طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الإعلام .. بين المسؤولية والمساءلة

ملتقى الخطباء

(68)
4585

الإعلام .. بين المسؤولية والمساءلة

1439/02/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

ليس من العجيب أن تتَّجه القوانين والتشريعات في معظم دول العالم إلى إعطاء مساحات أكبر من الحرية لوسائل الإعلام والصحافة؛ فالإعلام والصحافة هما – أو هكذا يجب أن يكونا – عينُ المجتمع الساهرة، وضميره الحي اليَقِظ، وصوته الذي يَجْأَر بالصراخ والتنبيه حين يَلمح فسادًا، أو يَكشف خَللاً.

 

 

 

ومن هنا شاعَ في الأدبيات الإعلامية والثقافية: أن الإعلام والصحافة يمثِّلان “سلطة رابعة”، تُضاف إلى السلطات: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، ليس بالمعنى القانوني لكلمة “السلطة”، ولكن بمعنى أن هذه المهنة ومَن يشتغلون بها، هم نوَّاب عن الشعب في مراقبة المسؤولين، وفي حماية مصالحه.

 

 

 

وهذه المساحات الواسعة من الحرية – التي تَمنحها القوانين للإعلام بمختلف وسائله – لا تعني أن يَستعليَ الإعلاميون والصحفيون على المجتمع، ولا أن يظنُّوا أنهم فوق المحاسبة والمساءلة، فهم في النهاية شريحة من المجتمع، يجب أن تَخضع لقوانينه وأعْرافه وتقاليده، ويجب أن تَعمل بما يُحقق الصالح العام، دون الانتفاع الشخصي أو الطبقي، وإلاَّ تحوَّلت المميزات التي تُعطيها القوانين للإعلاميين والصحفيين إلى منافعَ شخصية، لا منافعَ عامة؛ كما هو الغرض الأساسي من هذه المميزات؛ ولذلك فقبل أن ينظرَ الإعلامي أو الصحفي إلى القيْد القانوني الذي يجب أن يَخضع له ويعمل له حسابًا – شأن بقيَّة المواطنين – عليه أن يَجعل من نفسه شخصًا جديرًا بالثقة التي أَوْلاه إيَّاها المجتمعُ، ومنَحها له؛ ليكون عينَه الساهرة على قِيَمه ومصالحه؛ أي: قبل أن ينظر رجل الإعلام والصحافة إلى “المساءلة” بمفهومها القانوني، يجب أن يأخُذ في اعتباره “المسؤولية” بمضمونها الذاتي، ويجب أن يكون المشتغلون بالإعلام رُقباءَ على أنفسهم وكتاباتهم، وما يَبثُّونه من أخبار وتحليلاتٍ، قبل أن يَخضعوا – أو يُخضعوا – لضبْط القانون وقيْده وسلطانه.

 

 

 

وأقصِد هنا بـ “الرقابة الذاتية”: ليس القيد الذي يَدفع إلى الخوف في مواجهة باطلٍ أو كشف جريمةٍ؛ بل القيد الذي يجعل الصحفي أو الإعلامي يُدقِّق بصدقٍ وأمانة فيما يَطرحه على الناس من معلومات وآراء، بحيث تكون رقابته على نفسه أشدَّ من أيَّة رقابة أخرى؛ لأن الناس قد استأْمَنوه على عقولهم وأفكارهم وأَوْلَوه ثِقتهم؛ فيجب أن يَرتقي هو إلى تلك المنزلة، التي هي تتقاطع مع منزلة المربِّين والموجِّهين والدُّعاة، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت: إنها تتقاطع مع وظيفة الأنبياء والمرسلين، وهل كانوا – صلوات ربي وتسليماته عليهم – إلا مبلِّغين، وأصحابَ كلمةٍ وبيانٍ للناس؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4].

 

 

 

غياب الرقابة الذاتية:

 

لكننا للأسف لا نَلحظ في عالمنا العربي أن قِيَم الرقابة الذاتية – خاصة فيما يتَّصل بالإعلام – قد تأصَّلت فيه بالشكل الذي يجعل من رجل الإعلام رقيبًا على نفسه قبل القانون!

 

 

 

فبالرغم من عشرات؛ بل مئات الأخبار الكاذبة، وسَيْل الشائعات المُغرضة الذي يتدفَّق يوميًّا عبر صفحات الجرائد، وشاشات الفضائيات – فإنه قلَّما نجد صحفيًّا شجاعًا يَعتذر عن خطأ وقَع منه، أو يصحِّح معلومة كتَبها سهوًا!

 

 

 

وهذا يعني أمرين:

 

  • أن حضور حقِّ المجتمع في ذهن الإعلامي، ليس بالقدر المطلوب، إن لم يكن مُنعَدِمًا أصلاً!

 

 

 

  • أن القوانين في عالمنا العربي ليست بالدِّقة والتوازن الذي يَجمع في آنٍ واحد بين حق الإعلامي في تداوُل المعلومات، وبين حق المجتمع وأفراده في حماية أعراضهم وحريَّاتهم الخاصة والعامة.

 

 

 

خياران أحلاهما مُرٌّ:

 

وإذا أراد صاحب السلطة أن يصحِّح هذا الوضع المُعوج، ويُعالج الخَلل الحاصل، فإنه قد يُجابَه بضغوطٍ من أصحاب المصالح الذين يهمُّهم أن يبقى فضاء المجتمع مُستَباحًا أمامهم؛ ليُروِّجوا فيه بِضاعتهم الإعلامية الكاذبة، القائمة على سيْل الأكاذيب والشائعات والافتراءات دون رقيبٍ؛ بل إنهم يرفعون أمامه حقَّ “حرية التعبير والنقد”، كواجهة برَّاقة يريدون بها باطلاً!

 

 

 

وحينئذ يكون المجتمع أمام خيارين:

 

  • إما أن يُبقي الوضع كما هو عليه، ولا يَضبط القوانين والتشريعات التي تَمزُج الحرية بالمسؤولية، وتجعل منها قِيمة ليست مُطلقة، تَعبث بها أيدي العابثين، ومن ثَمَّ تستمر معاناة المجتمع، وخاصة الشرفاءَ منهم، الذين هم محل اتِّهام ومُلاحقة من وسائل الإعلام غير المسؤولة.

 

 

 

  • وإما أن يُراجِعَ تلك التشريعات بما يُعيد التوزان المفقود بين حرية الإعلام والنقد، وبين ضرورة حماية حقوق الأفراد والمجتمع، والأخْذ على يد العابثين، ومن ثَمَّ يكون صاحب القرار عُرضةً لنيران الإعلام وطَلقاته، واتِّهاماته الجاهزة بالكبْت والتضييق، ومحاربة الإعلاميين الشُّرفاء!

 

 

 

تحالُف غير شريف:

 

ولعلنا نلاحظ أيضًا أن التيَّارات الإسلامية – خاصة بعد “الربيع العربي”، ووصول بعضها إلى مقاعد السلطة بعد تأييد الجماهير لها – باتَت في مرمى نيران المدفعية الإعلامية، التي يقف وراءها ويُغذيها التحالف الثلاثي غير الشريف: فلول النُّظم المستبدة البائدة، وأصحاب رؤوس الأموال غير النظيفة، والتيارات اليسارية والعلمانية التي توجِّه الإعلام، وتُكِن العَداء الشديد للإسلاميين، حتى وهم في غياهب السجون والمعتقلات، فما بالُك وهم قد وصلوا لسُدَّة الحكم؟!

 

 

 

لا مفرَّ – والحال هكذا – من مراجعة التشريعات والقوانين التي تنظِّم حرية التعبير، ولا يجوز الرضوخ للإرهاب الفكري والقصْف الإعلامي – اللذَين يُمارسهما هذا التحالف غير الشريف بحجَّة الحرية التي هي عمليًّا أقربُ للفوضى! – لنَمضيَ قُدُمًا في طريق الإصلاح الذي جمَع في توازنٍ بين حرية التعبير والنقد من جهة، وبين حقوق الأفراد والمجتمع من جهةٍ أخرى.

 

 

 

درس الهدهد:

 

إن الغرب الذي يتشدَّق به العلمانيون من الليبراليين واليساريين، قد ترسَّخت فيه قِيم حرية الإعلام المسؤول والمُنضبط؛ حتى إن أي صحيفة أو وسيلة إعلامية، لا تجد غَضاضة في الاعتذار حين تَبُثُّ خبرًا يتَّضح لاحقًا عدم صحته، حتى لو بثَّته بطريق الخطأ، بل هم يعلمون أن ذلك يوطِّد أَواصر المصداقية مع القارئ الذي يبحث عن الحقيقة لا الأكاذيب.

 

 

 

وقريبًا – بتاريخ 10 أكتوبر 2012م – اعتذرَت جريدة “الإندبندنت” البريطانية كتابيًّا للشيخ راشد الغنوشي، بعد أن نشَرت خبرًا عن أنه قبَض أموالاً من أحد أُمراء الخليج، وتبيَّن لها أنه خبرٌ عارٍ عن الصحة، كما تَمَّ تأكيد هذا الاعتذار على لسان صحفيِّها المشهور “روبرت فيسك”، عندما التقى بالشيخ الغنوشي لإجراء حوارٍ صحفي معه.

 

 

 

فإذا لم يكن لهؤلاء الليبراليين واليساريين قدوة في أخلاقيَّات الإسلام التي تحرِّم الكذب، وتدعو إلى التثبُّت في نقْل الخبر، وإلى الأمانة في طرْح الآراء، وإذا لم يتعلَّموا من هُدهد سليمان – عليه السلام – حين قال له: ﴿ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ [النمل: 22]، فهل يكون لهم قُدوة في صحافة الغرب وإعلامه المُنضبط على بوصلة المجتمع والوطن والحقيقة فقط؟! أم تُراهم لا يقلِّدون الغرب إلا في شهواته وانحطاطه وانحرافاته؟!

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات