طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

(926)
4925

الاجتهاد

1439/04/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

وهبة الزحيلي

 

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو الطاقة، ولا يستعمل إلا فيما يحتاج إلى كلفة ومشقة. وفي اصطلاح علماء أصول الفقه الإسلامي: هو استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية من أدلتها المقررة شرعاً، أو هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، أو استنفاد الطاقة للوصول إلى الحكم من مصدره الشرعي.

 

مصادر الاجتهاد وطريقته

ليس الاجتهاد عند أكثر العلماء مقصوراً على القياس: وهو إلحاق الأمور بأشباهها المنصوص عليها. وإنما يشمل كل ما لا نص فيه وما فيه نص، سواء في العبادات أم المعاملات، وسواء قصد به التحقق من ثبوت النص النبوي، أم بيان المراد من النص كالإيجاب والندب والعموم والإطلاق والتقييد، أم النظر فيما لا نص فيه بالإجماع أو القياس أو الاستحسان أو الاستصلاح أو العرف أو سد الذرائع أو الاستصحاب أو شَرْعُ مَنْ قَبلَنا الثابت الصحة، ونحو ذلك من مصادر التشريع، أم بأمارات أخرى يرشد إليها العقل السليم، كقواعد لزوم دفع الضرر المحتمل، وقبح العقاب بلا بيان وغيرها، واستعمال الرأي أو العقل، كاجتهاد أبي بكر في الكلالة وقوله: «إنها ما عدا الوالد والولد».

 

وأمثلة الاجتهاد: اشتراط النية في العبادات والطهارة في الطواف، والعلم بالمبيع والثمن والمأجور والأجرة، وضوابط تطبيق الحدود الشرعية والعقوبات التعزيرية الأخرى، وإناطة ذلك بالحكم، أي الدولة، وقواعد المعاهدات في الإسلام.

 

وقصر الإمام الشافعي الاجتهاد بمعنى الاستنباط على القياس على أمر ورد في الكتاب أو في السنة. وأضاف إلى ذلك الاستدلال بالأصول، أي الاجتهاد بالمفهوم العام.

 

ولم يُجز الظاهرية الاجتهاد في غير دائرة النص قط، واقتصرت المصادر عندهم على القرآن والسنة وإجماع الصحابة فقط، وأنكروا العمل ببقية المصادر الاجتهادية، ومنها شَرْع مَ‍نْ قبلنا.

 

وعمل أغلب الأئمة بجميع مصادر الاجتهاد وهم أبو حنيفة ومالك وأحمد وجابر بن زيد مؤسس مذهب الإباضية وزيد بن علي زين العابدين مؤسس مذهب الزيدية. إلا أن الزيدية إذا عدمت هذه الأدلة جعلوا للعقل سلطاناً على معرفة ما في الأفعال من حسن وقبح، فرأوا مثلاً في الحظر والإباحة: أنه ليس الأصل في الأشياء الإباحة، وإنما ما يراه العقل في الأشياء من نفع أو ضرر، فالعقل عندهم هو الحاكم إذا لم يقم دليل، وعلى هذا فلا يقولون باستصحاب الإباحة الأصلية.

 

ويرى الشيعة الجعفرية أن أدلة الأحكام الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة ثم الإجماع ثم العقل، والمراد بالإجماع: اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأي الإمام المعصوم. ولا يأخذون بالقياس والاستحسان، ولكن عندهم أصولاً أخرى يعتمدون عليها هي القواعد الشرعية. ويراد بدليل العقل عندهم الأصول الأربعة: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب.

 

والاجتهاد في محاكم القضاء اليوم يطلق على المسلك الذي يتبعه القضاة في أحكامهم، سواء منها ما يتعلق بنصوص القانون، أو باستنباط الحكم الواجب تطبيقه عند عدم النص. ومجاله ضعيف في بلادنا التي لها قوانين مدونة، ويكثر الاعتماد عليه في الدول التي ليس لها قانون مدون جامع مثل إنكلترة، وهذا هو العرف العام، ويتقيد الحاكم فقط باجتهاد المحاكم العليا.

 

والمنهج العام للمجتهد أو طريقة الاجتهاد إذا وقعت حادثة أو أراد المسلم معرفة حكم الشرع في مسألة: أن ينظر العالم المجتهد المتمكن من البحث والنظر أولاً في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله، سواء في دلالة النص أو ظواهر النصوص بمنطوقها ومفهومها، مقدِّماً القرآن على السنة، ثم ينظر في إجماع العلماء ثم في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولاً ويقدِّمها على الجزئيات، ثم يأخذ بالمصادر الاجتهادية الأخرى كالاستحسان والاستصلاح (المصالح المرسلة) والعرف، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي، والاستصحاب.

 

الحكم الشرعي

الاجتهاد أصل من أصول الشريعة وهو مشروع بدلالة القرآن والسنة وفعل الصحابة، قال الله تعالى: )إِنَّا أَنْزَلْنَا إِليْك الكتَاب بالحقِّ لتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ( (النساء: 105) فهذا يتضمن إقرار الاجتهاد بطريق القياس، وطالب القرآن الكريم بالتفكر والتدبر في أحكام الشرع وغيرها، فقال تعالى: )إِنَّ في ذلكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون( (الرعد:3) و )يَعْقِلوْن( (الرعد:4).

 

وقال النبي فيما أخرجه الجماعة عن عمرو بن العاص وغيره: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر». وأجمع الصحابة على الاجتهاد، فكانوا إذا حدث لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، اجتهدوا إن لم يجدوا نصاً أو خبراً في الكتاب أو في السنة.

 

والاجتهاد: إما فرض عين على المجتهد في حق نفسه فيما طرأ له من حوادث، أو إذا سئل عن حادثة وقعت، وخاف فوتها على غير وجهها الشرعي، ولم يوجد غيره، لأن عدم الاجتهاد يقضي بتأخير البيان عن وقت الحاجة وهو ممنوع شرعاً.

 

وإما فرض كفاية إذا لم يخف فوت الحادثة على نحو شرعي ووجد غيره من المجتهدين، فيجب على أحدهم الاجتهاد، فإذا اجتهد أحد المجتهدين، سقط الطلب عن الباقين، وإن تركه الجميع أثموا.

 

وإما مندوب: وهو الاجتهاد بافتراض المسائل قبل حدوثها، واستنباط حكمها استعداداً لمواجهة الأحداث والاحتياط للنوازل، سواء سئل عنها المجتهد أو لم يسأل.

 

وإما حرام: وهو وقوع الاجتهاد في مقابلة نص قاطع من كتاب أو سنة أو في مقابلة الإجماع، وفيما عداه يكون جائزاً، كما يكون حراماً إذا كان صادراً ممن ليس أهلاً للاجتهاد، أو كان نتيجة الأهواء والشهوات والأغراض.

الفرق بين الاجتهاد والإفتاء وحكم الحاكم

الإفتاء[ر] أخص من الاجتهاد، فالاجتهاد استنباط الأحكام للمسائل سواء أكان السؤال في موضوعها أم لم يكن، فيشمل الاجتهاد في الوقائع النازلة، والمسائل الافتراضية أو المحتملة المتوقع حدوثها في المستقبل.

 

أما الإفتاء فإنه لا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت، ويتعرف الفقيه حكمها، وتتطلب الفتوى السليمة عدا توافر شروط الاجتهاد شروطاً أخرى، وهي معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسية المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها ليعرف مدى أثر الفتوى سلباً وإيجاباً.

 

والمفتي في الأصل هو المجتهد أو الفقيه الذي يكون أهلاً للاستدلال والاستنباط أو الترجيح أو التخريج، إلا أن لفظ المفتي أصبح في عصرنا يطلق على متفقهة المذاهب الذين يقتصر أمرهم على مجرد نقل نصوص كتب الفقه الإسلامي، وتطبيقها على الوقائع المستفتى عنها، وهذا الإطلاق من باب المجاز أو الحقيقة العرفية الموافقة لعرف الاصطلاح الحكومي والعوام.

وأما حكم الحاكم أو القاضي: فهو ما يصدره من حكم يفصل فيه في الخصومة الواقعة المرفوعة إليه، معتمداً على نصوص الشريعة الصريحة أو الظاهرة، أو فتوى الفقهاء، أو الاجتهاد فيما لا نص فيه. ويتميز بأن له صفة الإلزام أو الإجبار من جهة الدولة، وتتولى جهة التنفيذ المخصصة من قبل الدولة تنفيذ الأحكام القضائية بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية جبراً عن المحكوم عليه.

 

أما الاجتهاد والإفتاء: فليس لهما صفة الإلزام أو الجبر من قبل الدولة، وإنما يجب ديانة على المقلد أو المستفتي الذي ليس أهلاً للاجتهاد العمل بفتوى المجتهد أو الفقيه واتباع قوله في المسألة المستفتى فيها، لأن العمل بالظن الغالب واجب شرعاً، ولأنه لا سبيل إلى معرفة أحكام الشرع من غير طريق المجتهد.

 

محل الاجتهاد

هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، وعلى هذا تكون الأحكام الشرعية للاجتهاد، نوعين: ما يجوز الاجتهاد فيه، وما لا يجوز الاجتهاد فيه.

 

أما مالا يجوز الاجتهاد فيه فهو مايلي:

الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أي بالبداهة، والأحكام التي ثبتت بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، مثل فريضة الصلوات الخمس، والصيام والزكاة والحج والشهادتين، وتحريم الزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والقتل وأكل أموال الناس بالباطل، وحل البيع والزواج، ووجوب الوفاء، وإعطاء الذكر ضعف نصيب الأنثى في الميراث عند تساويهما في الدرجة، وإرثهما بالتعصب. وفرض العقوبات الشرعية كالحدود، والكفارات المقدرة وجميع المقدرات الشرعية التي لا مجال للرأي فيها، وثبتت بالسنة المتواترة، كأعداد الركعات ومواقيت الصلوات، ومقادير الزكوات، ومناسك الحج، ونحو ذلك من كل ما جاء في القرآن الكريم صراحة أو في الأحاديث المتواترة التي نقلتها جموع غفيرة جيلاً عن جيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.

والأحكام المقررة بإجماع سابق للعلماء، حتى لو لم يرد فيها نص قطعي، كتوريث الجدات السدس، وإباحة عقد الاستصناع ومنه المقاولة في عصرنا.

 

وأما ما يجوز الاجتهاد فيه فهو مايلي:

ما ورد فيه نص ظني الثبوت والدلالة معاً، أو ظني الثبوت أو ظني الدلالة، فإذا كان النص ظني الثبوت، كان مجال الاجتهاد فيه البحث في سنده وطريق وصوله إلينا وصحة ثبوته ودرجة رواته من العدالة (الاستقامة على أحكام الشرع) والضبط في النقل، فينظر المجتهد في ذلك ويحكم بعد البحث بصحة الحديث النبوي وضعفه. ومجال هذا السنة النبوية فقط، لأن القرآن الكريم قطعي الثبوت.

 

وإذا كان النص ظني الدلالة، كان الاجتهاد فيه بالبحث في معرفة المعنى المراد من النص وقوة دلالته على المعنى. ومجال هذا يكون في القرآن وفي السنة أيضاً فقد يكون النص عاماً أو مطلقاً أو وارداً بصيغة النهي أو الأمر، والعام قد يكون باقياً على عمومه، وربما يكون مخصصاً ببعض مدلوله، والمطلق قد يجري على إطلاقه، وقد يقيد ببعض القيود. والأمر وإن كان في الأصل للوجوب، فربما يُراد به الندب أو الإباحة، والنهي وإن كان حقيقة في التحريم، فأحياناً يصرف إلى الكراهة، وهكذا.

 

والقواعد اللغوية ومقاصد الشريعة هي التي يلجأ إليها لترجيح وجهة على ما عداها، وهذا سبب في اختلاف اجتهادات المجتهدين.

 

وإذا لم يكن في الحادثة نص أو إجماع:

حينئذ يبحث المجتهد عن حكم الحادثة بأدلة عقلية في ضوء مبادئ الشريعة وروح التشريع العامة، وهذا هو الاجتهاد بالرأي، ويتعرف على الحكم بالقياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة أو الاستصحاب أو العرف، ونحو ذلك من الأدلة المختلف فيها، ومجال الاجتهاد فيه أوسع من غيره، مثل شؤون الشورى ونظام الحكم، وقوانين الإجراءات والمرافعات ونحوها.

 

وقد أثمرت جهود الفقهاء في هذا المضمار ثماراً يانعة، وأنتجت ثروة كبرى من الأحكام الشرعية بالاجتهاد لا نظير لها، ويمكن تصنيفها في نوعين:

 

أحكام مستقرة ثابتة لا تختلف المصلحة فيها باختلاف الأحوال أو الأزمان.

 

وأحكام جزئية روعيت فيها مصالح الناس وأعرافهم، وهذه قابلة للتجديد والتغيير باختلاف المصالح والأعراف، بعكس النوع الأول.

 

تبدل الاجتهاد ونقضه

يجوز تبدل الاجتهاد إما من المجتهد نفسه أو من مجتهد آخر بسبب تغير الظروف والأحوال، والمصالح والأعراف والحاجات والأغراض، فللمجتهد تغيير اجتهاده، فيرجع عن قول قاله سابقاً، لأن مناط الاجتهاد هو الدليل، فمتى ظفر المجتهد به، وجب عليه الأخذ بموجبه، لظهور ما هو أولى بالأخذ به، مما كان قد أخذ به، ولأنه أقرب إلى الحق والصواب. جاء في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة: «ولا يمنعنَّك قضاء قضيتَه اليوم، فراجعتَ فيه نفسَك، وهُديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

 

هذا من حيث المبدأ، لكن في مجال الحياة العملية، والإفتاء، والقضاء وفض المنازعات والخصومات بين الناس، قد يختلف الحكم، فيجوز نقض الاجتهاد السابق أحياناً ولا يجوز أحياناً أخرى.

 

فإذا كان المجتهد يجتهد لنفسه ورأى حكماً معيناً، ثم تغير ظنه، لزمه أن ينقض اجتهاده وما ترتب عليه، كأن يرى أن الخلع (فراق الزوجة على عوض منها) فسخ، فتزوج امرأة كان قد خالعها ثلاث مرات، ثم رأى بعدئذ أن الخلع طلاق، لزمه أن يفارق تلك المرأة، ولا يجوز له إمساكها، عملاً بمقتضى الاجتهاد الثاني، لأنه تبين أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب، والعمل بالظن واجب شرعاً.

 

ولو كان المجتهد يرى أن الولي (كالأب أو الجد) ليس شرطاً في صحة عقد الزواج للمرأة الرشيدة، فتزوج امرأة من غير ولي، ثم رأى بعدئذ أن الولي شرط في صحة الزواج، لزمه مفارقة تلك المرأة، ولا يحل له البقاء على الزواج بها، ما لم يكن الحاكم قد حكم بصحة الزواج في الحالتين لأن حكم الحاكم لا ينقض، ولأن حكمه في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وقضائه.

 

وأما إذا كان المجتهد حاكماً، فقضى في واقعة بما اجتهد، ثم تغير اجتهاده في واقعة مماثلة، فإذا كان حكمه مخالفاً لدليل قاطع، من نص أو إجماع أو قياس جلي، فينقض باتفاق العلماء سواء من الحاكم نفسه، أو من أي مجتهد آخر، لمخالفته الدليل.

 

أما إذا كان حكمه في مجال الاجتهادات أو الأدلة الظنية، فإنه لا ينقض الحكم السابق؛ لأن نقضه يؤدي إلى اضطراب الأحكام الشرعية، وعدم استقرارها، وإضعاف الثقة بأحكام الحاكم، وهو مخالف للمصلحة التي عُيِّن الحاكم لها وهو الفصل في المنازعات.

 

ويؤيد ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بحرمان الإخوة الأشقاء من الميراث في بعض المسائل، لأن الفروض استوعبت جميع التركة، كما إذا مات شخص وترك زوجاً وأماً وإخوة لأم وإخوة أشقاء، ثم قضى عمر في مسألة مشابهة بالمقاسمة في الثلث بين الأخوة لأم والإخوة الأشقاء، فلما سئل عن سبب التفرقة، قال: «تلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي» فهو لم ينقض اجتهاده السابق، وإنما أقره.

 

وأما تغير الأحكام بتغير الأزمان: فهو أمر مقرر شرعاً إذا كانت الأحكام اجتهادية: قياسية أو مصلحية، متعلقة بالمعاملات المدنية التي لها صلة بشؤون الدنيا وحاجات التجارة والاقتصاد، وفي حدود المبدأ الشرعي، وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد. أما الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية والأحكام الأصلية العامة، فلا تقبل التبديل مطلقاً، مهما تبدل المكان وتغير الزمان، كحرمة النساء المحارم، ووجوب التراضي في العقود، وضمان الضرر الذي يلحقه الإنسان بغيره، وسريان إقراره على نفسه من دون غيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره، وهو مبدأ المسؤولية الفردية أو الشخصية.

 

وعامل التغير نوعان: إما فساد أو تطور، فقد تتغير الأحكام لتغير العرف أو المصالح أو للضرورة، أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني، أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة، أما الفساد، فهو كالإفتاء بجواز أخذ الراتب أو الأجر على تعليم القرآن والقيام بالشعائر الدينية كالإمامة والخطابة والآذان والإقامة، لتغير العرف بسبب انقطاع المكافآت من بيت المال عن هؤلاء. والحكم بتضمين الصناع والأُجَرَاء لأموال الناس التي تهلك في أيديهم، محافظة على الأموال من الضياع، وتحقيقاً لمصلحة المجتمع، ومثل ذلك جواز التسعير دفعاً للضرر العام عن الناس. والحكم بطهارة سؤر سباع الطير، كالصقر والغراب للضرورة؛ إذ لا يمكن الاحتراز منها بالنسبة لسكان البوادي. والإفتاء بتزكية الشهود لتغير أحوال الناس وفساد الذمم والضمائر.

 

وأما التطور، فهو كالإفتاء بصحة بيع العقار بذكر رقم المحضر في السجلات العقارية من دون حاجة لذكر الحدود من الجهات الأربع؛ والحكم بحصول تسليم العقار بمجرد تسجيل البيع في السجل العقاري أخذاً بهذا النظام الحديث بدلاً من التسليم الفعلي الذي لابد منه لإتمام البيع.

 

الحاجة إلى الاجتهاد

 

هناك حاجة دائمة إلى الاجتهاد ولاسيما في العصر الحاضر، بسبب تجدد مشكلات الحياة وتعقدها، وتطور أنظمتها، واستحداث عقود في المعاملات تحقق المصلحة وتمنع الضرر. والاجتهاد حياة التشريع، فلا بقاء لشرع ما لم يظل الاجتهاد فيه قائماً موجوداً، ومتفاعلاً مع أحوال المجتمع، ضماناً لحيوية الفقه، ومرونة التشريع، وتحقيق الغاية المنشودة التي راعاها التشريع في إباحة العقود، وهي رعاية المصالح، ومنع الأضرار.

 

والاجتهاد أصل من أصول الدين، وفرض من فرائضه التي تثبت حيوية الشريعة وقدرتها على إيجاد الحلول المناسبة لمشكلات الحياة المتجددة. ويكفينا دلالة عنوان هذا الكتاب على المطلوب للإمام السيوطي في القرن العاشر الهجري وهو: «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».

 

فماذا حدث في حركة الاجتهاد، وهل أغلق بابه، أو أن بابه مفتوح؟

 

إغلاق باب الاجتهاد ومسوغاته

 

ظل الاجتهاد مزدهراً طوال القرون الأربعة الهجرية الأولى، في عصر الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب والاجتهاد، أنتج المجتهدون خلالها ثروة خصبة لا مثيل لها في التاريخ، وكانوا في كل هذه العهود مثال التفتح والحيوية والمرونة، والتجاوب مع تطورات الحياة وتجدّد الوقائع، واتساع رقعة البلاد الإسلامية.

 

ثم انقسمت الدولة الإسلامية في القرن الرابع الهجري إلى دويلات وممالك، وكثرت الفتن السياسية في داخل الدولة، وضعفت الدولة ذاتها في السياسة، وظهرت الفرق والأحزاب، وبرزت التيارات الهدامة والدعوات الخطيرة التي أرادت زعزعة الإسلام وبنيته، مما أدى إلى انعدام الاستقرار وضعف الاستقلال الفكري، وجمود النشاط العلمي، وكثرة الجدل والمناظرة، والوقوع في دائرة التعصب المذهبي، وفقدان الثقة بالنفس، وابتلي الناس بقضاة غير أكفياء.

 

فخاف العلماء المخلصون من هذه الظواهر المرضية ومن ضعف الوازع الديني، فنادوا بسد باب الاجتهاد وإغلاقه، منعاً من تصدي فئة للاجتهاد والاستنباط ليست أهلاً له، ورأوا التقيد بما قرره أئمة الاجتهاد السابقون. فبعد أن كان الخليفة يختار قضاته من المجتهدين، أصبح القضاة يُولَّون من أتباع مذهب معين، وأُقفل باب الاجتهاد بعد الأربعمئة، ولكن ظل في الواقع علماء لهم قدرة على الاجتهاد، إذ لم يخل عصر من العصور من مجتهد يبين للناس أحكام شريعة الله.

 

ولم يكن ترك الاجتهاد دفعة واحدة وإنما كان تدريجياً، فقد كان لكثير من فقهاء المذاهب اجتهادات رائعة ذات تخريجات جديدة، لكنهم أخفوا أنشطتهم، مراعاة لما ساد من إقفال باب الاجتهاد، وذلك مثل الغزالي وابن تيمية وابن القيم والعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وابن سيد الناس وزين الدين العراقي وابن حجر العسقلاني والسيوطي.

وظل هذا الحال إلى عصرنا الحاضر عصر التقليد واتباع المذاهب في القرن الثالث الهجري، وصاحب هذا الجمود والتعصب المذهبي مرحلة الخلافة العثمانية، مع ظهور أعلام وصلوا إلى رتبة الاجتهاد، كالدَّهْلوي (1166هـ) والشوكاني (1255هـ) وبدأ جمال الدين الأفغاني بالدعوة إلى الاجتهاد، واستمر أتباعه في الدعوة  إليه، ونشطت حركة الاجتهاد في رحاب الجامعات وبين أساتذتها، ولكن من دون وجود جرأة كافية على مخالفة المذاهب.

 

فتح باب الاجتهاد

الحق أن إغلاق باب الاجتهاد كان من قبل السياسة الشرعية التي تعالج شأناً خاصاً، أو أمراً مؤقتاً، أو فوضى اجتهادية قائمة بسبب ادعاء غير الأكفياء الاجتهاد.

 

فإذا زال الظرف الموجب، وجب العود إلى أصل الحكم الشرعي المقرر في نصوص الشريعة وأصولها، ولدى الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب أنفسهم، فليس هناك دليل واحد مقبول على سد باب الاجتهاد.

 

ولا يصح خلو العصر من وجود مجتهد تتوافر فيه شروط الاجتهاد، لبيان أحكام الشريعة للناس، واستجابتها لمعرفة حكم الله في الوقائع المتجددة في كل زمان ومكان، ولو خلا عصر من مجتهد، لأفضى ذلك إلى تعطيل الشريعة، وعدم إمكان تطبيقها في مستجدات الوقائع.

 

لذا ألَّف السيوطي كتابه المشار إليه سابقاً لبيان بقاء فرضية الاجتهاد، وحكم الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» بعصيان أهل العصر بأسرهم إذا قصروا في القيام بهذا الفرض، وأقام على فرضيته دليلاً عقلياً قطعياً لا شبهة فيه وهو أن الحوادث والوقائع متجددة غير متناهية، والنصوص متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاجتهاد في دائرة المعاملات والتصرفات. ورأى الإباضية أن الاجتهاد عنصر ضروري يتطلبه صلاحية التشريع لكل زمان ومكان وأن باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه.

 

وكذلك رأى الزيدية ضرورة بقاء الاجتهاد في الفروع لاستنباط حكم ما جدّ من مسائل أو تخير حكمه من أقوال المذاهب الأخرى بعد دراسة وتأمل في الدليل واقتناع به، ويلزمون المفتي أن يفتي دائماً باجتهاده.

 

وقال الشيعة الإمامية: إن باب الاجتهاد مفتوح بل هو عامل ضروري للحياة التشريعية والمجتهد لا يتبع غيره في اجتهاده لا في الأصول ولا الفروع, وإنما هو تابع للإمام المعصوم، ولا يجوز تقليد الأموات، وإنما أخذ الأحكام عن طريق المجتهدين الأحياء، ولكن بعد غيبة الإمام تبدل الأمر، ففتح علماء الشيعة أبواب الاجتهاد المطلق، وأصبح لكل مجتهد رأيه الخاص، ولا يعبر مجتهد عن مجموع المجتهدين إلا ما كان من ضروريات المذهب.

 

ويمكن الاجتهاد في عصرنا وفي كل عصر إذ توافرت أهلية الاجتهاد لدى بعض العلماء، ولا يعني الآن فقط إحداث آراء جديدة لوقائع جديدة وهو المراد بالتحديد، أو اختيار حكم من أرجح الأقوال في المذاهب الإسلامية وهو ما يسمى بالاجتهاد الانتقائي، وإنما مجاله أيضاً النظر في الأدلة الشرعية ذاتها من دون تقيد بمذهب أحد، وهو ما يسمى بالاجتهاد الإنشائي. وثمة حالات كثيرة اليوم تتطلب الاجتهاد، مثل أعمال المصارف وشركات التأمين، والأسواق المالية والبورصات وشركات النقل البري والبحري والجوي، ووكالات الاستيراد والتصدير، والوكالات العالمية في البيع والشراء، والإيجار والاستئجار، والاستصناع والمقاولات وغيرها، في جميع مجالات الحياة المعاصرة، وما يستتبع ذلك من ضرورة معرفة حكم العقود المتعامل بها، والالتزامات المتقابلة على العاقدين.

 

ومنعاً من التشكيك في مدى كفاية المجتهدين الجدد، فقد دعا الكثيرون من أساتذة الجامعات إلى الاجتهاد الجماعي، وتكوين المجامع الفقهية، وظهر على الساحة فعلاً نشاط بعض هذه المجامع، كمجمع الفقه الإسلامي في جُدَّة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي في مكة التابع لرابطة العالم الإسلامي، وقامت المؤتمرات الفقهية ومجامع البحوث الإسلامية ومؤتمرات السنة والسيرة، والدعوة والإرشاد في البلاد العربية وغيرها منذ نحو ربع قرن بدور بنَّاء في مجال الاجتهاد وحسم بعض المشكلات الطارئة. كما أن الموسوعات الفقهية الحديثة مه‍َّدت الطريق لمعرفة الفقه وأحواله ومسائله والقياس عليها.

 

أهلية الاجتهاد

الاجتهاد اختصاص دقيق جداً لا يتوافر إلا لفئة قليلة من كبار العلماء، والمجتهد هو الفقيه الذي يبذل قُصارى جهده لتحصيل ظن بحكم شرعي، ولابد أن تكون له مَلَكة يقتدر بها على استخراج الأحكام الشرعية من مصادرها، ولا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه. قال جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع:

«والفقيه: المجتهد، لأن كلاً منهما يصدُق عليه ما يصدُق على الآخر»، لكن أطلق لفظ الفقيه أخيراً على غير المجتهد من قبيل التوسع والمجاز.

 

والمجتهد نوعان: مجتهد مطلق يفتي في جميع الأحكام، كالصحابة وأئمة المذاهب، ومجتهد متجزئ في حكم أو أحكام خاصة من دون أن تكون له قدرة على الاجتهاد في كل ما يطلب منه.

 

أما المجتهد المطلق: فيشرط له عدة شروط أجملها الأصوليون، ويمكن تفصيلها وتحليلها إلى شروط تسعة هي:

 

ـ أن يعرف معاني آيات الأحكام المذكورة في القرآن الكريم لغة وشرعاً، ولا يشترط حفظه لها عن ظهر قلب، ولا حفظ سائر القرآن، وإنما يكفي أن يكون عالماً بمواضعها حتى يرجع إليها في وقت الحاجة، وقد حدد الغزالي والرازي وابن العربي عدد هذه الآيات بمقدار خمسمئة آية، أي التي في أصول الأحكام والظاهر منها.

 

ـ أن يعرف أحاديث الأحكام لغة وشريعة ولا يلزم أيضاً حفظها ولا حفظ جميع أحاديث السنة، وإنما أن يكون متمكناً من الرجوع إليها عند الاستنباط بأن يعرف مواقعها بوساطة فهرسها، وحدد ابن  العربي مقدارها بثلاثة آلاف.

 

ـ معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة في آيات وأحاديث مخصوصة، وقليلة، حتى لا يعتمد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤدي اجتهاده إلى ما هو باطل، ويكفي أن يرجع إلى ما كتب في هذا الموضوع، مثل كتاب أبي خزيمة وأبي جعفر النحاس وابن الجوزي والحازمي وابن حزم في ناسخ القرآن ومنسوخه، والطحاوي في معاني الآثار، وغيرهم، ولايشترط معرفة جميعه وحفظه، وإنما يكفيه في كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية محكمان.

 

ـ أن يكون متمكناً من معرفة مسائل الإجماع ومواقعه، حتى لا يفتي بخلافه، وليس من اللازم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل في كل مسألة يفتي فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع.

 

ـ أن يعرف وجوه القياس وشرائطه المعتبرة وعلل الأحكام المبنية عليها، وطرق استنباطها من النصوص ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية؛ لأن القياس قاعدة الاجتهاد، وتبنى عليه أحكام كثيرة.

 

ـ أن يعلم علوم اللغة العربية من لغة ونحو وصرف ومعانٍ وبيان لأن القرآن والسنة عربيان، فلا يمكن استنباط الأحكام منهما إلا بفهم كلام العرب إفراداً وتركيباً، ومنه معرفة حكم العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والإطلاق والتقييد، وحكم دلالات الألفاظ، وغريب اللغة ونحوها. ولا يشترط أن يكون حافظاً لها عن ظهر قلب، بل تكفي القدرة على استخراجها من مظانِّها ومؤلفاتها، مثل مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير.

 

ـ أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه؛ لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه؛ لأن دلالة الأدلة التفصيلية على الأحكام أمراً أو نهياً أو عاماً أو خاصاً أو عبارةً أو إشارة أو دلالة أو اقتضاء ونحو ذلك لا تعرف كيفيتها وحكم كل منها إلا بأصول الفقه.

 

ـ أن يدرك مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام؛ لأن فهم النصوص وتطبيقها على الوقائع متوقف على معرفة هذه المقاصد، كما أن الترجيح بين الأدلة الفرعية المتعارضة يكون بما هو أوفق مع قصد الشرع، ولا تعرف أحكام الوقائع الجديدة من طريق الأدلة الاجتهادية، كالاستحسان والمصلحة المرسلة والعرف ونحوها إلا في ضوء مقاصد الشريعة العامة.

 

والمراد من هذه المقاصد: حفظ مصالح الناس بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم. ومعيار تحديد النفع والضرر هو الشرع وليس عقول الناس؛ لأن الإنسان قد يرى ما هو ضارّ نافعاً، وما هو نافع ضاراً.

 

ـ أن يكون مؤمناً بالله ورسوله، عالماً بأدلة الإيمان عَدْلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة. وشرط الإيمان والإسلام لمنع التهمة، وشرط العدالة لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس عدلاً لا تقبل فتواه لغيره.

 

وأما المجتهد المتجزئ في بعض الأحكام: فيشترط فيه معرفة ما يتعلق بهذا الحكم فقط من دون غيره من جميع الأحكام؛ لأن المجتهد في حكم يتعلق بالزواج مثلاً لا يحتاج إلى ما يتعلق بالحج أو الزكاة أو الصلاة، إذ قد يتخصص المجتهد في موضع فقهي من دون غيره.

 

والصحيح جواز تجزيء الاجتهاد، وهو رأي أكثر العلماء، أي أن يتمكن العالم من استنباط الحكم الشرعي في مسألة من المسائل من دون غيرها، أو في باب فقهي من دون غيره، فهو العارف باستنباط بعض الأحكام.

 

وتجزؤ الاجتهاد خفف مساوئ سد باب الاجتهاد، نزولاً تحت عامل الضرورة أو الحاجة التي تصادف العلماء في كل زمن للإفتاء في حكم الحوادث المتجددة، وهو ما نحتاج إليه في واقعنا المعاصر، لأن المجتهد المطلق فقد من زمان، وعرفت قواعد الأصول، ولسنا في حاجة إلا لإعمال تلك الأصول والقواعد الشرعية الكلية في المسائل الطارئة.

 

مراتب المجتهدين

تتفاوت مراتب المجتهدين ودرجات الفقهاء في الاجتهاد سعة وضيقاً، وهي خمس مراتب، وفي الجملة: المجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، وهذه المراتب هي التالية:

المجتهد المستقل: وهو الذي استقل بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجاً عن قواعد المذهب المقررة، قال السيوطي «وهذا شيء فقد من دهر، بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه». وهذا مثل أئمة المذاهب المستقلة.

 

المجتهد المطلق غير المستقل: هو الذي وجدت فيه شرائط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل، ثم لم يبتكر لنفسه قواعد، بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مطلق منتسب، لا مستقل ولا مقيد، إذ إنه لم يقلِّد إمامه ولكنه سلك طريقته في الاجتهاد، مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية، وأبي بكر المَرْوَذِي وأبي بكر الخلال من الحنابلة.

 

المجتهد المقيد أو مجتهد التخريج أو مجتهد المسائل التي لانص فيها عن صاحب المذهب: وهو أن يكون مقيداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه، وقواعده، كالحسن بن زياد والكرخي والخصَّاف والطَّحَاوي والسَّرْخسي وقاضيخان والبَزْدوي من الحنفية، والأبَهْري، وأبي إسحاق الشيرازي والمروزي من الشافعية، والخرَقي وأبي يعلى من الحنابلة، ونحوهم من أصحاب الوجوه والآراء المقولة في المذهب تخريجاً على منصوص الإمام في مسألة. وهذه هي رتبة الاجتهاد في المذهب: وهو الذي يتمكن فيه المستنبط من معرفة الأحكام في الوقائع التي لم يرد فيها نص عن إمام المذهب، بطريقة التخريج على النصوص الفقهية أو القواعد المنقولة عن إمام المذهب. وهذا يعني أن لهؤلاء آراء جديدة في مسائل لم يتعرض لها إمام المذهب ولكنها مستنبطة من مقتضى كلامه في مسألة مشابهة لها في الجملة.

 

مجتهد التخريج من المقلدين:  وهو الفقيه المتمكن في مذهب ما، ويستطيع ترجيح قول لإمام المذهب على قول آخر، أو الترجيح بين ما قاله الإمام وما قاله تلاميذه أو غيره من الأئمة، مثل القُدوري والمَرْغيناني صاحب الهداية من الحنفية، والنووي والرافعي من الشافعية، والدردير والدسوقي من المالكية، وأبي الخطّاب وابن قدامة من الحنابلة.

 

مجتهد الفتيا: وهو أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته. وهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مقررات مذهبه في كتبه ونصوصه.

 

وقسم ابن القيم المجتهدين أربعة أقسام هي بإيجاز:

عالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، كأئمة المذاهب.

 

ومجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، كالقاضي أبي يعلى.

 

ومجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، كأكثر المصنفين في مذهب أئمتهم.

 

وطائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على نفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، مثل علماء المذاهب المتأخرين.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات