طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الاجتهاد في الإسلام من خلال قواعده الأصولية العلمية ومقاصد الشريعة الإسلامية

ملتقى الخطباء

(400)
4918

الاجتهاد في الإسلام من خلال قواعده الأصولية العلمية ومقاصد الشريعة الإسلامية

1439/04/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

د. محمد معروف

 

“مكان الاجتهاد في الإسلام وفي الشرائع الوضعية”:

1- الاجتهاد هو المصْدر الرابع من مصادر الشريعة الإسلاميَّة بعد “الكتاب” و”السُّنة” و”الإجماع”، كما هو معروف، ويُعبَّرُ عنه أيضًا باسْم “القياس” أو “العقْل” أو “الرأْي”، باعتبار أنَّ كلاًّ من هذه الثلاثة ما هو إلا أداة من أدوات الاجْتهاد.

 

2- وإذا كان “كولد زيهر” (Goldziher) المستشرق الألماني الكبير، قد أُعْجِبَ كلَّ الإعجاب من كون “الإجماع” الاجتهادي أصْلاً من أصول الشريعة الإسلاميَّة ومصادرها، وعبَّرَ عنه فقال: “إنه ينبوع القوَّةِ التي تجعلُ الإسلامَ يتحرَّكُ ويتقدَّم بكلِّ حريَّة”[1]، فإنه يجدُ بلا شكٍّ في المصْدر الرابع – وهو الاجتهاد – أنَّه العقْلُ الساهر على نموِّ الشريعة وازدهارِها، والذي يطردُ العُقْمَ من قواعدِها وتُهْمة الجمود في طبيعتها”؛ وذلك لما كان للاجتهادِ على اخْتلافِ مذاهبِه في الشريعة الإسلاميَّة مِن رصيد عِلْمي جبَّار لا مَثيلَ له في تاريخ فِكرة الحقِّ ومحتويات مكتباته العلميَّة العالميَّة، ومِن آراءٍ فقهيَّة مُصْلِحَة سامية لا عهْدَ للأممِ الحيَّة بمثلها في تاريخ الإنسانيَّة، ومِن مَذاهب تتحكَّمُ فيها أولاً وآخِرًا قواعدُ العلْمِ والمصلحة الزمنيَّة الشرعيَّة ضِمْنَ مبادئ الحقِّ والعدْل والإنْصَاف، مِن غير تمييزٍ فيها ما بيْن إنسان وإنسانٍ، مَهْمَا اختلفتِ الأجْناسُ والأعْراقُ والأدْيَان.

وذلك كلُّه مما قد تفرَّد به “الاجتهادُ الإسلامي”، وجَعَلَ الشريعةَ الإسلاميَّة تستجيبُ دَوْمًا – وفي كلِّ الأحوال – للحاجات الإنسانيَّة المتطورة مع الأزْمَان.

 

3- هذا ولا تستبينُ أهميَّة “الاجتهاد” في الإسلام، واعتباره مصدرًا أساسًا من مصادر الشريعة الإسلاميَّة، وتفوُّقها به على غيْرها من الشرائع، وخاصة الشرائعَ الوضعيَّة القديمة والحديثة المتطورِّة – إلا باستعراضٍ وَجيزٍ جدًّا لموقفِ هذه الشرائع من الاجتهاد.

 

4- أمَّا الاجتهادُ عند الرومان، فلمْ يكنْ مَعروفًا في العهْد الملَكِي، بل كانتِ الشريعة سرًّا من أسرار الكَهَنَة ورجال الدين، ولم يصبحْ مَصْدرًا مِن مَصادر الحقوق، إلا في حقْبة صغيرة من الزمن، وذلك في عهْد الجمهوريَّة الذي نشأَ بعد انْهيار النظام الملَكِي، ولكن عهْد الإمبراطوريَّة لم يلبثْ أنْ حلَّ محلَّ العهْد الجمهوري، وأخذَ القياصرة فيه بتضييق نِطاق الاجتهاد شيئًا فشيئًا إلى أنْ حصروه في أنفسهم، وقَضوا بذلك عليه نهائيًّا، ولم يبقَ منه – وخاصة منذ تقنين “جوستنيان” – إلاّ ما كانَ من بابِ “الشرْح للنصِّ القانوني والحمْل عليه”؛ مما أصبحَ أساسًا جرَت عليه الطريقةُ التقليديَّة في الحقوقِ الحديثة في القرْن التاسع عشر.

 

5- غيْر أنَّ علماءَ الحقوق الحديثة قد أخذوا في مَطْلع القرْن العشرين يَشْعرون بفَسَاد الطريقة التقليديَّة، التي دَرَجَ عليها علماءُ القانون حتى أواخر العصْر التاسع عشر، والتي كانوا يعتبرون بموجبِها الحقوقَ المكتوبة – أي القوانين – هي وحدَها المصدر الأول للكشفِ عن كلِّ حُكْمٍ حقوقيٍّ ضروريٍّ لحاجات الحياة الاجتماعيَّة. وهكذا فقد قال أصحابُ الطريقة التقليديَّة حولَ مدوَّنة “نابليون” وما تَبِعها من القوانين: “إنَّ التشريع الرسمي يكفينا وحدَه للكَشْفِ عن جميع الأحْكَام الحقوقيَّة الضروريَّة لحاجات الحياة الاجتماعيَّة”[2]، وكانَ مِن أبطالِ هذه الطريقة التقليديَّة عميد كلية الحقوق في باريس الأستاذ “بلوندو” (Blondo)، حيث صرَّح في مُذَكِّراته إلى مجمع العلوم الأخلاقيَّة والسياسيَّة سنة 1841م بأنَّ المصدرَ الوحيد في الوقت الحاضر للأحْكام الحقوقيَّة إنَّما هو القانون[3].

 

6- ولذلك فهنالك اليومَ إجماعٌ على أنَّ القوانين أو ما يسمُّونه باسْم: الحقوق المكتوبة، هي وحدَها المصدرُ الأوَّل والأخير للكشفِ عن كلِّ حُكْم حقوقيٍّ ضروريٍّ لحاجات الأمة الاجتماعيَّة، وبناءً على هذا فقدْ أقْصَى من مصادر الحُكْم ما سموه باسْم: المصادر غير الصحيحة، وقد عَدُّوا في مُقدمتها الاجتهادَ وحِسَّ العدالة وفِكرة المصلحة العامة[4].

ونَرَى مِن كلِّ ما تقدَّم أنَّه ليس في هذه الشرائع – قديمِها وحديثِها – من اجتهادٍ غيْرَ نوعٍ منه، وهو تفسير القانون أو ما يُعبَّر عنه بكلمة: “إنتر بريتاسيون” interpretarion، وحرّمَ على المفسرين كلَّ اجتهادٍ يتجاوزُ حدودَ التفسير للقانون، وهذا ما جَعَلَ من هذه الشرائعِ شرائعَ زمنيَّة غيْرَ قابلة للاستمرار، وعُرْضَة للتغيير والتبديل في أصولها على الدوام.

 

7- أما الشريعة الإسلاميَّة، فإنَّ الاجتهاد فيها:

  • قد اعْتُبرَ أولاً: من جملة مصادر الشريعة الصحيحة إلى جانبِ نصوص القرآن الكريم والأحْكَام النبويَّة، وذلك كلَّما سكتتْ نصوصُ هذين المصدرين أو غمضتْ.
  • كما أنَّه ثانيًا: لم يقتصر الاجْتهاد على تفسير النصوص فقط في حالة غموضها، بل عملَ عملَه الصحيحَ أيضًا في حالة سكوتها.
  • وثالثًا: فقدْ أبدعَ المجتهدون في الاجتهاد، ومَيَّزوا في الجملةِ ما بيْن ثلاثة أنواع منه، ووضعوا لكلِّ نوعٍ قواعدَه العلميَّة المنطقيَّة؛ ليميِّزوا بها ما بيْن الآراء المقبولة اجتهادًا، والأهواء المرفوضة عِلْمًا وقضاءً، كما سنشيرُ إليه فيما بعد، وهذا مما قد عجزَ عنه الفقه الوضعيُّ الحديثُ رَغْمًا عن محاولاته المتكرِّرة لوضْعِ قواعدَ للتفسير والاجتهاد؛ مما قد عجزوا عنه حتى اليومَ، كما سنراه أيضًا فيما بعْد.

وفوقَ ذلك، فقدْ رفعتِ الشريعة الإسلاميَّة من مكان الاجتهاد في القَبول والاعْتِبار، وحضَّت عليه بكلِّ قوةٍ فقالتْ: “للمجتهد أجران إذا أصابَ، وأجْرٌ إذا أخطأ”، وفي هذا مُنْتَهى التقدير لحريَّة الرأْي والاجتهاد كمصدرٍ صحيحٍ للشريعة، في الوقت الذي حَرَّمتِ الشرائع الوضعيَّة القديمة والحديثة أنْ يكونَ الاجتهادُ مصدرًا من مصادرها.

 

أنواع الاجْتهاد وقواعده الإسلاميَّة:

8- من المعلوم أنَّ التشريعَ وليدُ الحاجة، ومَقيس عليها، فما قامَ تشريعٌ في أمةٍ ولا نُشِرَ فيها قانونٌ، إلا وقد قامَ في البلادِ قبْلَها حاجةٌ تدعو إليهما، فيأتي التشريعُ عندئذ ويُصاغُ القانون على قَدْرِ تلك الحاجةِ.

غير أنَّ الحاجة الداعية نفسَها قدْ يطرأُ عليها بعضُ الطوارئ ما بيْن عشيةٍ وضحاها، فتتنوع وقائعُها وتختلف فيها الملاحظاتُ ما بيْن واقعة وأخرى، بصورة يصبحُ معها النصُّ القانوني – المصوغ من قَبْلُ – على قَدْرِ الحاجة منهما بالنسبة لما وقَعَ فيما بعْد من أنواعٍ في تلك الحاجة، أو غير وافٍ ولا كافٍ بالنسبة لما جَدَّ من ملاحظاتٍ في تلك الوقائعِ الجديدة.

 

9- وأنَّ الأممَ في القديم والحديث ما استطاعتْ، ولن تستطيعَ النجاةَ في شرائعها وقوانينها من هاتين الحالتين؛ الإبهام في النصوص، أو عدم الكفاية فيها بالنسبة لما سيجدُّ من وقائعَ، ولقد جاء في الموسوعة الفَرنسيَّة الكبرى للعلوم والآداب والفنون[5]:

إنَّ القوانينَ التي تضعُ الأحْكَامَ العامة لا تستطيعُ في الحقيقة أن تتصوَّرَ جميعَ الفرضيَّات الخاصة قبْلَ وقوعِها، وأنَّ القوانينَ قد تكون:

  • أحيانًا ساكتة تجاه هذه الفرضيَّات.
  • وأحيانًا لا تتناولها إلا بصورة غير كافيةٍ.
  • وأحيانًا قد يكونُ النصُّ غامضًا أو مُبْهمًا.

ويجب في جميع هذه الأحوالِ أنْ يُجْبرَ النقصُ بالبيان والتفسير.

 

10- ثُمَّ تتابعُ الموسوعة الفرنسيَّة وتقول:

“إن قواعدَ البيان والتفسير ترتبطُ بالفلسفة أكثر منها بالحقوق الخاصة، وعندما أُرِيدَ وضْعُ القانون المدني الفَرنسي كان من المنتظرِ في بادئ الأمرِ أنْ تُجْمَعَ هذه القواعد في فصْلٍ من مَطْلعِ القانون، غيْر أنَّ هذا الفصْل قد حُذِفَ من القانون لَدَى وضْع صيغته النهائيَّة”.

ثم تابعتِ الموسوعة الفرنسيَّة فقالت: “وهذا ما جَعَلَ القاضي يفسِّرُ القانونَ حينَ الاقتضاء تَبَعًا لمواهبه المسلكيَّة تحت مراقبة مَحْكمة التمييز”، ثُمَّ لم تلبث الموسوعة أن أعلنتْ مخاوفها من هذا التفسير الذي يقوم به القضاة – بما فيهم قضاة محكمة التمييز – دونَ أنْ يعتمدوا فيه على قاعدة، أو أنْ يقيسوه بمعيارٍ، فقالت: ومِن هنا يُفْهَمُ كم هي خطرة هذه السلطة من التفسير؛ ولذلك كانَ الفقهاءُ الرومان يقولون: “إنَّ أحسنَ القوانين هو القانون الذي يترك أقلَّ ما يمكنُ من الحرية لأهواء القضاة”.

 

11- فماذا كانَ وضْعُ النصوصِ الأصليَّة أولاً في الشريعة الإسلاميَّة من كتاب وسنَّة، تجاه هذه الحاجات الإنسانيَّة المتجددة وغير المتناهية؟

ثُمَّ ماذا كان وضْعُ رجالِ الفقه في الإسلام أمامَ هذه الضرورة الملحَّة على وجوبِ الأخْذِ بالاجتهاد، وأمامَ تلك الأخْطَار المحْدِقة بالقُضاة والمجتهدين؟

 

هنا تتجلَّى:

أولاً: معجزة النصوص القرآنيَّة التشريعيَّة وتوجيهاتها الأساسية في ذلك.

ثانيًا: إبْداع السُّنَّة النبوية في البيان؛ شرْحًا وإيضاحًا وتطبيقًا.

ثالثًا: إيجاب النصوص القرآنيَّة علينا اتِّخاذَ المسلك النبوي في ذلك البيان أسوةً حسنة فيما يجِدُّ من وقائعَ ليستْ فيها نصوصٌ من كتاب ولا سُنَّة، وذلك بالاجْتِهاد المأذون به، والمأْجور عليه، بعيدًا عن الجهْل بالشريعة أو الأهواء المعطلِّة لها.

رابعًا: عبقريَّة رجال الفِكْر الإسلامي والفقه فيه، بوضْع القواعد العلميَّة التي اتَّخَذَتْ معاييرَ مُسْبقة تُوزَنُ بها آراءُ المجتهدين، وتُدْفعُ بها أخطارُ المتطفِّلين، وتُحِدُّ من أهواء القضاة؛ مما قد عجز عن الوصولِ إليه عباقرةُ رِجال الشرائع القديمة والحديثة اليومَ، كما أشرنا إليها.

 

12- أما المعجزة القرآنيَّة في النصوص التشريعيَّة الإسلاميَّة وفي توجيهاتها، فقد كانتْ في كفاية هذه النصوصِ الخالدة وفي إيجازها وشمولِها على قِلَّتها، حتى قال فيها “الغزالي” وغيره: إنَّها لم تتجاوزْ خمسمائة آية من أصلِ آيات القرآن البالغة (6342)، بل ردَّها بعضُهم إلى مائة وخمسين آية[6]؛ ولذلك كانَ أكْثر ما وردَ في القرآن من أحْكام إنَّما هو أحْكَام كُليَّة، وقواعد عامة؛ كما جاهَرَ بذلك الإمام “الشاطبي” في “الموافقات”[7]، وذلك كله مما لا يقبلُ التبديلَ ولا التغيير عِلْمًا وعَقْلاً، ولا يجوز المساسُ به عَمَلاً بقواعدِ الحقِّ والعَدْلِ، ومما تجبُ مراعاتُه في القضاء، ويجبُ الاعتمادُ عليه في الاجتهاد، ومما يمكن إجمالُه أيضًا وردُّه إلى آيتين فقط من قولِه – تعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 90 – 91].

 

13- وأنَّ هذا الطابعَ الكُلِّي العام لآيات الأحْكام هو الذي جَعَلَ القرآنَ في كثيرٍ من آياته محتاجًا إلى بيان النبيِّ – عليه الصلاة والسلام – ورأْيه، وقد قال الله – تعالى – في ذلك لنبيِّه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، وقال أيضًا: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 105].

ولهذا جاءت السُّنَّة النبويَّة إلى جانب القرآن، وفيها بسطٌ لمختصرِه، وتفصيلٌ لِمُجْملِه وبيانٌ لِمُشْكِلِه[8].

 

14- هذا وإنَّ ذلك البيانَ والرأْيَ النَّبَوِيَّيْن إنَّما كان للمسلمين مدرسةٌ لهم فيها يتعلَّمون، وبهُداها يتفكرون، كيف يصنعون؟ وذلك في كلِّ ما يَجِدُّ لهم من وقائعَ ليس فيها كتابٌ ولا سُنَّة، كما أشارَ إلى ذلك النصُّ القرآني الأولُ حين قال: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44]، ثم تابع قائلاً: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾؛ أي: يعملون بالاجْتهاد بيانًا لشريعة الله، حين لا يكون هناك نصٌّ فيما يريدون، وأنَّ الإذنَ بالاجْتهادِ – بل الأمْرُ به حينذاك – مُجْمعٌ عليه لَدَى كافة المذاهب الإسلاميَّة ومشَجَّعٌ عليه، ومأجورٌ به، لا مُحَرَّم عليهم كما جاهرَتْ به الشرائعُ الوضعيَّة.

 

15- وهنا لم يلبثْ رجالُ الفكْرِ الإسلامي – من علماء الشريعة – أنْ لبَّوا نداءَ القرآن وعرَفُوا – بإذنٍ من القرآن نفسِه – كيف يفكرون ويجتهدون في كلِّ جديدٍ مما لا نصَّ فيه من كتاب أو سُنَّة به يحكمون، هذا وقد أدْرَكوا بسرعة – مثل غيْرهم اليومَ من رجال القانون – خَطَرَ كلِّ تفسيرٍ واجْتهادٍ إنْ لم يكنْ هنالك قواعدُ علميَّة يخضعون إليها، وموازينُ يعتمدون عليها؛ دَعْمًا للحقِّ، وحَدًّا للأهواء، ولكنهم وبفضْل الطابعِ الكُلِّي العام لآيات الأحْكام في القرآن، وما انتزعوا منها من رُوحٍ للشريعة بها يهتدون، وقالوا فيها: أينما كانتِ المصلحة، فثَمَّ شرعُ الله، وإن لم ينزلْ بها الوحي ولا قالَ بها الرسولُ، وكذلك بفضْل البيانِ والسلوك النبوي فيه، وما انتزعوا منه مِن قَبسٍ به يستنيرون، لم تلبثْ عبقريةُ رجالِ الفقه الإسلامي أنْ برزتْ حيث غاضت عبقريةُ الآخرين من رجال القانون، وإنْ أقاموا عندئذ قواعدَهم في الاجْتهاد، ومحَّصُوها تمحيصًا، وبنوها على أصولٍ أجمعوا عليها تقريبًا إجماعًا؛ حتى أصبحتْ منارًا لهم إذا نظروا، ومعيارَهم إذا وزنوا، وجمعوا كلَّ ذلك في علْمٍ ابْتكروه ابتكارًا من غيْر سابقٍ له، وسموه بحقٍّ: “عِلْم أصول الفقه”، وإنْ شئتَ فقُلْ: “عِلْم أصول الحقوق”.

 

16- وكانتِ العبقريَّة لَدَيهم أنَّهم في مُجْمَلِ القضايا التي تُعْرَضُ عليهم مما ليس فيه نصٌّ من كتاب أو سُنَّة، قد استطاعوا بسرعة أن يردُّوا أبحاثَهم فيه إلى قسمين أساسيين؛ هما:

أولاً: قسم يتعلَّق بتحديد معنى النصِّ المتعلِّق فيه البحث من النصوص القرآنية أو النبويَّة؛ وذلك من أجْلِ مَعْرِفة ما إذا كان هذا النصُّ في استطاعته أن يتناولَ في حُكْمه تلك القضيَّةَ الحديثة المعروضة، وهذا هو الفرْعُ الأول من الاجتهاد الذي نُسَميه: بالبيانِ والتفسير أو الاجتهاد البياني.

ثانيًا: قسم آخر يتعلَّق باستنباط العِلل المناسبة، وبتحديد رُوح الشريعة، مما يستنبطُ من رُوح الأحْكام المنصوص عليها، ويقدِّمون لنا في ذلك مَبْدءًا من مبادئ العدْلِ، وأصْلاً من أصول التشريع يساعدنا على حلِّ القضايا الجديدة المعروضة، والتي ليس فيها نصٌّ خاصٌّ، وإنَّ هذا القسمَ الثاني من الاجتهاد؛ إما أن يكونَ:

أ- عن طريق الحمْل على النصوص القرآنيَّة والنبوية بطريقة القياس، ويمكن أنْ نطلقَ عليه اسم: الاجتهاد القياسي.

ب- أو عن طريق الرأْي الاستصلاحي وَفْقًا لمبدأ المصلحة الشرعيَّة المطلقة، ويمكن أن نطلقَ عليه عندئذ اسمَ: الاجتهاد الاستصلاحي.

وتبعًا لهذه الأنواع الثلاثة بتفصيلها، فقد أبدعَ العلماءُ في وضْع القواعدِ العلمية لكلِّ نوعٍ منها، مما سنشير إليها فيما يلي بكلِّ إيجاز.

 

17- أما النوعُ الأول من القواعد، فهو ذلك القسمُ المتعلِّق بقواعد البيان للنصوص، وهو قاصرٌ على مباحثِ الألفاظ البالغة ستة عشر مبحثًا، وفي مُقدِّمتِها مَبْحَثا الخاص والعام من النصِّ، بالإضافة إلى أربعة مباحثَ تتعلق بمعاني الألفاظ، ومنها: المعنى الموقوف عليه بالعبارةِ، والمعنى الموقوف عليه بالإشارة، مما قد أبدعَ العلماءُ في قواعدِها على اخْتلاف مذاهبِهم؛ كقول بعضهم: النصُّ الخاص حُجة قطعيَّة، والنصُّ العام حُجَّة ظنيَّة.

 

18- وأما النوعُ الثاني من القواعد، فهو ذلك القسمُ الخاص بقواعد الحمْل على النصوصِ عن طريق القياسِ، أو ما نسمِّيه باسم: الاجتهاد القياسي، وذلك كقولِهم بالإجْماع: “إن القياسَ على النصِّ والحمْلَ عليه: هو إلْحَاق أمْرٍ بآخرَ في الحُكْم الشرعي؛ لاتِّحادٍ بينهما في العِلَّة”، وقولهم: “إنَّ القياسَ الذي يعتمدُ على عِلَّة منصوصٍ عليها في النصوص الشرعيَّة حُجَّة عند الجميع”، وقولهم: “إنَّ القياسَ الذي يعتمدُ على عِلَّة غيْرِ منصوصٍ عليها هو حُجَّة فقط عند مُثْبِتي القياس، وأما نُفَاةُ القياس، فقد ذهبوا إلى أنه ليس بحُجَّة… إلى آخر ما هنالك من القواعد الكثيرة، والبحوث الفلسفيَّة التي تعتبرُ من أعْظمِ مباحثِ المعرفة القانونيَّة التي انْفَرَدَ بها فقهُ الشريعة القانونيَّة في الإسْلام.

 

19- وأما النوعُ الثالث من القواعد، فهو ذلك القسمُ الخاص بقواعدِ الاستصلاح، أو ما نسميه باسمِ: الاجتهاد الاستصلاحي، وذلك فيما يتعلَّق بالعمل بالرأْي في المصالح المرْسَلة؛ أي: الرأْي المبني على فكرة المصلحة؛ لحماية المصالح الجديدة التي لم يردْ في الشريعة نصٌّ خاصٌّ يشهد لنوعها بالاعتبار، وأنَّ هذا النوعَ من الاجتهاد، وما قد أبدعَ فيه العلماءُ من وضْع قواعدَ له – إزالة لفكرة الغموضِ في المصلحة، وتحديدًا لِمَا هو مُعْتَبرٌ منها، وقد كان من أعْظمِ أنواع الاجتهاد أثرًا في حيويَّة الشريعة الإسلاميَّة.

 

20- ومن هذه القواعد ما قد أخذَ به الغزالي الشافعي خِلافاً لإمامِه في الأخْذ بالمصالح المرْسَلة؛ حيث قال: أمَّا المصلحة، فهي في الأصْل عبارة عن جلبِ منفعة، أو دَفْع مَضَرَّة، ولسنا نعني ذلك، لكننا نَعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرْع، ثم قال: “ومقصودُ الشرْع من الخَلق خمسة، وهو أن يحفظَ عليهم دينَهم، ونفسَهم، وعقْلَهم، ونسْلَهم، ومالَهم، وأنَّ كلَّ ما يتضمَّن حِفْظَ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وأنَّ كلَّ ما يفوِّت هذه الأصولَ فهو مفسدة، وأنَّ دَفْعَها عندئذ مصلحةٌ…”.

 

21- هذا وكان المالكيَّة والحنابلة من أكثر المذاهب الإسلاميَّة انطلاقًا في المصالح المرْسَلة، ولم يقيِّدوا أنفسَهم بشيءٍ مما قَيَّدَ به نفسَه البعضُ الآخرُ، مثل: الشافعي الذي قيّد نفسَه هنا بالقياس، وكذلك لم يقيِّدوا أنفسَهم بشيءٍ من الأوصاف التي قيَّدَ بها الغزالي نفسَه حين اشترطَ في المصلحة أنْ تكونَ ضرورية؛ أي: ليست مما يمكنُ الاستغناءُ عنها، وأن تكونَ قطعيَّة؛ أي: ليست ظنيَّة غيْر مقطوعٍ بها، وأن تكونَ كلية؛ أي: مصلحة عامَّة لا جزئيَّة خاصَّة.

 

22- هذا وقد أبدعَ العلاَّمة شمس الدين أبو عبدالله محمد بن قَيِّم الجوزيَّة في تأييد هذا النوع من الاجْتهاد؛ كما جاء في مَطْلع كتابه “الطرق الحكميَّة في السياسة الشرعيَّة”؛ حيث قال: “السياسة ما كان فِعْلا ًيكون معه الناسُ أقربَ إلى الصلاح، وأبعدَ عن الفساد، وإنْ لم يضعْه الرسولُ، ولا نزلَ به الوحي”، وما أبدعَ أيضًا قول ابن قَيِّم الجوزيَّة في المقام؛ كما جاء في مَطْلع الجزء الثالث من كتابه “إعْلام الموقعين”؛ حيث قال: “إنَّ الشريعةَ مَبْنَاها وأساسَها على الحُكْم ومصالح العِبَاد في المعاش والمعَاد، وهي عدلٌ كلُّها ورحمة كلُّها، ومصالح كلُّها وحِكْمة كلها، وإنَّ كلَّ مسألة خرجتْ من العدلِ إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفْسَدة، وعن الحِكْمة إلى العبث، فليستْ من الشريعة، وإنْ أُدْخِلَتْ فيها بالتأْويل”، ويَبْقَى الجامعُ لكلِّ ذلك قولُ ابن القَيِّم أيضًا في كتاب “زاد المعاد”، تحتَ عنوان “حُكْم الرسول في بيع الرجل ما ليس عنده”؛ حيث قال: “الشرائع مبناها مصالحُ العِبَاد، وعدم الحجزِ عليهم فيما لا بُدَّ لهم منه، ولا تتمُّ مصالحُهم في معاشهم إلا به”.

 

23- هذا وعلى ضوء فكرة المصلحة هذه التي أُحيطتْ بما أُحيطتْ به من قواعدَ حيويَّة خالدة، جَعَلَ المجتهدون من الشريعة الإسلاميَّة – كما أرادَها لهم الله – شريعة خالدة محتوِيَة على عنصري الحيويَّة والأبديَّة التي لا تغفُل عن المصالح الجديدة التي تحيطُ بالإنسان، والتي لا تقصرُ عن مطالب الأزمان، وهذا أيضًا ما قد شَهِدَ به المنصفون في “مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي العالمي” الذي كنتُ قد  اشتركتُ فيه، والذي عُقِدَ في ضيافة جامعة باريس لعام 1951م، وبدعوة من “مؤسسة الحقوق الدوليَّة المقارنة” في “لاهاي”؛ حيث جاء في فقرة من قَرار المؤتمر النهائي قولُه: “إن مبادئ الشريعة الإسلاميَّة لها قيمة لا شكَّ فيها، وإن تعدُّدَ المذاهب في هذه المجموعة الحقوقيَّة العُظْمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات الحقوقيَّة، وعلى أصول وأساليبَ هي مناطُ الإعجاب، وذلك مما يسمحُ لهذه الشريعة أن تُلَبِّي جميعَ الحاجات التي تقتضيها مطالبُ الحياة الحديثة”، وبهذه الفقرة الطيبة أُنْهِي كلمتي هذه، آملاً أن يَجدَ فيها القُرَّاءُ الكرامُ ما به يفتخرون.

 

[1] كولد زيهر le dogme et loidel, islam “النص الفرنسي”، طبع باريس 1920م، الصفحة (46).

[2] “المدخل إلى علم أصول الفقه”؛ معروف الدواليبي، الطبعة الخامسة، سنة 1965م، بيروت مطابع دار العلم للملايين، الصفحة (238).

[3] نفْس المرجع أعلاه، الصفحة (350).

[4] نفْس المرجع أعلاه، الصفحة (347).

[5] انظر: la grande encyclopedie die des sciences, des letters, et des arts art. Interoretaion T.XX, PP. 903-904

[6] “التراتيب الإدارية”؛ الشيخ عبدالحي الكتاني، الجزء الثاني الصفحة (179)، طبع دار إحياء التراث العربي، ببيروت.

[7] الشاطبي، الجزء الثالث الصفحات (366 – 368)، المطبعة الرحمانيَّة، طبعة أولى، مصر.

[8] المصدر السابق: الشاطبي، الجزء الرابع، الصفحة (12).

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات