طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الحرف العربي يواجه التحديات

ملتقى الخطباء

(171)
4814

الحرف العربي يواجه التحديات

1439/03/28
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

د. محفوظ ولد خيري

 

لا يتمارى اثنان فيما يتميز به الحرف العربي من خصوصية وجمال ورمزية ضاربة بالقدم في وجدان وكيان الثقافة العربية والإسلامية والعربية الإسلامية، فهو بما يختزله من دلالة كينونة الثقافة ولسانها المترجم والمعبر عنها غالبا .

ورغم أننا لا نستطيع بالتحديد معرفة التاريخ الذي ولد فيه الحرف العربي بشكله الحالي المستخدم اليوم إلا أننا نعلم يقينا أنه مر بمراحل تطور تبلور من خلالها الشكل الحالي للكتابة العربية

 

والمصادر تشير إلى أن ثمت كتابات عربية – أو كما يسمونها أقلاما – متعددة كانت تستخدم قبل ومع الحرف العربي الحالي إلا أنها اندرست ولم يكتب لها الإنتشار؛ فهنالك خط (المسند) الذي اعتبره المؤرخون القلم العربي الأول والأصيل وهو خط أهل اليمن، ويسمونه خط (حِميَر)، وجاء بعده الخط (الإرمي) نسبه إلى قبيلة إرم، وهو الخط الذي دخل الجزيرة العربية مع دخول المبشرين الأوائل بالنصرانية، حتى أصبح فيما بعد قلم الكنائس الشرقية، وهناك القلم (الثمودي) نسبة إلى قوم ثمود، والقلم (اللحياني) نسبة إلى قبيلة لحيان، والقلم (الصفائي) الذي عرف بالكتابة الصفائية نسبة إلى أرض (الصفاة) .

 

وإذا ما مررنا سريعا على المحطات البارزة في تطور الكتابة العربية فسنجد أن ظهور الإسلام شكل نقلة نوعية في تاريخ الثقافة العربية ككل والحرف العربي على وجه الخصوص، حيث بدأت تنتشر الثقافة المكتوبة وتقل الأمية مع اتساع النظم الإدارية في المناطق الآهلة بالعرب، واستُخدِم الحرف العربي أولا في تدوين القرآن الكريم، ثم في تدوين الحديث ومكاتبة الملوك في مرحلة لاحقة، ثم عربت دواوين الدولة وضربت على النقود نقوش عربية في عهد عبد الملك بن مروان في حدود سنة 80 للهجرة، ثم دخل الحرف العربي بعد ذلك طور التجميل والمحسنات فأضيف إليه نقط الإعجام وعلامات الإعراب في أواخر القرن الأول للهجرة، وفي منتصف القرن الثاني الهجري ألف عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري (توفي سنة 155 هـ) أول كتاب بالعربية يؤلف في الإسلام

 

تطور شكل الحرف الجمالي بسرعة بعد ذلك ثم اتخذ أساليباً بعضها تزييني صرف والآخر قاعدي، وأول الخطوط التزيينية كان الخط الكوفي، ومنه المضلع الهندسي والمشجر والمضفر، وهناك خطوط زخرفية أخرى كالطغرائي والديواني والفارسي، أما الأسلوب القاعدي؛ فمن أمثلته: خط الطومار والثلث والثلثين والنصف والرقعة.

 

والواقع أن الشرق والغرب الإسلامي والعرب والعجم كلهم شاركوا في تطور الحرف العربي؛ فقد أخذت مدرسة المغرب والأندلس الخط الكوفي وجودته في القرون الخمسة الأولى للهجرة، ثم لينته لأغراض التدوين، وقد كان المغرب يسيطر عليه الخط الأندلسي المتمغرب – كما يسميه ابن خلدون – ثم أخذت الكتابة تكتمل مغربيتها من عصر بني مرين في القرن السابع للهجرة إلى أن صارت متميزة بعدة خصائص

وفي الفترة الأخيرة ضبط الدارسون للخط المغربي عدة خطوط منها: الخط القيرواني، والأندلسي، والفاسي، والسوداني

 

وفي مشرق العالم الإسلامي اهتم الإيرانيون بالحرف العربي وأدخلوا عليه كثيرا من التحسينات والإضافات؛ فاخترعوا خط: التعليق ثم جاء الخطاط الفارسي المبدع: مير علي، فطور التعليق بإدخال شيء من النسخ عليه وسماه: النستعليق ، واخترع الوزير ابن مقلة الشيرازي خط الثلث، وألف في الخط والقلم رسالته الهندسية التي تعتبر بحق آية في هذا الميدان، وهي التي كانت فاتحة هندسة وزن الحروف العربية بميزان رياضي

 

أما الخطاطون الأتراك والسلاجقة فقد برعوا في كتابة الخط العربي وركزوا جهودهم في إجادة خطي النسخ والثلث، وبلغ الخط العربي في عهد العثمانيين ذروة الكمال والجمال، وخلف لنا الخطاطون الأتراك آثاراً خطية بالغة الروعة، واحتل الخطاطون الذين يرسمون الحروف العربية مكانة بارزة في بلاد السلاطين العثمانيين حتى إن بعض سلاطينهم تعلموا فن الخط على يد أساتذته الكبار وكان منهم خطاطون متفوقون كالسلطان محمود خان والسلطان عبد الحميد الثاني، وساهم العثمانيون كذلك في إثراء الخطوط العربية باختراع خطوط جديدة؛ منها الديواني والديواني الجلي وخط الرقعة الذي أصبح من أكثر الخطوط العربية انتشارا.

 

وفي عصر النهضة الحديث أخذ تطور الحرف العربي منحى جديدا حيث أضيفت إليه علامات الترقيم مستفيدا في ذلك مما توصلت إليه الكتابات الغربية واللاتينية من تطور، وقد ساهمت هذه العلامات بشكل كبير في توضيح دلالات الفصل بين أجزاء الكلام وتفسير فقراته، وإبراز غرض الكاتب وانفعالاته من تعجب واستفهام ودهشة وغير ذلك،

 

وأول من استعملها وأدخلها في الكتابة العربية شيخ العروبة: أحمد زكي باشا الذي أعد – في العام 1912 م – بمعونة عدد من الباحثين والأدباء العرب رسالة عنوانها: (الترقيم و علاماته)، و أقرت وزارة المعارف العمومية المصرية استخدام هذه العلامات فى المدارس آنذاك، ثم فى عام 1932 م ارتضت ” لجنة تيسير الكتابة فى المجمع اللغوى ” ما أقرته وزارة المعارف المصرية وأصدرت بيانا بذلك ينص على عشر علامات أضيف لها بعد ذلك بعض العلامات الأخرى.

 

سيطرت الحروف العربية – في فترة سابقة – على الكتابة في العالم؛ فقد كانت الكتابة العربية الكتابة الأكثر استعمالا خلال العصور الوسطى، حيث اكتسحت أفريقيا كاملة فكانت كل لغاتها تكتب بالأبجدية العربية؛ اللغة الأفريكانسية، والبربرية، ولغة الهراري، والهوسا، والفولانية، والماندينكية، والولوفية، والنوبية، والسواحلية، واليوروبية في غرب أفريقيا، كذلك كتبت بها لغات في أوروبا شملت الألبانية، والأذرية في أذربيجان، واليونانية في مناطق معينة في اليونان والأناضول، واستخدمت الأبجدية العربية في أوربا من قبل المستعربين والأراغونية والبرتغالية والإسبانية عندما حكم المسلمون شبه جزيرة أَيْبِيرِيَا (الأندلس)، وكانت تستخدم في آسيا الوسطى وأقاليم الاتحاد الروسي، وجنوبي شرقي آسيا، والشرق الأوسط، وعلى امتداد المساحة التي كانت تغطيها الإمبراطورية العثمانية والتي بلغت 19.902.000 كم،

إلا أن هذا المد شهد جزرا حادا في القرن العشرين الميلادي حيث تحولت تركيا إلى استخدام الأبجدية اللاتينية في عام 1928م كجزءٍ من ثورةٍ تغريبيةٍ داخلية، وتحولت اللغة اليوغورية بتركستان الشرقية إلى الكتابة بالحرف اللاتيني في حدود عام 1960 م، وفي ماليزيا كتبت المالوية بالحروف العربية زمنا، حتى قرر الاستعمار الإنجليزي عام 1963 م اعتماد الحرف اللاتيني بديلا عن الحرف العربي في ماليزيا وإندونيسيا.

 

والأدب الألباني مازالت بعض من روائعه مكتوبة بالحروف العربية، وقد كانت لغات منطقة البلقان تدون بالأبجدية العربية حتى سنة 1970م تاريخ صدور آخر كتاب في اللغة الألبانية مطبوع بالحروف العربية

 

أما الجمهوريات الإسلامية في آسيا التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي؛ “كازاخستان” و”أوزبكستان” و”تركمانستان” و”قرقيزيا” و”أذربيجان” فقد تقرر في مؤتمر أنقرة سنة 1993 أن تكتب لغاتها بحروف لاتينية معدلة (34 حرفا)، وعندما سيطر الاستعمار الغربي على مختلف أنحاء القارة الإفريقية ناهض الحرف العربي وعطل كتابة اللغات الإفريقية به واستبدلها بالحروف اللاتينية، وقد نفّذ ذلك على مراحل، فطبعت لأول مرة في فترة الثلاثينات من القرن العشرين الميلادي كتب بالحروف اللاتينية، بكل من لغتي “الهوسا” والسواحيلية، وهما أكبر اللغات الإفريقية في غرب إفريقية وشرقها، وقد تمّ تكريس هذا الاتجاه عالمياً تحت إشراف اليونسكو في أواسط الستينات في مؤتمر عقد في داكار، حيث اعتمدت كتابة اللغات الإفريقية جميعاً بالحرف اللاتيني، ووضعت القواعد الثابتة لذلك، وهي خطوة حاسمة تمّ بها فصل الإفريقيين عن تراثهم المكتوب، وعزل الأجيال الإفريقية ثقافياً عن ماضيها، وكأنهم يبدؤون الحياة الثقافية بعد استعمار أوروبا لإفريقيا، في حين أنّ الثقافة الأوروبية لا جذور لها في إفريقيا، وهي نتاج لاستعمار بدأ وانتهى في القرن الماضي .

 

لم يتوقف الأمر عند انحسار كتابة اللغات غير العربية بالحرف العربي فحتى اللغة العربية شهدت دعوات وندوات نادت بتحويل أبجديتها إلى الحرف اللاتيني ولاستغناء به عن الحرف العربي، تولى كبر هذه الدعوات كبار أباطرة المستشرقين والمستغربين، وقد مُهِّد لهذه النظرية بعدد من المقالات الصحفية والدراسات والبحوث، وعقد مجمع اللغة العربية بالقاهرة جلسة في 3 مايو سنة 1943م لمناقشة: ” إحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربية “، إلا أن هذا الاقتراح البارد ولد ميتا فلم يجد تحمسا أو حتى قبولا في الأوساط العلمية والأكاديمية ولم يجد صدى في الشارع العام، وقد فسر على أنه إنما يعقد المشكلة ولا يحلها؛ فهو لن يقضي على مصاعب الإملاء بل إن فوضى تطبيقه ستؤكد الحاجة مجددا إلى قواعد إملاء معقدة، كما أنه لا يحقق التطور الأدبي والاجتماعي المنشود .

 

لكن العقبة الكؤد والتحدي الأكبر الذي واجه الحرف العربي إنما تمثل في تقنية أدوات التواصل الإلكتروني الحديثة التي ألجأت طريقة تصميمها والحاجة الملحة لاستخدامها وفرضها لأنواع محددة من أشكال التمظهر الإجتماعي إلى نشوء لغة هجين اصطلح على تلقيبها ب”لغة الشات”، وهي مزيج من الأحرف اللاتينية والأرقام ولاختصارات الرمزية التي تستخدم للتعبير عن المضمون العربي كبديل عن الأبجدية العربية، وتتميز بالسرعة ولاختصار والتدعيم الذاتي في جميع الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة وأجهزة الآيباد في عمليتي الكتابة بها والقراءة وعدم الحاجة إلى إدخال برامج مدعمة للغة العربية.

 

ومن خلال تتبع واستقصاء هذه الظاهرة نجد أن أسباب انتشارها والحرص على استخدامها ترجع لأسباب فنية وتقنية تتعلق بعدم تزويد بعض مفاتيح اللوحات بالحرف العربي مما يضطر مستخدميها للتعامل مع الحرف اللاتيني وإن كانوا لا يقرؤن – حتى – شيئا من اللغات الأجنبية، وبعضهم يستخدمها لأسباب مجتمعية صِرفة فمعظم رواد مواقع التواصل الاجتماعي – وخاصة من فئة الشباب – يصنف مستخدمي الأحرف العربية بأنهم “من الطراز القديم”، فيما يتعاملون بشغف مع من يستخدم لغة الشات، وبسؤال إحدى المشاركات عن دواعي استخدامها لهذا النوع من الكتابة رغم أنها لا تتقن غير اللغة العربية، أجابت بالقول: إنها تحبذ استخدام هذه اللغة لأنها تحسسها بنوع من (البريستيج) و(الأتيكيت)، مضيفة أنها اضطرت لاستخدام هذه اللغة أسوة بزميلاتها اللاتي لا يستخدمن إلا هذه اللغة .

والمحصلة النهائية أن استخدام هذه اللغة أدى إلى ضياع الإملاء والكتابة والحرف العربي في الوقت الذي لم يزود فيه مستخدموها بشيء من المعرفة أوالثقافة الأجنبية، والغالبية العظمى من مستخدميها على درجة كبيرة من الجهل بقواعد الإملاء في اللغة العربية وفي اللغات الأجنبية على حد سواء .

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات