ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الجرأة على الفتيا بغير علم خطرها وأسبابها وعلاجها

ملتقى الخطباء

(115)
5020

الجرأة على الفتيا بغير علم خطرها وأسبابها وعلاجها

1439/04/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 د. سليمان أبا الخيل

 

عدم وجود الرادع والوازع الديني والعقلي إلى جانب قلة العلم، مع الحرص على الشهرة أسباب رئيسية:

ضعف الإيمان والجهل بخطورة هذا الأمر من أبرز الأسباب * الشيخ عبد الرحمن المخضوب: لا ضير على من لا يعلم أن يقول الله أعلم

 

الرياض: عقيل العقيل

عندما نمعن النظر في قول الحق جل جلاله: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ» ندرك عظم أمر الفتيا وأن المفتي كأنه ينوب عن الله في هذا الأمر ولذلك ألف شيخ الاسلام ابن القيم رحمه الله كتابه الموسوم اعلام الموقعين عن رب العالمين فليس أمر الفتيا بالشيء اليسير ولقد كان الصحابة وهم خير الأمة بعد رسولها كانوا يتدافعون الفتوى كل واحد منهم يتمنى لو أن أخاه كفاه. وعندما ننظر في حال كثير من الناس نجد أن لديهم عجلة الى الفتيا فيفتي بدون أن يسأل، وكثير من هؤلاء ليس أهلاً للفتيا ولكن نتيجة استخفافه وجهله بخطورة أمرها قال ما قال. فيهرف بما لا يعرف ويهذي بما لا يدري «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ». ونحن من خلال هذا الحوار مع عدد من علماء الدين نقف على أبعاد هذا الموضوع ونعرف خطورته والأسباب التي أدت الى حدوث هذا الأمر وكيفية علاجها ووضع الأمور في نصابها وقالبها الصحيح. ويؤرز بالفتيا الى أهلها ويقطع الطريق على المتعالمين «فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ اِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ». بادي ذي بدء تحدث الشيخ الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل وكيل جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية فحذر من الجرأة في الفتيا، وأوضح أسباب ذلك ووصف العلاج الناجح لهذا الأمر فقال: ان من أشد الأمور خطورة، وأعظمها ضرراً على الديانة والأمانة والمجتمعات الاسلامية القول على الله بغير علم والجرأة على الفتوى والتصدر لها يقول الله تبارك وتعالى «قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ»، ويقول: «وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ». وقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر وبين أن جزاء من عمله النار فقال: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، وقال: «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار». كما حذر من ذلك وأكد أن الجاهل عندما يتصدر للافتاء فانه يوقع نفسه في الضلال ويضل غيره فتقع الفتنة ويسير الناس على غير هدى. فقال: «ان الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، وانما ينتزعه بقبض العلماء فاذا كان ذلك اتخذ الناس رؤساء جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، وما دام أن الأمر يبلغ الى هذا الحد من الافتراء على شريعة الله والتهاون بها، وتجاوز كل حدودها وقيودها، وعدم الالتزام بمبادئها ومنهجها فلاشك أن هناك أسباباً تدفع بعض الناس وخصوصاً أنصاف المتعلمين الى الوقوع في هذا المحذور بدون تعرف على الخلفيات الضارة السلبية التي تتمخض عنه، ولعلنا بشكل مركز وموجز نبين هذه الأسباب:

أولاً: عدم وجود الوازع والرادع الديني والعقلي، فانه اذا لم يوجد الايمان الحقيقي في قلب الانسان الذي يمنعه من الوقوع في هذا وأمثاله ولم يمتلك العقل الذي يميز به بين الخير والشر، ويجعله يفكر ويتأمل في عواقب أقواله وأفعاله فانه تأخذه العزة بالاثم فيتجرأ على القول على الله بغير علم. ثانياً: قلة العلم، فالانسان اذا لم يكن لديه من العلم ما يحصنه، ويكون حامياً لـه من الوقوع في هذا المسلك، فانه يتجرأ على الفتيا والخوض في مسائل كبار لا يقدر عليها الا فحول العلماء بل انهم قد يترددون في الحكم عليها ويدفعونها الى غيرهم. ثالثاً: استعجال الشيء قبل أوانه فينطبق عليه قول القائل «تزيب قبل أن يتحصرم» فتكون نتيجة عمله هذا ما ذكره القائل في قوله: «من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه»، ومعلوم أن العلم لا يعطيك بعضه الا اذا أعطيته كلك. رابعاً: الحرص على الشهرة والسمعة عند الناس وبينهم، فتجده يحرص على أن يسألوه ويضعوا لـه المكانة التي لا يستحقها، الأمر الذي معه تنفتح مداخل شياطين الانس والجن عليه فيصورون لـه نفسه أنه العلم العلامة، والحبر الفهامة الحافظ، صاحب الحجة والبرهان، المجاهد الذي يتوقف اصلاح وصلاح المجتمعات عليه، فيغر ويغتر، ويصبح ليس لـه هم الا ماذا قال الناس؟ وما الذي يريدونه؟ وما أسهل الطرق الى الشهرة؟ فيضل ويضل ويزل ويزل، وتقع مخالفات دينية ودنيوية لا تحمد عقباها ولا يستفيد منها في النهاية الا أعداء الاسلام. ولكن لكل داء دواء يستطب به، ولكل مشكلة حل وعلاج، وعلاج هذه الظاهرة يكمن في أمور يسيرة على من يسرها الله عليه هي:

1 ـ الاخلاص لله عز وجل في طلبه للعلم بحيث لا يكون همه التفاخر والاستعلاء والجدال والممارات والرد على غيره ونحو ذلك بل يقصد بعلمه رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، كما قال الامام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول ابن مسعود: «لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان» يقول هذا وهو أحد صحابة رسول الله فما بالنا بمن جاء بعدهم.

 

2 ـ أن تكون النصوص المحذرة من الجرأة على الفتوى، والقول على الله بغير علم نصب عينيه في جميع أوقاته وكل أحواله لتكون حصناً حصيناً له من الولوج في ما لا يعود عليه وعلى مجتمعه ودينه الا بالضرر.

3 ـ أن يأخذ العلم عمن يثق به من العلماء المشهود لهم بالتقوى والصلاح والفقه والفهم والبصيرة والحكمة.

4 ـ الحرص على تعلم الأصول والمتون وحفظها وفي مقدمتها كتاب الله وسنة رسوله وادراكها ادراكاً جيداً قبل الفروع لأن من حرم الأصول حرم الفروع ولا تنال الفنون الا بحفظ المتون. 5 ـ عدم التصدر للتدريس والتوجيه والفتوى الا بعد التعمق والتمرس والتجربة في مجالات العلم المتعددة لتكون أقوال الانسان دقيقة وقريبة من الصواب ومبنية على الأدلة الواضحة والصريحة، فهذا الامام أحمد بن حنبل رحمه الله لم يجلس للتدريس والفتوى الا بعد بلوغه الأربعين، وكان الصحابة رضوان الله عليهم قبله يتدافعون الفتوى براءة لذمة ووروعاً من الوقوع في المحظور.

6 ـ التحلي بالآداب والأخلاق الاسلامية التي تستلزم الاحترام والتقدير لجميع أفراد المجتمع وبالأخص أصحاب الفضل، ومن لهم قيادة وريادة دينية أو دنيوية. 7 ـ الابتعاد عن الغرور والاعتداد بالنفس وعدم الدخول في أمور لا تحمد عقباها لأن من كان كذلك هان في أعين الناس فبالتالي يبتعدون عنه ولا يستفيدون مما لديه من العلم. ثم تحدث الدكتور صالح بن عبد الله اللحيدان عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء ـ قسم الفقه المقارن، فقال: لقد علَّم الله عز وجل الانسان ما لم يعلم ومنَّ عليه بانزال الكتب وارسال الرسل، فلم يبق على الله للخلق حجة، وبقي على الانسان أن يحرص على ما ينفعه، ويتعلم من كتاب الله وسنة رسوله، ما يعبد به ربه على بصيرة وهذا من أوجب الواجبات، فيسأل عن صلاته وطهارته وزكاته وصيامه وحجه وبيعه وشرائه ونكاحه وطلاقه وغيره يسأل أهل العلم، امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى: «فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ اِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ». وواجبه حينئذ أن يختار في استفتائه الأعلم والأورع والأمثل فالأمثل ومن يظنه أقرب الى اصابة الحق من غيره. ولكن قد يقع هذا السائل فيمن يظنه كذلك وليس كذلك، فيسأل متعالماً جاهلاً يفتيه بغير علم فيضله، وهي جراءة غير قليلة في هذا الزمان.

 

وليس المستغرب وقوعه من العامة حين يفتي بعضهم بعضاً بغير علم، ولكن المستغرب المستنكر وقوعها من المتعلمين فتجد فيهم جراءة عجيبة، حيث يحللون ويحرمون، ويجملون في الشريعة ويفصلون، فيضلون ويُضلون كما جاء في الحديث: «ان الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» وقد قرن الله تعالى ذلك بالموبقات العظام من الشرك والفواحش والبغي فقال سبحانه: « قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» وقال سبحانه: « وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ اِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ». وهذا أيضاً قد يقع من العامة فيفتي بعضهم بعضاً بغير علم، لكن وقوعه من المتعلمين أخطر بكثير لأن الناس ربما يثقون بقوله ويغترون به.

 

ولا يدري هؤلاء أن من التقوى ومن العقل أن يقول الرجل لما لا يعلم لا أعلم أو يقول للسائل: أسأل غيري. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الشيء الذي لم ينزل عليه فيه وحي فلا يجيب بل ينتظر حتى ينزل عليه الوحي فيجيب الله عز وجل عما سئل عنه نبيه بقوله سبحانه وتعالى: « يَسْأَلُونَكَ عَنِ» ثم يأتي الجواب وأمثالها من الآيات الكريمة. وهذا كان هدي الاجلاء من السلف من الصحابة فمن بعدهم سئل أبو بكر عن شيء من تفسير القرآن لا يعلمه فقال:«أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ان أنا قلت في كتاب الله بغير علم»، وكان يجمع الصحابة ليسألهم عن حكم واقعة لا يعرف فيها حكم عن النبي، كما في ميراث الجدة وغيرها، وكذلك كان عمر من بعده يفعل هذا كثيراً، وقال ابن مسعود: يا أيها الناس من سئل عن علم يعلمه فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم، فان من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. وهذا الشعبي كان في نفر من تلاميذه فسأله رجل عن مسألة فقال: لا أحسنها وعندما ولّي الرجل قال تلاميذه: قد استحيينا لك، فقال: لكن الملائكة لم تستح وقالت: « لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا». وجاء رجل الى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله جئتك من مسافة بعيدة في مسألة حملني اياها أهل بلدي، قال: فقل، فسأله، فقال: لا أحسنها، فبهت الرجل وقال: ماذا أقول لأهل بلدي اذا رجعت اليهم، قال: تقول لهم: قال مالك لا أدري. ولعل الجراءة على الفتيا بغير علم تعود الى عدة أسباب في نظري منها:

1 ـ ضعف الديانة والورع.

2 ـ الجهل بحجم خطورة ذلك.

3 ـ جهل الانسان بمنزلته في العلم، حيث قد يظن نفسه أعلى مما هو عليه في الحقيقة، وهذا المغرور والعياذ بالله على خطر عظيم. وقد يكون منشأ هذا أحياناً أن رفع العامة شأنه وتصدره فيستخفه ذلك وينسى نفسه، وأحياناً يكون سبب ذلك فقد العلماء في مكان أو زمان ما فيرتفع أنصاف طلاب العلم ويروج كلامهم، وكما قيل: اذا مات الناقد نفقت البهارج، فكونهم أفضل الموجود يوهمهم بالكفاءة ويجرئهم على التصدر.

4 ـ وقد يكون من الأسباب أحياناً اغترار البعض بما يحمله من الشهادات النظامية ويظنها مخولة لـه في التصدر أو ابداء الرأي في كل مسألة وفتوى، وربما كان أحياناً غير متخصص في العلوم الشرعية أصلاً فيغره بروزه في مجال ليتطفل على الفتوى.

5 ـ قد يكون من الأسباب الدافعة اليه التنافس بين الأقران، فانه اذا اقترن ذلك بضعف الورع أثمر العجب. وعموماً فمرجع المسألة في الجملة الى ضعف العقل وضعف الديانة وضعف العلم.

 

أما العلاج لهذه المسألة فهو بأضداد هذه الأسباب واحدة واحدة وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم تحدث الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله المخضوب عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض، فقال: ان من المسلم به أن مصدر التلقي للأحكام الشرعية هو الكتاب والسنة فمن تمسك بهما هدي الى صراط مستقيم ومن حاد عنهما فقد ضل ضلالاً مبيناً يقول: «تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي». فاليهما مرجع الأحكام واليهما يرد النزاع والخلاف يقول سبحانه: «فَاِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ اِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ اِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً». وان أعظم الفرى وأشد الذنوب خطراً وفتكاً بالأمة وبقيمها وركائزها القول على الله بغير علم بل جعله الله قرين الشرك في قوله سبحانه: « قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ».

 

وقال سبحانه: « قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ». وقد رسم السلف الصالح المسلك الصحيح في هذا الأمر ديانة وتثبتاً وورعاً فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن أشياء لم ينزل فيها وحي فينتظر الوحي وآيات «يسألونك» في الكتاب غير قليلة وشاهدة على ذلك. وهذا أبو بكر وعمر يجمعان أكابر الصحابة لحادثة مع جلالهما وعظيم قدرهما ومكانتهما في العلم، يقول ابن سيرين: لم يكن أحد أهيب لما لم يعلم من أبي بكر ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لم يعلم من عمر. وصح عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون. وقال أبو الحسن السدي: ان أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر.

 

إن الفتيا بغير علم ذنب عظيم وخطر جسيم فيه تنفلت عرى الاسلام عروة عروة، ويتجرأ ضعاف العقول ودعاة الهوى وأفراخ التغريب بالمطالبة بالتفلت من الأحكام الشرعية وتتبع الرخص الشرعية والأخذ من أقوال العلماء ما يوافق شهوته ويساير رغبته ناهيك من هذا جرماً واثماً فانه يعتبر هروباً من التكاليف وتخلصاً من المسؤولية وهدماً لعزائم الأوامر والنواهي وجحوداً لحق الله في العبادة وهضماً لحقوق عباده وهو يتعارض مع مقصد الشارع الحكيم من الحث على التخفيف عموماً وعلى الترخيص بصفة خاصة، وقد اعتبر العلماء هذا العلم فسقاً لا يحل وحكى ابن حزم الاجماع على تحريمه وقال نقلاً عن غيره: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.

 

ومن أعظم أسباب الجرأة في الفتيا الجهل بخطرها وعظيم اثمها، فهذا ابن عباس يقول لمن سأله: أتريدون أن تجعلوا ظهورنا جسوراً على متن جهنم. فمن أفتى فهو مسؤول أمام ربه فليعد للسؤال جواباً وللجواب صواباً. أيضاً من الأسباب حب التعالم والظهور أمام الآخرين والبروز بالثقافة والمعرفة وما علم هذا المسكين أن كبار العلماء قد شابت رؤوسهم في طلب العلم ولا يجرؤن على الفتيا مثل جرأته.

 

فقل لمن يدعي في العلم فلسفة علمت شيئاً وغابت عنك أشياء فلا ضير على من لا يعلم ان يقول الله اعلم.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات