طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > إضاءات حول الإعلام الإسلامي

ملتقى الخطباء

(80)
4582

إضاءات حول الإعلام الإسلامي

1439/02/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

تتميز رسالة الإسلام بأنها منهج شامل للحياة بامتدادها الدنيوي والأخروي: ( قُل: إنَّ صَلاَتي ونُسُكِي ومَحْياي ومماتي للهِ ربِّ العالمين، لا شَريكَ له . وبذلك أمِرتُ وأنا أوَّل المُسلمين ) ( سورة الأنعام : 162 – 163 ) . ولقد اعتورت المسلمين في حياتهم الحاضرة أسباب الضعف والتفكك ، وعوامل الانحراف والتفلت حتى ذبل في نفوسهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي ذلك التصور الشمولي للإسلام باعتباره منهجاً للحياة، ودستوراً لحركة الإنسان والمجتمع في هذا الكون.

 

ولعل من نعمة الله علينا – نحن المسلمين – أن تشهد الساحة الإسلامية في الآونة الأخيرة صحوة إسلامية مباركة، تنطلق من الإحساس بالحاجة إلى تطوير مناهج الإصلاح في حياة المسلمين، بما يتوافق مع أصالة المنهج الإسلامي باعتباره صالحاً لكل زمان ومكان أولاً، وبما يستوعب متغيرات المرحلة الراهنة التي يعيشها المسلمون ثانياً ، وبما يتواءم مع الاستجابة الواقعية المبصرة للتحديات التي تواجه التطبيق العملي المتكامل للمنهج الإسلامي في واقع الحياة المعاصرة أخيراً.

 

وإن من المنطق – ونحن نشهد هذه الصحوة المباركة – أن ننادي بتحويل الإحساس بالحاجة إلى شمولية الإصلاح، وتكامل التطبيق للمنهج الإسلامي، إلى برنامج عمل واضح المعالم، مفصل الجوانب، يقدم البدائل الإسلامية في مختلف مجالات الحياة.

 

وتكتسب المطالبة بإيجاد البديل الإسلامي في ميدان الإعلام – بجانبيه النظري والتطبيقي – أهمية بالغة لما تتمتع به وسائل الاتصال الجماهيرية اليوم من مكانة خطيرة في توجيه عقليات الجماهير، وتشكيل سلوكياتها في الحياة، في عالم تحول إلى ( قرية كونية )، قصرت وسائل الاتصال الالكترونية المسافات بين أجزائه، وربطت شبكةً معقدة من الاتصالات بين دوله وشعوبه ، بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية كله .

 

إن وسائل الاتصال الجماهيرية تعد اليوم الجهاز المركزي الذي يوجه الفرد والمجتمع، ولذلك فإنَّ صياغة منهج للإعلام الإسلامي يعمل على سد الفراغ الهائل في منظومات المنهج الإسلامي ليعتبر ضرورة ملحّة، حتىّ يمكن بلورة أنموذج جديد للإصلاح الإسلامي يقوم على الشمول والتكامل والواقعية.

 

وهذه الإضاءات المتواضعة محاولة لطرح بعض التساؤلات الحيوية حول الإعلام الإسلامي، ومفهومه، ودوره ومسؤوليته، في وقتٍ نحن في مسيس الحاجة فيه إلى جلاء صورته، وتحديد معالمه، والكشف عن كنوزه وذخائره، والتخطيط من أجل تحويله إلى واقع حيّ، يتعانق فيه القولُ مع العمل، وتتلاحم فيه النظرية بالتطبيق. وتتركز الإضاءات التي أحاول تسليطها حول ثلاثة تساؤلات هي :

 

– لماذا نحتاج إلى الإعلام الإسلامي ؟

 

– وما الإعلام الإسلامي الذي نريد ؟

 

– وكيف نصل إلى الإعلام الإسلامي ؟

 

لماذا الإعلام الإسلامي ؟

 

إنَّ المطلب القّيم لا بد أن تتوافر له مبرّرات قوية ومقنعة، تسّوغ تبنيه بإخلاص، وتدفع إلى الدعوة إليه بإلحاح، وتقوي العزائم في سبيل تحقيقه في الواقع بلا توانٍ أو هبوط. وتستند المطالبة بأسلمة الإعلام وصياغته صياغة إسلامية إلى مبررات ثلاثة هي:

 

1- المبرّر المنطقّي :

 

لقد جاء الإسلام – كما ذكرنا سابقاً – ليكون منهجاً شاملاً للحياة كلها بجميع جوانبها ومجالاتها. وقد رسم الإسلام للإنسان معالم لنظمه الاجتماعية المختلفة، لتتوافق هذه النظم مع الغاية الرئيسة لوجوده، وهي استخلاف الله له في الأرض لعمارة الكون وفق منهج الله وتحقيق عبادته وحده.

 

وارتباط المسلم بإسلامه ليس ارتباطاً عاطفياً روحياً فحسب، بل هو – إلى جانب ذلك – ارتباط واقعي عملي من خلال تطبيق شرائع الإسلام وهديه وتعاليمه السامية وتوجيهاته الربانية في مجموعة من النظم الإسلامية التي حكمت حياة المسلمين في شؤونهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمدنية والعسكرية.

 

وعندما ضعف التزام المسلمين بمبادئ دينهم، وتكالبت عليهم القوى الاستعمارية التي استهدفت خلخلة التصور الشمولي للإسلام وتطبيقه في حياتهم، تحوّل ارتباط معظم المسلمين بالإسلام في العصر الحاضر إلى مجرد ارتباط عاطفي محدود، يكتفي فيه المسلم بإقامة شعائره والتعبديّة، وتزكية نفسه بالرياضيات الروحية والأخلاقية الفردية. وقد نتج عن هذا المفهوم المغلوط لحقيقة الالتزام الإسلامي أن حفلت حياة المسلمين بصور الازدواجية والتناقض بين الارتباط العاطفي بالإسلام في ميدان العباد والأخلاق الفردية، وبين الارتباط العلمي الواقعي بالمذهب المناقضة للإسلام في ميدان النظم والتشريعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

 

إنّ حياة المسلمين المعاصرة لن تتحقق لها الصبغة الإسلامية إلا عندما ينسجم ارتباطها العاطفي بالإسلام في الجانب العّقّدي والروحي والفردي مع ارتباطها العلمي والواقعي بالإسلام في الجانب التشريعي والتنظيمي. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى صياغة المعارف والنظم في حياة المسلمين صياغة إسلامية أهمية بالغة. بل إنَّ تحقيق هذا الهدف يعتبر التحدي الحقيقي الذي ينبغي على الأمة الإسلامية أن تواجهه في وقتها الراهن.

 

ويعتبر الإعلام فرعاً مهماً من فروع المعرفة العلمية والتطبيقية، التي تحتاج إلى العناية بتأصيل مفاهيمها ومناهجها وتهذيب أساليب وطرق ممارستها الواقعية وفقاً لهدي الإسلام وتوجيهاته. وتتعاظم أهمية صياغة النظام الإعلامي: فلسفة وغاية ومنهجاً وممارسة، صياغة إسلامية في ضوء إدراكنا لأهمية الإعلام في حياة المجتمعات، وخطورة ما يقوم به في التأثير على الأفراد والجماعات سلباً كان هذا التأثير أو إيجاباً .

 

إنَّ المبرر المنطقي للمطالبة بصياغة الإعلام صياغة إسلامية، يؤكد على أن هذه الصياغة نتيجة منطقية لشمول المنهج الإسلامي وتكامله.

 

2- المبرّر الواقعي:

 

يواجه المسلمون اليوم في مختلف أقطارهم ومواطنهم غزواً فكرياً وثقافياً وحضارياً رهيباً. ولم يَعُد هذا الغزو الحضاري الشامل مقصوراً على الوسائل التقليدية للغزو من كتب استشراقية، أو مذاهب هدّامة، أو مؤامرات استعمارية مكشوفة. لقد انتهى عصر الغزو الاستعماري الاستشراقي المباشر. إن الغزو الحضاري الذي تواجهه الأمة الإسلامية يستخدم وسائل جديدة، وأساليب جديدة. إن الرسالة الغازية تعبر إلى الأجيال الصاعدة، بل إلى العقول المثقفة، عن طريق الخبر الذي تبثه وكالة الأنباء، والتحليل السياسي، أو الاقتصادي الذي تكتبه الصحيفة والصورة التي ترسلها الوكالات المصورة . والرسالة الغازية تعبر إلى العقول المثقفة عن طريق الفيلم التلفازي المدهش، وعن طريق شريط الفيديو، وعن طريق البرنامج الإذاعي المشوق. والرسالة الغازية تعبر إلى الأجيال الصاعدة عن طريق فيلم الكرتون المتقن. والرسالة الغازية تعبر إلى العقول المثقفة والأجيال الصاعدة عبر النظريات المدسوسة في مناهج التربية والتعليم، معللة بدعاوى العلم والتقدم والاكتشافات الحديثة !!

 

ولقد أعجبتني كلمة معّبرة لأحد المثقفين يقول فيها: ( إن الغزو الثقافي الخطر اليوم لم يَعُد يأخذ صورة مبشَّر في كنيسة يُقنع ( المحلّيين الهمج ) باعتناق ( ديانة متحضرة ) وإن كانت النشاطات التبشرية في بعض أنحاء العالم الثالث لا تزال مصدر تهديد ثقافي لا يستهان به، والغزو الثقافي الخطر اليوم يَعُد يتخذ شكل مؤامرة استعمارية تستهدف تشكيك شعب ما في تاريخه وأخلاقه وديانته، وإن كان الحديث لا ينقطع عن مؤامرات كهذه، حقيقية أو وهمية . إن أخطر ما في الغزو الثقافي المعاصر أنه أصبح ذا دافع ذاتي تلقائي، يتم دون مجهود من الجهات الغازية، ويتم دون أن يدرك ضحية الغزو أنه معرض لأي خطر، فيقدم، في حماسةٍ وبلاهة، لا على قبول الغزو فحسب، بل إلى اعتناقه واحتضانه. هنا مكمن الخطر ) .

 

إن هذا الغزو الحضاري الرهيب يعمل على زعزعة مبادئ الإسلام وقيمه وهدم أخلاقياته ومثله في نفوس أبناء المسلمين لينشأوا في غُربةٍ عن دينهم وحضارتهم وتراثهم، ويصبحوا فريسة سائغة للأفكار الغربية ونمط الحياة الغربية بكل ما فيها من انحرافات ومفاسد وأوبئة. ولقد وصل هذا الغزو إلى منازلنا ولم يعد أمامنا مفر من مواجهته، المواجهة الصحيحة التي لا تكتفي بالتنديد والصراخ والدعاء بالويل والثبور، بل بتطوير استراتيجية مُحكمة تعتمد على هدفين :

 

الأول: توجيه الإعلام في الدول الإسلامية نحو الأصالة والذاتية النابعة من قيم الإسلام ومبادئه، وتوفير الجو الملائم والدعم المناسب لصنع البدائل الإسلامية التي تقف في مواجهة ما يقدمه الغرب.

 

والثاني: تنقية الإعلام – إلى جانب التعليم – من المؤثرات الغربية العلمانية والإلحادية، وتفنيد ما تقدمه وسائل الإعلام الغربية من مفاسد وانحرافات وبيان عوارها وتهافتها بمنطق مقنع وبوسائل مكافئة .

 

وهذه المواجهة الواقعية للغزو الفكري والثقافي في صورتها الشاملة المتكاملة المتكافئة لن تتحقق إلاَّ عندما تتبلور في أذهان المسلمين الصورة الحقيقية للإعلام الإسلامي، وتتوالى معطياته الواقعية وثمراته العملية في واقعهم المعاصر، إذ لا يمكن أن يهزم الباطل الزائف إلا الحقُّ الأصيل : ( بَل نَقذفُ بالحَقِّ الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فإذا هُوَ زاهِقٌ ) ( الأنبياء: 18) .

 

3- المبّرر الإنساني :

 

وسائل الإعلام، لسان هذا العصر. وقد أدرك أصحاب الديانات والمذاهب والأفكار أهمية استغلال هذه الوسائل في سبيل إيصال أفكارهم وعقائدهم ومذاهبهم إلى الناس. وكان النصارى الصليبيون أكثر الناس إدراكاً لهذه الأهمية، وأسبقهم إلى استخدامها في مجال التنصير.

 

وفي الوقت الذي ينشط فيه أصحاب الديانات المحرّفة والمذاهب الفاسدة لاستغلال وسائل الإعلام لخدمة أغراضهم، نجد المسلمين غائبين عن الساحة الإعلامية إلاّ بعض جهود محدودة لا أثر لها.

 

والبشرية اليوم قد سئمت من الدين المحرّف، وانصرفت عن المذهب الفاسد، وهي تعيش ضياعاً وقلقاً واضطراباً. وقد أثقل كاهل الإنسانية في وقتها الراهن كابوس الإلحاد والعلمانية، والفساد الخلقي، والظلم والاستبداد السياسي، والاستغلال الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، وتعالت الصيحات تبحث عن مصدر للأمان والعدالة والحياة الكريمة، فأين سيجدون كل ذلك إلاّ في الإسلام ؟!!

 

إن البشرية اليوم بحاجة إلى الإسلام أكثر من أي وقت مضى . والمسلمون مطالبون – وفقاً للتوجيه الإسلامي بمخاطبة الناس بلغتهم ووسائلهم- بأن يستخدمون وسائل الاتصال والإعلام في سبيل الدعوة إلى الإسلام، وتوضيح صورته الناصعة، وإبراز محاسنه وثمراته للناس في كل مكان. إنَّ تبليغ رسالة الإسلام العالمية، وإيصال دعوته إلى البشرية كلها مبّررً إنساني عظيم للدعوة إلى صياغة الإعلام صياغة إسلامية حتى يمكن أن يؤدي هذا الإعلام دوره في الحياة الإنسانية.

 

ما هو الإعلام الإسلامي الذي نريد ؟

 

تختلف نظرات الناس حول الإعلام الإسلامي ما بين النظرة الجغرافية، والنظرة التاريخية، والنظرة الواقعية التجزيئية. فالنظرة الجغرافية تفهم الإعلام الإسلامي على اعتبار أنه الإعلام الصادر من دول العالم الإسلامي، أو الجهات التي تنتسب إلى الإسلام. وتكاد هذه النظرة أن تكون النظرة السائدة في الدراسات الأجنبية عن الإعلام الإسلامي. ولذل تصنف هذه الدراسات إعلام الدول التي تقع في إطار العالم الإسلامي ضمن الإعلام الإسلامي بمفهومه الجغرافي الرسمي، دون تمييز في المنهج أو الغاية أو الممارسة .

 

والنظرة التاريخية للإعلام الإسلامي تكاد تحصر الإعلام الإسلامي في إطار زمني ضيق، فتوحي بأن الإعلام الإسلامي مفهوم تراثي، وممارسة محدودة في فترة زمنية معينة، مثل تلك الدراسات التي تتناول الإعلام ووسائله في عهد النبوة أو الخلفاء الراشدين .

 

أما النظرة الواقعية التجزيئية للإعلام الإسلامي، فتستند إلى صورِ الممارسة الواقعية لبعض جوانب الإعلام الإسلامي المحدودة، وتفهم هذا الإعلام باعتباره إعلاماً ( دينياً متخصصاً ). ولذلك يغلب على من ينحو هذا المنحى أن يفهم الإعلام الإسلامي في حدود الصفحات الدينية، وركن الفتاوى، والخطب المنبرية، في الصحافة اليومية، أو في حدود تلك الصحف والمجلات التي تسمّى نفسها بالإسلامية، أو في حدود البرامج والأحاديث الدينية في الراديو، أو في حدود البرامج والأفلام والمسلسلات التاريخية والدينية، التي يشاهدونها عبر الشاشة التلفازية أو السينمائية !!

 

ورغم أن هنالك بعض جوانب الصحة في هذه النظرات المختلفة للإعلام الإسلامي ، إلاً أنها لا تعبر عن حقيقة الإعلام الإسلامي بشموله وتكامله، ولا تمثل جوهره الأصيل، وخصائصه النظرية والتطبيقية. فالنظرة الجغرافية توهم الإعلام الصادر من دولة مسلمة يكتسب الشرعية الإسلامية بمجرد انتسابه إلى الدولة المسلمة، دون اعتبار لغاية ذلك الإعلام ومنهجه، ودون اعتبار لمضمونه وأساليب ممارسته. والمؤسف أن واقع الإعلام المعاصر في كثير من دول العالم الإسلامي لا يصور أبداً حقيقة الإعلام الإسلامي. والتحليل العلمي الموضوعي يكشف لنا أن كثيرا من منطلقات الإعلام، ومضامينه، وأساليب، ممارسته، وقواعد تنظيمه في كثير من الدول المسلمة يسير في ركب التقليد والتبعية للأنماط الغربية أو الشرقية في الإعلام، ويفتقد الهوية الإسلامية الواضحة !!

 

والنظرة التاريخية للإعلام الإسلامي، نظرة قاصرة، إذ تحجّم هذا الإعلام وتصوّره على أنه إعلام تراثي عتيق، ينفصل عن الواقع، ويبتعد عن معالجة قضايا العصر والاستفادة من معطياته ومنجزاته. والحقُّ أن الإعلام الإسلامي ليس مرتبطاً بفترة زمنية، وليس محدوداً ببقعة مكانية محدودة، بل هو منهج يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويحمل في طياته بذور الملائمة لكل زمان ومكان .

 

أما النظرة الواقعية التجزيئية للإعلام الإسلامي، فهي نظرة مجحفة، غير منطقية، وهي مثل سابقتيها تحجم هذا الإعلام، وتفصله عن الواقع، وتخصّص له جزءاً محدودا من النشاط الإعلامي الحافل. وهذه النظرة ذات أثر خطير في حياة المسلمين، لأنها تفصل الإعلام بنشاطاته الواسعة وممارساته المتنوعة، عن الهدى الإسلامي،ن وتكتفي بتحكيم الإسلام في جزءٍ من النشاط الإعلامي، ثم لا تبالي أن يناقض الإعلام مبادئ الإسلام وأخلاقه ويتعدى حدوده وضوابطه في الأجزاء الأخرى التي يطلق عليها ( الإعلام العام ) !! وكأن هذا المفهوم يقترب من المفهوم الغربي العلماني في فصل الدين عن الحياة، واعتبار الدين شأناً فردياً وعقيدة مكنونة، يخصص له جزء من النشاط الإنساني، ولا سلطان له على الواقع، ولا هيمنة له على الحياة الاجتماعية ونشاطاتها العامة.

 

إنَّ المفهوم البديل، بل المفهوم الحقّ للإعلام الإسلامي هو المفهوم المنهجي، الذي لا يجعل مقاييس إسلامية الإعلام مبنية على أساس الحدود الجغرافية والمكانية، أو الوضعية التاريخية المحدودة، أو الممارسة الواقعية الخاطئة للإعلام في الحياة، بل يبنى تلك المقاييس والمعايير على أساس المنطلقات الرئيسة والأطر الفكرية والاجتماعية والإنسانية المنبثقة من روح الإسلام وتصوراته الكلية وقيمه السامية، وعلى أساس الضوابط الشرعية التي ينبغي أن يسير الإعلام على هدي منها، ويلتزم بها في نشاطاته المختلفة وممارساته الواقعية .

 

إن الإعلام الإسلامي – بهذا المفهوم المنهجي – روح تسري في النشاط الإعلامي كله، تصوغه، وتحركه وتوجهه منذ أن يكون فكرةً إلى أن يغدو عملاً منتجاً متكاملاً، مقروءاً كان أو مسموعاً أو مرئياً. وبذلك يصبح الإعلام الإسلامي منهجاً قويماً تسير وفقه جميع النشاطات الإعلامية في كافة الوسائل والقنوات دون أن يحيد نشاط واحد منها عن الطريق، أو يتناقض مع النشاطات الأخرى سواء في الوسيلة الواحدة أو الوسائل المتعددة. وبذلك – أيضاً – يصبح الإعلام الإسلامي حكماً موضوعياً تتحاكم إليه جميع هذه النشاطات الإعلامية ثم لا يجد نشاط منها حرجاً في التسليم لحكمه والإذعان لتوجيهه.

 

وفهم الإعلام الإسلامي بهذه الصورة الشاملة، ينسجم مع الحقيقة الأصلية لهذا الدين، وهي أنه منهج شامل للحياة، وليس منهجاً جزئياً يعالج جانباً من جوانب الواقع الإنساني، ويهمل الجوانب الأخرى. وهذا المفهوم للإعلام الإسلامي، يحقق في حياة الأمة الإسلامية على الدوام الاستقرار والتوازن، ويخلصها من آثار الازدواجية والتناقض والصراع التي تعاني منها الأمة، كلما ابتعدت عن منهج الله. والنشاط الإعلامي المعاصر يعاني من هذه الأمراض الخطيرة، حيث تجد الازدواجية والتناقض في الوسيلة الواحدة فضلا عن وجودهما في الوسائل المتعددة، حيث تستمع إلى برنامج ( ديني ) يحث على الفضلة، فيعقبه مباشرة برنامج آخر يغري بالرزيلة ، أو أغنية ماجنة تزين السقوط بصورة مشوقة !! وتشاهد في التلفاز برنامج ( دينيا ) يبنى في نفوس المشاهدين معاني الرجولة والصلاح والخير، ثم لا تلبث أن تصدم في الوسيلة نفسها بفيلم مثير، ينقض كل ما بناه البرنامج (الديني ) ويهدمه!! والأنكى من ذلك أن يقدم البرنامج (الديني ) في أسلوب جاف وإخراج رتيب، فلا يجذب المشاهد ولا يجوز على رضاه، بينما يخدم الفيلم غير الديني خدمة فائقة، فيقبل عليه الصغار والكبار، ويتحلق حوله الشباب والشابات في رغبةٍ وحماس!!

 

ولو نظرنا الى واقع النشاط الإعلامي والنظم الإعلامية في المجتمعات المختلفة التي لا تدين بالإسلام لوجدنا ذلك النشاط في مجتمع ينبع أصلاً من التصورات العقدية والأيديولوجية للمجتمع، وينطبع بالقيم والتقاليد والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة فيه، ولوجدنا أن النظام الإعلامي يخدم أساساً الغايات والأهداف البعيدة والقريبة التي يسعى المجتمع إلى تحقيقها. فالإعلام في الدول الغربية ( اللبرالية ) العلمانية ينطلق من غايات المذهب ( اللبرالي ) العلماني، وفلسفته، ويروج بطرق مباشرة وغير مباشرة للنمط العلماني الغربي للحياة الذي يفصل الدين عن واقع الحياة، ويجمد الحرية الفردية، ويعلي من قيمة الأنانية، والإنجاز الشخصي، ويعمق روح المادية والاستهلاكية. والإعلام في الدول الشيوعية يصطبغ بفلسفة الأيديولوجية الماركسية، وينطلق من غاياتها، ويروج بطرق مباشرة وغير مباشرة للنمط الإلحادي الماركسي للحياة الذي يصور هذه الحياة بأنها صراع بين الطبقات، ويجعل الحزب ( ديكتاتورا ً) متسلطاً ومهيمناً على الناس، ويوظف الإعلام ليكون خادماً للسلطة ومجرد أداة لتحقيق رغبات الحزب وشهواته !!

 

وللإسلام – دون شك – فلسفته الإعلامية الخاصة به . وفي ضوء هذه الفلسفة المستقاة من المصادر الأصلية للمنهج الإسلامي، تتحدّد معالم النشاط الإعلامي داخل المجتمع الإسلامي وخارجه. ولقد وضع الإسلام أصولاً عامة وقواعد كلية لكافة جوانب العملية الإعلامية. ولكن هذه الأصول والقواعد مبثوثة في المصادر الإسلامية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي اجتهاد فقهاء المسلمين وعلمائهم عبر العصور المتعاقبة. والإعلام اليوم غداً علماً منظماً . ولذلك فإن المسلمين بحاجة ماسة إلى صياغة منظومة إعلامية ذاتية لهم، تحدّد معالم الهدى الإسلامي في النشاط الإعلامي من حيث :

 

أ – فلسفته الأساسية، وإطاره الفكري العام المبني على التصوّر الإسلامي للكون والحياة والإنسان وغاية الوجود الإنساني .

 

ب – غايته الكبرى ، ومنهجه الأصيل في تحقيق تلك الغاية .

 

ج – وظائفه العامة والخاصة، ومدى ارتباط هذه الوظائف بالحاجات الواقعية لأفراد المجتمع، ومقدار استجابته للظروف المحيطة بهم .

 

د – أساليبهُ وطرقه في تقديم المضمون إلى الناس، ومدى مراعاة هذه .

 

الأساليب لخصائص الجمهور المتلقي للرسالة الإعلامية، وكيفية تفاعله معه.

 

هـ- وسائله وقنواته المتنوعة سواء التقليدية منها والحديثة، وخصائص

 

الوسائل الخاصة بالإعلام الإسلامي والتي ينفرد بها عن غيره من المذاهب الإعلامية الوضعية كقنوات الاتصال الشخصي المنظم، وألوان الاتصال الجمعي والدولي المتميزة، وكيفية استثمارها وتوظيفها لخدمة أهداف المجتمع المسلم وغاياته .

 

و – نظمه وسياساته العامة والخاصة والأسس والضوابط التي يضعها الإسلام لتقنين تلك النظم وصياغتها، وترشيد السياسات الإعلامية التي يتبناها.

 

وهذا العمل الذي يستهدف صياغة منظومة إعلامية إسلامية للمجتمع الإسلامي لن يتحقق إلا خلال اجتهاد عصري يقوم به علماء يمتلكون زاداً متيناً من العلم الشرعي، ويمتلكون أيضاً زاداً متيناً من العلم الإعلامي في جانبيه النظري والتطبيقي. ولا بد من أن يعتمد هذا الاجتهاد العصري على تلاحم عنصرين هامين هما:

 

أولاً : دراسة المصادر الأساسية للإسلام دارسة إعلامية علمية لاستنباط الأسس والقواعد التي تنظم العملية الإعلامية أو ترشد إليها . ويردف هذه الدراسة محاولة الكشف عن ذخائر التراث الإسلامي عبر العصور مما له صلة بالممارسة الإعلامية .

 

ثانيا: دراسة نتاج البحوث والدراسات والممارسات الإعلامية المعاصرة واستيعابها، ثم استلهام روح التشريع الإسلامي ونتائج الدراسة الإعلامية العلمية لمصادر الإسلام وتراث المسلمين للوصول إلى رؤية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام الإسلامي في الجوانب النظرية والتطبيقية التي ذكرتها آنفاً .

 

كيف نصل إلى الإعلام الإسلامي ؟

 

إنَّ تحقيق ثمرة هذا التصور النظري للإعلام الإسلامي، بشموله وتكامله، لن يكون إلاّ بمحاولة الإجابة على هذا التساؤل الملحّ: كيف نصلُ إلى الإعلام الإسلامي ؟.

 

وفي تصوّري أنَّ الوصول إلى الإعلام الإسلامي يحتاج منّا العمل الدؤوب في أربعة ميادين رئيسة هي :

 

1- ميدان الإعداد والتأهيل البشري:

 

إنَّ أّهم الوسائل للوصول إلى تحقيق الإعلام الإسلامي في واقع الحياة وأنجعها هو إعداد الكفايات البشرية المتخصصة في الإعلام، وتأهيلها فكرياً، وخُلُقياً، وعملياً، ومهنياً. إن الإنسان هو العنصر الأول في إحداث أيّ تغيير مقصود. والعناية بإعداد الإعلاميين الإسلاميين، وتأهيلهم حتى يكونوا قادرين على تحمل هذه المسؤولية الضخمة، ليس أمراً سهلاً قليل التكاليف، بل هو عمل كبير، يتطلب منا جهوداً عظيمة وطاقات عديدة. إن الطبيب – وهو يطّبب الأبدان- يمر بفترة صعبة ومكثفة وطويلة من إعداد والتأهيل، فما بالك بالإعلامي، وهو المعلم، والمربي، والقائد، والموجه، وصانع الرأي في المجتمع ؟! إن مهمّته- ولا شك – أعظم ، ومسؤوليته أكبر، فهو يطّبب النفوس، ويؤثر في العقول، ويسهم في صياغة مواقف الناس وسلوكهم. ومن ثم، وَجَبَ أن يكون تأهيلُه مواززياً لهذه المسؤولية المنوطة به ولا بدّ لإعداد الإعلامي الإسلامي وتأهيله من أن يتكامل المنهج العلمي والعملي في الجوانب التالية:-

 

أ – الإعداد الأصولي والفكري، حيث يتعرّف الطالب على الأصول العقدية والفكرية والتشريعية للإسلام من خلال مجموعة مختارة من المقررات الشرعية والفكرية في القرآن الكريم، والتوحيد، والتفسير، والحديث، والفقه، والثقافة الإسلامية.

 

ب – الإعداد اللغوي والتذوقي، فاللغة وسيلة الإعلامي، بل هي وعاء الفكر والثقافة، ولذلك لا بد له من أن يدرس بعض المقررات في اللغة العربية نحواً وصرفياً وفقهاً، وأن يسعى إلى التمكّن في فنون القول، والبيان والأسلوب، والتعبير، والتذوق الأدبي .

 

ج – الإعداد التخصصي والمهني، وهذا الإعداد لا بد أن يتكامل فيه الجانب النظري والجانب العملي التطبيقي حتى لا تصبح دراسة الإعلام دراسة نظرية بحتة. ولا بد من اكتساب الطالب للمهارات العملية والمهنية المطلوبة منه في واقع الممارسات الميدانية.

 

د – الإعداد الثقافي العام، وهذا يتطلب الإلمام بالواقع الذي يعيش فيه، من حيث قضاياه ومشكلاته، وأحداثه، وتياراته، كما يتطلب الإلمام ببعض المعارف والعلوم المُعنية له على فهم هذا الواقع وتحليله، وهي علوم وثيقة الصلة بالإعلام كعلم النفس والاجتماع، والعلوم السياسية والاقتصادية، واللغة الأجنبية .

 

ولا بد من التأكد هنا على أن من مستلزمات هذا الإعداد الصارم للإعلاميين الإسلاميين ، أن يخضع الطلاب الذين يقبلون في أقسام الإعلام لشروطٍ موزونة سواء في المجال العلمي أو الأخلاقي. ولا بدّ أن يتوافر فيهم الحدّ الأدنى من الموهبة، والاستعداد النفسي. كذلك لا بد من التأكيد على أن يتوافر لهؤلاء الطلاب في المحيط الأكاديمي جوّ من العلاقة الحميمة بينهم وبين أساتذتهم، المبنية على الثقة والاحترام والتهذيب التربوي والتوجيه الأخلاقي عبر القدوة الصالحة التي يجدها الطلاب في أساتذتهم وموجهيهم. ويعد الجانب التربوي والأخلاقي ذا أهمية بالغة في مجال إعداد الإعلامي الإسلامي نظراً للصعوبات الجمّة والتحديات العديدة والمغريات المتنوعة التي تصادف الإعلامي الإسلامي في حياته العملية.

 

2- ميدان التأصيل والتنظير العلمي:

 

ما يزال الاهتمام بتأصيل قواعد الإعلام وأصوله وممارساته من وجهة النظر الإسلامية، محدوداً ومتناثراً. والمطلوب أن يتصاعد الاهتمام العلمي بالإعلام الإسلامي تأصيلاً وتنظيراً، وأن يركز على النوعية. وينطلقُ هذا الاهتمام من خلال إنشاء ودعم معاهد ومراكز البحوث الإعلامية، التي تهتم بالإعلام الإسلامي، واستقطاب الباحثين والدارسين الذين يتميزون بالإخلاص والوعي الإسلامي ، والخلفيَّة الشرعية، والاستيعاب العلمي للتخصص الإعلامي، إلى جانب تمتعهم بالمنهجية في التفكير، والتمكن من أساليب البحث العلمي ووسائله.

 

ولعل من الأهمية بمكان أن تسير هذه الجهود العلمية التأصيلية وفق خطة مدروسة وتصّور سليم للأولويات، وأن تعتمد على أسلوب فرق العمل الجماعية بدلاً من الأعمال والاجتهادات الفردية المحدودة. ولا بد من أن تتوافر لهذا العمل التأصيلي العلمي إمكانية بشرية ومادية ملائمة، كما لا بد من توافر قنوات علمية تُسهم في تحريكه وبلورته وانضباطه كالندوات العلمية، والحلقات الدراسية، والمشايع البحثية، والمؤتمرات واللقاءات، التي تتلاقح فيها الأفكار، ويتبادل فيها الباحثون والدارسون الآراء، ويتناقشون فيها حول نتائج بحوثهم ومؤلفاتهم.

 

3- ميدان الإصلاح الواقعي :

 

والمقصود بهذا: الإسهام الإيجابي في إصلاح أوضاع المؤسسات الإعلامية القائمة في العالم الإسلامي، الرسمية منها وغير الرسمية، وتنقيتها من الشوائب وترشيد مسارها الإعلامي، سواء ببذل النصح والمشورة، أو دعم الأعمال التي تخدم الإعلام الإسلامي، أو المشاركة العلمية في تلك المؤسسات والهيئات في ميادينها القيادية والإنتاجية والتقويمية .

 

ويبدأ الإصلاح الواقعي بمحاولة إيجاد قنوات تواصل وتعاونٍ بين المهتمين بشؤون الدعوة والإرشاد والإعلام الإسلامي من جهة ، وبين العاملين في المجال الإعلامي من جهةٍ أخرى، وذلك من أجل تضييق الفجوة بينهم. ولقد عانت الأمة من جرّاء انعزال العلماء وذوي الاتجاهات الإسلامية عن الوسائل الإعلامية، وعدم توثيق صلاتهم وعلاقاتهم بالعاملين في هذه الوسائل. وإنَّ السعي من أجل تنظيف الإعلام من الانحرافات والتشوّهات هدف نبيل ويحتاج إلى تحمل وصبر واقعي للظروف التي يعيش فيها الإعلام. وإنَّ انتهاج أسلوب التدرج في الإصلاح ضرورة لازمة في ضوء معرفتنا أنَّ كثيرا من المفاسد والانحرافات التي تحيط بوسائل الإعلام قد استغرق نشرُها وتكريسها زمناً ممتداً، وإصلاحها أو تخليص الإعلام منها يحتاج إلى زمن ممتد أيضاً ، وما أسهل الهدم وما أصعب البناء !!

 

ولا أعتقد أنَّ من الإيجابية في شيء أن ننساق وراء الدعوة إلى عدم الاستجابة لضغط الواقع في المطالبة بإنتاج البدائل الإسلامية، والغياب عن الساحة الإعلامية، بدعوى انتظار نضوج الرؤية النظرية للإعلام الإسلامي، أو بدعوى أن الإنتاج الإعلامي الإسلامي والمشاركة المحدودة في وسائل الإعلام القائمة لن تجد نفعاً خضم التيار الجارف، وأنها ستكون صرخة هائمة في وادٍ سحيق . إن هذا الاتجاه السلبي- في نظري- لن يحقق ما يصبو إليه المخلصون للإعلام الإسلامي . والجهود الصغيرة المتواضعة عندما تجتمع وتتراكم وتتواصل، لا شك أنها ستثمر بإذن الله تعالى ثمرات يانعة تفيد الناس وتبقى في المجتمع: ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة اجتثت خبيثة من فوق الأرض ما لها من قرارٍ ) ( إبراهيم : 24-25).

 

4- ميدان الإنتاج العملي المتميز:

 

إنّ صناعة البدائل الإسلامية في مجال الإعلام بمختلف فنونه وضروبه وألوانه، تحتاج إلى المبادرة إلى إنشاء مؤسسات وشركات إسلامية للإنتاج والتوزيع الإعلامي في مختلف المجالات، من طباعة، وصحافة، ونشر، وتلفاز، وفيديو، وتسجيلات صوتية ، وشرائح مصورة، وأفلام سينمائية وغيرها. وإنشاء مثل هذه المؤسسات يتطلب طاقات بشرية عديدة، ويتطلب تكاليف مادية ومالية باهظة. ولكن الاستثمار في هذا النوع من الإنتاج سيحقق مكاسب معنوية ومادية لا نظير لها .

 

ولكن ينبغي التنبيه إلى أهمية أن يتولّى مثل هذا الإنتاج العملي الإسلامي المميّز طاقات ذات إخلاص وتقوى، وأن يستعان فيه بأهل الخبرة والمعرفة وان تكون الأعمال المنتجة، متقنةً من حيث جوانبها الفكرية والفنية، حتى لا تشوّه الإنتاج الإسلامي البديل وتعطي صورةً سيئة عنه. ولذلك لا ينبغي الاستعجال في هذا الجانب إلاّ بعد استكمال العدّة : تصوراً ومضموناً، وتوافر العناصر البشرية: إخلاصاً وتمثلاً، وإتقان العمل فنياً وحرفياً.

 

إن صياغة الإعلام- نظرياً وتطبيقياً- صياغة إسلامية، ليست مشروعاً سهلاً سريع التنفيذ. بل هو مشروع عملاق يمثل صورة من صورة التحدي الحضاري الشامل الذي تواجهه الأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها. وإن توافر الجو السياسي والاجتماعي الملائم، والدعم المعنوي والمادي المناسب لتنفيذ مثل هذا المشروع العملاق، يُعدُّ ركيزةً أساسية للانطلاق نحو تحقيقه في واقع الأمة الإسلامية.. فالنشاط الإعلامي مرتبط دائماً بالبيئة السياسية والاجتماعية التي يعيش فيها، ويتأثر بها، سلباً وإيجاباً.

 

ولكن لا ينبغي أن يصيبنا اليأس أو الإحباط بسبب ضخامة التكاليف المعنوية والمادية، بل ينبغي أن يكون ذلك دافعاً قوياً لنا لنروّي الأمل المتفتح في قلوبنا وواقعنا بماء الإخلاص، والعزيمة الصادقة، والتخطيط المدروس، والعمل الجادّ، والسعي الدؤوب المتواصل حتى يثمر الأمل ويتحقق الحلم. وقد يكون من المناسب أن نلقي نظرة على واقع الإعلام العالمي والإعلام العربي المعاصر، والمأمول الذي نتطلع إليه حتى يؤدي الإعلام العربي الإسلامي دوره ويبلغ رسالته إلى الإنسانية .

 

الإعلام العربي المعاصر بين الواقع والأمل

 

لقد أصبح من مكرور القول أن نقرر بأن عصرنا الحاضر هو عصر الإعلام. وليس في هذا الوصف أدنى مبالغة، فقد تعددت وسائل الاتصال والإعلام، وتنوعت أساليبه، وتشعبت مجالات تأثيره، واستولت هذه الوسائل على أوقات الناس، واستقطبت اهتماماتهم، وغدت ظاهرة عالمية لا تقتصر معالمها على مجتمع دون آخر، ولا يصد آثارها الحواجز التقليدية، التي تعارف عليها الناس من حدود جغرافية أو اختلافات لغوية أو تباين ثقافي أو سياسي أو اقتصادي .

 

ولا بد لنا ونحن بصدد الحديث عن الإعلام العربي المعاصر وتشخيص مشكلاته وقضاياه أن نمهد لذلك بإلقاء الضوء على واقع الإعلام في عالم اليوم من حيث حجمه وسماته والقوى التي تهمين على حركته وتوجّه مسيرته .

 

واقع الإعلام الدولي المعاصر

 

إن أبرز ما يميز واقع الإعلام في عالم اليوم أنه يتسم بما يسميه علماء الاتصال والباحثون الإعلاميون بـ ( الاختلاف الإعلامي ) بين دول العالم وشعوبه . ويتمثل هذا الاختلاف في عدد من المظاهر البارزة من أهمها :

 

1- احتكار الغرب لصناعة تقنية المعلومات، والاتصال والإعلام، وهي ما تسمى بأوعية الاتصال وأدواته.

 

2- سيطرة وكالات الأنباء الخمس الكبرى على الساحة الإعلامية من حيث استقاء الأنباء وتوزيعها على النطاق الدولي، حيث يحصل العالم على أكثر من 80% من أخباره من لندن، وباريس، ونيويورك ، وموسكو. وهذه الوكالات هي: رويتر البريطانية، ووكالة الصحافة الفرنسية ووكالتا الأسيوشيتد برس واليونايتد برس انترناشونال الأمريكيتان ، ووكالة تاس السوفيتية. ويتمثل الاختلال هنا في الأخبار المتبادلة بين العالم الصناعي، والعالم النامي، إذ تخصص هذه الوكالات الخمس ما بين 10% -30% فقط من أخبارها للعالم النامي كله !!

 

3- تميز التبادل الإخباري- أو التدفق – بين الدول الصناعية والدول النامية باختلال نوعي- إضافة إلى الاختلال الكمي- إذ أن نوعية الأخبار التي تبثها الوكالات الخمس الكبرى عن العالم الثالث تركز على الجوانب السلبية، كالكوارث، والاضطرابات، والقلاقل ونحوها، تبعاً للمفهوم الغربي للخير .

 

وهو ما عبر عنه أحدهم بقوله: ( إذ عض كلب رجلاً فليس ذلك بخبر ، ولكن إذا عض رجل كلباً فذلك هو الخبر ) .

 

4- هيمنة المادة الإعلامية الغربية، والمضمون البرامجي المنتج في بيئات غربية على النطاق الدولي. وتتضح هذه الهيمنة في المجال التليفزيوني من خلال سيطرة أربع شركات غربية رئيسة، هي وكالة الأخبار المصورة البريطانية، واليونايتد برس، والنيوز فيلم الأمريكيتان ، والوكالة الألمانية- على مجال الأخبار التليفزيونية المصورة. كما تتضح من خلال حجم الأفلام والبرامج والمسلسلات والمواد الإعلامية التي تبيعها الدول الغربية- والولايات المتحدة بشكل خاص – لدول العالم .. فشركة ( سي بي اس – CBS ) الأمريكية مثلاً، توزع برامها وأفلامها في 100 دولة في العالم. بينما تصل شركة ( أي بي سي -ABC ) إلى 60% من تليفزيونات العالم. وقد حدت هذه الظاهرة الباحث البريطاني

 

( جيرمي تنستال- J.Tunstall ) إلى تأليف كتاب هام أسماه ( أمركة الإعلام ) يحلل فيه ظاهرة ( أمركة العالم تليفزيونيا ً )، كما ألف الباحث الأمريكي (هربرت شيلر-H. Schiller ) كتابه الشهير والمثير ( الاتصال الجماهيري والامبراطورية الأمريكية ).

 

5- توظيف العديد من القوى الدولية لوسائل الإعلام لخدمة أغراضها وأهدافها الأيديولوجية والسياسية والثقافية. ففي مجال الإذاعة المسموعة فإن الدول الصناعية الكبرى تتحكم في 90% من الموجات الإذاعية في العالم. وتقوم وكالة الاستعلامات الأمريكية بنشاط إعلامي واسع النطاق على المستوى الدولي من خلال إنشاء المراكز الإعلامية

 

( 178 مركزاً في 111 دولة ) وإنتاج الأفلام السينمائية وتوزيعها ( 200 فيلم سنوياً )، وتوزيع أفلام الفيديو ( 200 فيلم سنوياً )، ونشر المكتبات التابعة لها، وبث ما بين 6 و10 آلاف كلمة إخبارية إلى العديد من صحف العالم ومجلاته. هذا بالإضافة إلى استخدام إذاعة ( صوت أمريكا ) الموجهة التي تذيع أكثر من ألف ساعة في الأسبوع بـ 42 لغة في العالم، وتهدف إلى بث الأخبار التي تعبر عن الوجهة الأمريكية، وتوضيح السياسة الأمريكية، والترويج لنمط الحياة الأمريكية ورموزها وتقاليدها .

 

بالمقابل يوظف الاتحاد السوفييتي وسائل الإعلام لخدمة أهدافه الأيديولوجية والسياسية من خلال العديد من النشاطات. وكان ( لينين ) من أوائل من أدركوا خطورة الراديو وقدرته على تجاوز الحدود وبث الأفكار، وكان يسميه ( صحيفة بلا ورق ولا تعرف شيئاً اسمه الحدود ) ويذيع ( راديو موسكو ) – الذي يحتل المرتبة الأولى بين الإذاعات الموجهة في العالم في عدد ساعات البث – حوالي 2200 ساعة في الأسبوع بـ 81 لغة ولهجة في العالم .

 

6- استغلال وسائل الإعلام من قبل العديد من أصحاب الأديان والعقائد الفاسدة والاتجاهات الفكرية، وتسخيرها لخدمة أغراضهم . فمؤسسات التنصير وجمعياته، تمتلك العدد من المحطات الإذاعية والتليفزيونية والصحف والمجلات، ومراكز الإنتاج والتوزيع الإعلامي . وتبث ( إذاعة الفاتيكان )- التي أهداها ( ماركوني ) للبابا سنة 1931 م – برامجها عبر ست موجات قصيرة، وتصل إلى كثير من أنحاء العالم بـ 30 لغة . وتفيد الإحصاءات أن هناك أكثر من 40 محطة نصرانية في العالم تبث أكثر من ألف ساعة أسبوعياً لنشر أفكار النصرانية ومبادئها ، وتسخر الصهيونية العديد من الوسائل الإعلامية للترويج لمبادئها وأفكارها، إذ تمتلك أكثر من 954 صحيفة ومجلة، تصدر في 77 دولة، ومنها 244 في الولايات المتحدة ، 348 في أوروبا، 118 في أمريكا اللاتينية، و42 في أفريقيا، و30 في كندا، وخمس صحف في تركيا، وثلاث صحف في الهند، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من دور النشر والتوزيع، ومحطات الإذاعة والتليفزيون والمؤسسات المسرحية وشركات الإنتاج السينمائي. هذا فضلاً عن سيطرة اليهود على العديد من المحطات والشركات والصحف والمجلات في العديد من دول العالم.

 

أما ( إذاعة صوت إسرائيل ) فتضم خمس محطات، وتذيع على خمس عشرة موجة عبر

 

ست عشرة لغة عالمية ومحلية، وتقدر مدد البث بـ 276 ساعة في الأسبوع .

 

مظاهر التبعية الإعلامية في العالم العربي

 

لا شك أن هذا الواقع الإعلامي على المستوى الدولي بما يمثله من هيمنة وسيطرة غربية محكمة، قد ترك آثاراً سيئة على وسائل الإعلام ونظمه في العديد من دول العالم النامي. وكانت دول العالم العربي والإسلامي ضمن هذه الدول التي تأثرت بهذا الواقع الإعلامي، واكتوت بناره وعانت- وما تزال تعاني من سلبياته ومشكلاته .

 

ولن نجانب الصواب حين نقول: بأن واقع الإعلام في عالمنا العربي والإسلامي يشكو من مرض بالغ الخطورة، يتمثل فيما يمكن أن نسميه بـ ( التقليد والتبعية ) مع استدراكنا بأن هذه الظاهرة المرضية تبدو بدرجات متفاوته في دول العالم العربي والإسلامي، التي ما تزال تبحث عن ذاتيتها وشخصيتها المستقلة، وترنو إلى الوصول إلى تميز حضاري، يتوافق مع ما تؤمن به من رسالة خالدة، وما تضطلع به من مسؤولية عظيمة، لا تقتصر حدودها على مجتمعاتها المحلية فحسب، بل تمتد إلى آفاق العالم الرحبة، وقيادة الإنسانية إلى النور والخير، ومصداقاً لقوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ( آل عمران: 110) .

 

ويمكن إيجاز الأعراض التي تدل على الظاهرة المرضية التي أسمينها بـ (التقليد والتبعية ) في واقع الإعلام في العالم العربي فيما يلي:

 

1- الاعتماد على التقنية الأجنبية، والخربة الأجنبية، في بناء وتسيير البُنى الأساسية للإعلام، وفي العديد من الدول العربية والإسلامية .

 

2- استعارة المفاهيم والنظم والنظريات الإعلامية الغربية التي أصبحت تمارس في واقع العمل الإعلامي، وتدرس في المعاهد والجامعات في العالم العربي والإسلامي .

 

3- استيراد المواد والبرامج الإعلامية من الدول الغربية. وهي لا تنبع من قيم ومبادئ وتقاليد المجتمعات الإسلامية، ولا تلبي حاجاتها ولا تعالج مشكلاتها وقضاياها، فضلاً عن أنها تروج لأفكار الغرب وحضارته وتقاليده وقيمه .

 

4- تسييس الإعلام وتسخيره لخدمة الأغراض السياسية والحزبية في كثير من دول العالم العربي والإسلامي، مما أفقده القدرة على الحركة والحرية والإبداع. وخلا الميدان – بذلك – من المخلصين والمبدعين، وأصبح مليئاً بالمقلدين والمهرجين والمرتزقة!!

 

5- تضخم الوظيفة الترفيهية لوسائل الإعلام، حتى طغت هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى، مع اشتداد حاجة المجتمعات العربية- وهي تخوض معركة التنمية والبناء والتغيير- إلى توظيف وسائل الإعلام لخدمة أغراض هذه المعركة الحضارية والاجتماعية الحاسمة، ولا شك أن وسائل الإعلام – متى ما أحسن توجيهها – ستسهم بنصيب وافر ومؤثر في هذه المعركة.

 

6- ضعف الاهتمام بالجوانب الفكرية والعلمية للإعلام، مما كان له أثر في عدم توفير المناخ الملائم لتطوير الفكر الإعلامي العربي المسلم، الذي يتميز عن غيره ويختلف عما سواه في أصوله ومنطلقاته وأهدافه وغاياته، وطرق ممارسته، بما يتفق مع توجهات المجتمع وحاجاته، وبما ينسجم مع السياق الفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمعات العربية في مرحلتها التاريخية التي تعيش فيها.

 

التحرير من التبعية ضرورة ومطلب

 

إن تحرر الإعلام العربي وتخليصه من التقليد، ضرورة لازمة، ومطلب حضاري لا غنى عنه. وليس هذا التحرر ببدع على إعلامنا العربي، فهو مطلب مشروع للدول النامية بشكل عام. وقد أقرت هذا المطلب اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الإعلام المنبثقة عن هيئة اليونسكو في وثيقتها رقم (32) حيث تقول:( إن تحرير وسائل الإعلام الوطنية، لهو جزء لا يتجزأ من الكفاح الشامل من أجل الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي تخوضه الغالبية العظمى من شعوب العالم، التي لا ينبغي أن تُحرم من حقها في بث الإعلام، وتلقيه بطرق موضوعية سليمة. ويتساوى الاستقلال إزاء مصادر المعلومات، في أهميته مع الاستقلال التقني، لأن التبعية في مجال الإعلام تؤدي بدورها إلى تعطيل النمو السياسي والاقتصادي ) .

 

وبالإضافة إلى كون هذا التحرر للإعلام العربي من التبعية مطلباً مشروعاً في ضوء مقررات ومبادئ الهيئات الدولية، فإنه- قبل ذلك وبعده – ضرورة لازمة، لأن الامة التي يعبر عنها الإعلام العربي ويخدمها هي أمة متميز، لها وضعها الخاص، ولها رسالتها الفريدة، فقد اختيرت لتكون أمة تحمل أمانة الإسلام، فتلتزم به عقيدة وشريعة، وتبلغ عنه دعوة وتبشيراً. ومن طبيعة الرسالة الإسلامية أنها رسالة عالمية لكل البشر، وما أشد حاجة الإنسانية اليوم إلى الإسلام، لتؤوي إليه تثوب إلى كنفه فيعطيها الأمن والسعادة ويحقق لها ما تصبو إليه من آمال، وما تتطلع إليه من طموحات.

 

إن تحرر الإعلام العربي من التبعية ليس حاجة وطنية وقومية فحسب، بل هو – بالإضافة إلى ذلك – حاجة إنسانية دولية. وهاهو العالم اليوم يصارع من أجل إيجاد نظام إعلامي عالمي جديد، يكسر احتكار القوى المتسلطة، ويوفر الفرصة لتحقيق توازن إعلامي رشيد. فهو إذن- يدرك تهافت النظام الإعلامي الحالي، ويعترف بقصوره، ويسعى إلى إسقاطه، ويبحث عن بديل له. وفي تصوري، أننا- نحن العرب والمسلمين – نملك القدرة على الإسهام الإيجابي الفعال في إيجاد ذلك البديل، الذي تبحث عنه الإنسانية في عالم اليوم. ولا نقول هذا الكلام من قبيل المبالغة والغرور الذاتي، بل هي الحقيقة التي يقررها الواقع. فقد جرب العالم كثيراً من الحلول، وطرق كثيراً من المنافذ، بحثاً عن الخلاص، ولكنه عاد خائباً محملاً بمزيد من المشكلات والمتاعب .

 

وفي يقيننا أن الإسلام – بمنهجه الرباني الثابت، وقدرته على التجدد والمرونة في آن واحد – قادر على أن يقدم الأصلح لعلاج المشكلات الدولية في مجال الاتصال والإعلام .

 

الإعلام العربي والأمل المنشود

 

إن تحرر الإعلام العربي من التبعية والتقليد، هو الأمل المنشود الذي يتطلع إليه كل مخلص غيور. ولن يتحقق هذا التحرر إلا عندما تتوسع دائرة الاعتماد على الذات في جميع ميادين الإعلام: صناعة، وفكراً، ونظاماً، وممارسة. ولا بد – بادئ ذي بدء- من الإيمان العميق بأن نقطة الانطلاق في حركة تحرر الإعلام العربي من التبعية، تمكن في الإقرار العملي بأن النشاط الإعلامي- بمختلف صوره وأشكاله وأنماطه- إنما ينبع من التصورات العقدية والأيديولوجية للمجتمع الذي يعمل فيه، وينطبع بالقيم والتقاليد، ويتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لذلك المجتمع. ولذلك فإنه من الضرورة أن نعمل على صياغة نظام إعلامي عربي إسلامي مميز في روحه وجوهره، ومنطلقاته، وأهدافه، ونظمه، وقوانينه، وطرقه وأساليبه.

 

ولاشك أن الإسلام – بفكره وقيمه ومبادئه وحضارته- هو الأصل الذي ينبغي أن يصدر عنه ذلك النظام الإعلامي المنشود، وهو الأساس الذي ينبغي أن يستند إليه صياغته للنشاط الإعلامي، وتحديد أبعاده ووظائفه ومسؤولياته في المجتمع العربي. كما أن هذا النظام المنشود لا بد من أن يتفاعل مع الواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية، وتتبلور أسسه وتنظيماته وممارساته بما يخدم مصالح هذه المجتمعات وحاجاتها، وبما لا يتعارض مع قيمها الأصيلة، وعاداتها وتقاليدها الصالحة، التي تعطيها التميز والاختلاف عن غيرها من المجتمعات التي تؤمن بالفلسفات والأفكار المادية الوضعية.

 

إن تحرير الإعلام العربي من ربقة التبعية والتقليد، والارتقاء به إلى مستوى الإبداع والاستقلال والذاتية، عمل شاق وكبير. ولذلك لا بد من أن تسهم في تحقيقه مختلف الفئات والجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالنشاط الإعلامي، سواء على المستوى السياسي، أو المستوى العلمي الأكاديمي، أو المستوى العملي المهني، أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي. حسبنا في هذه العجالة أن نشير إلى بعض النقاط الهامة التي نعتقد أن عملية التحرير تنطلق فيها عبر المستويات المختلفة:

 

(أ ) فعلى المستوى السياسي، لا بد من أن تؤمن الحكومات والأنظمة السياسية العربية بأهمية أن يكون نظام إعلامي عربي له شخصية الذاتية، وأن يركز هذا النظام على مبادئ الإسلام وقيمه، ويلي الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، ويقوم على أكتاف مواطني ذلك المجتمع. ولا بد من أن ترسم لهذا النظام استراتيجية عامة واضحة المعالم، وسياسات عملية تقوم على أسس عملية واقعية، وأن يتمتع النظام بشيء من الحرية والمرونة التي تحقق المصلحة العامة، وألاّ يكبل النظام بالبيروقراطية والروتين.

 

(ب ) وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي، لا بد من العمل على تغيير النظرة التقليدية الدونية للنشاط الإعلامي التي تسود المجتمعات العربية. ولا بد من إقناع القطاع الحكومي والقطاع الأهلي بأهمية الاستثمار الاقتصادي في ميدان الإعلام، إذ أن النشاط الإعلامي اليوم- في كافة صوره ومستوياته – نشاط مكلف اقتصادياً، مما يتطلب معه أن ينفق عليه بسخاء، وأن يحظى بالعناية القصوى والاهتمام الكافي.

 

(ج ) وعلى المستوى الأكاديمي، لا بد من العناية بافتتاح وتدعيم كليات وأقسام، ومعاهد التدريس الأكاديمي للإعلام في كل قطر عربي، ولا بد من أن تتوافر لهذه الكليات والأقسام والمعاهد الإمكانات البشرية والمادية الملائمة، التي تجعلها تستطيع القيام بمهمتها في إعداد وتهيئة الكفايات ( الكوادر ) الإعلامية المتخصصة، التي تسهم في دفع عجلة النمو الإعلامي، وتعمل على تحقيق سياسة الاعتماد على الذات. كما أن هذا الاهتمام بالكليات والأقسام والمعاهد الإعلامية الوطنية، سيقلل من كثرة الإبتعاث إلى الخارج والذي يعد – بصورته الحالية- تكريساً لحالة التبعية والتقليد ، التي يعيش فيها الإعلام العربي المعاصر. ولا ينبغي أن تقتصر مهمة هذه الجهات الأكاديمية على الإعداد الأكاديمي والمهني الصرف، بل لا بد لها من أن تعنى بالإعداد الفكري والأخلاقي المتميز للكوادر التي تخّرجها ..

 

(د ) وعلى المستوى المهني الواقعي، لا بد من أن يستشعر العاملون في الميادين الإعلامية المختلفة – سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الأهلي – مسؤوليتهم العظيمة التي يضطلعون بها. ولا بد من العناية بحسن اختيار المسؤولين والعاملين في المؤسسات الإعلامية التوجيهية، وتنقية الساحة الإعلامية من الدخلاء عليها، كما أن توفير فرص التأهيل والتدريب للعاملين في القطاع الإعلامي يعد مطلباً أساسياً في سبيل تكوين وتهيئة كوادر إعلامية ذات قدرة وكفاءة وتميز .

 

التعاون العربي لتحقيق أهداف التحرر الإعلامي

 

ولا ينبغي أن تنحصر مهمة تحرير الإعلام العربي من رقة التقليد والتبعية في النطاق المحلي لكل بلد عربي. بل لا بد من أن يتكامل هذا الجانب المحلي مع الجانب العربي على المستوى القومي، فنحن أمة واحدة ذات رسالة متطابقة وهموم مشتركة وآمال متوافقة. ولا شك أن التعاون الإعلامي فيما بين دولنا العربية يعد جزءاً من سعينا الحثيث نحو الوحدة والتكامل في شتى المجالات والميادين. بل إن الوحدة العربية والتكامل العربي خطوة ممهدة للوحدة الإسلامية والتكامل بين دول العالم الإسلامي وشعوبه، حتى يصدق فيها قول الله تعالى في كتابه العزيز:( وإنّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتقون )

 

( المؤمنون:52).

 

وليس التعاون الإعلامي العربي الذي ندعو إليه ببدع في واقع العالم المعاصر. إن كثيراً من الأمم والدول اليوم تسعى إلى أيجاد صيغ قومية وإقليمية للتعاون فيما بينها في مجالات متعددة. ولو اقتصرنا على المجال الإعلامي لما أعوزتنا الأمثلة والشواهد الحية التي تؤكد لنا هذه الحقيقة، فدول الكتلة الغربية تتعاون فيما بينها عبر العديد من المؤسسات الإعلامية المشتركة ، ودول الكتلة الشرقية تتعاون فيما بينها أيضاً عبر بعض الهيئات المشتركة.

 

ولسنا هنا في مقام إنكار وجود عدد من المؤسسات والهيئات العربية المشتركة التي تسهم في توفير مجالات متنوعة للتعاون والإعلامي بين الدول العربية، ولكننا نحس أن ما تحقق من خلال هذه المؤسسات ما يزال ضئيلاً، ولا يرتقي إلى مستوى طموحات المخلصين من أبناء هذه الأمة في مختلف أقطار العالم العربي.

 

ولا شك أن هذه المؤسسات العربية مثل اتحاد إذاعات الدول العربية، واتحاد وكالات الأنباء العربية، وأجهزة التعاون والإعلامي الخليجي المتعددة، تستطيع أن تقدم الكثير مما يحتاج غليه الإعلام العربي لتطويره وتنميته والارتقاء بمستواه. كما أن المؤسسات العملية والجامعات العربية التي تحتضن أقساماً للإعلام ينتظر منها الكثير مما لم تستطيع تحقيقه حتى الآن .

 

وسوف نؤكد باستمرار على أهمية أن تخطى قضية تحرير الإعلام العربي المعاصر من ربقة التبعية والتقليد بمختلف صورها باهتمام المسؤولين والعاملين في الميادين الإعلامية المتنوعة والإعلاميين، وأن تلقى من العناية ما تستحقه في ضوء تزايد خطورة وسائل الإعلام في المجتمعات العربية، وتعاظم قدرتها على التأثير على الأفراد والجماعات، سلباً كان هذا التأثير أو إيجاباً.

 

كما أن التحديات التي تواجه الأمة العربية المسلمة في الوقت الراهن سواء على المستوى السياسي، أو المستوى الفكري، أو المستوى الاقتصادي تفرض علينا أن نعمل على تسخير كافة إمكاناتنا ووسائلنا لمواجهة هذه التحديات الخطيرة، وخصوصاً ونحن ندرك أن أعداءنا قد استغلوا وسائلهم وإمكاناتهم الإعلامية لخدمة أغراضهم، وركبوا مطية الإعلام ليكون سلاحاً فعالاً من أسلحتهم لحربنا في عقيدتنا، وفكرنا، وانتمائنا، وفي وجودنا، ومعركتنا في البناء والتنمية. إن الإعلام اليوم أمضى الأسلحة في الصراع الحضاري الذي تدور رحاه في دنيا اليوم، وأن الأمة التي لا تمتلك إعلاماً قوياً فعالاً ينبع من شخصيتها الحضارية ويلبي احتياجاتها ويسهم في معركتها، هي أمة خاسرة في عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات