طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > خصائص اللغة العربية ومزاياها

ملتقى الخطباء

(97)
4906

خصائص اللغة العربية ومزاياها

1439/04/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

لكل لغةٍ من اللغات الإنسانية تمتاز بها عن غيرها. ولا خفاء أن اللغة العربية أمتن تركيباً، وأوضح بياناً، وأعذب مذاقاً عند أهلها.

 

يقول ابن خلدون: وكانت المَلَكة الحاصلة للعرب من ذلك أحقّ الملكات وأوضحها بياناً عن المقاصد. [ابن خلدون: المقدمة، ص 546]

 

وقد رآها ابن فارس أنها أفضل اللغات وأوسعها، إذ يكفي ذلك دليلاً أنّ رب العالمين اختارها لأشرف رسله وخاتم رسالاته، فأنزل بها كتابه المبين.  لذلك لا يقدر أحدٌ من التراجم أن ينقل القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى، كما نُقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وتُرجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله عز وجل بالعربية. والسبب في ذلك يعود إلى أن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب. [ابن فارس: الصاحبي، ص 13]

 

وتتمتع العربية بثراءٍ عز نظيره في معظم لغات العالم، وليس أدلّ على اتساعها من استقصاء أبنية الكلام وحصر تراكيب اللغة، وهو ما توصّل إليه الخليل بن أحمد.

 

فقد ذكر في كتاب “العين” أن عدد أبنية العربية المستعمل منها والمهمل، على مراتبها الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرار هو 12.305.412 كلمة، في حين يرى بعض الباحثين أن المستعمل منها لا يزيد عن ثمانين ألف كلمة. [حمادة: عجيب اللغة، ص 44] [الصالح: دراسات في فقه اللغة العربية، ص 180]

 

ويراها القلقشندي اللغة التامة الحروف الكاملة الألفاظ، إذ لم ينقص عنها شيء من الحروف فيشينها نقصانه، ولم يزد فيها شيءٌ فيعيبها زيادته، وعن كان لها فروع أخرى من الحروف فهي راجعةٌ إلى الحروف الأصلية، وسائر اللغات فيها حروف مولّدة وينقص حروفٌ أصلية. [القلقشندي: صبح الأعشى، 1 / 148 – 149] [يشين: من الشَّين، وهو العيب]

ويذكر السيوطي أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها، ويورد مزايا يراها دليلاً على أفضليتها، [السيوطي: المزهر، 1 / 321 وما بعدها] منها:

-كثرة المفردات والاتساع في الاستعارة والتمثيل.

 

-التعويض:

وهو إقامة الكلمة مقام الكلمة، كإقامة المصدر مقام الأمر، نحو: “صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة” والفاعل مقام المصدر، نحو: {لَيسَ لِوقعَتِها كَاذِبةٌ} أي تكذيب، والمفعول مقام المصدر، نحو: {بِأَيَّكُم المَفتُون} أي الفتنة، والمفعول مقام الفاعل، نحو {حِجَاباً مَستُوراً} أي ساتر.

 

-ومنها: فكّ الإدغام، وتخفيف الكلمة بالحذف، نحو: لم يكُ …

-ومنها: تركهم الجمع بين الساكنين، وقد يجتمع في لغة العجم ثلاثة سواكن.

-وللعرب ما ليس لغيرهم، فهم يفرقون بالحركات وغيرها بين المعاني، يقولون: مِفتح (بكسر الميم) للآلة التي يُفتح بها، ومَفتح (بفتح الميم) لموضع الفتح.

 

وقد لاحظ ابن جني أن من خصائص اللغة العربية دلالة بعض الحروف على المعاني، حين قال: وذلك أنهم قد يُضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها، وتقديم ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه، سًوقاً للحرف على سَمت المعنى المقصود والغرض المطلوب، فحرف “التاء” إذا جاء ثاني الكلمة دلّ على القطع: بتّ الحبل، بتر العضو. وحرف “الغين” في أول الكلمة يدلّ على الاستتار والظلمة والخفاء : غابت الشمس، غاص الماء، غطس السبّاح … إلخ.

وحرف ” النون ” في أول الكلمة يدلّ على الظهور والبروز : نفث ، نفخ ، نبت … إلخ

 

ومن علماء اللغة الإفرنج كان المستشرق الفرنسي ” آرنست رينان Ernest Reanan ” قد لاحظ خصوصية العربية في نشأتها ويسرها وثباتها. فبالرغم من تعصبه المقيت رأى أن اللغة العربية بدت فجأة على غاية الكمال، وأن هذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب تفسيره. وقد انتشرت هذه اللغة سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أي تعديل مهمّ، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، إذ ظهرت لأول مرة تامة مستحكمة. [مجلة العربي (الكويت)، عدد كانون الأول ، 1970 (مقال الدكتور محمد محمود الدش)] [ المستشرق الفرنسي جوزيف آرنست رينان هو صاحب كتاب “موسوعة التاريخ المسيحي”]

 

ويقول العالم الفرنسي ” مارسي ” في مجلة التعليم الفرنسية ( 1930 – 1931 ): من السهل جداً تعلُّم أصول اللغة العربية، فقواعدها التي تظهر معقدة لأول نظرة هي قياسية و مضبوطة بشكل عجيب لا يكاد يُصدق ، فذو الذهن المتوسط يستطيع تحصيلها بأشهر قليلة وبجهد معتدل. [مجلة مجمع اللغة العربية (دمشق) المجلد / 44 ج / 4 / 1 سنة 1969 م، ص 46 ( مقال عارف النكدي )]

 

أمّا المستشرقة الألمانية، الدكتورة في الفلسفة، آنا ماري شيمل التي عدت منذ صغرها معجزة العلم، والتي وضعت المقدمة الممتعة للترجمة الألمانية لمعاني القرآن الكريم ، فإنها تقول : و اللغة العربية لغة موسيقية للغاية، ولا أستطيع أن أقول إلا أنها لابد أن تكون لغة الجنة. [مجلة مجمع اللغة العربية (دمشق) المجلد / 44 ج / 1 سنة 1969 م، ص 46 (مقال عارف النكدي)]

 

لم يكن أهل العربية من الباحثين المحدثين بأقل حماساً من غيرهم في رصد خصائص لغتهم، فهي – في نظرهم – أرقى اللغات العالمية، كما أنها أبلغ ما حرك به الإنسان لسانه، وهي تمتاز بمرونتها وسعة اشتقاقها. ناهيك بدقة التعبير، إذ تجد – مثلاً – لكل لحظةٍ من لحظات الليل والنهار لفظاً خاصاً: فالبُكرة، والضحى والغدّوة والظّهيرة، والقائلة، والعصر، والأصيل، والمغرب، والعشاء، والهزيع الأول من الليل، والهزيع الأوسط، والمُهن، والسّحر، والفجر، والشروق. فأنى للغات الأرض جميعاً مثل هذه الدِقّة ؟!

 

وإذا كانت بعض اللغات تعتمد إضافة مقاطع على مفرداتها للحصول على معانٍ جديدةٍ، فإن الأمر أكثر يسراً في لغتنا، إذ بمقدورنا الحصول على المعاني المختلفة، لا عن طريق زيادة حرف أو أكثر على الأصل فحسـب، بل بتحريك الأصـل بلا زيادة أو لواصـق. فمن الأصل “عمل”: عَمِلَ، عُمِلَ، عمَّل.. إلخ

 

وكذلك تتغير الدلالات بتغير مباني الكلمات، ويبرز مع كل تغيير معنى جديد، نحو: قلم – قلمان – أقلام ، كاتب – كاتبة – كاتبات. وتُزاد بعض الحروف في الأفعال الثلاثية والراعية المجردة، فتأتي في كل زيادة بمعنى جديد، فاللازم يتحول متعدياً نحو: كَرُم _ أكرمَ _ كرّم . و يفيد المشاركة إذا جاء على وزن ” فاعل ” نحو : لعبَ _ لاعَبَ. ويشتق من الأصل أوزان جديدة، فتأتي بمعانٍ جديدة، نحو: علمَ، عالم (اسم فاعل)، معلوم (اسم مفعول)، علاّمة) صيغة مبالغة … إلخ.

 

ويؤكد الأب لويس شيخو كمالها وثراءها وثباتها، حين يقول: فإن من يتتبع آثار لغتنا العربية، يراها في كل آنٍ مزدانة بخواص اللغات الكاملة، من حيث مفرداتها وتراكيبها وعباراتها وأساليبها، كأنها ظهرت بادئ ذي بدء تامة العدة كاملة الأهبة. وإذا قابلنا بين اللغة الشائعة في يومنا مع لغة أقدم الشعراء، كامرئ القيس والنابغة، لا نكاد نرى بين اللغتين اختلافاً يذكر، اللهم إلا في استعمال بعض ألفاظٍ لغويةٍ شعريةٍ أو في اتخاذ بعض التعابير الجديدة دلالةً على المعاني المستحدثة كما هو دأب اللغة الحية. [مجلة المشرق (بيروت) السنة الأولى، عدد آب 1898 م / 1316 هـ / 699]

 

كما لاحظ العلماء نمو اللغة العربية بأساليب مختلفة منها:

-اكتساب كثير من مفرداتها معاني جديدة، أُضيفت إلى معانيها التي كانت في أصل الوضع، فكلمات مثل: النفس، الروح، العقل، المجد، الصلاة، الصوم، الزكاة، القراءة، الكتابة… إلخ لم تكن تعني في العصر الجاهلي ما أصبحت تعنيه في العصر الإسلامي.

 

-التوليد الذاتي، قد تحدّث عنه القدماء بتحفظ وحذر، وقالوا عنه: ما أحدثه المولدون الذين لا يحتجّ بألفاظهم. [السيوطي: المزهر، 1 / 304] والتوليد في نظر المحدثين: هو لفظ عربي البناء أعطي في اللغة الحديثة معنى مختلفاً عما كان العرب يعرفونه. [ظاظا: كلام العرب، ص 79] حيث فرضت المدنية الحديثة معاني جديدة على كثير من الألفاظ : كالسيّارة، والطيارة، والهاتف، والمذياع، والحضارة، وعلم الاقتصاد … إلخ.

 

ولم يكن التوليد بالوضع اللفظي فحسب، بل بالوضع المجازي: كالقوة الضاربة، والسوق السوداء، وناطحات السحاب، وغيرها كثير.

 

ولا ننسى التوليد بالاشتقاق، وهو أخذ كلمة من كلمة أخرى مع المحافظة على قرابة بينهما، لفظاً ومعنىً، مما جعل آخر هذه اللغة يتصل بأولها في نسيج خاص بها، من غير أن تذهب معالمها ، فإذا أخذنا كلمة ” كتب ” – على سبيل المثال – واشتققنا منها: كاتب، وكتاب، ومكتبة، ومكتوب، وجدنا أن الحروف الأصلية موجودة في كل كلمة من الكلمات، وأن معنىً مشتركاً يجمع بينها، وهو الكتابة. وذلك على عكس اللغات الأوربية، حيث لا توجد – في كثير من الأحيان – أية صلة ما بين كلمات الأسرة الواحدة، فكاتب في الإنكليزية: Writer، وكتاب Book، ومكتبة Library، ومكتوب Letter، ويُلاحظ أن لا علاقة بين حروف هذه الكلمات.

 

وهذا ما جعل لغةً مثل الإنكليزية تختلف من جيل إلى آخر، ولا توجد تلك الصلة اللغوية بين ماضيها وحاضرها، كما هو الحال في اللغة العربية. فلغة شكسبير، وهو من أدباء القرن السابع عشر لا تكاد تُفهم عند كثيرين من المثقفين اليوم، اللهم إلا المتخصصين في الأدب الإنكليزي. ويردّ بعض الباحثين هذا الأمر إلى اختلاف النطق وتطوره من جيلٍ إلى جيلٍ، وإلى نمون اللغة بطريقة غير طريقة الاشتقاق، وانقطاع الصلة بين كلمات الأسرة الواحدة في أغلب الأحيان. [الجندي: الفصحى لغة القرآن، ص 17 (نقلاً عن بحث لعمر الدسوقي)]

 

-أمّا النحت فقد عرفه العرب منذ زمنٍ بعيدٍ وسيلةً من وسائل نماء لغتهم، إذ دمجوا كلمتين أو أكثر في كلمة واحدة، تتضمن كل منها معنى ملحوظاً في المصطلح المنحوت، وقد لجأوا إليه للاختصار وعقدوا له فصولاً في كتبهم. والنحت عند معظم القدماء سماعي، وعدّه ابن فارس قياسياً. [ابن فارس: فقع اللغة، ص 271] ولكن ابن حيان الأندلسي قال في شرح التسهيل: ة هذا الحكم لا يطّرد وإنما يقاس منه ما قالته العرب، مثل: حيعل (حيّ علي) وحوقل (لا حول و لا قوة إلا بالله) وسبحل (سبحان الله) ودمعز (أدام الله عزك) .. إلخ.

 

ومن الأفضل لنا وللغة العربية عدم الإفراط بموضوع النحت، وأن يراعى عند اللجوء إليه المحافظة على نسقٍ مقبولٍ لترتيب الحروف وانسجام موزونٍ لأصواته. فإن استخدام كلمتين أو أكثر خيرٌ وأجدى إذا أدى النحت إلى مصطلحاتٍ منحوتةٍ لا يقبلها الذوق اللغوي السليم. [مطلوب: تعريب العلوم، ص 80 – 81]

 

-القياس: وهو حمل مجهول على معلوم، وحمل غير المنقول على ما نُقل، وكان القياس وسيلة من وسائل نمو اللغة العربية وتوسعها. وإذا كان البصريون يتشددون فيه، ولم يجيزوا القياس على الأمثلة القليلة، فإن الكوفيين قد أجازوا على المثال الواحد المسموع. وقد أخذ بعض المحدثين بذلك، ودعوا إلى الانتفاع بالوارد المسموع، لتمنح اللغة قوة وسعة لمسايرة الحياة المتجددة بمستحدثاتها العلمية والحضارية. [حسن: اللغة والنحو بين القديم والحديث، ص 249] ويمكن الركون إلى هذا الرأي، خاصة وأن أبا عثمان المازني يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. [ابن جني : المصنف، 1 / 180]

 

ومن خصائص العربية ظاهرة الإعراب. وهذه الظاهرة – كما لاحظ ابن جني – ليست حليةً لفظيةً أو علاماتٍ لا تفيد معنى، إذ هناك ارتباطٌ وثيقٌ بين الإعراب والمعنى. [ابن جني: الخصائص، ص 35]

وهو كما لاحظ ابن فارس : الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ ، و به يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام ، و لولا الإعراب ما مُيز فاعلٌ من مفعولٍ ولا مضافٌ من منعوتٍ ولا تعجبٌ من استفهامٍ، ولا نعتٌ من توكيدٍ. [ ابن فارس : الصاحبي ، ص 42 ]

 

وليس أدل على علاقة الإعراب بالمعنى من تفحص آيات القرآن الكريم و الحديث الشريف ثم الأدب – شعراً و نثراً – فنجد أن المعنى يتوقف أحياناً على الإعراب. فعلى سبيل المثال في قوله تعالى: {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر : الآية 28] وقوله {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [سورة البقرة : الآية 124] وقوله: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [سورة التوبة : الآية 3]

 

فإن إغفال الإعراب في مثل هذه الآيات يوقعنا في تحريفٍ لمعانيها. وقد هيأ الإعراب للمتكلم الحرية، فله التقديم والتأخير، اعتماداً على ظهور المعنى، كتقديم الخبر في مثل قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)} [سورة الذاريات : الآية 22] وتقديم المفعول به على عامله، كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [سورة الفاتحة: الآية 5]

 

ولا تقتصر وظيفة الإعراب على أواخر الكلمات فحسب، بل تشمل أوائلها وأواسطها أيضاً: أَكَلَ _ أُكِلَ ، سَرَقَ _ سُرِقَ ، نِعمَ _ نَعَم . ومن المزايا التي تفردت بها هذه اللغة ما يدعونه “المثنيات التي لا تُفرد”. وهي قسمان: الأول تلقيني، والثاني تغليبي، فالتلقيني هو ما إذا أُفرد لم يفد المعنى الموضوع له في التثنية، فلا يصح إطلاقه على أحد المسميين مثل: الثقلان (الإنس والجان) والجديدان (الليل والنهار) قالت الخنساء: إنَّ الجَدِيدَينِ مع طُولِ اختِلافِهما لا يَفسُدانِ ولكن يَفسُدُ النّاسُ [الخنساء: ديوان ، ص 8]

 

أمّا التغليبي فهو إذا ما أُفرد صحّ إطلاقه على المتغلب من الاثنين، ومن هذه المثنيات: الأبوان، القمران، العُمران، المغربان، المشرقان… إلخ وقد لاحظ الدكتور أحمد أمين أن العربية استطاعت أن تكون أداة لكل ما نُقل عن علوم الفرس والهند واليونان وغيرهم، وليس هذا فحسب بل إن اللغة العربية انتشرت بين سكان البلاد المفتوحة، فلم يمض زمن طويل بعد الفتح حتى رأيت رجال الكهنوت القبطي يكتبون بالعربية، وما أن انقضت سنوات قليلة على فتح إسبانيا حتى أخذ الناس هناك ينسخون الكتب اللاتينية بحروف عربية، ثم ترجمت التوراة والقوانين الكنسية إلى العربية ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها. وبعد مضي نصف قرن من الزمن على الفتح الإسلامي، أصبح الناس كلهم يتكلمون العربية، واتخذ النصارى من هذه اللغة ترجماناً لعواطفهم وقلوبهم. [أمين: ضحى الإسلام، 1 / 289 – 290]

 

ولا ننسى أن النهضة الأوربية التي نتمسك بأذيالها اليوم، ما كان لها أن تكون في الزمن الذي جاءت فيه، لولا اللغة العربية التي نقلت لهم قسماً من فلسفة اليونان وعلومهم، كما نقلوا عنها ما أنتجه علماء المسلمين من علوم: الحساب والهندسة والكيمياء والفلك والطب التي ظلت تعلم في معاهدهم وجامعاتهم إلى عهد قريب.

 

كما لاحظ عباس العقاد أن من صفات الحروف العربية توزعها في أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، بالإضافة إلى أن أبجديتها ليست أكثر عدداً من الأبجديات في اللغات الهندية والجرمانية أو اللغات الطورانية أو اللغات السامية، فإن اللغة الروسية – مثلاً – تبلغ 35 حرفاً. وعلاوة على ذلك فإن الخصائص الصوتية للحروف العربية تؤكد ثباتها، فبالرغم من التشويه والتحريف الذي طرأ على الحروف في اللهجات العامية، فإن الحروف ما زالت كما كانتا منذ أربعة عشر قرناً. [السامرائي : آراء في العربية ، ص 45]

 

وفي حين هناك صوت لكل حرف في اللغة العربية لا يتغير باختلاف موقعه من الكلمة، نرى أحرف الهجاء في كثير من اللغات لا تمثل جميع الأصوات في اللغة، فالإنكليزية – مثلاً – تتألف من أربعين صوتاً ولكن حروف هجائها ستة وعشرون حرفاً. فهي تعرف “الثاء” ولكن ليس هناك حرف واحد يرمز إلى هذا الصوت، بل يلجأون إلى استعمال “Th “، وكذلك حرف “الذال” فإنه يرد في كلمة ” Father ” أي أن ” Th ” لفظت ” ذالاً ” و هناك ” Sh ” فإنها ترمز إلى حرف ” الشين ” الذي ليس له حرف واحد يرمز إليه. وحرف ” C ” يلفظ أحياناً كافاً ” Car ” وأحياناً سيناً ” Center ” وأحياناً شيناً “Pacient” وحرف ” S ” يلفظ أحياناً سيناً “Sun”، وأحياناً زاياً “Please ” وأحياناً جيماً “Pleasure” .. إلخ [راجع مجلة: الأبحاث ( بيروت ) حزيران، 1948 ( مقال الدكتور أنيس فريحة)]

 

وإذا كان من مشكلات الحرف العربي أن هناك حروفاً متحدة بالشكل العام، ولكنها تمتاز عن بعضها بعدد النقط، فيؤدي الأمر إلى “التصحيف” أي أن تقرأ الكلمة على وجوه متعددة ، فالواقع أن مشكلات الحروف لا تقتصر على العربية وحدها ، فحروف المد في الإنكليزية: a , e , i , ou , ie , io , ei , ea , ee يختلف فيها النطق بها بدون سبب معقول، وحرف ” O ” يلفظ بصوتين في ” Do ” – ” Go”. وكذلك الحرفان ” ow ” في ” Bow ” – ” How ” . والحرفان ” Ch ” في ” School ” – ” Church ” . والمخارج الصوتية للحرفين ” ou ” كما في ” out” – ” Four ” – ” Trouble ” – ” Tkrought ” – ” Thing” ، وحيناً ذالاً كما في ” The ” – ” This “، والألفاظ التالية تختلف كتابتها، مع أن مخارج ألفاظها واحدة: “Their” ،  There” ،  Hair”. [السامرائي: آراء في العربية، ص 118 – 119]

 

ولا تزدحم أصوات الحروف في اللغة العربية على مخرج واحد كما تزدحم الفاء والفّاء ” F ” – ” V ” ، والباء والبّاء ” B ” – ” P”. وإذا كان بعضهم يرى أن أصواتها التي تطلقها حناجر أهلها تنقص بعض أصوات لأصحاب لغات أخرى، كالباء الثقيلة، والغين الثقيلة، وحرف العلة بين الواو والياء، فإن من خصائصها أن أحرف ” الحاء، والضاد، والطاء” لم تكن إلا فيها.

 

أمّا ما يشاع حول صعوبة العربية فمزاعم باطلة في منطلقاتها و أهدافها. إذ لدى النظر الفاحص – البعيد عن الهوى – نجد كثيراً من الصعوبات التي يتحدثون عنها هي مصدر ثرائها وأصالتها و تكاملها. علماً أنه لا حاجة للإنسان العادي أن يكون عالماً بكل جوانبها، فهناك موضوعات يُترك أمر التعمق فيها لعلماء العربية ولذوي الاختصاص فيها.

 

ولعل من الصدق بمكان أن نقول: إن من خصائص العربية السهولة، فهي هجائية في كتابتها ، فيسهل إملاؤها، وغير الهجائي فيها يخضع لقواعد قياسية ثابتة ، أمّا الإنكليزية فلا تكتب كما تنطق ، فهناك الحروف الزائدة في كثير من الكلمات، حتى أن متعلم هذه اللغة يضطر إلى حفظ الكلمة وحفظ صورتها في الرسم. وهذا الأمر لا يقتصر على اللغة الإنكليزية فحسب، بل ينطبق على الفرنسية والإيطالية وغيرهما من اللغات الأخرى. [مجلة مجمع اللغة العربية (دمشق) المجلد / 43 ، سنة 1968 (مقال عارف النكدي) وتتجلى سهولتها أيضاً في تصريف أفعالها الثلاثة، وهي تقتصر على: الماضي، والمضارع، والأمر، بينما تبلغ الصور التصريفية لأفعال اللغة الفرنسية خمس عشر صورة، منها خمس للماضي وحده.

 

وهي لغة قياسية في قواعدها، والجوازات فيها للتيسير لا للتعقيد، والشواذ لا يقاس عليها، ولا يحكم على صعوبة اللغة من خلالها. وقد لاحظ واصف بارودي الاطّراد في تصريف الأفعال، فليس من أفعالها ما يتصرف تصرفاً شاذاً، إلا في القليل النادر، بينما يوجد في الفرنسية المئات من الأفعال التي يتصرف كل منها \تصرفاً شاذاً خاصاً به ولا يخضع لقاعدة أو قياس، وإنما يجب أن تحفظ صورها الصوتية والكتابية. [بارودي: مقالات التربية والتعليم، مجلة التعليم العام الفرنسية، عدد / 12، 1930، ص 402، (مطبعة الكشاف 1933)]

 

أمّا اللغة الصينية فلا تملك حتى اليوم أبجدية تقيم عليها لغتها. والحروف الصينية ما هي إلا رسومات تصل إلى أربعة آلاف شكل، هي أقرب – في شكلها – إلى الخطين المسماري والهيروغليفي القديمين.

 

وتعد اللغة الألمانية من أصعب اللغات في أوربا الوسطى، فهي تشتمل على قواعد لا تقل في دقتها وتشعبها عن قواعد اللغة العربية. [السامرائي: آراء في العربية، ص 69] ومع ذلك لم نسمع أن أصحاب هذه اللغات يشكون من صعوبة لغاتهم أو تقديم اللغات الأجنبية عليها، كما لم تُقدم هذه الدول على استبدال حروف لغتها بألفباء أجنبية عنها.

 

وإذا كان بعض علماء اللغات قد انشغلوا في المفاضلة بين لغة وأخرى في أوائل القرن العشرين، فإن انشغالهم كان في العرض دون الجوهر، أي أن جلّ اهتمامهم دار في نطاق النظام اللغوي – الصوتي والصرفي والنحوي – في حين أن الأمم الراقية تتفاضل وتتنافس بعقائدها وقيمها الإنسانية، وبأنظمتها السياسية والاجتماعية و الاقتصادية. ومن هنا كان ميزان التفاضل بين اللغات ينبغي أن يكون فيما تحمله في أحشائها من مضامين وأفكار، ثم ينظر في أمر أوعيتها الخارجية.

 

أمّا ميزان المفاضلة بين الشعوب والأمم والأفراد فقد جاء القول الفصل فيه حين قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [سورة الحجرات : الآية 13]

 

وخلاصة القول يتلخص فيما رآه ابن حزم الأندلسي من أن العربية استمدت قوتها من قوة الدول الإسلامية، إذ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليها في أماكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها و نشاط أهلها. وأمّا من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واستقلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون فيهم موت الخاطر. [ابن حزم: الأحكام في أصول الأحكام، 1 / 32]

 

ولعل خير ما نختم به هذا الفصل قول الثعالبي: إن من أحب الله أحب رسوله المصطفى صلى الله عليه و سلم، ومن أحب النبي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عني بها و ثابر عليها، وصرف همته إليها. [الثعالبي : فقه اللغة و سر العربية ، ص2]

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات