طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > وسائل الإعلام وإفساد الذوق اللغوي

ملتقى الخطباء

(77)
4647

وسائل الإعلام وإفساد الذوق اللغوي

1439/02/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

مما لا جدال فيه وجود صراع واضح الأثر بين العاميَّة والفصحى في مختلف مضامين الحياة اليومية، ونجد ذلك في المدارس والجامعات، ووسائل الإعلام، وهي ساحات لحماية الفصحى والذَّود عنها؛ لأن العامية داء استشرى بين العرب.

 

بدأت الظاهرة منذ بداية عصر النهضة، وأحس بها الغيارى، ودافعوا عن الفصحى مثل الرافعي وحافظ إبراهيم وغيرهم، وقد عرف من دعاة العامية وليم سبيتا الذي أراد إثبات رأيه فوضع كتابه “قواعد اللغة العاميّة في مصر”، وطالب بأن تكون العامية لغة الآداب، والعلوم، والفنون، ورأى الفصحى محدودة في المفردات، وظن أن هناك اختلافاً كبيراً بينها وبين العاميّة، وقال بأن الفصحى تؤخر الحضارة. وفاته أنها اللغة التي دامت طوال القرون الطويلة، واستوعبت ثقافات الأمم وحضارات العالم، وازدهرت بها، وما نزال نفهم الكثير من الأدب الجاهلي والإسلامي والأموي بيُسر وسهولة، وأن الإنجليز اليوم لا يفهمون لغة جوسر CHAUCHR ولا لغة شكسبير، ولغة كتابهم إلا بواسطة المعاجم على الرغم من قصر عمر الإنجليزية واللغات الأخرى، واضطرت الشعوب الغربية إلى التخلص من اللاتينية، واستعمال الشعبية؛ للبعد الكبير بينها وبين الإيطالية والفرنسية والأسبانية.

 

دعاة العامية:

وجاء ولكوكس WILCOKS الذي كان في دعوته يهاجم الفصحى ويسخف اللغة العربية، ويزعم أنها عاجزة عن مسايرة ركب الحياة الحديثة، وادعى أن الشعب المصري تأخر؛ لأنه لم يستعمل العامية، وعاقته الفصحى عن الابتكار والاختراع، ونشر إعلاناً في “مجلة الأزهر” يغري فيه باتخاذ العاميّة لغة للكتابة والأدب قال فيه: “من قدم لنا هذه الخطبة باللغة الدراجة المصرية وكانت موافقة جداً يكافأ بإعطائه أربعة جنيهات (إفرنكية)، وإن كثر المتقدمون فيعطى هذا المبلغ لمن يحوز الأولية”[1].

 

والدعوة إلى العاميّة انتشرت في كتابات الغربيين والعرب. ومن الغربيين كارل فولرس الألماني FULLERS (ت 1909م) الذي هاجم الفصحى؛ لأنها جامدة، فلم تساعد المصريين على النهضة الفكرية والتقدم الحضاري، وحسبها كاللاتينية التي ماتت، فألف كتاب “اللهجة العامية في مصر” 1890م، كما ألف سلدن ولمور الإنجليزي كتاباً سماه “العربية المحلية في مصر”، وحسب أن اللغة الإنجليزية ستسيطر على مصر، واتفق هؤلاء على ضرورة جعل العامية لغة العلوم والآداب والفنون، ولعلي أستغرب من الأستاذ أحمد لطفي السيد تساهله في قبول المسميات الأجنبية ورأيه بأن العربية فقيرة، وأن لغة الجمهور ستخرج الفصحى من جمودها، وأن يكون الصلح بين العامية والفصحى، وعندها تستعمل مفردات العامية وإن وضع شرط عدم الابتذال ولكنه يعود فيقول: “يجب أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية ومتى استعملناها في الكتابة اضطررنا إلى تخليصها من الضعف، وجعلنا العامَّة يتابعون الكُتّاب في كتاباتهم، والخطباء في خطاباتهم، والممثلين في رواياتهم”[2].

 

وأعمال مجمع اللغة العربية في مصر دليل على أن الفصحى قادرة على استيعاب الجديد عندما وضع عدداً كبيراً من معجمات متعددة في كل العلوم الحديثة، وما زال يوالي عمله ومعه مجامع اللغة العربية في دمشق والأردن وبغداد والمغرب.

 

الدعاة في الوطن العربي:

أما دعاة العامية من أبناء العرب فمنهم الأموات والأحياء، فكان منهم سلامة موسى (ت 1958م)، ومارون غصن (ت 1940م) وسعيد عقل، وكان قبلهم يعقوب سنوا الذي سمى نفسه يعقوب صنُّوع (ت 1912م).

 

والخطر الكبير من الذين عاشوا في البلاد العربية وكانوا من أبنائها، وكان هؤلاء أشد ضراوة عليها من الأجانب، وآزرتهم وسائل الإعلام التي تدخل في كل مكان من المسلسلات والروايات، والندوات والمحاضرات التي تذاع في هذه الوسائل، ومن الطريف أن جاءني أحد دعاة العامية لتسجيل حوار معي، وعلى الرغم من البراهين التي سقتها على أن كاتب العربية أكثر شهرة في العالم العربي وأكثر فائدة مالية بانتشار آرائه فلم يقنعوا، فاضطررت أن أضعهم أمام الواقع، قلت لهم: سوف أتفق معكم إذا فهمتم عبارة واحدة بالعامية في العراق. فنظروا إلي وكأنهم انتصروا عليَّ، قلت: سآتيكم بقرينة. دخل جائع إلى المطعم في بغداد فقال للنادل: الذي تسمونه جرسون بالفرنسية ونسميه في العراق (بوي) بالإنجليزية، أريد نص ماعون باجلا، ونص ماعون تمن، ونص صمونة. فنظروا إلي بدهشة، وقال أحدهم: أعد الجملة. وبالطبع لم يفهموا، فما كانوا فاعلين لو قلت لهم: الطوز فوك الجرباية!.

 

الإعلام اليوم:

وهذه المشكلة أخذت حيزاًَ من الكتاب في الصحافة اليوم، فقد كتب فهمي هويدي[3] مقالاً بعنوان: “دعوة إلى تعريب لسان العرب” يذكر ما حاق باللغة العربية من إهمال وعبث، وسماه كارثة في العالم العربي؛ لأنه رأى طلاب الأزهر في المرحلة الابتدائية ملزمين بتعلم الفرنسية، مع أن فرنسا تحرم تعليم أي لغة أجنبية في تلك المرحلة المبكرة، ولما رأى تفاقم الحال قال بصراحة: “آن الأوان لرفع الصوت عالياً بالدعوة إلى تعريب لسان العرب”.

 

وقال: إنه كان يلح طوال سنوات على الدفاع عن لغة القرآن في الدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا حيث يطلق على الحرف العربي اسم الحرف الشريف، ولكن لم تبق غير دول محدودة تستعمله مثل إيران وباكستان وأفغانستان، وقال: إن حجم الكارثة جعل صوتي أكثر اختناقاً بعد أن حلت الكارثة باللغة العربية، وأشاد بقرار تونس جعل عام 2000م عام اللغة العربية، وتألم للتراجع المستمر عن العربية التي تمثل شخصية الأمة القومية، وألا يكون تعلم لغات أجنبية على حساب اللغة العربية، وقال بمرارة: “لنعترف بأن اللغة العربية هُزمت في بلادها، وأنها تتلقى كل ضربة موجعة ومهينة”.

 

وأشار إلى أن موريتانيا تخلت عن العربية في مدارسها وكانت إحدى قلاع العربية ومناراتها التي وصلت إشعاعاتها إلى أرجاء غرب إفريقيا، وقال: إن أحد الرؤساء العرب يدير المؤتمرات باللغة الفرنسية، وإنه كان يجيب عن أسئلة الصحافة العربية بالفرنسية.

وفي بعض دول الخليج أصبحت الأوردية اللغة الثانية بعد العربية، وأشار إلى انتشار خطر قائم في الخليج من كثرة المدارس التي تدرس باللغة الإنجليزية، وغدت اللغة العربية لغة هامشية.

أما الأردن فقال: إن الإنجليزية أصبحت من لغات الخطاب، وكادت أن تتحول إلى لغة رسمية.

 

وعن مصر قال: “شيء محزن حقاً أن يصل تراجع اللغة العربية في أكبر دولة عربية، حيث أصبح تعلم الأجنبية هدفاً قومياً، وأصبح الدخول إلى المدارس الأجنبية هدفاً، وأن الرطانة هي المعتمدة في أواسط كثيرة منها وقال: نشرت بعض الصحف أن إجادة اللغة الأجنبية كانت إحدى شروط الدخول في الوزارة في مصر. ومن الطريف أني قابلت رئيس وزراء الصين شون لاي وكان يتحدث معي باللغة الصينية، فقلت يا سيادة الرئيس أنت تعرف الفرنسية والإنجليزية فلماذا لا تتحدث معي بالإنجليزية؟ فكان رده علي باللغة الصينية، وتجاهل قولي.

 

وكتبت زينب حفني مقالاً[4]: “حتى لا توءد لغتنا على يد أبنائها”، وعَزَت انتشار العامية إلى الإعلام، وتساءلت عن الكيفية التي من الممكن اتباعها لإيجاد توازن بين الفصحى والعامية؛ حتى نحافظ على لغتنا من الاندثار.

 

وقد رأت عدة عوامل هدمت اللغة العربية؛ أهمها: مجال الفن المتمثل في السينما والمسرح، الزاخر بالإسفاف، والإعلام بجميع وسائله، والفضائيات العربية التي تتسابق في إذاعة الغث من المضامين، ودور الأسرة، ومناهج التعليم، كما صرفت الشابكة والحاسوب الشباب عن لغتهم، وألقت اللوم على النوادي والجمعيات الأدبية التي لا تتحمل مسؤولياتها، وإلى كتاب يستعملون العامية واللغات الأجنبية، وودَّت أن تسعى المجامع اللغوية في رفع مستوى العربية، وأشارت إلى توصيات الدورة الخامسة والستين، وهاجمت المحال والشركات والفنادق التي لها أسماء أجنبية، ورأت وجوب منع هذا الأمر بتاتاً، إلا أن هذا لم يطبق حتى الآن وأصبح نسياً منسياً”، وفات الكاتبة الفاضلة أن المجمع ليس سلطةً تنفيذية، وأن قراراته طالما حُفِظت في أدراج الوزارات المسؤولة.

 

من الهند:

ومن الغيارى على اللغة العربية كاتبٌ من الهند، فقد قرأت مقالة في مجلة الداعي بتوقيع: أبو أسامة. بعنوان “اللغة العربية تتطلب اليوم اهتماماً أكبر من العرب”؛ لأن لسان العربية ليس للعرب والمسلمين، كعامة اللغات، وإنما هي جزء من حقيقة الإسلام، فقد كانت لغة الوحي ومعجزة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولسان دعوته، وخلَّدها القرآن الكريم بخلوده، وأكرم بها المسلمين أن ينطقوا باللغة التي نطق بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن يخطبوا ويكتبوا باللغة التي اختارها رب العالمين[5].

 

وسائل الإعلام:

إن وسائل الإعلام بصورة عامة تخرب اللغة العربية، وقد رأينا بعض هذه الوسائل وهي الصحافة نموذجاً للشعور المؤلم عن الكتاب، فالأغاني بلهجات متعددة والمسرحيات والمسلسلات والقصص. فقد نشرت جريدة الأهرام في الملحق قصة باللغة العامية[6].

إن التناحر السياسي وحب الذات والإقليمية والبلدانية فرضت على الإعلام لتكون هناك لغات متعددة ولهجات متباينة، وأخذ بعض الكتاب العرب ينخرون في جسمها؛ فكثرت الأشعار النبطية في الجرائد، وأخذ بعض المسؤولين، وقادة السياسة ينظمون باللغة النبطية أو العامية التي سميت الشعبية، وكثرت دقات الطبول والزلفى لها، فهل يحس هؤلاء بمقدار الضرر الذي يعود على أمتهم المسلمة إذا ابتعدوا عن الفصحى، بعد أن بدأت وَحدة الفكر والعقيدة تتأكَّل، وغُرست العادات الفردية بيننا، وخُلقت دول ومناطق لها حدودها السياسية، حتى لا تستفيد الأمة من خبرات شعوبها.

 

هل انهزمت الفصحى؟

إن الواجب القومي والإسلامي أن تقوم حملةٌ كبيرة للتوعية بضرورة العودة إلى الفصحى، بعد أن انتشرت العامية هذا الانتشار السريع، وبخاصة في البيت والمدرسة والجامعة، وتخطط لوقف هذه المؤامرة وبدراسة عميقة للطرق التي توصل إلى حب اللغة العربية لأبنائها؛ لأن لها قدرة قوية على الوقوف ضد هذه التيارات، ولا لوم علينا فالغرب شديد المحافظة على لغته والتخلص من اللغات الأخرى، ففي ولاية تكساس قرية صغيرة عدد سكانها 7800 اختارت الأسبانية لغة لها، فثارت طبول طواحين الإعلام على مدينة (السنزو) الأمريكية، ورأوا الخطر المحدق بأمريكا، وعلى اللغة الأمريكية من هذه الظاهرة، وهي قرية صغيرة في ولاية تكساس، وبدأ العلماء والباحثون يدرسون خطر اللغة الأسبانية التي اتخذتها قرية السنزو على أمريكا، وعُدَّت القرية خطراً على لغة أمريكا القومية، وقورنت بما صنعت كيوبك في كندا التي تستعمل الفرنسية بالرغم من اتساع اللغة الإنجليزية وسيطرتها العالمية[7].

 

وفي فرنسا صدرت مذكرة عن تعليم العامية للعرب وكتابة العربية بالحروف اللاتينية[8]، وحجتهم أن العرب الذين في فرنسا يتكلمون العامية، ولا يعرفون الكتابة، والنص المكتوب باللاتينية يسهل عليهم الفهم، ويساعدهم على النجاح في تعليمهم الجامعي، والواقع أن البعد السياسي والتعصب الديني ضد العربية من أهم دواعي هذه الحملة.

 

إن وسائل الإعلام العربي المرئية والمسموعة أخذت تمعن في استعمال العامية، والعامية المحلية، فهناك في لبنان مثل هذه الوسيلة واضحة. وإذا أرسل قارئ رسالة بالفصحى تقرأ باللهجة اللبنانية العامية، إنها خطة مدروسة لتحدي الفصحى.

 

أقول بصراحة: إن دعاة العامية أو النبطية أو الشعبية يدارون ضعفهم في ركوب موجة العامية؛ مدعين بأنها أقرب إلى فهم العامة، وأتساءل لماذا يهبطون إلى العامية ولا يرتفعون على الفصحى؟ وهذه المسلسلات التراثية يقبل عليها الناس بلهفة ويفهمون أحداثها فهماً واضحاً.

 

ومما نشر في الصحافة رأي لعائدة أبو فرح تقول لتلفزيون (M T V) ترد على دعاة العامية في لبنان وتقول: “إن الفصحى توحد اللهجات في لبنان لوجود اللهجات التي يتحدث بها أهل بيروت غير التي يتحدث بها أهل الشَّمال، إذ أن بعض سكان الشمال مثلاً لا يفهمون اللهجة التي يتحدث بها أهل بيروت؛ لذلك فالفصحى تكون حلاً وحيداً لإيصال الخبر الصحيح بالصورة الصحيحة.

 

وقد نشرت إحدى الجرائد[9] مقالاً تحت هذا العنوان “انكفاء الفصحى في البرامج الإذاعية والتلفزيونية في لبنان” وقالت: “المذيعون يجنحون إلى العامية بامتياز المرئي والمسموع”، وتحدثت عن انقسام أبناء لبنان بسبب انتشار العامية في معظم وسائل الإعلام، وابتعاد عدد كبير منهم عن الفصحى، ومن حسن الحظ هناك من يقاوم هذا التحدي، فقال بعضهم: إنّ تراجع العربية الفصحى عن مجالات المشافهة يؤدي إلى عواقب وخيمة، وردَّ آخرون بأن العامية هي أقرب إلى أذن المواطن والأيسر للاستيعاب، بعد أن تخلى المنتجون عن مسلسلات الفصحى، ولا أدري هل هناك عامية لبنانية سليمة، وهي مشحونة بالإنجليزية والفرنسية، وتدخل الآن السرلنكية؟! كما قالت ليليان حداد في مقالها، وقد وجدت اختلافاً بين المذيعات في لبنان، وكان مع الفصحى عدد من المذيعات، ونسي هؤلاء أن الفصحى تجمع العرب والعامية تفرقهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفصحى في مواجهة التحديات – نذير محمد مكتبي، 121.

[2] المصدر السابق، 127.

[3] جريدة الشرق الأوسط 24/2/2000.

[4] الشرق الأوسط، واكتفيت بنماذج الشرق الأوسط.

[5] الداعي مجلة تصدر في الهند، العدد 8/13 ديسمبر 1999م، كاتب المقال نور عالم أميني.

[6] جريدة الأهرام، العدد الصادر في 7/1/2000م.

[7] جريدة الشرق الأوسط 27/2/2000م.

[8] الشرق الأوسط 27/2/2000م.

[9] الشرق الأوسط 4/1/2000م، وفي المقال آراء المذيعات في إذاعة لبنان مثل: نورا خوري مع العامية، وغادة أبو فرح مع الفصحى، والدكتور أحمد بيضون، وبعض آراء أخرى عن العامية والفصحى أجرته ليليان حداد.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات