ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الجزء الثاني: ظاهرة الجرأة على الفتوى واعتلاء العواصف

ملتقى الخطباء

(115)
5029

الجزء الثاني: ظاهرة الجرأة على الفتوى واعتلاء العواصف

1439/04/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

ملتقى أهل الحديث

 

حذرنا في الجزء الأول من هذه الدراسة من خطورة ظاهرة الجرأة على الفتوى التي بدأت تنتشر في عدد من المجتمعات في الآونة الأخيرة ، فبتنا نرى من استباح الاختلاط, ومن قال بجواز بقاء المرأة على عصمة زوجها الكتابي إذا أسلمت وبقي على دينه, ومن حلل الغناء, ومن مطالب بعدم غلق المحلات التجارية للصلوات ، وأوضحنا بعضا من الضوابط التي ينبغي أن يلتزك بها من يتصدر للفتوى وخلال هذا الجزء نكمل هذه الضوابط ، مشيرين إلى الشروط الواجب توافرها في المفتي.

 

4 – الضابط الرابع: مراعاة الحال، والزمان، والمكان:

إن من ضوابط الفتوى مراعاتها للحال ، والزمان ، والمكان ؛ إذ قد تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان إذا كان الحكم مبنياً على عرف بلدٍ ، ثم تغير هذا العرف إلى عرف جديد ليس مخالفاً لنص شرعي .

الأول : أن يكون الحكم مبنياً على عرف ، كتعارف أهل بلد على ألفاظ محددة يوقعون بها الطلاق ، فتراعى هذه الألفاظ بالنسبة إلى أهل ذلك المكان ، وتترتب عليها الأحكام .

الثاني : أن يكون العرف الجديد الذي تغيرت بسببه الفتوى غير مخالف لنص شرعي ، مثل : إهمال أهل منطقة لبعض ألفاظ تعارف أسلافهم على أنها من ألفاظ الطلاق ، بحيث لو جرت على ألسنتهم لم يخطر ببالهم ولا في نيتهم أنها لفظ من ألفاظه ؛ ولذلك لا تترتب عليها الأحكام التي ترتبت عليها عند أسلافهم الذين تعارفوا عليها ؛ هذا إذا لم تكن من ألفاظ صريح الطلاق التي يقع فيها الطلاق في حالتي الجد والهزل ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد : النكاح ، والطلاق ، والرجعة » [الترمذي (1184) وحسنه الألباني] . وقد راعى الشارع أمر الزمان والمكان ؛ ألا ترى أن حد السرقة هو قطع يد السارق ، إلا أنها لو وقعت أثناء غزو الأعداء وفي بلادهم فإنها لا تقطع هناك ، بل يلزم تأجيل إقامة الحد ، لئلا يداخل صاحبَها حمية الشيطان فيلحق بالكفار ؛ والدليل على عدم القطع في الغزو ما ورد عن بسر بن أرطأة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تقطع الأيدي في الغزو » [رواه الترمذي (1450) وصححه الألباني رقم 7397 في صحيح الجامع] ، وعلى ذلك إجماع الصحابة . فالمنكر إذا ترتب على إنكاره ما هو أنكر منه فلا يسوغ إنكاره ، وما قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : « لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ، ولجعلت لها بابين » [مسلم رقم ( 1333)] إلا دليل صدق على ما نقول .

 

قال ابن القيم : « وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه ونور ضريحه – يقول : مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس ، وسبي الذرية ، وأخذ الأموال ، فدعهم»(22).

 

والمعروف أن أصحاب الإمام أبي حنيفة خالفوا إمامهم في مسائل كان مبناها على العرف ، أو تغير الزمان والمكان والأحوال ، لا سيما بعد وفاته ، وعلل الفقهاء هذا النوع من الاختلاف بأنه اختلاف عصر وزمان ، لا اختلاف حجة وبرهان . والإمام الشافعي صار له مذهب جديد حين استقر به المقام في مصر ، لأمور عديدة من أهمها : تغير الزمان ، والمكان ، والأحوال . ولهذا رجح الفقهاء بعض الأقوال على بعضها الآخر عند اختلافها اعتباراً للعرف ، أو الحال ، أو الزمان ، أو المكان . قال الحصكفي : « قد يحكون أقوالاً بلا ترجيح ، وقد يختلفون في الصحيح ، قلت : يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف ، وأحوال الناس ، وما هو الأوفق ، وما ظهر عليه التعامل ، وما قوي وجهه » (23)

وعلى الفقيه مراعاة الأحوال قبل إصدار فتواه ؛ إذ قد يكون الحكم مبنياً على معنى معين ثم تغير ذلك المعنى كما في صدقة الفطر ؛ « فقد جاء الحديث الشريف بإخراج صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط . وقد قال العلماء : يجوز إخراج صدقة الفطر من الذرة أو الأرز أو غيرهما إذا كانت هذه الأصناف غالب أقوات البلد . وعللوا ذلك بأن الأصناف الواردة في الحديث الشريف إنما جاءت ؛ لأنها كانت هي غالب أقوات أهل المدينة ، ولم تأت على سبيل الحصر والتخصيص »(24)

 

والمعروف أن « الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال ؛ وذلك كله من دين الله » (25) ؛ « فلكل زمان حكم ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم » (26). غير أنه لا تصح مخالفة النصوص ، أو تأويلها تأويلاً متعسفاً ، ولا تطويعها لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع ، أو تغير الزمان والمكان ؛ فهذا تحريف للكلم عن مواضعه ، واتباع لما تهوى الأنفس .

 

5 – الضابط الخامس: عدم الإجمال فيما يقتضي التفصيل:

إذا كان في المسألة تفصيل فليس للمفتي إطلاق الجواب ، بل عليه أن يستفصل السائل حتى يعطيه الجواب الموافق لمسألته ؛ لأن إجمال الفتوى في مثل هذه الحالة تجعل الحكم واحداً لصور مختلفة تختلف الفتوى باختلافها ، فيجيب بغير الصواب ، ويَهلك ويُهلك ، وما ذلك إلا لعدم التبين . يدل على ذلك أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشهد على غلام نَحَله ابنَه ، فاستفصله النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له : أكلَّ ولدك نحلته كذلك ؟ فقال : لا ، فأبى أن يشهد . ويفهم من هذا أن الأولاد إذا اشتركوا في النحل صح ذلك ، وإذ لم يشتركوا فيه لم يصح . قال ابن القيم : « وقد استفصل النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً لما أقر بالزنا : هل وجد منه مقدماته أو حقيقته ؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله : هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر ، أم هو عاقل ؟ فلما علم عقله استفصله : بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح ؟ فلما علم أنه صاح استفصله : هل أحصن أم لا ؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد »(27). أما إذا لم تدع الحاجة إلى الاستفصال ، فيحسن بالمفتي عند ذلك الإجمال .

 

6 – الضابط السادس: التجرد من الهوى في المفتي والمستفتي:

إن من أهم الضوابط لسلامة الفتوى تجردها من الأهواء ، سواء كان مبعثها المستفتي أو المفتي.

– أما المستفتي : فقد يدفعه هوى متبع فيزين الباطل بألفاظ حسنة ليغرر بالمفتي حتى يسوغ ذلك للناس ، مع أن ما يسأل عنه من أبطل الباطل .

قال ابن القيم : « فكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبراز في صورة حق! وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل ! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك ، بل هو أغلب أحوال الناس »(28). ولهذا اشترط العلماء في المفتي أن يكون متيقظاً حتى لا تغلب عليه الغفلة والسهو ، عالماً بحيل الناس ودسائسهم حتى لا يغلبوه بمكرهم ، فيستخرجوا منه الفتاوى حسب أهوائهم .

 

قال ابن عابدين : « وهذا شرط في زماننا ، وليحترز من الوكلاء في الخصومات ، فإن أحدهم لا يرضى إلا بإثبات دعواه لموكله بأي وجه أمكن . ولهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام ، وتصوير الباطل بصورة الحق ؛ فغفلة المفتي يلزم منها ضرر عظيم في هذا الزمان » (29)

 

وقال ابن القيم : « ينبغي للمفتي أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم ، ولا ينبغي أن يحسن الظن بهم ، بل يكون حذراً فطناً ، فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم ، يؤازره فقهه في الشرع . وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ » (30).

– وأما المفتي فإن تجرده من الهوى أشد لزوماً من المستفتي ؛ لأنه مخبر عن الله تعالى ؛ فإن أفتى بهواه موافقة لغرضه أو غرض من يحابيه كان مفترياً على الله . لقول الله تعالى : [ وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ] ( النحل : 116-117 ) .

 

لقد عشنا في زمن سمعنا فيه فتاوى ظالمة ، وآراء آثمة ، فيها محادة لله ورسوله ، منها : القول بجواز ربا البنوك محاباةً لمن يطلب ذلك من أصحاب النفوذ مع أن الله تعالى حرم الربا بنصوص قطعية الثبوت ، قطعية الدلالة ، منها قوله سبحانه : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ] ( البقرة : 278-279 ) ، ورغم هذا الوعيد الشديد فقد خرج على الأمة من أفتاها بجواز ربا البنوك ، دون وجل أو خوف من ملك الملوك ، أو خشية من عذاب الله ، أو رهبة من حرب آذن بها الله ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . قال ابن القيم : « لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض ؛ فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ، ويفتي به ، ويحكم به ، ويحكم على عدوه ، ويفتيه بضده ، وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر » (31)

 

لهذا كان من شرائط المفتي عدم تأثير القرابة والعداوة فيه ، وعدم جر النفع ودفع الضرر من أجل ذلك المعنى ؛ لأن المفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص ، فكان في ذلك كالراوي لا كالشاهد(32) . وقد يداخل الهوى بعض المنتمين إلى العلم « يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية ، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي ، بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه ، وحرج في حقه ، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى ، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة . وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة ، فإن اتباع الهوى ليس من المشقات التي يترخص بسببها ، والخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى ، فليأخد الموفق في هذا الموضوع حذره ؛ فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه » (33)

 

7 – الضابط السابع: أهلية المفتي :

لما كان الإفتاء إخباراً عن حكم الله ، وكانت الفتوى توقيعاً عن الله ، فلا بد للمتصدر للفتوى أن تتحقق فيه الأهلية الشرعية . وقد اشترط الأصوليون لتحقق هذه الأهلية شروطاً معينة ، وصفات محددة ، نجملها فيما يلي : أن يكون مكلفاً ، مسلماً ، ثقة ، مأموناً ، متنزهاً من أسباب الفسق ومسقطات المروءة ؛ لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد ، حتى وإن كان من أهل الاجتهاد . ويكون مع ذلك متيقظاً ، فقيه النفس ، سليم الذهن ، رصين الفكر ، صحيح التصرف والاستنباط (34)

 

قال ابن قيم الجوزية : “قال صالح بن أحمد : قلت لأبي : ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء ، فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه ؟ فقال : يجب على الرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن ، عالماً بالأسانيد الصحيحة ، عالماً بالسنن ، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها”. – وقيل لابن المبارك : ” متى يفتي الرجل ؟ قال : إذا كان عالماً بالأثر ، بصيراً بالرأي” .

 

– وقيل ليحيى بن أكثم : » متى يجب للرجل أن يفتي ؟ فقال : إذا كان بصيراً بالرأي ، بصيراً بالأثر « . قال ابن القيم بعد الأثرين السابقين : يريدان بالرأي القياس الصحيح ، والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام ، وجعلها مؤثرة فيها طرداً وعكساً»(35). لهذا كله ذهب أكثر الأصوليين إلى أن المفتي هو المجتهد (36). قال الكمال بن الهمام : « وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد ، وأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ ، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد ، كالإمام أبي حنيفة على وجه الحكاية ، فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى ، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي » (37). وقد عبر الأصوليون عن « غير المجتهد » بالمستفتي تارة ، وبالمقلد تارة أخرى ، ولهذا اختلفوا في جواز إفتائه : – فقال أبو الحسين البصري وغيره : ليس له الإفتاء مطلقاً . – وجوزه قوم مطلقاً إذا عرف المسألة بدليلها. وهذا أرفق بزماننا الذي خلا عن المجتهد المطلق لئلا تتوقف الفتوى ، وتتعاظم البلوى ، ويشتد الحرج ، وتتعطل مصالح الخلق . ولا يعني هذا أن يتصدر للفتوى من حفظ بعض الأحكام، أو أجاد تنميق الكلام .

 

وقال الجويني في شرح الرسالة : « من حفظ نصوص الشافعي ، وأقوال الناس بأسرها ، غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها ، لا يجوز له أن يجتهد ويقيس ، ولا يكون من أهل الفتوى، ولو أفتى به لا يجوز».

8- الضابط الثامن: ألا يتتبع الرخص:

أمر الله تعالى باتباع الحق والتزام طاعة الله ورسوله ، ونهى عن الهوى، قال تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]، وقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] والواجب على المفتي في مسائل الخلاف أن ينظر بعين الباحث المنصف والمستدل المجتهد ، لا أن يتخيّر من غير نظر في الدليل والترجيح.

 

قال ابن القيم رحمه الله: «لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمام أو وجهاً ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال ؛ حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به؛ فإرادته وغرضه هو المعيار وبه الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمّة» (38) وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على المنع من تتبع الرخص. (39) وعدَّه جمع من الفقهاء مما يفسق به فاعله.

قال الذهبي رحمه الله: «من يتبع رخص المذاهب، وزلاّت المجتهدين فقد رَقَّ دينه» (40).

 

الشروط الواجب توفرها في المفتي:

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه –يعني للفتيا- حتى تكون فيه خمس خصال:

أن تكون له نية, فإنه إذا لم تكن له نية, لم يكن عليه نور, ولا على كلامه نور.

والثانية: أن يكون له وقار وسكينة.

والثالثة أن يكون قوياً على ما هو فيه, وعلى معرفته.

والرابعة: الكفاية, وإلا مضغه النَّاس.

والخامسة: معرفة النَّاس”. (41).

وحكى النووي عن الخطيب قوله: “ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقره ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة إن عاد وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح الفتيا أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم ثم روى بإسناده عن مالك رحمه الله قال ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وفي رواية ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك قال مالك ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه. (42)

مسألة فيما إذا وقع شك للمستفتي أن المفتي أفتى بالهوى والخطأ:

على المُستفتي أن لا يظن أنَّ مجرد فتوى الفقيه تُبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أنَّ الأمر بخلافه في الباطن, سواء تردد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن, أو لشكه فيه, أو لجهله به, أو لعلمه جهل المفتي, أو محاباته في فتواه, أو عدم تقييده بالكتاب والسنَّة, أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخص المخالفة للسنَّة, وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثِّقة بفتواه وسكون النَّفس إليها(42)

 

وقد حقق الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى مسألة وقوع الشك في فتيا المفتي –بتفصيل- فقال:

فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المفتى الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قوله فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فكرهه من كرهه منهم وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجع من عامه وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما النساء وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدي بقوله من الصحابة وسلف الأمة فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء وحك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا أيضا قال المروزي في كتاب الورع قلت لأبي عبدالله إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق وقد وقع في قلبي من أمرها شيء فقال أمرها أمر قذر متلوث قلت فتكره العمل فيها قال دع عنك هذا إن كان لا يقع في قلبك شيء قلت قد وقع في قلبي منها فقال قال ابن مسعود الإثم حواز القلب قلت إنما هذا على المشاورة قال أي شيء يقع في قلبك قلت قد اضطرب على قلبي قال الإثم هو حواز القلوب (43)

 

ولا يقتصر الشَّكُّ في فتواه على ما ذُكر في رأس المسألة من كون المفتي يفتي بغير دليل شرعي, وإنما يدخل ما إذا أفتى بدلالة بعيدة, وغموض في الاستدلال أو استدل استدلالاً خاطئاً, وإلى هذا أشار أبو الوفاء ابن عقيل بقوله:

ولم يُرد  بالمتشابهات, ولا ما حاك في الصدر ما لا دليل عليه, لكنه أراد ما كان في دليله غموض, والدلالة على ذلك قوله: “لا يعلمها إلا قليل” ولو كان ما لا دليل عليه, لما أضافه إلى القليل من العلماء, وهم الذين زال الاشتباه عنهم لانكشاف الأدلة لهم (44)

المراجع :

(1) البحر المحيط (6/307).

(2)إعلام الموقعين (1/10-11) .

(3) شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين –ضمن مجموع رسائله- (1/16).

(4)إعلام الموقعين (1/38) .

(5)أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، 6/110 ، و الدارمي في السنن، 1/53 ، و ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ، 1/771 معزواً للبراء .

(6) المجموع 1/40 ، وأدب المفتي والمستفتي ، ص 76 ، وكنز العمال ، 5/241 ، وشرح السنة للبغوي ، 1/305 ، وسير أعلام النبلاء ، 5/416 ، وصفة الفتوى ، ص 7 لابن حمدان .

(7) إعلام الموقعين ، 2/185.

(8) أدب المفتي والمستفتي ، ص 76 – 77 ، وجامع بيان العلم وفضله ، 2/54 ، والفقيه والمتفقه ، 2/173 ، وأدب الشافعي ، ص 107 ، والانتقاء لابن عبد البر ، ص 38 ، 37 ، وكشف الخفاء ، 2/ 347 ، والآداب الشرعية ، 2/79 ، وبدائع الفوائد ، 3/276 ، وترتيب المدارك ،1/146.

(9) صفة المفتي والمستفتي، ص 77، والانتقاء، ص 38، وجامع بيان العلم وفضله، 2/54، وتذكرة السامع، ص42، والمجموع،1/40 .

(10) صفة المفتي والمستفتي، ص 79 ، والحلية ، 3/ 323 ، وصفة الفتوى والمفتي، ص 8 .

(11) صفة المفتي والمستفتي ، ص 79 ، والفقيه والمتفقه ، 2/174-175 ، وصفة الفتوى والمفتي ، ص 8 .

(12) صفة المفتي والمستفتي ، ص 79 ، والانتقاء ، ص 38 ، وترتيب المدارك ، 1/146 ، وسير أعلام النبلاء ، 8/77 ، وصفة الفتوى، ص 8 .

(13) صفة المفتي والمستفتي، ص80 .

(14) مجلة البيان العدد 178/ص6, 171/ ص21 وغيرها

(15) إعلام الموقعين ، 1/51

(16) انظر : إعلام الموقعين ، 2/ 280-281 .

(17) إعلام الموقعين ، 4/260 .

(18) انظر : علم أصول الفقه ، ص 52-54 ، لخلاف .

(19) إعلام الموقعين ، 4/164 . .

(20) إعلام الموقعين ، 4/ 158 .

(21) الفقرة خامساً من القرار رقم 3/ 8 من البيان الختامي للدورة العادية الثامنة للمجلس المنعقدة في بلنسية بإسبانيا تاريخ 18 – 22/7/2001م .

(22) إعلام الموقعين ، 3/5 . .

(23) الدر المختار ، 1/77 – 78 ، المطبوع مع حاشية ابن عابدين .

(24) انظر : أصول الدعوة ، ص 167 ، 168 .

(25) إعلام الموقعين ، 4/205

(26) إعلام الموقعين ، 4/220 .

(27) إعلام الموقعين ، 4/187.

(28) إعلام الموقعين ، 4/229 .

(29) رد المحتار ، 4/302 ، بتصرف واختصار .

(30) إعلام الموقعين ، 4/229

(31) إعلام الموقعين ، 4/211 .

(32) انظر : أدب المفتي والمستفتي ، ص 106 ، والمجموع للنووي ، 1/41 .

(33) انظر : الموافقات ، 4/190 ، للشاطبي . .

(34) أدب المفتي والمستفتي ، ص 86 ، والمجموع ، 1/41 . .

(35) إعلام الموقعين ، 4/199

(36) البرهان في أصول الفقه ، 2/1332

(37) فتح القدير ، 7/256

(38) إعلام الموقعين (4/211) .

(39) جامع بيان العلم وفضله (2/92)

(40) سير أعلام النبلاء (8/81)

(41) الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء بن عقيل (ط. التركي) (5/460-461)

(42) أداب الفتوى والمفتي والمستفتي ص17-18

(42) إعلام الموقعين ().

(43) جامع العلوم والحكم (2/102-103).

(44) الواضح في أصول الفقه (1/161).

رد مع اقتباس

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات