ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > ظاهرة الجرأة على الفتوى واعتلاء العواصف

ملتقى الخطباء

(100)
5023

ظاهرة الجرأة على الفتوى واعتلاء العواصف

1439/04/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

أبو مالك السعيد العيسوي

 

المتأمل لحركة الفقه الإسلامي من الناحية العلمية وحركة الافتاء الإسلامي, ثم يعقد مقارنة بين حال الماضين وعلومهم ومآثرهم ومصنفاتهم يجد البون الشاسع والفرق الواسع بينهم وبين من أتى بعدهم, فقد علا الأسلاف رحمهم الله تعالى بصون الشريعة وصون أنفسهم عن ابتذال العلم الشرعي والخوض فيما لا يحسنون, «وأجمعوا على أنه لا يحل لمن شدا شيئاً من العلم أن يفتي» (1). وقدموا أعظم برهان على فضلهم وورعهم, وأنهم لا يخوضون فيما لا علم لهم به ما فرح به المؤمنون, وسطَّره العلماء, واقتفى أثره المتفقهون.

 

وإنه في هذه الأزمان ظهر المتجرؤون على الفتيا, والراكبون ظهور العاصفة, ظنوا العاصفة ترفعهم ونسوا انها قاصفة تُردي!!, فنفثوا الفتاوى, ونشروا الفوضى, وأظهروا كل عوراء وعرجا من شاذ الفتاوى ومستنكر الأقوال. وراحوا يبعثون الأقوال المهجورة والأوابد, ويتتبعون الرُّخص, ومن تتبع الرُّخص اجتمع فيه الشَّر كلُّه… فمن مستبيح للاختلاط, ومن قائل بجواز بقاء المرأة على عصمة زوجها الكتابي إذا أسلمت وبقي على دينه, ومن محلل للغناء, ومن مطالب بعدم غلق المحلات التجارية للصلوات…الخ.

 

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

“وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات!! فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعدَّ له عدته, وأن يتأهب له أهبته, وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصَّدع به, فإنَّ الله ناصره وهاديه, وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب, فقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ} [النساء:127] وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة إذ يقول في كتابه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ} [النساء:176] وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدي الله”(2). وهؤلاء يلزم ذكر ابن عابدين رحمه الله في “رسم المفتي” فيمن يفتي وهو غير أهل “فيلزمه إذا تسور هذا المنصب الشريف التعزير البليغ والزجر الشديد الزاجر ذلك لأمثاله عن هذا الأمر القبيح الذي يؤدي إلى مفاسد لا تحصى”. (3)

 

خطورة الجرأة في إصدار الأحكام الشرعية:

إذا كانت الفتوى بيانٌ لأحكام الله تعالى، والمفتي في ذلك موقِّعٌ عن الله، فإن الجرأة والقول على الله تعالى بغير علم من أعظم المحرمات، لما فيه من افتراء على الله، وإغواء وإضلال للناس، وهو من كبائر الإثم. أما أنه من كبائر الإثم، فلقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 33]. فقد قرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والبغي والشرك، للدلالة على عظم هذا الذنب، وقبح هذا الفعل.

 

قال ابن القيم: « وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، وبعد أن ساق الآية التي أوردناها قال: فرتب المحرمات أربع مراتب:

– بدأ بأسهلها وهو الفواحش.

– ثم ثنَّى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم.

– ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريماً منها وهو الشرك به سبحانه.

– ثم ربَّع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه.

 

ومما يدل أيضاً على أنه من كبائر الإثم قول الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النحل: 116-117]. فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أنَّ الله سبحانه وتعالى أحلَّه وحرَّمه. (4)

 

هذا ما يتعلق بكونه من كبائر الإثم.

– وأما كونه إغراءً وإضلالاً للناس، فَلِما روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله، قال: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا”.

لهذا هاب الفتيا كثير من الصحابة، وتدافعوها بينهم لِمَا جعل الله في قلوبهم من الخوف والرقابة.

– فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: “أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردَّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول”، وفي رواية: “ما منهم من أحد يُحدِّث بحديث إلا ودَّ أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا” (5)

– وعن الشعبي و الحسن و أبي حَصين بفتح الحاء قالوا: “إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر” (6)

 

وقد كان كثير من السلف الصالح إذا سئل عن مسألة لا يعلم حكمها قال للسائل: لا أدري، أو قال: الله أعلم، عملاً بما:

– روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: سمع النبي  قوماً يتمارون في القرآن، فقال: “إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، ولا يكذب بعضه بعضاً، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم منه فكِلوه إلى عالمه” [رواه أحمد (6741) وحسنه الألباني].

 

– وقال ابن مسعود:”من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] (7)

– وروى الحافظ ابن الصلاح بسنده إلى محمد بن عبد الله الصفار أنه قال: سمعت عبد الله بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: “إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله”.

 

وقد عقب ابن الصلاح على هذا الأثر بقوله: “هذا إسناد جليل عزيز جداً لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض”. (8)

 

– وروى مالك مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما (9)- وقال عبد الرحمن بن مهدي: «جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أياماً ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله! إني أريد الخروج، وقد طال التردد إليك، قال: فأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه» (10)

– وعن أبي بكر الأثرم قال: «سمعت أحمد بن حنبل يستفتى فيكثر أن يقول: لا أدري، وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه» (11)

– وعن الهيثم بن جميل قال: «شهدت مالك بن أنس سُئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري» (12)

 

– وقد سئل الإمام مالك عن مسألة فقال: لا أدري, فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قوله جل ثناؤه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5]، فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. وقال: «إذا كان أصحاب رسول الله تصعب عليهم مسائل، ولا يجيب أحد منهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رُزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة؛ فكيف بنا الذين قد غطت الخطايا والذنوب قلوبنا»(13)

 

ضوابط ينبغي اعتبارها لمن تصدر للفتوى(14):

1- الضابط الأول: الاعتماد على الأدلة الشرعية:

إن أول ما يجب توافره في الفتوى لتكون محلاً للاعتبار اعتمادها على الأدلة الشرعية المعتبرة لدى أهل العلم وهي: كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله . فلا يجوز للمفتي أن يتعداهما إلى غيرهما قبل النظر فيهما، ثم الاعتماد عليهما، كما لا يجوز مخالفتهما اعتماداً على غيرهما، والأدلة على ذلك من كتاب الله تعالى كثيرة، منها: قوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ] ( الحجرات: 1 ). أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: « لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة ». وروى العوفي عنه قال: « نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه ». والقول الجامع في معنى الآية: « لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل » (15). وأما الأدلة من السنة فكثيرة، نكتفي منها بالحديث الآتي: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث اللعان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « أبصروها ؛ فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّجَ الساقين [أي: ممتلئ الساقين] فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية. فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لو ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن” [رواه البخاري (4470) ] يريد – والله ورسوله أعلم – أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به. ولكن كتاب الله فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع » (16)

 

فالفتوى الشرعية إذن يجب أن تعتمد على كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يحسن بالمفتي أن يبين الدليل ؛ لأن جمال الفتوى وروحها هو الدليل « وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال، ويشبهها بنظائرها، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله تعالى كذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، فيشفي السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جداً في فتاويهم لمن تأملها. ثم جاء التابعون، والأئمة من بعدهم، فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه، وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل، ثم طال الأمد وبَعُدَ العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً، ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى، والله المستعان » (17)

هكذا قال ابن القيم – رحمه الله – تعالى منذ قرون، وقد حدثت في الناس تلك الطبقة التي تخوف منها، فراحت تتحيل على النصوص الشرعية بتعليلات وهمية، وتسوق ما يروق لها من تسويغات جدلية، استسلاماً لضغوط الواقع، واستعظاماً لبعض الأحكام الشرعية، وتحاول في بعض الأحيان تأييد أقوالها بحجج واهية، ونصوص باطلة، لا تقوم بها حجة، ولا يفرح بها فقيه النفس، ولا يطمئن إليها تقي القلب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

– وثالث هذه الأدلة: الإجماع، وهو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي في واقعة.

والإجماع حجة شرعية يجب اتباعها، ولا تجوز مخالفتها، والحكم الثابت بالإجماع حكم شرعي قطعي لا مجال لمخالفته ولا إلى نسخه، وليس للمجتهدين في عصر تالٍ أن يجعلوا هذه القضية موضع اجتهاد ؛ فما بالك بمخالفته ببعض الأقوال، وآراء الرجال !!

والأدلة على حجيته كثيرة، منها قول الله تعالى: [ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ] ( النساء: 83 ). وقوله سبحانه: [ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ] ( النساء: 115 ).

 

ورابع هذه الأدلة: القياس، وهو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم.

 

وهو حجة شرعية على الأحكام العملية عند جمهور الفقهاء، كما أنه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنها تساوي واقعة نُصَّ على حكمها في علة هذا الحكم، فإنها تقاس بها، ويُحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكمها شرعاً، ويسع المكلف اتباعه والعمل به (18)والأدلة على حجيته كثيرة، منها قول الله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ] ( النساء: 59 ).

 

ولا يحسن القياس إلا فقيه النفس، أصولي الطبع، وما لم يكن كذلك فإنه تغلبه الغفلة، ويزلُّ من أول وهلة.

 

2 – الضابط الثاني: تعلق الفتوى بموضوع الاستفتاء:

إن الفتوى إذا تعلقت بموضوع الاستفتاء بلغت بالمستفتي حاجته، وحصل منها على مراده. فإذا خرجت عن ذلك فإنها لا تسد له حاجة، ولا تحل له مشكلة، ولا تنقذه من معضلة، ولم يشرع الإفتاء إلا للإجابة على التساؤلات، وحل ما يعرض للإنسان من مشكلات.

 

غير أن المفتي إذا توقع من السائل استغراباً للحكم، فله أن يمهد له بمقدمة حتى يسلك الحكم الشرعي إلى قلبه، فيتقبله بقبول حسن ؛ ويدل على ذلك قصة نسخ القبلة ؛ فإنها لما كانت شديدة على النفوس جداً وطَّأ الله سبحانه وتعالى قبلها عدة موطئات، منها: ذكر النسخ، ومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ومنها: أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم ؛ فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الأمر الثاني كما كان صالحاً للأول(19)

 

ويجوز أن تكون الفتوى أشمل من موضوع الاستفتاء بحيث يجيب السائل بأكثر مما سأل عنه لفائدة يرى أنها تفيد السائل ؛ فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر، فقالوا له: « إنَّا نركب البحر وليس معنا ما نتوضأ به ؛ أفنتوضأ من ماء البحر ؟ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته » [رواه أحمد (5591) والترمذي (69) وصححه الألباني]. فقد أجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميتة البحر رغم أنهم لم يسألوا عنها لما في ذلك من فائدة لهم في هذا البيان.

وقد بوَّب البخاري لذلك في صحيحه، فقال: « باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه» ثم ساق من الحديث ما يدل على ذلك. ويجوز العدول عن موضوع الاستفتاء إلى موضوع آخر يكون أنفع للسائل مما سأل عنه، أو يكون موضوع الاستفتاء لا يترتب عليه عمل، أو لكون مدارك السائل لا تقوى على فهم ذلك الموضوع الجلل، يدل على ذلك قول الله تعالى:[ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ] ( البقرة: 189 ).

 

فقد سألوه عن سبب ظهور الهلال خفياً ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر عبادتهم وهو الحج.

 

فإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه، ولفظ سؤالهم محتمل ؛ فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص ؟ (20)

 

كما يجوز العدول عن موضوع السؤال، أو الإمساك عن الجواب، إذا ترتب على الجواب فتنة للسائل ؛ فقد قال ابن عباس رضي الله عنه لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به ؟ أي أنكرت هذا الحكم.

 

3 –الضابط الثالث: سلامة الفتوى من الغموض:

لما كانت الفتوى بياناً لحكم شرعي، وتحمل في طياتها تبليغه للسائل، وجب تقديمها بأسلوب مبين، وكلام واضح قويم ؛ فقد أمر الله تعالى نبيه الكريم بالبلاغ المبين، فقال سبحانه: [ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ ] ( النور: 54 ). لذا كان من وضوح الفتوى: خلوها من المصطلحات التي يتعذر على المستفتي فهمها، وسلامتها من التردد في حسم القضية المسؤول عنها. غير أن هناك من يعمد إلى تضمين الفتوى عدة أقوال ليقحم فيها بعض الآراء الشاذة، وينشرها في الناس بدعوى التيسير والمرونة، فيسلط الأضواء عليها، ويلفت الأنظار إليها، ليُدخل في رُوع المستفتي أنها أقوال لا تقل شأناً عن غيرها، وله أن يختار ما شاء منها، فيدع من ثم الأقوال الصحيحة وينأى بنفسه عنها، ويعرض عما استقرت الأمة عليها، ويتشبث بما وجهت الفتوى الأنظار إليه ؛ لأنه قد قيل له: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يعذب على شيء اختلفت فيه الأئمة، فيصبح الإفتاء بما تواضع أهل العلم عليه، مستهجناً تتحرج الصدور من سماعه، وتضيق النفوس من بيانه ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

ومما صدر من هذه الآراء الشاذة: « الفتوى الصادرة عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث التي ختمها بنقل القول بجواز بقاء المرأة على عصمة زوجها الكتابي إذا أسلمت وبقي على دينه، فقال: لا يجوز للزوجة عند المذاهب الأربعة بعد انقضاء عدتها البقاء عند زوجها، أو تمكينه من نفسها، ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية، إذا كان لا يضيرها في دينها وتطمع في إسلامه… إلخ » (21). تصدر هذه الفتوى لتنسف كل ما عزته إلى المذاهب الأربعة من عدم جواز بقاء المرأة المسلمة عند زوجها الكتابي، أو تمكينه من نفسها، يقول المجلس: ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية إلخ، مدعماً ذلك ببعض الروايات، دون الإشارة إلى أن إعراض الأمة منذ قرون طويلة عن الأخذ بتلك الروايات الشاذة حتى ولو كانت صحيحة الإسناد يعتبر علة قادحة فيها، لا يحل نقلها إلا للرد عليها ؛ فما بالك بترويجها ولفت الأنظار إليها ! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات