طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(110)
4825

النحو واللحن

1439/03/28
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

سعد حمدان محمد آل محي الغامدي

يظنّ الكثيرون أنّ النحو وضع للحدّ من ظاهرة اللحن التي غزت اللغة الفصحى، وكان سببُها اختلاطَ العرب بسواهم من الأمم الأعجمية بعد الفتح الذي مَنّ الله به على الأمة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.

ولكن هذا لا يصحّ لعدة أمورٍ منها:

أوّلاً: أنّ اللحن الذي يمكن أن يكون من أثر الاختلاط بالأعاجم لم يكن في إهمال الحركة الإعرابية الملائمة للموضع الإعرابي فحسب بل كان فيها وفي حركات البنية وفي الأصوات، وهذه ليست من النحو بالنظر إلى اهتمامه بالعلامة الإعرابية وبقضايا التركيب المتصلة بذلك، وذلك في كتبه المدرسيّة، وكذلك كان هناك لحن في ترتيب الكلمات داخل التركيب، وهذا لم يهتم به النحو إلاّ عرضاً، فالنحو لم يبحث في أبواب مستقلّة مسائل التقديم والتأخير والحذف والإضمار وغيرها.

ثانيا: أن ما يدّعى من اللحن في تلك الروايات يلحظ فيه أمور:

1- أنها ليست سوى لحن منسوب إلى أفراد بعينهم، ولا يشكل ظاهرة خطيرة على اللغة.

2- إمكان تخريج كثير ممّا عد لحنا على مذهب من مذاهب العرب في كلامها، أو على ما تقتضية طبيعة التطور اللغوي.

3- بروز الصنعة والتكلف بل والكذب في الروايات كما في قصّة الأعرابي وآية سورة التوبة.

ثالثاً: أنّ النحو لم تحتج إليه العرب، ولم يؤثر في لغتها وهاهم الشعراء يعتصمون بقولة الفرزدق: علينا أن نقول وعليكم أن تتأوّلوا، بل إن النحو كان حاجة للأعاجم لتعلّم اللغة، وعلى ذلك أدلة مما ورد في أقوال بعض العلماء من مثل النحو صنعة الأعاجم، وقد مرّ أحد العلماء على جماعة من الموالي وهم يتباحثون في النحو فقال قولة مشهورة سارت بين العلماء، وهي: إنهم يتكلمون في كلامنا بكلامنا بما ليس من كلامنا، أو كما قال.

رابعاً: أنّ الأعاجم جعلوا النحو وسيلة من وسائل تعلم اللغة وليس وسيلة للتغلب على اللحن، فتعلموا اللغة وبقي اللحن على ألسنتهم؛ إذ كان كثير منهم يرتضخون الأعجمية في كلامهم، وإن كانوا أحسنوا القراءة والكتابة والفهم للنصوص ومن ثم التفكير فيها والاستنتاج منها بما عدّ علامات باهرة في تاريخ ثقافتنا العربية والإسلامية.

خامسا: أنّ النحو لم ينجح في منع العرب من أمرين حدثا تحت سمع النحو وبصره وهما: التخلّي عن الفصحى واصطفاء العامّية في لغة الخطاب بالتدريج، بل وصل الأمر إلى الشعر الذي نراه وقد تلبسته لغات عامية عبر عصور العربية من قديم إلى اليوم، ومعلوم أنّ هذا نجم في القرون التي بلغ النحو فيه الغاية من التمام والكمال، وهكذا يتغلب أحد مستويي الأداء على الآخر، ومعلوم أن هذا ليس بسبب الأعاجم ولا بسبب اللحن..

سادسا: أنّ مكافحة اللحن في أواخر الكلمات أو في بنيتها أو في التراكيب لا يكون بالنحو ولا الصرف ولا بعلم من علوم اللغة الأخرى، وإنما تكون بالتمرين المستمر على الكلام بالفصحى وبقراءة نصوصها من قرآن وحديث وشعر ونثر، وهذا ظاهر في صنيع الشعراء والكتاب الذين كانوا في غاية الفصاحة والبلاغة دون كبير إلمام بالنحو أو غيره من علوم اللغة.

سابعا: أنّ العرب الفصحاء ومن تكلّم بالفصحى فيما بعد في عصور ازدهار النحو وما بعدها لم يكن النحو هاديا لهم أو مرشداً إلى الفصحى بل جعله كثير منهم دبر أذنه ووراء ظهره.

ثامنا: أن الاهتمام بالنحو كان من قبل العلماء الذين ألفوا في التفسير وذلك تبعاً لفعل أبي عبيدة في مجاز القرآن عندما أقحم النحو في كتابه، وجاء الأخفش والفراء وجماعة فزادوا من إدخال النحو التفسيرَ حتى غدت نصوصهم وأقوالهم محل النظر والبحث ممن جاء بعدهم فازدهر النحو في هذه الكتب.

تاسعا: أنّ إحياء الفصحى في العصور الحديثة كان أساسه التعليم وإحياء التراث الفصيح وطباعتة والكتابة بالفصحى في الجرائد والمجلات وكتابة العلوم المختلفة بلسان عربي مبين، وكان الشعراء الفصحاء المعاصرون عالةً على النصوص المطبوعة من الشعر والنثر، أمّا النحو فلم يكن له أثر كبير بل كان مدخلاً صعباً إلى اللغة يستعصي على كثير من الدارسين وبخاصّة كتاب سيبويه، أمّا النصوص الفصيحة فقد شقت طريقها إلى الألسنة والكتب الحديثة بكل سهولة ويسر.

عاشرا: يجب ألاّ ننسى أن تأثير اللغات الأجنبية مما كان في العصور الأولى على اللغة الفصحى كان محدوداً جداً، ولا يشكل خطراً على اللغة بل إن هذا وهم من الأوهام؛ فنحن نرى اختلاط أبناء الجزيرة الآن بالأعاجم وبأعداد هائلة، وهذا لم يكن له أثر لا خفيٌ ولا ظاهر على ألسنة أبناء الجزيرة عاميّة وفصحى. و إنما الذين يلحنون في اللسان العربي الحديث هم الأعاجم أنفسهم مما هو محل تندّر أبناء اللغة.

حادي عشر: أنّ النحاة ومتعلمي النحو في كل العصور، وفي هذا العصر يقضون سنوات طويلة قبل أن يحفظوا كلّ مسائله، ومع هذا فكثير منهم فصيح اللسان ثابت الجنان لا بفضل النحو وإنما بفضل ما يُعنون به من نصوص، وقد يوجد منهم من أفنى سنينه في طلب النحو فيغدو آية في حفظ مسائله وفهم مغلقه، ومع هذا يعجز عن خطبة قصيرة أو إبانة عن مراده.

ثاني عشر:أن النحو له مهمة أخرى وهي أن يصف النظام اللغوي لتراكيب اللغة ويحدد معالمه ويفترض أن يضع طرائق لتعليم اللغة وأنظمتها، أما اللحن فهو شأن آخر يحتاج دفعه إلى حفظ النصوص وإتقان أدائها والتدريب على ذلك، ويلاحظ في هذا الشأن أن النحو قد استكثر من الأمثلة والشواهد مما يدل أن قواعده المجردة من الأمثلة لا تستطيع تقديم اللغة لطالبيها وأنه محتاج إلى النصوص، ولكن النصوص لا تحتاج إليه ألبتة، فهي رسول نفسها وحامية حماها والمدافعة عن وجودها وبقائها.

ثالث عشر: أن حلّ مشكلة الخطأ واللحن في العلامة الإعرابية، وحل مشكلة ضبط البنية في القرآن بخاصة كان فيما صنعه أبو الأسود من وضع إعجام الشكل، ولم يكن بحاجة إلى النحو في هذا الصنيع فهو لم يكن يعرفه في ظنّي، وإن ألمّ بشيء منه فإنه لم يلم به كلَّه لعدم تكامل مباحثه في ذلك الزمان، والذي يظهر بوضوح أنّ صنيع أبي الأسود ولد التفكيرَ في النحو فقد لحظَ هو اختلاف أواخر الكلم من حيث العلامة الإعرابية في غالب الأسماء، وكان أنْ قام النحو في أكثر دروسه على التمييز بين المرفوعات والمنصوبات والمجرورات.

رابع عشر: لا صحة لما يدعيه بعضهم من أن الأعاجم قد هدموا الفصحى ويسروا حلول العامية محلها، فإن ما حدث في أواخر القرن الثالث له إرهاصات قبل ذلك حين وجد لزمن طويل مستويان للأداء عند العرب مستوى معرب مبين وهو اللغة الأدبية التي نزل بها القرآن ومستوى أقل إبانة بالنسبة لعامة العرب، وإن كان فصيحا في بيئته، وهو مستوى متعدد يختلف من بيئة إلى أخرى، وهذا المستوى بأشكاله المختلفة هو ما ساد على الألسنة فيما بعد حتى ضرب بجرانه على العرب عامّة، فأصبح لكل قبيلة لهجتها التي تنماز بها عن غيرها بشكل أو بآخر وعمل التطور فيها عمله حتى غدا الاختلاف بين اللهجات واسعا جدا.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات