أفصحت الشعوبية عن نفسها في العصر العباسي حركة عنصرية ضمرت العداء للعروبة بهدف إضعاف الإسلام الذي حمل رسالته العرب، وتبنت فلسفة ملحدة تسعى لإحياء حضارات الأمم القديمة التي سبقت ظهور الإسلام، انطلقت الدعوة الشعوبية بدءا من بلاد فارس حيث أظهر بعض ممن كان يعتنق المجوسية الإسلام تقية ومداراة وليس عن قناعة وإيمان، وأبطن في سره الحقد لشعوره أن العرب المسلمين قضوا على دولتهم وحضارتهم ودياناتهم، وثقل عليهم رؤية السيادة للعرب ولم ينظروا إلى ما جلب لهم الإسلام من الهدى والحرية والخير والطمأنينة، وظلوا يتربصون الفرص ليتعمدوا الاستهانة بالحضارة والثقافة العربية ولغة الضاد لعلمهم أنها عماد الإسلام. فكان هدفهم طعن العروبة للنيل من الإسلام ولو بأسلوب غير مباشر.
استوت الحركة الشعوبية وتعاظمت في العصر العباسي بعد أن غشيت الجواري والخدم الخصيان والجند قصور الخلفاء وأصبحت أخطر ما يهدد الدولة والدين، حتى شغل الفرس جل مراكز الدولة المستنفذة خلافا للعهد الأموي الذي حرص على سيادة العنصر العربي، فشاعت العادات والتقاليد الفارسية كالاحتفاء بيوم نيروز ولبس القلنسوة وترجمت كتب التراث الفارسي وانتشرت الثقافة الفارسية: وهكذا تحولت الشعوبية تدريجيا من حركة تسوية بين العرب وغيرهم، إلى حركة تفضيل العجم على العرب عبر ترويج الإحساس بعنصرية الأعجمي وغرس اليأس في نفسه ليرتد عن الإسلام والانقلاب على الخلافة العربية.
موه الشعوبيون الموالي دعوتهم بأن الحد من نفوذ العرب القصد منه إضعاف الأمويين لصالح بني العباس فكانت دعواهم سلما لنشر عاداتهم وثقافاتهم وكراهيتهم للعرب، وما كان سكوت العباسيين إلا ظرفيا لغاية إضعاف نفوذ للأمويين. لكن الفرس تمادوا بوهمهم وشطوا بنشاطهم للوصول إلى أغراضهم في هدم الدين الإسلامي وتشويه مبادئه وقيمه ومحاربة العرب وعناصر وجودهم وهويتهم: اللغة والأدب والتاريخ والأخلاق وطهارة الأنساب، وإحياء حضارة فارس وطقوسها، فاستلوا كل مكرمة من العرب وجردوهم من كل فضيلة، هجوا اللغة والشعر والحكم والأمثال ولهم في ذلك شواهد، فألف هيثم بن عدي كتب: المثالب الكبير، والمثالب الصغير، ومثالب ربيعة، وأسماء بغايا قريش في الجاهلية، وألّف أبو عبيدة معمر بن مثنى في مثالب لصوص أدعياء العرب، وفضائل الفرس. وهجا بشار بن برد العرب واقتدى به ديك الجن. وكان دهاقين الوزراء الفرس كآل برمك وبني سهل وطاهر بن الحسين والأفشين غطاء وسندا، وما زاد النار اشتعالا مؤازرة الحركات الباطنية والزنادقة ممن يرون الإسلام سفه قومياتهم وهدم دياناتهم القديمة وما كان من أمر طقوس عبادتهم للنار وتقديسهم للأكاسرة بالدم الإلهي، وإباحة النساء والأموال وجعل الناس شراكة كالماء والنار والكلأ وصاروا يغررون الشبان والعامة بتبني الدعوة المزدكية بقيادة مزدك وأن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم فينبغي العيش سواء بلا فوارق، وأن المال والنساء مما حرصت النفوس على حفظه وحراسته وهما أهم ما تجب فيه المساواة والاشتراك فساندوا الشعوبية باطنيا وسعوا لها متظاهرين بحب للإسلام تقية وكره العرب.
وترجم الشعوبيون إلى العربية كتب مناقب التراث الفارسي لإظهار فضلهم على العرب وتفوقهم في الحكمة والسياسة والطعام والشراب والملبس، وادعوا أن الفرس أفضل من العرب لأنهم أبناء إسحاق بن إبراهيم من سارة الحرة والعرب من هاجر الأمة وألفوا كتبا ذكرها الجاحظ مثل انتصاف العجم من العرب، وكتاب فضل العجم على العرب وافتخارها، ومفاخر العجم والحمد لله أن طمسها ولم يكتب لأي منها الشيوع والبقاء. وحين ظهرت الحركة الصفوية المتطرفة دعمت ربط الطائفية بالعنصرية في الكيد للعرب فاستند إلى مبدأ “الشعوبية”: لترسخ أفكارها وأهدافها في ضمائر الناس بدس السم بالعسل متسللة إلى عقائد الناس وإيمانهم من خلال إضفاء الطابع الديني على عناصر حركتها واندست داخل البيت النبوي الأمر الذي دفع الدكتور أحمد أمين أن يقول: “وأما التشيع فقد كان عش الشعوبية الذي يأوون إليه وستارهم الذي يتسترون به” إمعانا في المكر والكيد رغم أن التشيع دعوة صريحة لموالاة آل البيت النبوي العربي الطاهر الشريف ولكن الصفوية، استغلت التشيع لتمنح الشعوبية طابعا روحيا ساخنا وتعطيها مسحة قداسة دينية، عبر توظيف الدين الإسلامي وشخصية محمد وعلي إلى مذهب عنصري طائفي وقيادات فاشية دموية، تؤمن بأفضلية التراب والدم الإيراني والفارسي منه على وجه الخصوص. مثلما تفعل الحركة الصهيونية العالمية الحديثة في عصرنا فتصطف إلى جانب الصفوية نظيرا في الدعوة أنهم شعب الله المختار وأرواحهم من روح الله، وفضلهم على الآخرين كفضل الإنسان على الحيوان وحين يحكمون العالم لا يسمحون لدين آخر بالبقاء على الأرض وقد حذر من خطرها الزعيم الأميركي بنيامين فرنكلين عام 1789 وأطلق عليهم فيها اسم الخفافيش ومصاصي الدماء.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم