان أن يُدعَى، وقد يكون هذا الذي لا يُقِيم له الداعي وزنًا سيكون له عند الله -تعالى- وزنٌ كبير بخدمته للإسلام، ألم تر إلى بلال وصهيب – رضي الله عنهما – كيف بلوا في الإسلام بلاءً حسنًا، وألم تسمعْ حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الحاكم: ((كم من ضعيفٍ متضاعف ذي طِمْرَين، لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم البراء بن مالك)).

 

الركن الثالث: مادَّة الدعوة: فالداعي إنما يدعو إلى الإسلام بالفهم الصحيح؛ فهْم الصحابة – رضي الله عنهم – وأنصحك في هذه المسألة أن تدرس كتاب “أصول الدعوة” للدكتور/ عبدالكريم زيدان.   الركن الرابع: طريقة الدعوة: وأعني بها كيفية الدعوة، وأسلوبها.   فأما عن كيفية الدعوة، فبالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال -تعالى- في سورة النحل.   والحكمة كلمة عظيمة، معناها: الدعوة إلى الله -تعالى- بالعلم، والبصيرة، والأدلة الواضحة المقنعة، الكاشفة للحق والمبيِّنة له، والحكمة كلمة تمنع صاحبَها من المُضِي في الباطل، وتدعوه إلى الأخذ بالحق، والتأثر به، والوقوف عند الحد الذي حدَّه الله تعالى؛ فعلى الداعي أن يدعو بها، ويُعنَى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض يدعوه بالموعظة الحسنة.

 

والداعي يستطيع أن يصل إلى الحكمة إذا تحلَّى بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، وعلى رأسها التقوى، وأعني بها كل معانيها؛ من فعل المأمور، وترك المحظور، فالتقوى بشمولها إذا رُزِقها العبد، فإن الله -تعالى- يُنير بها قلبَه، ويفتح بها مداركه، ويجعله يستبصر بها مواطن الحق، ويهتدي بها إلى الوسائل والأساليب الصحيحة الملائمة للظروف والأحوال والأشخاص: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة: 282]، والعاقبة للتقوى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4].

ومن أهمِّ هذه الأخلاق الإخلاصُ، وهو باب عظيم خطير، معلوم نظريًّا، ولكن تحقيقه – واللهِ – عزيز، ومَن حقَّق هذه الصفة لا يلتفت إلى أقوال الناس، ولا يتلمس مراضيهم، ويجب على الداعي أن يحذَر على نفسه أشد الحذر من الشرك الخفي، الذي هو نقيض الإخلاص، وأعني به الرياء، فرُبَّ داعٍ إلى الله -تعالى- وهو في الحقيقة إنما يدعو إلى نفسه، فالداعي قد يرى – كما يقول الغزالي – حينَ الدعوة والقيامِ بها عزَّ نفسه بالعلم والدين، وذُلَّ غيره بالجهل والتقصير، فربما قصد بالدعوة إظهار التميُّز على غيره، وإذلال المدعو؛ بإشعاره – ولو من طرف خفي – بالجهل وخسَّة أهل الجهل والتقصير، وسوء حال المقصِّرين؛ اهـ.

 

فالداعي إلى الله -تعالى- ينبغي أن يدعو غيره، ويأمره وينهاه، ويرجع إلى نفسه يقول لها: يا نفس السوء، أنتِ أَولى بهذا الأمر وهذا النهي؛ فأنت مقصِّرة ومفرِّطة، فإياك أن تنسَيْ نفسك، واستغفري ربك كثيرًا، وتزوَّدي ليوم ميعادك كثيرًا، عساك أن تنجي يوم القيامة، والله المستعان.

ومن معالم الحكمة في الدعوة: معرفة طبائع النفوس، وطبقات المدعوين، وتخير الأوقات، وانتهاز المناسبات؛ قال ابن مسعود – -رضي الله عنه–: “إن للقلوب شهوةً وإقبالاً، وفترة وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذَرُوها عند فترتها وإدبارها”، وكان – -رضي الله عنه– يذكِّر أصحابه كلَّ خميس، فقال رجل: لوددتُ أنك ذكَّرتنا كل يوم، فقال – كما في الصحيحين -: “أما إنه يمنعني من ذلك أني أكرهُ أن أملَّكم، وإني أتخوَّلكم بالموعظة، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخوَّلنا؛ مخافة السآمة علينا”.

 

ومن معالم الحكمة: مراعاة التدرج، وترتيب الأولويات، وهذا ما تتعلمه من النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أرسل معاذًا – -رضي الله عنه– إلى اليمن.   ومنها: القول الحسن؛ فصاحب الدعوة إذا أحكم قوله، وسدَّد لفظه، فقد أوتي من الحكمة بابًا عظيمًا.   قال -تعالى-: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83].

يقول القرطبي: “فينبغي للإنسان أن يكون قولُه للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلْقًا مع البَرِّ والفاجر، والقريب والغريب، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلَّم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه”، ويدخل في القول الحسن عبارات الحُنُو والشفقة.

 

ومن القول الحسن الجنوح إلى التعريض، والتلميح دون التصريح؛ فإن التصريح يَهتِك حجاب الهيبة، ويهيج الإصرار على العناد، أما التعريض فيَستَمِيل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، ولقد كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقول إذا بلغه الشيء عن أصحابه: ((ما بال أقوام يفعلون كذا، ويقولون كذا؟))، وهذا التعريض لا يكون مع الذين يُظهِرون المنكرات، ويُصِرُّون على ذلك.

 

  • ويجب على الداعي أن يستعملَ النصيحة لا الفضيحة؛ فالنصيحة إحسانٌ إلى مَن تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه، والغيرة له، فهي إحسان محض، مرادُ الناصح بها وجه الله -تعالى- ورضاه، والإحسان إلى خَلقه، وفَرْق بين النصيحة والفضيحة.

قال الفُضَيل بن عِيَاض – رحمه الله -: “المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويُعَيِّر”.

وقالت أم الدرداء – رضي الله عنها -: “مَن وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومَن وعظه علانيةً فقد شانه”.

  • مصادر أساليب الدعوة ووسائلها: هي القرآن، والسنَّة، وسيرة السلف الصالح، واستنباطات الفقهاء – أحكام الحسبة – ثم التجارب؛ وهذه التجارب معلِّم جيد للإنسان، لا سيما لمن يعمل مع الناس، وللداعي تجاربُ كثيرة في مجال الدعوة، هي حصيلة عمله المباشر مع الناس، ومباشرته للوسائل فعلاً على ضوء ما فهمه من المصادر السابقة؛ لأن التطبيق قد يظهر له وجهة خطئه؛ فيتجنبه في المستقبل، وقد يكون الثمن غاليًا، ولكن ما يتعلمه من التجارب أغلى من الثمن المدفوع إذا انتفع من التجارب حقًّا.

 

  • ينبغي للداعي أن يُشخِّص الداء في المدعو، وأن يَهْتَمَّ بمعرفة الدواء؛ وأصل داء الناس – قديمًا وحديثًا – جهلُهم بربهم، أو كفرهم ورفضهم الدخول في العبودية الكاملة له، والسير على النهج الذي أتى به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من عند ربه، واعتزازهم بالدنيا، والركون إليها، وغفلتُهم عن الآخرة.

 

ودواء ذلك يكون بتعريف المدعو بربه -تعالى- وتنفيرِه من الدنيا؛ ببيان حقيقتها وقدرها عند الله، وإزاحة الشبهات التي تمنع المدعوَّ من رؤية الداء والإحساس به، والترغيب الممزوج بالترهيب، وتعهُّد المستجيب بالتربية والتعليم؛ لتحصل لهم المناعةُ ضد دائهم القديم.   من آداب التعامل مع المدعو: “اللين، والمداراة، وإقالة العثرات”؛ فالنفوس مجبولةٌ على حب مَن يحن عليها، والإنسان أسير الإحسان، قال ابن حجر – تعليقًا على قصة الأعرابي الذي بال في المسجد -: “والمراد تأليف مَن قَرُب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطُّف ليُقبَل”.

 

والمداراة هي صورة من صوَر الحكمة في التعامل مع المدعو، وهي الوصول إلى المقصود مع حفظ ما للداعي والمدعو من كرامة ومروءة، وفَرْق بين المداراة والمداهنة؛ فالمداهنة فسَّرها العلماء بأنها معاشرةُ الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار، والمداراة هي الرِّفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النَّهي عن فعلِه، وترك الإغلاظ عليه؛ حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلُطْف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه.

 

قال الحسن – رحمه الله -: “كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي كل العقل”، وصدق – رحمه الله – فإن اختلاف الناس في طبائعهم يحتاج إلى تنوع في مداراتهم؛ فمداراة المنحرف عن الحق – لسوء فهم، أو خطأ في ظن – أكبرُ من مداراة مَن يحارب الحق والفضيلة إن صادفك، واقتضى الحالُ مداراته، ومداراة من يُرجَى رشدُه وصلاحه أكبر من مداراة مَن شبَّ متماديًا في الانحراف.

وأسلوب المداراة يقودك إلى غضِّ الطرف عن أخطاء المقصِّرين ما دام هناك الأمل في صلاحهم، وحق لمن أخطأ أو زَلَّ أن يسمع كلمة حانية، وأن يستضيءَ بشمعة أمل؛ من أجل أن يرجع إلى الجادة، ويسير مع الأخيار من الصحاب.

 

المصدر: طريق الإسلام