ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > مراتب المجتهدين في الدين

ملتقى الخطباء

(97)
5018

مراتب المجتهدين في الدين

1439/04/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

ضرغام بن عيسى الجرادات  – الشبكة الفقهية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: فهذه مراتب المجتهدين على سبيل الإجمال، اعتمدت في سردها الأسلوب الوصفي ،ولم أعلق إلا على ما كان لازمه تعليق مني.

يمكن إجمال مراتب المجتهدين إلى ستة مراتب، وإن كان بعض أهل العلم قسمها إلى أكثر من ذلك وبعضهم إلى أقل .أ-المجتهد المطلق: عرفه السيوطي قائلا: « هو الذي استقل بقـواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجا عن قـواعد الـمذهب المقـررة »([1])قال الشوكاني: “أرفع مكان وأعز محل يرتقي إليه علماء الشريعة”([2])،وهم المجتهدون في الشرع([3]) .

 

.صفاته:

1- هو العالم بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأقوال الصحابة، ([4]) ثم هوعالم بأصول الفقه وعلوم الألة على أتم وجه وله دراية وافرة باللغة ومواطن الإجماع والخلاف …إلخ

.2- يجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت.

3-تأ سيس قواعد الأصول([5]):فهو مجتهد في أصول مذهبه لا يقلد أحدا فيها ،إلا بنوع توافق.

4- اجتهاده غير منحصر في باب من أبواب الفقه، فهو يتصرف في الأصول ويختار ويرجح ويتكلم في المسائل التي لم يسبق بالجواب فيها([6]).5-ولا يضر جهله ببعض ذلك لشبهة أو إشكال لكن يكفيه معرفة وجوه دلالة الأدلة وكيفية أخذ الأحكام من لفظها ومعناها([7]) .

 

أمثلة عليهم: فقهاء الصحابة وفقهاء التابعين وأئمة المذاهب :أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والطبري وداود بن علي وغيرهم([8])ومن المتأخرين وابن حزم([9]) وشيخ الإسلام ابن تيمية([10]).

مرتبتهم: قال السيوطي: “لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد عن مجتهد مطلق أو مقيد لقوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله”([11])فهذا النوع هم الذين يسوغ لهم الإفتاء والاستفتاء، وهم المجددون لهذا الدين القائمون بحجة الله في أرضه، وقد نقل أكثر من ذكر الاجتهاد أن هذه المرتبة نادرة جدا.

ب _المجتهد المطلق المنتسب: وهو الذي ينسب إلى إمام لأنه سلك طريقه في الاجتهاد ،لا يقلده في مذهب ولا في دليل، بل إنه اجتهد فوجد طريقه أسد الطرق([12]).

صفاته:

1- مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله([13]).

2- ليس له في الاستنباط منهاج خاص به. إنما التزم بمنهاج مجتهد آخر على سبيل الاتفاق والمصادفة([14]).

3- مجتهد في معرفة فتاوي إمامه ومأخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل([15]).4- له اجتهادات خاصة به، يخالف فيها إمامه([16]) ،وإن كان يوافقه في جملة الأصول ،وكثير من الفروع ،موافقة المجتهد المجتهد، كموافقة أبي يوسف ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في الطريق، وقد خالفاه في كثير من الفروع، حتى قيل :إنها ثلثا المذهب.

أمثلة: أ-الحنفية: كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل([17]).ب-المالكية: أشهب وابن  عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب .ج-الشافعية: أبو إبراهيم المزني أبو يعقوب البويطي وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي([18]). وقد ادعى الإمام السيوطي أنه من هذه الفئة : “والذي ادعيناه هو الاجتهاد المطلق لا الاستقلال ،بل نحن تابعون للإمام الشافعي رضي الله عنه ،وسالكون طريقه في الاجتهاد “([19]) ومن متأخري الشافعية ابن دقيق العيد([20].

ج _ المجتهد في المذهب: صفاته:

1- أن يكون عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط([25]).

2- وهو المقلد لإمامه فيما ظهر فيه نصه([26]).

3-ولكنه يعرف قواعد إمامه وما بنى عليه.([27])

4- مقرر لمذهب مقلده بالدليل متقن لفتاويه عالم بها لا يتعدى اقواله وفتاويه ولا يخالفها.([28])

5- وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه الى غيره البته([29]).

6- فهو ينزل عن السابق لكونه يتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها ،كفعل المستقل بنصوص الشرع([30]).

7-وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص([31]).

8- قد يخل بالحديث أو العربية([32]) .

9- لا يدعون الاجتهاد ولا يقرون بالتقليد([33]).

أمثلة:

قال ابن القيم: “وهذا شان كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة”([34]) 1-الحنفية: ك الخصاف الحسن بن زياد والكرخي والطحاوي([35]). وشمس الأئمة الحلوني وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوى وبرهان الدين محمود بن الصدر صاحب الذخيرة والمحيط والشيخ طاهر بن أحمد صاحب خلاصة الفتاوى ([36]).

2- المالكية :كالأبهري وابن زيد القيرواني ([37]).

3- الشافعية: كأبي اسحاق الشيرازي والمروزي([38]).

ابن القيم ينتقد أصحاب هذه المرتبة:

قال –رحمه الله-“وشأن هؤلاء عجيب؛ إذ كيف أوصلهم اجتهادهم إلى كون إمامهم أعلم من غيره، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه، وقعد بهم اجتهادهم عن النظر في كلام الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص”([39]).قال النووي: ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية(([40].قال ابن الصلاح “ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى”([41])و يرفض ابن رشد: بشدة جعل ما ليس بأصل أصلا يقاس عليه، حيث يقول” والفرق بين هؤلاء وبين العوام ،أنهم يحفظون الآراء التي للمجتهدين فيخبرون عنها العوام ،من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد .فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين ،ولو وقفوا في هذا لكان الأمر أشبه لكن يتعدون فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلديهم حكم على ما نقل عنه في ذلك حكم ،فيجعلون أصلا ما ليس بأصل ويصيرون أقاويل المجتهدين أصولا لاجتهادهم، وكفى بهذا ضلالا وبدعة”([42])

د _ مجتهد الترجيح والفتيا: صفاته:

1-وهو المتبحر في مذهب إمامه([43]).

2-المتمكن من ترجيح قول على آخر، ووجه من وجوه الأصحاب على آخر([44]).

3- فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه ،وعارف بأدلته قائم بتقريرها ،يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح بين ما قاله الإمام وما قاله تلاميذه أو غيره من الأئمة([45]) .مثل: القدوري والمرغيناني صاحب الهداية من الحنفية ومثل: أبي الحسن اللخمي وأبي الوليد ابن رشد الجد وأبي عبد الله المازري وغيرهم من المالكية([46]).دورهم: بهم أمكن ضبط الأحكام الفقهية الكثيرة المنقولة عن أئمة المذاهب الأربعة، وتخريج علل هذه الأحكام حتى يتسنى القياس عليها فيما لم يرد فيه نص عنهم ،ومعرفة الأقوال التي يصح الاعتماد عليها .والتي لا تصح ،وبواسطتهم أيضا أمكن الوفاء بما يحتاج إليه الناس في العصور المختلفة من أحكام([47]).

هـ-طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين المسائل القوية في المذهب والضعيفة: صفاته:

1- فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه.

2-قال أبو عمرو “وأن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة والتي قبلها بكون المعظم على ذهنه ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على قرب”([48])

و-المجتهــد في مسألة أو مسائـل معينة :

و هو المجتهد الجزئي الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، وإنما بلغ هذه الرتبة في مسألة معينة، أو باب معين، أو فن معين، وهو جاهل لما عدا ذلك.([49])

يقول ابن القيم: ففتاوي القسم الاول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوي النوع الثاني من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم وفتاوي ،النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط متشبه بالعلماء محاك للفضلاء وفي كل طائفة من الطوائف متحقق بغيه ومحاك له متشبه به والله المستعان “([50]) .

صفاته:

1-هـو مـن كان مجتـهـدا فـي مسـألـة معيـنة أو مسـائل مـن الفـقـه([51]).

2- فلـه أن يفـتي فيهـا دون غيــــــرها[52].

مرتبته: قـال ابـن حمـدان : الأظــهـر جـوازه-أي جواز اجتهاده-، ويحتـمـل المنـع؛ لأنه مظــنـة القصـــــور والتقصيــر”[53] وقد ارتـضى أكثر الحنابلة هذا التقسيـم، ونقلـوه عنــه([54]).

ختاماً: هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده وأعان الله على قوله، فإن كان خيراً فهو محض من الله –سبحان، وإن كان الآخر ، فمني ومني الشيطان،

 

[1] السيوطي، الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أنّ الاجتهاد في كل عصر فرض، ص112، 113، تحقيق: خليل الميس، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983م.

 

-[2]الشوكاني، محمد بن علي، ادب الطلب ومنتهى الأرب،179،تحقيق وتخريج: يوسف بديوي وحسن سويدان، دار اليمامة-دمشق وبيروت،ط1، 1421هـ/2000م.

 

[3]- بولوز، محمد، تربية ملكة الاجتهاد من خلال بداية المجتهد لابن رشد1/293،جامعة محمد بن عبد الله شعبة الدراسات الإسلامية-فاس – المغرب،1427هـ/2006م.وينظر: إرشاد المهتدين للسيوطي،ص14، و صفة الفتوى لابن حمدان،ص15، الفروق للقرافي1/328.

 

[4]- ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين عن رب العالمين4/ 212، تحقيق : طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل – بيروت ، 1973م.وينظر:معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني،ص422.

 

[5]- المرجع السابق. وإعلام الموقعين4/ 212.

 

-[6] بولوز، تربية ملكة الاجتهاد من خلال بداية المجتهد لابن رشد1/293.

 

[7]- ابن حمدان، أحمد النمري الحراني ،صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، تحقيق : محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي – بيروت الطبعة الثالثة ، 1397هـ.

[8]- المرجع السابق.

 

[9] – الذهبي ، تذكرة الحفاظ3/1146، -دار احياء التراث العربي-بيروت.

 

[10]- ابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي، ذيل طبقات الحنابلة5/169، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان-الرياض. وينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي4/1497،والأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار.

 

[11]- السيوطي ، عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين ،تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد،ص15، نسخة على المكتبة الشاملة الإلكترونية، لم أظفر بنسخة مطبوعة (بتصرف) والحديث أخرجه أبو داود ،رقم 2484 وغيره، وصححه الألباني.

 

-[12] المرجع نفسه ، وآداب الفتوى للنووي،ص23.

 

[13]- ابن القيم، إعلام الموقعين4/ 213.

 

[14]- أبولوز، تربية ملكة الاجتهاد1/291.

 

[15] – المرجع السابق.

 

[16] المرجع السابق.

 

[17] -ابن القيم، إعلام الموقعين4/222.

 

[18] -المرجع نفسه.

 

[19]- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، ذيل طبقات الحفاظ1/8 ،دار احياء التراث العربي-بيروت.

 

[20]- الذهبي، تذكرة الحفاظ4/ 1481.

 

[21]- السيوطي، تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد ،ص14.

 

-[22]الدهلوي ، أحمد بن عبد الرحيم ،الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف،ص71، تحقيق : عبد الفتاح أبو غدة ،دار النفائس – بيروت، ،الطبعة الثانية ، 1404هـ.

 

[23] – أبولوز، تربية ملكة الاجتهاد1/292.

 

[24] – المرجع نفسه.

 

[25] – النووي ، يحيى بن شرف ،آداب الفتوى والمفتي والمستفتي،ص16، تحقيق : بسام عبد الوهاب الجابي، دار الفكر – دمشق، الطبعة الأولى ، 1408هـ.

 

[26] – ابن القيم، إعلام الموقعين4/223.

 

[27] – المرجع السابق.

 

[28] -ابن القيم، إعلام الموقعين4/223 (بتصرف).

 

[29] -المرجع نفسه.

 

[30] -أبو لوز، تربية ملكة الاجتهاد1/297،وينظر:إعلام الموقعين4/224.

[31] -المرجع نفسه.

[32]- النووي ،آداب الفتوى،ص18.

-[33] ابن القيم، إعلام الموقعين4/223.

[34] – المرجع نفسه.

[35]-أبو لوز، تربية ملكة الاجتهاد،1/295.

 

[36] – البركتى ، محمد عميم الإحسان المجددى ،قواعد الفقه ، ص252 ، الصدف – ببلشرز.

 

[37]- المرجع نفسه.

 

[38] – أبو لوز، تربية ملكة الاجتهاد1/296.

 

[39]- ابن القيم، إعلام الموقعين4/224.وينظر:معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني،ص422.

 

[40]-النووي، آداب الفتوى،ص17

[41] – المرجع نفسه.

 

[42]- أبو لوز، تربية ملك الاجتهاد1/293.

 

[43] – النووي، آداب الفتوى،ص17

 

[44] -المرجع نفسه.

 

[45]- أبو لوز، تربية ملكة الاجتهاد 1/294.،وينظر:آداب الفتوى للنووي،ص18.

 

[46] – المرجع نفسه.

 

-[47] المرجع نفسه.

 

-[48] النووي ،آداب الفتوى،ص19.

 

-[49]الجيزاني، محمَّد بنْ حسين، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، ص 423 ،الجامعة الإسلامية -المدينة المنورة ،الطبعة : الطبعة الخامسة ، 1427هـ وينظر: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت4/283.

 

[50] – ابن القيم، إعلام الموقعين4/215.

 

-[51]ابن حمدان ،صفة الفتوى والمفتي والمستفتي24.

 

[52]- المرجع نفسه.

 

[53]- المرجع السابق.

 

-[54] المرداوي ،علاء الدين ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف12/258 وما بعدها، تحقيق: محمد حامد الفقّي، دار السنة المحمدية-القاهرة.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات