طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > إنها صولة الإعلام الجديد

ملتقى الخطباء

(96)
4530

إنها صولة الإعلام الجديد

1439/02/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

منَ الحقائق الثابتة والمسَلَّمات الكليَّة لدى كلِّ مسلم: أن هذا الدِّين جاء لتكريم الإنسان، ورفع درجته في العالَمين، وأنه أخْرَجَ الناس منَ الظلُمات إلى النور، ومنَ الشقاء إلى السعادة، ومنَ الجَوْر والظلْم إلى العدْل والإحسان، وكان أعظم سرٍّ في هذا التكريم في شريعته وأحكامِه الخالدة، التي كانتْ مُعجِزَة على مرِّ العصور، شَهِد بذلك الأعداءُ قبل الأصدقاء.

 

وهذه الحقيقةُ لَم يَكُن فيها غَبَش أو أدنى شك في الصدر الأول، ولكن على مرِّ العُصُور، واستمرار الصِّراع بين الحقِّ والباطل، والكُفر والإيمان – اسْتَخْدَمَ كلُّ طرفٍ في الصراع من الأسباب المادية ما يُحَقِّق أهدافه، ويُقَوِّي جانبه، ويوهن جانب خصْمه، ولقد ضرَبَ المسلمون أرْوع الأمثلة، وأرقى الأساليب، أثناء صراعهم مع مَن يُخالفهم، فكانوا أُمَناء في النَّقْل عن خُصُومهم، وكانوا يعدلون معهم، ويرحمونهم، ويرجون لهم الخير، مما عظَّم أثرهم على الناس، وقبّح أثر أعدائهم عليهم، ولكن كان عدوهم لا يعرف للنَّزَاهة طريقًا، ولا للأمانة سبيلاً، والتاريخُ يشْهد بِجَوْرِهم وظُلْمِهم، وهو أمْرٌ غير مُستَغْرَبٍ؛ لأنَّهم لَم يهْتَدُوا بنور الوحي الرَّباني، والشريعة المُقَدَّسة؛ {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].

 

ولعلَّ مِن أعظم الوسائل التي استخْدَمَهَا الفريقان – فريق الخير، وفريق الشر – أثناء صراعهم، ونشْر أفكارهم ومبادئهم – قديمًا وحديثًا – هي الوسيلة الإعلامية، التي كانتْ في بدايتهم تعتمِد على النقل عبْر المجالس، وفي المنتديات، وعبر القصيدة، ثم تَطَوَّرَتْ أكثر وأكثر حتى عصْرنا هذا، ومَن نَظَر في تُرَاثنا، والصراع الذي كان بين حضارتنا والحضارات الأخرى، والصراع داخل الحضارة الإسلامية بين أهل السُّنَّة والطوائف الأخرى، وكيف برعوا في تأليف وتصنيف الكتُب، وتسهيل وتقريب المعلومة، ودعمها بالحُجَج والبراهين – يدلُّ على عناية سلفِنا – رحمهم الله – بوسائل الإعلام، وإنْ كانتْ تأخذ مسمًى غير مسمى الإعلام والاتصال.

 

ثم جاء هذا العصْرُ، وحدث الانفجار المعلوماتي الضخْم، الذي وصل إلى حدٍّ لَم يَكُنْ يَخْطُر ببالٍ، والقادم أكثر وأعظم، ولكن مِن عجائب هذا الزمان: أنَّ الإعلام في بلاد المسلمين – وإن حمل أسماء إسلامية – يَشُنُّ حربًا على مبادئِه وقِيَمِه، وعلى ثوَابِتِه ومُسلَّماتِه، يرفض ما أجْمع العُقلاءُ على استحسانه، ويُلَمِّع ويدعو إلى ما أجمع العقلاءُ على استِقْباحِه، إنَّنا نعيش ردَّة حضارية، ونَكْسة علميَّة، مع وجود هذا التطوُّر الهائل، فيا تُرى، ما السبب؟ ومن المتَسَبِّب؟ وما الداء حتى نعرف المخرج والدواء؟ ولعلي أخص بِحَديثي هذا وسائل إعلامنا العربية، ولا نَتَعَدَّاها إلى إعلام غَيْرِنا، فلَعَلَّ العلاج يكون ناجعًا، والكلام في محلِّه، فعصرُنا عصرُ المصارَحة والمكاشَفة والشفافية – كما يقولون.

 

الأمر الأول: ما هدف الإعلام الأسمى، وغايته القصوى؟

قبل الجواب لا بدَّ أن نعلمَ أنَّ أي شيء في الوُجُود إذا انْحَرَفَ عنِ الهدف المقصود مِنْ وُجُودِه وإنشائه، فسوف يُصبح عاملَ هدْمٍ لا بناء، وعلى أقل الأحوال يُصبحُ عائقًا عنْ تحقيق الآمال والطموحات، وعبْئًا على الأمَّة والأفراد.

والجواب المتبادَر هنا: هو ما جاء في كتاب ربِّنا في بيان الهدَف الذي خَلَق مِنْ أَجْلِه كلَّ الكَوْن، ومن أجْلِه أُنزلت كلُّ الرسائل السماوية؛ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، إنَّ هذا الهدَف هو الذي يجب أن نسعَى إليه جميعًا، أنْ نجعل الناس عبيدًا لله، أن تكون حياتُهم كلها لله؛ كما قال ربُّنا – جلَّ وعلا -: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

 

فهل إعلامنا يُحَقِّق هذا الهدَف؟ هل إعلامنا يرسِّخ مفهومَ العُبُوديَّة للخالق، وتعظيم حُرُماته وشرْعه؟ أو أنه يُعَزِّز عبودية الشهوات، والتَّفَلُّت من أوامر ربِّنا، ويشجِّع على انتهاك الحرُمات، وإغضاب رب الأرض والسموات؟! هل يُعَزِّز إعلامُنا الانتماء لِهُويتنا وديننا وثقافتنا؟!

 

إنَّ مَن يَنْظُر بعَيْن العدل والإنصاف، يجد أن إعلامنا يُعَزِّز التبعيَّة والهزيمة الفكرية والنفسية، يُرَسِّخ في قلوبِنا وعقولنا عادات وتقاليد غَيْرنا، والإعجاب والانبهار، ليس بمنجزات الغرْب الحضارية، ولا مخترعاته التقنيَّة، ولكن الإعجاب بِمُجُونه واختلاطه، وعُرْيه وبَهِيميَّته، وهكذا فلْتَكُنْ الأمانة يا إعلام المسلمين!

 

الأمر الثاني: إعلامنا والمرأة:

إننا حينما نتحَدَّث عن المرأة، نحمل بين جَنْبينا الحرْص والرحمة، والحنان والشفَقة عليها، كيف لا، وهي مُرَبية الأجيال، والمؤْتَمنة على البُيُوت والعَوْرات؟! فالعلاقة التي جاء بها الإسلامُ بين الرجل والمرأة علاقة تعاوُن وتكامُل، لا علاقة تضاد وخصام، والمرأة لها تكاليف تتناسَب مع طبيعتها وأنوثتها ورقَّتها، فشرَع لها الإسلامُ ما هو رحمة ورأفة بها، حتى تنْجَحَ في مُهمَّتِها، وتُشارك في حضارة المجتمع ورُقِيِّه، والرجلُ له مُهمته التي تتناسَب مع طبيعته ورجولته؛ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

 

ما هو موقف إعلامنا من المرأة؟

إنَّ إعلامَنا – نقولها وللأسف -: أساء إساءَة بالغةً إلى المرأة، وظَلَمَهَا أيَّما ظلْم، وذلك من عدة جهات:

1- الإعلام جَعَلَ المرأة أُلْعُوبة وشَهْوة، وتسْلِية ومُتْعة، بيد المشاهِدين، فأيُّ تكريم أعْطاها الإعلام؟! وأي رفعة وهبها الإعلام؟! أولا تعي تلْكُم المسكينات اللاتي يصْرخْنَ: نريدُ مشاركة أكثر في الإعلام؟! ألا تعي تلْكم النِّسوة خطورة هذه الدعوة؟! إنها تمشى إلى حتْفها ولا تدْري!

2- الإعلام افتعل مشكلةً داخل مجتمعنا، ليس لها وجود، ومع كثرة كذبِه وخداعه صدَّقْنا هذه الأكذوبة الكبيرة، وهي أن المرأة في مجتمعنا مظْلُومة، لَم تُعْطَ حقوقها، لَم تعطَ حريتها، لَم تُعْطَ كامل تصرُّفها في مالها، ولما جِئْنا ننظر إلى هذه الدعوى، فإذا هي سرابٌ لا حقيقة لها، نَعَم، قد تَحْدُث أخطاء من أفراد، لكن الإعلامَ صوَّر مجتمعنا بأكْملِه بهذه الصورة، ليحثَّ المرأة على التمَرُّد على زوْجِها وعلى مجتمعها، وقبل ذلك على أحكام ربِّها، جاعلاً شعاره: المُطالَبة بحقوق المرأة.

إنَّ الذي يحدِّد الحقُوق ليس الجهَلة، وأهْل الشهوات، ولكنهم العلماء بكتاب الله وسنة رسوله، الذين يعرفون الحلال والحرام، ويعرفون مقاصد الشرع، يطْرَح الحقُوق مَن يعْرف قدرها وحدودها من النساء الحكيمات.

3- استعْبَد الإعلامُ بعضَ الكاتبات بوظيفة الحديث، وتصوير النساء بأبْشع الصور والمشكلات؛ لتضيع مطالب المرأة الحقيقية بمطالب وهمية خدَّاعة، وتطوُّرات مزيَّفة – والله المستعان – بل إنَّ المضامين الإعلامية اليوم تَدُور حول الاهتمامات التقليديَّة للمرأة، التي لا تتجاوَز المطبخ وأدوات الزينة والموضة وتبعاتها.

أين حديثُ الإعلام عن المرأة المُسنَّة والعجوز؟! أين هم من المطلقات والأرامل؟! أين المشاريع لإنقاذ المرأة من الابتزاز الجنسي الذي تَتَعَرَّض له المرأة في الأماكن المختلَطة، أو الذين يستغلون ضعفها وعوزها وغياب رب الأسرة عنها؟! أين الحديث عن المرأة السجينة، والكلام عن مشاكلها، وإيجاد الحلول لها؟! أين الحديث عن المراهِقات، وما يُعانيه الآباء والأمهات من مشاكلهنَّ، وكيفية التعامُل معهن، وإيجاد الحلُول المناسبة؟! أين البحث عن فرَصٍ لتوظيف وتدريب الفتيات؟! وإلى الله المشتكَى.

4- يغفل الإعلام تطوُّراتٍ وإنجازاتٍ قادتُها نساء محجبات؛ ليُرَكِّز على صور أخرى، ونماذج لأهداف مغلوطة، ولا رادع أو متحدِّث.

 

الأمر الثالث: الإعلام وهموم المجتمع:

الإعلام الناجح – في نظري – هو الذي يُناقش هموم المجتمع، وهو قلْبه النابض ولسانه الناطق، وما يُبَثُّ في وسائل إعلامِنا اليوم لا يُمَثِّل هُوية ولا رغبة المجتمع، إنما هي رغبةُ أصحاب الإعلام، وحراس البوابات، التي لا تمثل نسبةً تُذْكَر، فغالب المجتمع محافظ ومُتَمَسِّك بدينه، لا يبغي عنه بديلاً، يدعو إلى العفَّة والحشمة والحجاب تطبيقًا وتنظيرًا، وإعلامنا يُثير ضجَّة كبيرةً حول أمور متناقضات؛ مِنْ كشْف المرأة عن وجهها، وإثارة الخلاف، والتركيز عليه في مجتمعٍ غالبُه تُغَطِّي المرأةُ فيه وجْهَها، وهو بإجماعِ الفقهاء خَيْرٌ مِنْ كَشْفِه، لماذا يُراد لنا المفضول وترْك الفاضل؟!

 

ثم إنَّ الإعلام بهذه الصورة يُعاني من فشَل ذريع؛ لأنه لا يتَحَدَّث عما يُريده ويُعانيه المجتمعُ، وثمة قضيَّة أخرى في كشْف وجه المرأة: هل مشكلة الإعلام في أنه يعانِي من كثْرة المتحجبات بالحجاب الذي يطرحه، وهو تغطية الجسد ما عدا الوجه والكفين؟ أو أن الإعلام هو العُرْي والتفَسُّخ؟!

 

ألا يَتَسَاءل عاقلٌ عن البرامج الجادة، عنْ مُشكلة البطالة والتحقيقات الصحفيَّة عن مُعدَّل الجريمة بين الشباب العاطل عن العمل؟ أين الحُلُول العمليَّة؟! أين الحديث عنِ المشاكل الأُسَرِيَّة حديثًا يُناسِب مجتمعنا، ويُناسِب محافَظته وعفَّته وطهارته؟! أين الحديث عنْ مشاكل المُراهقين والمراهِقات في المدارس، وتوجيه الآباء والمدَرِّسين عبْر حلقات حِوَارِيَّة، وحوارات صحفية، إلى ما فيه خَيْر للمُجتمع والأسرة؟! أين الحلقات التي تفتح فيها القنوات لِبَثِّ الناس همومهم، وطرْح تساؤُلاتهم في كلِّ قضاياهم، بكلِّ صراحةٍ ووضوحٍ، دون خوفٍ أو وَجَل؟!

لقد أصْبَحَ إعلامُنا – بكلِّ أسَف – يتندَّر به في المجالس، فمَنِ المتسبب في هذا كله؟!

 

الأمر الرابع: إعلامنا والمشروع الحضاري:

إنَّ أي إعلام هادفٍ يجب أن يساهمَ بشكلٍ كبيرٍ في قيام حضارة مجتمعه، والسَّعي في بنائه، وحينما يساهم الإعلام في التخلُّف والتراجُع، تكون المصيبةُ عظيمةً، والواقعة أليمة، إعلامُنا بكلِّ مصداقيَّة يُمارس تسطيحًا للعُقُول، وتشويهًا وتحريفًا للحقائق، ولا يرْفع مستوى الوعْي والتفكير لدى رجالنا ونسائنا، لدى آبائنا وأمَّهاتنا، رغم أنَّ سلامة التفكير، ونضج العقول، هي من أهم مقوّمات الحضارة في أيِّ أمة من الأمم، وحالُنا معه في صُحُفنا وقنواتِنا هو الحرب على الدِّين، وعلى ثقافة البلَد والتَّنْقيص من قدْر علمائه ورُمُوزه.

 

ثم أين إعلامنا من تَوْعِية المجتمَع بالعُلُوم والتَّقْنية والتدريب على الحِرَف، وعلى وسائل السلامة وطرُق التعامُل مع الآخرين، وأسباب الرقِي وعوامل النجاح؟! كلُّ هذا غائبٌ؛ لأن الإعلام مشْغول بمتابعة الأفلام الهابطة، والأغاني الماجنة، ومسابقات الجمال، وعروض الأجساد؛ أعني: عروض الأزياء، مشغول بتعليم أبنائنا وبناتنا الرقْص والطرَب، حتى نتقِنَه، فنَتَقَدَّمَ مثل غَيْرنا!

 

نسينا أنَّ مِن عوامل قيام الحضارات الامتدادَ التاريخي، ونشْر ما كان مِن حضارة سابقة بين الأجيال والاعتزاز بها، الإعلام حقيقةً يَجْهل تاريخنا الإسلامي المشْرِق، فلا تعريف بسيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وسيرة صحابته الكرام، وسيرة جهادهم وأخلاقهم، وجميع جوانب حضارتهم، ولا تقديس لمفهوم التكافُل الاجتماعي والروحي في عُصُورنا القديمة.

 

الأمر الخامس: إعلامنا والأمن:

ونعني بالأمن: الأمن الفكري، والأمن الحسي، فالإعلامُ في أيِّ بلد لا بُدَّ أن يكونَ هو العُنْصر الأول من عناصر استتباب الأمن، بِتَوْجِيه الخطاب المباشر وغير المباشر للشباب والفتيات وكل المجتمعات، بالأَخْذ بأسباب الأمن، وتدريبهم عليها، وتحذيرهم من مغَبَّة إخلال الأمن، مِن خلال الحوارات الهادفة، والكلمة الصادقة، ولكن ما بالكم بإعلام يُشَجِّع على الجريمة، بل ويُدَرِّب عليها، من خلال أفلام مشوِّقة، يطرح فيه من الإثارة وشد الانتباه ما يعجزُ المرءُ عن تصوره؟! كيف تتم السرقة، وكيف يتم إخفاء أثرها، وكيف تستخدم الأسلحة كاتمة الصوت، وكيف تُهَرَّب البضائع، وكيف يمكن إخفاء الجثث بعد قتلها، وكيف يمكن خطْف البنت من منزلها أو أثناء ذهابها لمدرستها، وكيف تُسْرَق السيارات، ونحو ذلك! أليس هذا الذي يُبَثُّ مِنْ خلال الأفلام الأجنبية – التي تُؤمِن بأنَّ الجريمةَ أصْل في الإنسان – سوف نَجْنيه؛ فالمرء يجني ما يزرعه؟! ثم نقول: لا بد منَ الأمن في بلادنا، كيف يحصل الأمن وهنا مَن يوقد نار الفتنة، ويقدح في ديننا، وفي أحكام ربِّنا، ويستثير غضَب الجمهور الغالب في مجتمعنا؟! كيف يحصل الأمنُ، والإعلام يهيج الغرائز والشهوات من خلال الأفلام الغرامية، والتي تشجِّع المراهِقة على الهُرُوب من بيتها لتلْحق بعشيقها؟! فكم هي الأفلام التي تصوِّر لنا الحب بهذه الطريقة، وللأسف!

 

هذا بالإضافة إلى تشْجيعه على التفَكُّك الأُسَري، مِن خلال البرامج التي تهتم وتَعْرِض الخيانات الزوجية، أليس هذا كله مَوْجودًا في إعلامنا العربي؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله!

 

هذا واقعُ إعلامنا، ولو كان مرًّا؛ لأنَّ العلاج لا بدَّ فيه من الصراحة، وترْك المجامَلة، وحتى ننصف في كلامنا، فربُّنا – جلَّ وعلا – أدَّبَنا، وأَمَرَنَا بالعدْل؛ فقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152].

 

ففي وسائل الإعلام بعضُ الشرَفاء والأفاضل، ولكن الرائحة الكريهة آذتْ أنوفنا، فأَنْسَتْنا الصوت الناصِح الضعيف في هذه الإمبراطورية الإعلامية.

 

ومنَ العدل أن نعترفَ أنه وإنْ وُجدتْ أخطاء، فإنهم مسلمون، وفيهم خَيْرٌ كثير، ومن السهْل أن يُصَحِّحُوا ويرجعوا، فهم رضوا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – نبيًّا ورسولاً، وإذا كنَّا نريد العلاج فلا بدَّ منَ الأمور التالية:

أولاً: لا بدَّ منَ المبادرة لتصحيح الوضع، وعدَم التسويف، قبل أن ينفرطَ العقد، ويصعب بعد ذلك العلاج، كلٌّ على حسب مسؤوليته؛ فأصحاب القرار والإرادة السياسية هم أول مَن يُعْنَون بهذا الخطاب، وكذلك مُلاَّك القنوات، ومديرو المحطات، ورؤساء التحرير، والكتاب، والمخرجون، وكلُّ مَن له علاقة بالإعلام منَ المراقبين والفنيين؛ ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته)).

ثانيًا: أنتم – أيها المتلقون لِمَا يبثُّه الإعلام، ولما ينشره بيننا – يَجِب أن نتحلى بقدْر من التفكير العميق، وألاَّ نخدع بمثْل ما يصور لنا، وأن نخاطب كل وسيلة إعلامية، ونوصل صوتنا إليهم بأننا لا نرضى هذا العبث، وهذا التلبيس والتدليس للحقائق، لا بد أن نساهمَ في تغيير مسار الإعلام، وأن نترك هذه السلبية المقيتة، فيا مَن صوَّت في برامج التصويت، بلِّغْ صوتك الناصح ومقترحاتك لرَفْع مستوى إعلامنا؛ حتى نستفيد منه، ويستفيد منه أبناؤُنا وأهلونا.

ثالثًا: نرفع صوتنا ونقول: يا وسائل الإعلام، لقد آذيتم مشاعرنا، يا صحفنا ويا قنواتنا العربية، لقد آذيتمونا، وتَعَدَّيْتُم حدود ربِّنا، ألا تعقلون أنَّا مسلمون؟! أنَّا نعظِّم حرمات ربنا؟! ألا تعقلون أن هذا المجتمع مجتمعٌ يَغَارُ على حرماته وعلى نسائه؟! ألا تعقلون أنكم تُثيرون النعرات والفتن؟! نطمح إلى الأمن في الفكر، وإلى الهدوء والاستقرار، لا نريدُ أن تُساهِمُوا في زيادة الهُوَّة والشقَّة بين المسلمين، نطالِب بالبرامج الجادَّة والهادفة والمحافِظة، والتي تساهم في نهضتنا ورفْع مستوانا في كلِّ مناحي الحياة، نطالب بالترفيه البَرِيء والهادف، وبالحوار النقي والمشجع، هل يعي إعلامُنا هذه المعادلة؟

رابعًا: إلى المسؤولين في بلاد المسلمين: الأمانة عظيمةٌ، والأمة تحتاج حكمتكم وولايتكم، والوقفة الجادة منكم أمام مَن يَتَسَلَّم الإعلام، ويَعْتدِي على الحُرُمات – لا بدَّ منها، ومن معاقبة الذين يقدحون في شريعة ربنا، وفي حَمَلَة هذه الشريعة من صحابتنا الكرام، لا بد من محاسبة مَن يكذب على العلم والعلماء ويلبِّس الحقائق، لا بد أن تولُّوا وسائل الإعلام مَن تَبْرأ بهم الذمة من الأقوياء الأُمَناء.