طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الغزو الإسلامي للفضاء الإعلامي

ملتقى الخطباء

(70)
4592

الغزو الإسلامي للفضاء الإعلامي

1439/02/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

لنعُد بذاكرتِنا سنواتٍ قليلةً إلى الوراء، عندما كان جُلُّ ما يدخل بيوتَنا من إعلام مرئيٍّ أو مسموعٍ لا يكاد يتَّصل بهويَّتنا ولا بواقِعِنا الدِّينيِّ والأخلاقي بصِلة؛ حيث البَوْن شاسعٌ بين ما يراه النَّاس على الشَّاشات وبين ما يَعيشونَه ويَشعُرونَ به ويُريدونَه.

 

 

 

فكانت الحاجةُ ماسَّة لإعلام إسْلامي يُعبِّر عن حقيقة مُعْتَقَدِنا ومنهج حياتِنا، يتمكَّن المسلِمون من خِلاله من متابعة البرامِج الممْتعة، الَّتي تُثْرِي الوقت ولا تقْتله، وتعلِّمُهم أُسُس الدِّين الصَّحيح، وما هُوَ مَعْلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، والَّذي يَجهل معظمَه الكثيرُ من النَّاس.

 

 

 

كما كانت الحاجة ماسَّة لإنشاء قنواتٍ إسلاميَّة تتصدَّى لِما تعْرِضه الكثير من الفضائيَّات، من شهواتٍ وشُبُهات تسعى لهدْم البنْيان الديني والأخلاقي لمجتمعاتِنا من قواعدِه، فلا تُبقِي لنا حاضرًا ولا مُستقْبلاً.

 

 

 

فضْلاً عن القيام بواجب الدَّعوة، وتبْليغ الدِّين الإسلامي بصورتِه الحقيقيَّة الصَّافية إلى أقْطار الأرض كافَّةً، وإزالة ما عَلِق بأذْهان الكثيرين عنْه؛ نتيجةَ حملات التَّشويه المستمرَّة، الَّتي يقوم بها غير المُنْصِفين من أتباع المِلَل الأخرى، والَّتي كان من نتيجتِها أنِ اشتعلتْ نيرانُ الحقد والفِتَن في كثيرٍ من البلدان، وأقيمتِ المذابح الجماعيَّة للمسْلمين في غير مكان من العالَم على أيْدي مواطنيهم وجيران سُكْناهم، بلا ذنب اقترفَه المسلمون ولا جرم، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يكون التَّقصير في واجب دعْوة هؤلاء إلى الإسلام، وترْكهم في غياهِب الضَّلال والجهْل، حتَّى أحرقت نيرانُهما الجميع.

 

 

 

ذلك أنَّ البلاغ عن الله – عزَّ وجلَّ – والجهاد في سبيلِه بالنَّفس والكلِمة والمال – واجبٌ ديني يتعلَّق برقبة كلِّ مسلم، كلٍّ في موقعِه وبما يستطيع، فالله – عزَّ وجلَّ – يقول: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].

 

 

 

ورسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يقول: ((جاهِدوا المشركين بأيديكم وألسنتِكم وأموالكم))[1].

 

 

 

ومِن أجل ذلك كان تحرُّك الكثير من العُلماء والدُّعاة لغزْو الفضاء الإعْلامي، بمعاني الإسْلام النَّبيلة وقِيَمه الحكيمة، وبلاغ رسالة الله – عزَّ وجلَّ – لخلْقِه.

 

 

 

وإذ كان مُحالاً أن يقوموا بذلِك وحْدَهم؛ حيثُ لا مؤسَّسات تقِف خلفَهم ولا هيْئات تدْعمُهم، كانت أهمّيَّة الدَّعوة لتكاتُف جَميع المسلمين لِجَمْعِ الأمْوال العظيمة والجهود الجبَّارة في مواجهة أساطين المالِ والإعلام، ممَّن يُنفقون ببذخٍ لإبْهار المشاهِدِين وجذْبِهم لاستِمْرار متابعتهم، وتَحقيق الأرباح الطَّائلة من وراء ذلك.

 

 

 

وهذه الأرْباح الطَّائلة ليستْ حكْرًا على أهل الباطل، بل هي في استِطاعة القنوات الإسلاميَّة أيضًا، برغْم كلِّ التَّحدِّيات والمعوقات الَّتي تُواجِهُها في القيام بواجب الدَّعوة وإبلاغ الدِّين، وبرغْم كونِها لا تقبل التَّنازُل عن ثوابت الدِّين والشَّرع، طالَما ساندَها المسلِمون ووقفوا خلْفَها يدْعمونَها بالمال اللاَّزم لإنتاج البرامِج القويَّة الَّتي تُنافس على الجودة علميًّا وتقنيًّا؛ ليزْداد إقبال النَّاس على مشاهدتها، وتزيد العوائد وتتحقَّق الأرباح العظيمة الوفيرة – بإذْن الله تعالى.

 

 

 

ويومًا ما قريبًا – إن شاءَ الله تعالى – ستبْلغ الدَّعوة الآفاق، وستقِف القنوات الإسلاميَّة كالمنارة العملاقة في سماء الفضائيَّات المظْلمة تهدي السَّائرين إلى سواء السَّبيل بإذْن ربِّها، ووقْتَها سيُسارع الكثيرون إليْها – خاصَّة ممَّن يبحثون عن مجالات مأمونة وشرعيَّة للاستِثْمار – يَطلبون الرِّبح والثَّواب معًا، ونسأل الله – تعالى – أنْ يكون لهم ذلك، وأن يعظم فيه أجرهم، وإن كنتُ أخشى أن يكون الأمر مثل ما ورد أنَّه: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ [الحديد: 10].

 

 

 

ثمَّ إلى جانبِ المال هناك جانبُ الدَّعم المعنويِّ لهذه القنوات، بِمتابعتِها وعدم التحوُّل عنها، ودعوة النَّاس إليها وإعلامِهم بها، وبيان أهمّيَّتها، و((الدَّال على الخير كفاعله))؛ حديث صحيح.

 

 

 

ثمَّ تشجيعها وتشْجيع المنتِجين وأصحاب الشَّركات على الإعلان فيها، بِجعل مجرَّد الإعلان على هذه القنوات الفاضِلة مَيزةً نسبيَّة لدينا، تُضاف إلى مزايا السِّلْعة عند شرائها، وإيصال هذا المعْنى لأصحاب هذه الشَّركات عن طريق التَّغذية العكسيَّة، بالاتِّصال بهذه الشَّركات هاتفيًّا أو إليكترونيًّا أو عن طريق مندوبيهم؛ لشُكْرهم على وصولهم إليْنا عن طريق قنواتنا المفضَّلة، فذلك أجدر أن يحثَّهم على استمْرار التَّواصل معها؛ ممَّا يدعم هذه القنوات مادّيًّا ومعنويًّا، باعتِبارها القنوات صاحبة الجماهيريَّة الكبيرة، والَّتي يلتفُّ النَّاسُ حولها.

 

 

 

فإذا ما أدَّينا هذيْنِ الواجبَين – المادّي والمعنويّ – تُجاه هذا الغزْو الإسلامي – إن جاز التَّعبير – للفضاء الإعلامي، ولم نقِف كالمخلَّفين بلا عذر، بيْنما جنود الدَّعوة يواجهون أعداءَها على كلِّ صعيد، فيبقى – ولا شكَّ – علينا دورٌ مُهِمٌّ مستقلٌّ عن دور الفضائيَّات، وإن كان يكمِّله ويعضده، حتَّى لا تُجبر على العودة إلى الخلف؛ ظنًّا من البعض أنَّ القضاء عليها قضاء على الدَّعوة.

 

 

 

إنَّه الدَّور والواجب الَّذي لا ينفكُّ عن المسلم طوال حياته، ما استطاع إليه سبيلاً، إنَّه دورُنا نحن العامَّة – من غير العلماء والدُّعاة – في الأمر بالمعْروف والنَّهي عن المنكر، والدَّعوة إلى الله – عزَّ وجلَّ – على بصيرة في وجود هذه القنوات ومن دونها.

 

 

 

هذا الدَّور الَّذي قام به خالد بن الوليد قائد جيوش المسلمين مع قائدِ جيوش الأعداء أثناء المعركة؛ إذ دعاه إلى الإسلام، وما لبِث أن ضمَّه محاربًا في صفوف المسلمين.

 

 

 

وهو الدَّور الذي قام به أمير المؤْمنين عمر بن الخطَّاب، وهو يَحتضَر على فراش الموْت، عندما أمر شابًّا جاء يعودُه بأن يُقصِّر ثوبَه طاعةً لربِّه، فلم يَمنعه المرض ولا الموتُ عن أداء هذا الدور.

 

وهو الدَّور الَّذي قام به نبي الله الكريم يوسف – عليه السَّلام – في السِّجْن؛ إذ دعا صاحبيْه إلى التوحيد.

 

وهو الدَّور الَّذي لم ينفكَّ في أيِّ لحظة عن حياة إمام الدُّعاة وسيِّد المرسلين – صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

 

 

بل إنَّني على يقينٍ من أنَّ أَحَدًا من كِبار علمائِنا ودعاتنا في الفضائيَّات وعلى المنابِر لا يكتفي بدَوْرِه في الدَّعوة العامَّة، وإنَّما يكمل هذا الدَّور ويتمِّمه – ولا بدَّ – بالدَّعوة المستمرَّة لأهله وجيرانه، ومَن يصِل إليْهم.

 

 

 

فكيف بنا نحن العامَّة، وحاجتنا إلى القيام بما عليْنا من واجبِ الدَّعوة وتَحصيل الأجر – أعظمُ، وحاجة الدَّعوة والأمَّة إليْنا شديدة؟!

 

 

 

فهؤلاء النساء والفتيات في البُيُوت والجامعات والشَّوارع، كيف للعُلماء والدُّعاة أن يصلوا إليهنَّ؟ وحتَّى لو استمعْنَ إليهم، فمَن الَّذي سيتابعُهنَّ ويُساندهنَّ ويثبتهنَّ غير أخواتهنَّ المؤمنات ممَّن شرح الله – تعالى – صدورَهنَّ بالعلم، وأطلق ألسنتَهُنَّ بالدَّعوة، وملأ قلوبهنَّ بحبِّ الخير للنَّاس أجمعين؟!

 

 

 

ثمَّ هؤلاء الشَّباب البعيدون عن أماكِن العبادة ودروس العِلْم، والمتواجدون غالبًا في المنتَزهات والمنتديات أو على المقاهي والطُّرقات، مَن لهم غير إخوانِهم من الشَّباب والرِّجال، ممَّن شرح الله صدورَهم بالتَّوحيد، واتِّباع هدْي النَّبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وسَمْته الظَّاهر والباطن؟!

 

 

 

ذلك أنَّ الدَّعوة الفرديَّة لا تُغْنِي عنها الفضائيَّات، ولا الخطب على المنابر، ولا دروس العلم بالمساجد، ولا هي بديل عن ذلك، وإنَّما كلٌّ منها يكمل الآخر ويقوِّيه ويعضده في مواجهة ما يقابِلُه من تحدِّيات وتعدِّيات.

 

 

 

فإذا كان العُلماء والدُّعاة في الفضائيَّات وعلى المنابر كمشاعل النُّور في الظَّلام، فلماذا لا نأخذ لأهلِنا وجيراننا منها بقبسٍ؛ لعلَّنا أن نصطلي من برد الغفْلة، أو نَجد على النُّور هدى؟

 

 

 

وإذا كان العلماء والدُّعاة في الفضائيَّات وعلى المنابر كينابيع الماء البارد في الصَّحراء القائظة، فلماذا لا ننهل من علمِهم ونحمل دعوتَهم على أكتافِنا، ونجري بها لندْرِك أهلَنا وجيرانَنا قبل أن يُهْلِكَهم العطش إليْها، والجهل بما يُنجيهم في الدُّنيا والآخرة؟!

 

 

 

وبدلاً من مشاعر الحُزْن والكآبة التي تخيِّم على القلوب والبيوت كلَّما سَمِعْنا عن إغلاق قناة إسلاميَّة هنا أو هناك، فلماذا لا يقومُ كلٌّ منَّا بدوْرِه، فلا يألو في سبيل الدَّعوة إلى الله – عزَّ وجلَّ – ونصرة الدِّين جهدًا ولا عَطاء؟ ولماذا لا نمدُّ أيدينا؛ لنأخُذَ بنصيبِنا في إحياء السنَّة ونهضة الأمَّة؟

 

 

 

وفي القرون الخيريَّة الأولى كان يكْفي أن يُدعى المسلمون؛ ليُلبُّوا مُجاهدين بالنَّفس والمال، فلَم يُعْجِزْهم الفقرُ يومَ فقرِهم، ولا خذَّلهم الغِنَى يومَ ملكوا الدُّنيا – عن الجهاد في سبيل الله، فكانوا الأعزَّة الَّذين فتحوا العالَم، ووقفوا أسيادًا للأرْض، حماةً للشَّرع، كأوتاد الجبال.

 

 

 

ذلك بأنَّهم قوم خلفوا الدُّنيا وراءَ ظهورِهم، واستقبلوا طريق الجنَّة ورِضْوانَ الله – تعالى – بصُدُورِهم، وإن نحْذُ حَذْوَهم، ندرك ركبَهم، وإن لم ندانِ قَدْرَهم.

 

 

 

ــــــــــــــــــ

[1] صحيح؛ رواه النسائي وغيرُه، “الصارم المسلول على شاتم الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم”، الدُّرر السنيَّة – الموسوعة الحديثيَّة.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات