طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الإعلام وأثره في السلوك

ملتقى الخطباء

(104)
4528

الإعلام وأثره في السلوك

1439/02/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

د. فهمي قطب الدين النجار

 

ماهية الإعلام وواقعه:

 

لن أدخل في المفاهيم المدرسية (الأكاديمية) للإعلام وتعاريفه، والتي يُمكن إيجازها بما يلي: “الإعلام عملية نَشْر الحقائق والأخبار الصادقة؛ خدمة للصالح العام، وإن هذه العملية تتَّسِم بالأمانة والموضوعيَّة، وهدفها النمو واليقظة والتوافق الثقافي والحضاري، والارتقاء بمستوى الرأي العام بتنويره وتثقيفه”.

 

 

هذه المفاهيم هي التي يتعلَّمها الطلبة في الجامعات، ولكن هل هذا هو واقع الإعلام اليوم؟

 

 

هل الإعلام في دول الشرق والغرب له هذه المفاهيم، ويتَّسِم بهذه السمات، ويهدف إلى هذه الأهداف؟

 

 

هل الإعلام الأمريكي والشيوعي والأوروبي له هذه المفاهيم؟

 

 

هل الإعلام في الأنظمة الاستبدادية القمعية، العسكرية منها وغير العسكرية، يقول الصدق، ويتَّسِم بالأمانة والموضوعية؟

 

 

هذه الأسئلة يعرف جوابَها كلُّ مسلم واعٍ؛ لأنه اكتوى بنارها، ووصَله شررها وشرُّها، وأنها لم تُحقِّق ولا نقطة واحدة من مفهوم الإعلام المذكور آنفًا؛ لأن وسائل الإعلام المختلفة لدول الشرق والغرب – وهذا ما سنعرفه مفصَّلاً – انقلبت إلى وسائل دعاية لا وسائل إعلام، استخدمت الكذبَ والخداع والتلميع للباطل، والتعتيم على الحق، والكيد والحرب النفسيَّة ضد الأشخاص والجماعات، وتقوم بكل هذا وهي تَلبَس ثوب الصديق الناصح، التقدمي العلمي الموضوعي، المحب للجميع، والشر كل الشر تحت ثيابها الناعمة اللينة، وصدق الشاعر:

إنَّ الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها

عند التقلُّب في أنيابِها العَطَبُ

 

 

 

فهل يعي المسلم ما يدور حوله، وما يُدبَّر له، من خطط إعلامية وغير إعلامية، ودسائس ومكر في الليل والنهار؟ والغاية من ذلك كله تدمير دينه وأخلاقه؛ ليتحوَّل بعد ذلك إلى إنسان فارغ، فيملأه الأعداء بكل ما لدَيهم من الإلحاد، والفساد والتحلُّل من كلِّ قيمة أخلاقية، فيُصبِح إنسانًا مهزومًا روحيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا، فيَسهُل التغلب عليه، بعد أن ألقى سلاح الإيمان الذي به انتصر أجداده من قبل، وهذا هو واقع أكثر المسلمين اليوم، الذين ندعو الله لهم بالوعي واليقظة والعودة إلى دينهم لردِّ كيد أعدائهم.

 

 

ومما لا ريب فيه أن الإعلام اليوم من أخطر وسائل التأثير في الأفراد سلوكيًّا وفكريًّا؛ وذلك بعد أن تطوَّرت وسائله المطبوعة والمسموعة والمرئية، وأصبح إعلامًا جماهيريًّا، يوجه إلى الملايين من الأناسي في وقت واحد، بعد أن كان الاتصال الشخصي أو الاتصال بمجموعات صغيرة هو السائدَ في القرن الماضي وما قبله.

 

 

عملية الإعلام:

 

تُعَد عمليَّة الإعلام عملية اتصال بالجماهير، ولها ثلاثة عناصر رئيسة، هي:

 

  • المرسِل: وهو القائم بالعملية الإعلاميَّة.

 

  • الرسالة: وهي مضمون ما يُريد المرسل إبلاغه وإعلامه للآخرين.

 

  • المستقبِل: مَن يستقبل الرسالة الإعلامية، فتؤثِّر أو لا تؤثر فيه.

 

 

والذي يُهمُّنا هنا: هل للعملية الإعلامية تأثير مُطلَق على الفرد والجماعة بحيث تُغيِّر سلوكهم وأفكارهم، أم أن تأثيرها يتوقَّف على عوامل معيَّنة؟

 

الواقع أن الفرد المستقبِل للرسالة الإعلامية ليس مجرد وعاء يُفرِغ فيه المرسِلُ أفكارَه ومعلوماتِه، لكنه إنسان إيجابي، يُدرِك ويَفهم ويُفسِّر ويُقارِن، ويزن المعلومات التي تَصله بميزان العقائد التي يؤمن بها، ومِن ثمَّ يَحكُم عليها، فقد يَقبَلُها أو يُهملها.

 

 

وعامل آخر مهمٌّ في تقبُّل الرسالة الإعلامية، وهو مدى ثقة الناس بمصدر الرسالة، هل عُرف بالصدق أم بالكذب؟ هل يبثُّ أخبارًا بشكل موضوعي، أم عُرِف عنه اتجاهه المعروف في تفسير الأنباء والظواهر بمِنظار معيَّن؟ كل هذه الأمور لها أثر مُهمٌّ في مدى تأثير الإعلام على السلوك الفردي والجَماعي.

 

 

هذا إذا كان المستقبِل للرسالة الإعلامية واعيًا يَستنِد على أرض صلبة من المبادئ القويمة، بحيث يزن بها الأمور بشكل دقيق، فلا يقبَل إلا ما يتواءم مع عقيدته ومبادئه في الدين والأخلاق والحياة.

 

 

أما إذا كان المستقبِل للرسالة الإعلامية قليل الثقافة، جاهلاً بأمور دينه، فهو يسير وراء كل ناعق، ويُقلِّد كلَّ غريب، ويؤثِّر فيه كلُّ إعلام يسمعه أو يراه أو يقرؤه، دون الرجوع إلى مبادئ دينه وعقيدته، وهذا هو ما يُخشى تأثير الإعلام السيئ عليه، وقد نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يكون الإنسان إمعة، مُقلِّدًا لغيره في الشر، فقال: ((لا تكونوا إمعة؛ تقولون: إن أَحْسَنَ الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا فلا تَظلموا))؛ رواه الترمذي.

 

 

ومن باب ضعْف الدين في قلوب المسلمين، وجَهْلهم بأحكامه، وحلاله وحرامه، دخل الأعداء عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، فخربوا هذه القلوب، وعطَّلوا نفوسَ المسلمين، وأبعدوها عن كل خلُق ودِين.

 

 

فالمسلم الجاهل بدينه ليس عنده الميزان الصحيح السليم، ليَزِن به ما تبثُّه وسائل الإعلام، فيسير وراء البريق الأخاذ، الذي يُلمَّع ويزيَّن من خلال وسائل الإعلام المختلفة.

 

 

والإعلام المعادي يعرف كيف يتفنَّن في عَرْض مادته، وكيف يُلمِّعها لتظهر بمظهَرٍ حسن وجميل، وسنعرف هذا من عرضِنا لوسائل الإعلام والأساليب التي تتبعها للتأثير على المستقبِلين لهذه الوسائل.

 

 

أي الوسائل أقوى تأثيرًا؟

 

يتصدر الرائي (التلفزيون) وسائل الإعلام كلها من حيث قوة التأثير، ثم تأتي بعد ذلك الوسائل الأخرى، التي لها مكانتها أيضًا في التأثير بالناس، ولا بأس من إطلاع القارئ المسلم على بعض نتائج الأبحاث الميدانية لعلماء الإعلام في هذا المجال:

 

1- الاتصال الشخصي أكثر قدرة على الإِقناع من المذياع.

 

 

2- الرائي يأتي في المرتبة الثانية من حيث القدرة على الإقناع.

 

 

3- المذياع أكثر قوة على الإقناع من المطبوع.

 

 

4- إن بعض الأفلام أكثر فاعلية حينما كان يسبقها أو يتلوها محاضرة مما لو بثت وحدها؛ أي: إن استعمال عدة وسائل إعلامية علاوة على الاتصال الشخصي له فاعلية أكبر في الإقناع.

 

 

5- الخطبة المُترجِّلة أكبر فاعلية من الخطبة التي تُقرأ.

 

 

6- مَقدِرة أي وسيلة من وسائل الإعلام على جعل المضمون يتَّسِم بحيوية أكبر وواقعية – قد يَزيد من تأثير تلك الوسيلة.

 

 

7- إن وسائل الإعلام السمعية البصرية تجعل الفرد يَشعُر بأنه يتَّصِل بشكل قريب جدًّا من الاتصال الشخصي.

 

 

8- إن درجة الثقة التي يضعها الإنسان في الوسيلة تؤثِّر على فاعليتها وعلى إيمان الفرد بالمعلومات والآراء والتفسيرات التي تَنقُلها.

 

 

9- إن الوسائل تَختلف في درجة فاعليتها تَبَعًا لاختلاف المجتمعات؛ فمثلاً:

 

  • في بعض المجتمعات، الجمهور يَثِق بالجريدة أكثر من المذياع.

 

 

  • في مُجتمَعات أخرى العكس هو الصحيح، ويرجع ذلك إلى الإيمان بأن وسيلة أو أخرى تُعبِّر عن وجهات نظرٍ مُعيَّنة، أو تُسيطِر عليها مصالح خاصة.

 

 

  • في الدول النامية (أو دول العالم الثالث كما سموها) المذياع والفيلم هما الوسيلتان الأساسيتان عند كثير من الناس؛ لأنهما مُتوافِران على نِطاقٍ أوسع من المطبوع.

 

 

  • بينما نجد الدول (المتمدِّنة) اعتادت على المطبوع سنوات طويلة قبل ظهور الوسائل السمعية والبصرية.

 

 

 

المدارس الإعلامية[1]:

 

وحتى نعرف الأسس الفكرية والعقدية (الأيديولوجية) للإعلام المعاصر؛ لا بد أن نُلقي نظرة على المدارس الإعلاميَّة المختلفة، والدول التي تتبنَّى هذه المدارس أساسًا وتطبيقًا.

 

 

أولاً- نظرية الحرية:

 

أخذت بهذه النظرية كلُّ الدول (الديمقراطية) (بالمفهوم الأوروبي والأمريكي)، وذلك بعد الثورات التي قامت في أوروبا من أجل حرية العقيدة وحرية الفكر، إلا أن جذور هذه النظرية تمتد إلى المذهب الاقتصادي الحر (دَعْه يعمل، دَعْه يمر)، وإلى المذهب السياسي الحر (حرية تكوين الأحزاب، وحرية التعبير).

 

 

فقد أفرزتْ هذه الجذور أسس نظرية الحرية الإعلامية، التي تتكوَّن عناصرها من:

 

1- حرية النشر مكفولة للجميع.

 

2- مِلكيَّة وسائل الإعلام للأفراد والمؤسَّسات والهيئات.

 

3- الرقابة غير موجودة.

 

4- المسؤول عن هذه الوسائل هو المالك الذي يقوم بالتمويل.

 

 

هذه فكرة موجَزة عن نظرية الحرية في الإعلام.

 

 

والواقع أن الحرية فطريَّة في الإنسان، فالإنسان يولد حرًّا، وقولة عمر – رضي الله عنه -: “متى استعبدتم الناس، وقد ولدتْهم أمهاتهم أحرارًا؟!”، كانت قبْل الثورات في أوروبا بمئات السنين، بل إن الحرية لفظ وُجد مع وجود البشرية منذ آدم – عليه السلام.

 

 

ونسأل الآن:

 

  • هل حرية النشر مكفولة للبناء والهدم معًا؟

 

  • وهل تُسمَّى في حالة الهدم حرية؟

 

  • ما دَور المالك لوسائل الإعلام، وما قيمة تسلُّطه عليها؟

 

  • أليس الهدف الأساس لوسائل الإعلام عند أصحاب هذه النظرية هو الربح؟ فأين القيم التربوية والروحية؟

 

 

فمفهوم الحرية عند أصحاب هذه النظرية يُغاير مفهوم الحرية في الإسلام؛ فالحرية في الإسلام غير مطلَقة، وإلا أصبحت الدنيا فوضى، وفشا الظلم، وفسدت الأخلاق.

 

 

فالحرية في الإسلام حدودها بين التقييد والإطلاق؛ أي: لا ضرر ولا ضِرار، وهذا هو المفهوم الذي بيَّنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الشريف: ((مَثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمَثل قوم استَهَموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعًا))؛ رواه البخاري.

 

 

إذًا النظرية بالمفهوم الغربي فاسِدة لا خير فيها، وأكبر دليل على ذلك واقعها؛ فوسائل الإعلام كلها في الدول الغربية بيد فئة مُتسلِّطة بمالها ونفوذها، وبما أن رأس المال يَملِك أكثرَه اليهودُ، فقد أصبحت هذه الوسائل – وحتى نكون دقيقين في حُكمنا: أغلبها – بيد اليهودية العالمية في أوروبا وأمريكا، ومن ضِمنها وكالات الأنباء العالمية، التي تحتكر الأنباء كلها في العالم، وسيأتي ذكر هذا مفصَّلاً عند تحدُّثنا عن وسائل الإعلام، والوكالات، والصحافة الغربية بشكل خاص.

 

 

ثانيًا – نظرية المسؤولية الاجتماعية:

 

نشأت هذه النظريَّة بعد أن أدى مفهوم الحرية لوسائل الإعلام إلى فوضى إعلاميَّة كبيرة؛ إذ أصبحت وسائل الإعلام السمعيَّة والبصرية والمقروءة وسائلَ إفساد للمجتمع، لا تهتم إلا بأخبار الجنس والجرائم والسينما والفسق والفجور، والخيانات الزوجيَّة، هذه الأمور كلها دفعت مفكري الإعلام وعلماء الاجتماع إلى نقْد نظريَّة الحرية، وبيَّنوا أنها مملوءة بالسلبيات المُضرَّة بمصلحة المجتمع، ولا بد من إقامة التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فظهرت قوانين في بعض المجتمعات الغربية تُنظِّم العملية الإعلامية وتجعلها مسؤولة أمام المجتمع، وتَدَخُّل المجتمع يكون عن طريق قوة الرأي العام والاتحادات المهنية، وعن طريق الحكومة إن دعتِ الحاجة.

 

 

وأصحاب هذه النظرية يُبينون أنهم لا يَحُدون بهذا من حرية الإنسان، بل يُنظِّمونها؛ كالذي يسير في الشارع يجب عليه مراعاة قواعد المرور، وإلا فإن الفوضى تضره وتضر غيره.

 

 

هذه المفاهيم التي تُوردها نظرية المسؤولية الاجتماعية، جيدة ولا غبار عليها، ومتوائمة مع المفاهيم الإسلامية، وحديث أصحاب السفينة الآنف الذِّكر يعبِّر عن هذا أصدق تعبير.

 

 

ولكن أقوال هذه النظرية لا تَصِحُّ إلا في المجتمع الإسلامي، لا في المجتمع الجاهلي الذي لا يُميِّز بين الخير والشر، الذي تُسيِّره أهواؤه وغرائزه، فهم كالأنعام بل هم أضل.

 

 

فالمجتمع الجاهلي الحديث والمعاصر لا يَختلِف عن المُجتمع الجاهلي قبل الإسلام، فالخمر شرابه، والجِنس والربا واللواط كلها أمور سمح بها المجتمع الغربي، فهل نتَّخِذه رقيبًا وميزانًا للحق؟

 

 

وبنظرة واحدة للمُجتمعات الغربية، وحتى تلك التي أخذت بهذه النظرية، نجد مخلفاتها الإعلامية التي تُصدِّرها للبلاد الإسلامية من أفلام ومسلسلات “تلفزيونية”… إلخ أدَّت إلى الفساد الاجتماعي والأخلاقي في بلادنا.

 

 

وقد تَخرُج صيحاتُ بعض العقلاء في المجتمعات الغربية تُطالِب بإيقاف هذا السيل الإعلامي الفاسد، مُنذِرةً مجتمعاتِها بالخراب الأخلاقي والتفسُّخ الأعمى، وتدعو علماء النفس والتربية والإعلام والاجتماع إلى الاستيقاظ والنظر إلى ما هم فيه، وما هم سائرون إليه، وتبقى هذه الصيحات صيحاتٍ فرديةً تذهَب أدراج الرياح، سرعان ما تَختفي وتتلاشى؛ لأن المُجتمعات الغربية أصبحَت سَكْرَى لن تفيق إلا على هزة تُزلزِل الأرض من تحتِها، وما ذلك على الله بعزيز.

 

 

ثالثًا – النظرية التسلطية:

 

تُعبِّر هذه النظرية عن سيطرة السلطة الحاكمة على وسائل الإعلام، وقد تبلوَرت آراؤها في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين مع نشوء وسائل الإعلام والطباعة.

 

 

إلا أن أفكارها ترجع إلى فلاسفة اليونان القدماء، الذين قسَّموا الناس إلى طبَقات، وأعطوا السلطات الحاكمة حقَّ اختيار الصواب، وجاءت الكنيسة بعد ذلك وأعطتها طابعًا كنسيًّا؛ أي: إن التعبير والتفكير والنشر وتفسير الدين لا يُمكن إلا عن طريق الكنيسة ورجال الدين، ومن هذا الميراث اليوناني والكَنَسي نشأت نظريَّة التسلط، التي طبَّقها على نطاق واسع النظامُ النازي في ألمانيا، والفاشستي في إيطاليا، وأخذت بها كافة النُّظم الديكتاتورية العسكرية في العالم، وفي الشرق الإسلامي بشكل خاص، فوسائل الإعلام في هذه النُّظم ما هي إلا أبواق تُزيِّن وجه الظلم والفساد والاستغلال.

 

 

وإن الشرق الإسلامي ابتُلي بلاءً كبيرًا بشرِّ هذه الأنظمة التي ملأت سمعه وبصره وعقله بالغثاء، الذي كان نتيجته الفساد الخُلُقي، وضَعْف الإيمان في القلوب، والخوف من الموت، والحِرص على الحياة، ثم ضياع الأوطان والبلاد، والأرض التي رُويت بدماء الشهداء من المسلمين والصحابة والتابعين الذين فتَحوها، بيعَت بأبخس الأثمان، ولله الأمر من قبل ومن بعد!

 

 

رابعًا – النظرية الشيوعيَّة:

 

تُشبِه هذه النظرية النظريةَ التسلطيَّة من حيث سيطرة السلطة الحاكمة على وسائل الإعلام، إلا أنها لها مَيزات خاصة بها، هي:

 

1- لها فلسفة خاصة بها في التفسير المادي للتاريخ والوقائع والأحداث.

 

2- تسعى إلى نَشْر فِكرها خارج نطاق الدول الشيوعية.

 

3- تعتمِد سياسة غسيل المخِّ إعلاميًّا.

 

 

هذه ميزات خاصة بالنظرية الشيوعية، بالإضافة إلى أنها تَشترِك مع النظريات الغربية الأخرى بأسلوب الدعاية بكافة أنواعها، والسوداء والرمادية بشكل خاص، وسنتعرَّف على هذين النوعين عندما ندرس دعاية وسائل الإعلام المعادية وحربها المستمرة للإسلام ورجاله ودعاته.

 

 

نشأت النظرية الشيوعية بعد الثورة الشيوعية عام 1918م في روسيا، ونمَت بعد ذلك وترعرَعت في روسيا ومُستعمَراتها في البلاد الإسلامية، التي سُمِّيت قبل سقوط الشيوعية بجُمهوريات الاتحاد السوفيتي ظُلمًا وزورًا.

 

 

وفي كل هذه البلاد نجد الإعلام يخدُم الأهداف الشيوعية، والدولة هي المالكة لجميع أجهزة الإعلام؛ إذ لا يَحِقُّ لفرد أن يَملِك أيَّ جهاز إرسال أو دار نشر لصحيفة أو كتاب أو أي وسيلة أخرى.

 

 

ورجال الحزب الشيوعي هم المُسيِّرون لجميع أجهزة الإعلام؛ لبثِّ أفكارهم وآرائهم السياسية والاقتِصادية والاجتماعية.

 

 

خامسًا – النظرية الإسلامية:

 

بعد استعراضنا للنظريات الإعلامية نسأل: هل يوجد نظرية إسلامية للإعلام؟

 

وسؤال آخر: هل الإعلام العربي يُعبِّر عن النظرية الإسلامية للإعلام؟

 

وقبل أن نُجيب عن السؤال الأول، نُبيِّن أن الإعلام العربي في أكثر البلاد العربية – مع الأسف – هو إعلام دون أهداف ولا قضيَّة، وما دام هكذا، فهو لا يسير وَفْق نظرية معيَّنة، وليس عنده خُطَّة؟ وهذه هي أهمُّ المُشكلات التي يُعاني منها الإعلام العربي!

 

 

لقد امتلك العرب وسائل الإعلام المختلفة، وأنفقوا كثيرًا على أجهزة البث الإذاعي والتلفزيوني، وعلى الصحف والمجلات، ولكن كمن يخبط خَبْط عشواء في ليل مُظلِم، اللهم إلا خدمة هذه الوسائل لأنظمة الحكم القائمة، فهي لم تَخدُم قضية مهمة من القضايا التي تهتمُّ بها أمتنا، مثل قضية صراعنا مع اليهود، ودور الإسلام في التعبئة الروحيَّة والفكرية والمادية لدحر اليهود وتحرير القدس، ولا أقصد أنه لم تُدَبَّج المقالات الكثيرة، ولا الخطب الرنانة، ولا ذكر الأخبار المتعلقة بهذا الموضوع، إنما الخدمة الإعلامية الحقيقيَّة تأصيل ذلك فكريًّا وروحيًّا عن طريق البرامج الإذاعية والتلفزيونية المتمثِّلة بالتمثيليات والمسلسلات والأفلام وغيرها، وتِبيان أن الإيمان والإسلام هو الطريق الوحيد للانتصار على اليهود، لا التجمعات القومية أو الإقليمية أو العلمانية أو غيرها.

 

 

وأمر آخر: إن الإعلام العربي – في غالبه – يكاد يكون ترجمةً حرفيَّة إما للإعلام الغربي الصليبي أو للإعلام الشيوعي المُلحِد، الآخذ بنظرياتهم جميعًا – أو هو يَخلط فيأخذ نقطة من هذه النظرية، ونقطة من نظرية أخرى، فيُصبِح كالثوب المرقَّع – وأنى للثوب المرقع أن يكون جميلاً؟

 

 

هذا عن الإعلام العربي، ويظهر أن إعلام الدول (الإسلامية) إن صحَّ وصفها هكذا، لا يَختلِف عن الإعلام العربي في هذه الصفات، إذًا أين النظرية الإسلامية؟

 

 

في الحقيقة لا وجود لها في عالم الواقع – كباقي النظريات الإعلامية – أما أنها توجد في أذهان بعض الإعلاميين المسلمين، فيُمكِن إجابة بنعم، وإن هم حتى الآن لم يتَّفقوا على مدلول الإعلام الإسلامي.

 

 

أما أسس هذه النظرية، فهي حاضرة في ذهن كل مسلم، ويمكن إيجازها بما يلي:

 

1- العقيدة الإسلامية الصافية المتميِّزة.

 

2- الأخلاق الإسلامية الثابتة غير المُتطوِّرة.

 

3- الدعوة إلى الله، وانتشار الإسلام؛ الوسيلة والهدف.

 

4- نَشر العلم والتعليم في المجتمع الإسلامي.

 

5- القضاء على الأمية العلمية.

 

6- زيادة الوعي السياسي والاجتماعي.

 

7- الترويح البريء والمفيد في الوقت نفسه.

 

 

وبكلمة مختصَرة، فإن مضمون الإعلام الإسلامي وقضيَّته الأولى هو الإسلام، وحتى لا نكون نظريين فقط؛ فإنني أدعو إلى الحضور الإسلامي في جميع وسائل الإعلام؛ فكريًّا وفنيًّا ومشاركةً، فالعنصر البشري مهم في هذا المجال، ولا بد أن يؤثِّر يومًا ما.

 

 

فإذا أتقنَّا فنَّ الإعلام واتخذنا الأسباب التي شرَعَها الله – عز وجل – بعدَها يُمكِن أن تتبلور النظرية الإسلامية علميًّا وواقعيًّا – بإذن الله.

 

 

الإعلام والترويح:

 

من ضمن أهداف الإعلام في العالم الترويح أو الترفيه، بصرف النظر عن مفهوم الترويح واختلافه بين الشرق والغرب والتصور الإسلامي بشكل خاص.

 

 

ففي التصوُّر الغربي: الترفيه يكون بما يُسمَّى (الفن)، وهذا الفن لا يُهِمُّ إن كان يتمثَّل بالفساد والانحلال، وكشف العورات، أو بالغناء الرخيص المثير للغرائز، والموسيقا، وكذلك بالرقص المائع، وبالأفلام السينمائية الماجنة، فالمهمُّ في التصور الغربي الترفيه عن الفرد والمجتمع بشتى الوسائل.

 

 

وقد ساعد هذا الفنُّ على التحلُّل الأخلاقي، وتفكُّك الأسرة، والابتعاد عن الدِّين، وعن كل سلوك خير، وهذا ما نشهده في الحياة الغربية بشكلٍ لا جدال فيه، وقد تَجِد صيحات هنا وهناك من قِبَل بعض علماء الاجتماع والأخلاق، تُنادي بأن الشرَّ الذي يأتي من وسائل الإعلام، وبأسماء مُختلِفة، يُنذِر بهلاك الحضارة وبفَساد المجتمعات، إلا أن هذه الصَّيحات الفردية سرعان ما تذهب أدراج الرياح، ومِن المُهمِّ ذِكرُ أن الترفيه في وسائل الإعلام أصبح الغالب على جميع البرامج الأخرى، بنسبة أكثر من 90% تقريبًا، بل 100%، ومن المؤلم حقًّا أن تكون أغلب وسائل الإعلام العربية سارَت على مِنوال وسائل الإعلام الغربية وتقمَّصت شخصيتها، فأصبح الترفيه يحتلُّ مكانة أكثر من 55% من البرامج كما سنرى عند حديثنا عن الإذاعة في بلد عربي مثل مصر العربية.

 

 

أما الترويح في التصور الإسلامي، فإنه يختلف كل الاختلاف عن الترويح الغربي، في الوسائل وفي الأهداف وفي المفهوم أيضًا؛ فالترويح عن النفس أمر فطري ومغروز في النفس الإنسانية، والراحة بعد التعب ضرورية للجسم والنفس أيضًا، والكلال يُتعِب الجسم، وعامل من عوامل عدم البصيرة والإدراك والفَهْم، والترويح يُعيد للجسم والعقل نشاطَهما، ولعلَّ الأثر الوارد في هذا المقام يُبيِّن هذا الأمر، وهو: “روِّحوا القلوبَ ساعة بعد ساعة؛ فإن القلوب إذا كلَّت عَميت”.

 

 

فالإسلام أباح الترويح بشرط ألا يُرتكَب فيه حرام، والمجتمع الإسلامي يريد لأبنائه أن يُروِّحوا عن أنفسِهم؛ حتى لا يتردَّوا في حمأة المُوبِقات، والترويح في التصوُّر الإسلامي له أهداف تربوية وعسكرية ورياضية وعلمية، وليس لشغل أوقات الفَراغ فقط.

 

 

  • فمِن أهدافه التربوية أن يكون الترويح الإسلامي مُتميِّزًا في مفهومه وأهدافه عن التصورات الأخرى، ويبتعد عن التقليد الأعمى للمجتمعات غير الإسلامية، ومن هنا قال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ((ليس مِنا مَن تشبَّه بغيرنا، لا تَشبَّهوا باليهود ولا بالنصارى))؛ رواه الترمذي: 2696.

 

 

  • ومن أهدافه العسكرية والرياضية تربية جسم الفرد المسلم وتقويته ليَتحمَّل أعباء الجهاد في سبيل الله، فالصيد الحلال، بالإضافة إلى كونه ترويحًا ومُتعة وكسبًا أيضًا، فهو يُمرِّن الجند على الركض والكر، ويُعوِّدهم على الرمي، بما يُشبِه البندقية، ثم هو رياضة تُساعِد على المحافظة على الصحة، ومِن الترويح الإسلامي ألعاب الفروسية، قال – عليه الصلاة والسلام -: ((كل شيء ليس من ذِكر الله، فهو لهوٌ أو سَهوٌ، إلا أربع خِصال: مشي الرجل بين الغرضين (أي الرمي)، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة))؛ رواه الطبري، ويقول ابن عمر – رضي الله عنهما -: “إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد سابق بين الخيل وأعطى السابق”؛ البخاري ومسلم.

 

 

وكذلك المصارَعة، فقد روي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صارع أبا ركانة فصرَعه أكثر من مرة؛ أبو داود والبيهقي.

 

 

وأيضًا سباق العَدْوِ: قالت السيدة عائشة – رضي الله عنها -: “سابَقَني رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – فسبقتُه، فلبثتُ حتى أرهقني اللحم، سابقتُه فسبَقني، فقال: ((هذه بتلك))”؛ أحمد في مسنده 6: 39، وأبو داود 2578، وغيرهما بسند صحيح.

 

 

وكذلك التصويب وإجادة الرمي بالسهام في عهدِه – صلى الله عليه وسلم – والآن الرمي بالبندقية أو المسدَّس وغيره من الأسلحة الحربيَّة، وقد كان – صلى الله عليه وسلم – يُشجِّع عليه ويقول: ((عليكم بالرمي؛ فإنه خيرُ لهوِكم))، وعندما قرأ – عليه الصلاة والسلام -: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60]، قال: ((ألاَ إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي))؛ (رواه مسلم)، وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – مرفوعًا: ((علِّموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزَل))؛ (رواه البيهقي).

 

 

وكتَب عمرُ بن الخطاب – رضي الله عنه – لوُلاته: “أما بعد، فعلِّموا أولادكم الرماية والسباحة، ومُروهم فليَثِبوا على الخيل وثبًا”؛ (تاريخ عمر؛ لابن الجوزي).

 

 

ومن الأهداف العِلمية للترويح: اكتساب الذخيرة اللغوية والتعبيرية، والتزود بالثقافات المختلفة؛ وذلك عن طريق القراءة والمطالعة للقصص والمسرحيات، والكتب الثقافية، وهي تُعَدُّ في هذا المجال من أرقى أنواع الترويح في العصور الإسلامية، ففيها يلتقِط المسلم الحكمة أنَّى وُجدت؛ مصداقًا لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((الحِكمة ضالة المؤمِن أنى وجَدَها، فإذا وجدها فهو أحقُّ بها))؛ (رواه الترمذي برقم 2688).

 

 

وهكذا نجد أن سبُل اللهوِ المُباح والترفيه مُتعدِّدة الوسائل والأهداف؛ ففي السباحة والرمي وركوب الخيل: رياضة، وجنديَّة، وفروسيَّة، يتربى فيها الفرد المسلم، وفيها يُروِّح عن نفسه، وفيها يُعِد نفسه للجهاد في سبيل الله، فمَجال الترويح في التصوُّر الإسلامي واسع، وحتى في وسائل الإعلام الحالية من إذاعة ورَاءٍ ومجلة، فيُمكن استغلال القصة والشِّعر، والمسرحية، والفكاهة، والرياضة، والمناظر الجميلة لآيات الله في الكون وفي الأرض والسماء والبِحار، كلها يُمكن استغلالها في الترويح عن النفس؛ للتلطيف مِن تعبِ الحياة وكثرة مشكلاتها، وليس ضروريًّا اللجوء إلى التحلُّل من القيم، واستغلال الجِنس، والأفلام الخليعة التي تشيع الفاحشة في المجتمع، أو الأغاني المملوءة بكلمات الحبِّ والغرام لإثارة الغرائز البشرية، ليس ضروريًّا كل هذا، نملأ به وسائل إعلامنا ونُسمِّيه ترفيهًا وترويحًا، باسم الفن تارة، وباسم الحب تارة، وتحت شعار “الفن مِن أجل الفن”، هتَكوا الأعراض، وأفسَدوا المُجتمعات، وحلَّلوا الأخلاق، فهل نُسمِّي هذا ترفيهًا وترويحًا؟

 

 

وسيَبقى مفهوم الترويح الفاسد هذا، ما دام المُفسِدون العابثون وبائعو السُّموم، ودعاة الهدم والتخريب، سيَبقى ما بقي هؤلاء هم القائمين على أمر الترويح في الإعلام ووسائله، وحين يتوافَر للترويح مسلمون مُلتزِمون بإسلامهم، يعملون لمصلحة هذه الأمة المُسلمة، ويكونون هم القائمين على أمرِه في وسائل الإعلام المُختلفة، حينئذٍ يُمكن للترويح السليم، والفن الجميل، أن يؤدِّيا وظيفةً إعلاميةً في تربية أذواق الناس، وفي البناء الإعلامي الخيِّر، الذي يُقدِّم الخير والصلاح لكل أفراد المُجتمَع المسلم.

 

 

الإعلام والحرب النفسية:

 

الحروب نوعان:

 

أ- حروب تقليدية، وهي التي تَستخدِم السلاح مهما كان نوعه.

 

 

ب- حروب لا تستخدِم السلاح؛ مثل: الحروب النفسية، والسياسية، والاقتصادية، والذي يهمُّنا النوع الثاني من الحروب، وهو الحرب النفسية، وهذه الحرب موجودة منذ فجر التاريخ، إلا أن أساليبها تختلِف حسَب الزمان والمكان، ويعدُّ الجهاد باللسان من الحروب النفسية؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: ((جاهِدوا المشركين بأموالكم وأنفسِكم وألسنتِكم))[2].

 

 

والحرب النفسية أخطر أنواع الحُروب؛ إذ هي حرب تغيير السلوك، وميدانها الشخصيَّة الإنسانية، ولها أثر فاعل في قتْل إرادة الخصم؛ حتى يُهزَم داخليًّا قبل أن يُهزَم بالحرب التقليدية.

 

 

لذلك تُعرَّف الحرب النفسيَّة بأنها الحرب على آراء الأفراد وعواطفِهم ومواقفِهم وسلوكهم؛ بقصد التأثير على رُوحهم المعنوية لمُساعَدة الدولة في تحقيق أهدافِها، وقد سُمِّيت الحرب النفسيَّة أسماء كثيرة، منها: الحرب العقائديَّة، وحرْب الأعصاب، والحرب السياسية، والحرب الباردة، وحرب الأفكار.

 

 

وأهداف الحرب النفسيَّة تتلخَّص بما يلي:

 

1- تَحطيم إيمان الخَصم بعقيدته السياسية.

 

2- تَحطيم الوَحدة النفسية للخصم العقائدي.

 

3- رفْض دعاية مُخالِفه.

 

4- استغلال أي انتصار لمصلحة المُنتصِر لإضعاف الثِّقة في عقيدة الآخر[3].

 

 

ولتحقيق هذه الأهداف يلجأ الخَصْم إلى وسائل مختلفة، وقد ساعدَت وسائل الاتصال الحديثة في ذلك.

 

 

ومِن أشهر أسلحة الحرب النفسية الحديثة: الدعاية، والشائعة، وغسيل الدِّماغ، وكل هذه الأسلحة الرهيبة تستخدم وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في تنفيذ مآربها.

 

 

نظرة تاريخيَّة:

 

للحرب النفسيَّة جذور في الماضي قبل الإسلام، فقد استخدَم القادة الحيلَ والخِداع لإثارة الفتن وتفريق المجتمعات بعضها عن بعض، والظهور بمظهر القوة لإرهاب الآخَرين.

 

 

وفي قَصص الأنبياء نتلمَّس كثيرًا من قصص الحرب النفسية ضدَّ الأنبياء مِن قِبَل الرأي العام الكافر، والملأ الفاجر، ولكن الله – عز وجل – نصَر عباده المؤمنين على القوم الكافرين.

 

 

وفي العهد النبوي الشريف، لاقى الرسول – صلى الله عليه وسلم – مِن المُشركين والمنافقين واليهود حربًا لا هوادة فيها ماديًّا ونفسيًّا، من تكذيب ودعاية وشائعات، وإغراء بالمال والمُلك، والتخويف والإرهاب، في مكة أولاً، وفي المدينة ثانيًا.

 

 

ففي مكة، كذَّب المشركون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآذَوه ورموه بالشِّعر والسحر والكهانة والجنون، وصوَّر لنا القرآنُ هذه الحملة الدعائية، داعيًا الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى عدم الالتِفات لها بصفتها دعايات كاذبة:

 

 

﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ [الطور: 29 – 31].

 

 

﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾ [الأنبياء: 5].

 

 

ولجأت قريش أيضًا إلى أسلوب السخرية، وهو من أساليب الحرب النفسيَّة: ﴿ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ﴾ [الأنبياء: 36].

 

 

وإلى التشهير والشتم؛ للتقليل من شأن رسول الله، وإظهار ضعْفه أمام الناس، فأطلقَت قريش عليه لقب (الأبتر) لما مات ابنه إبراهيم؛ فنزلت: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ [الكوثر: 1 – 3]، وحمَّالة الحطب: (أم جميل)، كانت تهجو النبي – صلى الله عليه وسلم – وخاصة بعد ما نزل فيها القرآن، فكانت ترتَجِز:

 

مذمَّمًا عصَينا، وأمرَه أبَيْنا، ودينَه قلَيْنا

 

 

فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((ألا تعجَبون لما صرَف الله عني أذى قريش؛ يَسبُّون ويَهجون مذمَّمًا، وأنا محمد!))[4].

 

 

ولجأت قريش أيضًا إلى أسلوب التشويش والتعتيم الإعلامي أيضًا؛ حتى لا تَصِل الحقائق إلى الآخَرين: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: 26]، ففي قوله تعالى على ألسنة الكفار: ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ﴾ [فصلت: 26] التعتيم على القرآن بعدم سماعه وعدم الإنصات إليه؛ حتى لا يؤثِّر فيهِم، وفي قوله تعالى: ﴿ وَالْغَوْا فِيهِ ﴾؛ أي ارفعوا أصواتكم ليَتشوَّش القارئ له، وقال الضحاك في تفسيرها: “أَكثِروا الكلام؛ ليَختلِط عليه ما يقول”؛ كما ورَد في “فتح القدير” في تفسير الآية الآنِفة.

 

 

وكذلك لجأت قريش إلى التيئيس والتعجيز، والضغط العائلي، والإغراء بالمُلْك والمال، والمقاطَعَة الاقتصادية والاجتماعية في شِعْب أبي طالب، وفي النهاية لجأت إلى الإرهاب والتآمُر على قتله – صلى الله عليه وسلم – وكلُّ هذه الأمور يَجِدُها المسلم في “السيرة النبوية”.

 

 

أما في المدينة المنورة بعد أن هاجَر إليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فنجد أن الحرب النفسيَّة شُنَّت عليها من جبهتَين، وهما: جبهة المنافقين، وجبهة اليهود.

 

 

  • فجبهة المنافقين الذين عُرِفوا بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، كانوا يقومون بالدعاية الكاذبة، ولهم مواقف مشهورة في مُحاوَلة خلخلة الصفِّ المسلم في غزوة أُحُد قُبَيل المعركة وأثناء المعركة أيضًا:

 

فقبل المعركة كان دورهم التثبيط عن الجهاد: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: 18]، وفي أثناء المعركة عندما أشاعوا أن رسول الله قد قُتِل، وكان موقف الصحابي الجليل أنس بن النضر بمثابة الدعاية المضادة عندما قال: “فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا وموتوا على ما مات عليه رسول الله”، ثم استقبل القوم فقاتَل حتى قُتِل – رضي الله عنه.

 

 

ومن أخطر ما تَعرَّض له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من شائعات ما يُعرَف بقصة الإفك أو حادث الإفك، وقد ذكَرَها القرآن وبسَطتْها كتب السنَّة.

 

 

  • أما اليهود الذين عقد معهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المُعاهَدات عند قدومه إلى المدينة، فقد أثاروا حربًا عاصفة من الجدل والشبهات، والكيد والدسِّ والتآمُر والتحريض على النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى حالفوا المشركين، والمنافِقين في سبيل النَّيل من المسلمين، يُضاف إلى ذلك قضية غدرِ بني قُريظة أثناء حصار الأحزاب للمدينة، ومُحاوَلة بني النَّضِير اغتيالَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما كان عِندَهم، وما قام به (كعب بن الأشرف) اليهودي من دعاية ضد المسلمين، عن طريق الشِّعر؛ فقد كان يُشبِّب بنساء الصحابة، وتأليب قريش على الرسول بعد وقعة بدر، هذه بعض صور الحرب النفسية التي شُنَّت من قِبَل اليهود على الإسلام والمسلمين في الصدر الأول.

 

 

مبادئ الحرب النفسية في الإسلام:

 

لقد عرَف المسلمون في الصدر الأول الحرب النفسيَّة، واستخدَموها أحسن استخدام ضد أعدائهم، بينما نحن نفشَلُ فيها الآن، ويَنتصِر علينا اليهود بها في الحرب والسلم.

 

 

أما أسُس هذه الحرب، فقد كانت:

 

أ- إعداد القوة التي تُرهِب العدو.

 

ب- تأييد الله للمؤمنين بقذْف الرعب في قلوب أعدائهم.

 

 

قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ [الأنفال: 60].

 

 

فإعداد القوة، كان يقوم به المسلمون بشكلٍ دائم، فتقوية الجسم والتدرُّب على السلاح منذ الصِّغر ديدنُ كل مسلم؛ تنفيذًا لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((علِّموا أبناءكم السباحة والرمْي، والمرأةَ المغزل))؛ (رواه البيهقي)، وقوله: ((ألاَ إنَّ القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي))؛ (رواه مسلم).

 

 

والرمي على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو رمي السهام، واليوم رمي البندقية والمِدفَعَ والصاروخ، الذي يُعَدُّ أكبر قوة رادِعة في العالم، وأكبر قوة مُرهِبة للخَصم.

 

 

وأما قذْف الرعب في قلوب الأعداء، فهو أمضى سلاح في الحرب النفسيَّة؛ إذ إنك تهزم الخَصمَ قبل مُلاقاته، تهزمه داخليًّا قبل أن يُهزَم خارجيًّا بالسلاح المادي؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ [الأحزاب: 26]، ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ﴾ [الحشر: 2]، ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [آل عمران: 151]، وقال – صلى الله عليه وسلم -: ((نُصِرت بالرعب مسيرة شهر))؛ (رواه البخاري)[5].

 

 

وفعلاً كان الكفار وأهل الكتاب من أهل البلاد المفتوحة في العهد الإسلامي الأول – يَرتعِدون خوفًا عند سماعهم بالمسلمين؛ مما يُسهِّل فتح بلادهم بعد ذلك، أما أسلحة الحرب النفسيَّة التي استخدمها المسلمون، فهي:

 

أ- الدعاية:

 

وهي مِن أهمِّ أسلحة الحرب النفسيَّة؛ حتى إن الحرب النفسية عُرف بأنها الاستخدام المخطَّط للدعاية.

 

 

والجهاد باللسان حضَّ عليه الإسلام وقرَنه بجهاد النفس والمال؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: ((جاهِدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم))؛ حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.

 

 

ومِن أشكال جهاد اللسان (هجاء المشركين) بالشِّعر، الذي كان من أهم وسائل الإعلام في العصر الأول وفي الجاهلية، وكان وقْع الهِجاء في نفوس المشركين كبيرًا؛ قال – صلى الله عليه وسلم – مخاطبًا حسَّان بن ثابت – رضي الله عنه -: ((اهجُهُم – أو قال هاجِهِم – وجبريلُ معَك))؛ (رواه البخاري) وقال: ((اهجوا قريشًا؛ فإنه أشدُّ عليهم مِن رشق النبل))؛ (رواه مسلم).

 

 

ومِن صور الدعاية في الإسلام: الشعارات والهتافات والرجز في المعارك الحربية أو قبيلها، من مثل هتاف: (الله أكبر).

 

 

ومِن الصور أيضًا: الدعاية بالأعمال الرمزية كما تدعى الآن، وممَّا هو معروف أن للعمل مغزًى أبلغ من الكلمات أحيانًا، وكمثال على هذا النوع من الدعاية ما جرى قبيل فتح مكة، حينما أمَرَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – أصحابه بإيقاد عشرة آلاف نارٍ على مشارفِ مكة، ورُؤيتها مِن قِبَل أبي سفيان والمشركين، ودخول الرهبة في نفوسِهم؛ إذ إن كثرة النيران ترمُز إلى كثرة الجيش المسلم المقاتل، بالإضافة إلى حبسِ أبي سُفيان بعد أن قُبض عليه من قِبَل المسلمين خارج مكة، ورؤيته كتائب الإسلام تَمُرُّ أمامه، وكان ذلك بأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما قال لابن عباس: ((احبس أبا سفيان عند خطم الجبل؛ حتى يَنظُر إلى المسلمين))؛ فهذه الأعمال الرمزيَّة فعَلَت فِعلها في أبي سفيان؛ إذ عندما أُطلِق سراحه، جاء قومه صارخًا بأعلى صوته: “يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبل لكم به”؛ (ارجع إلى السيرة النبوية؛ لابن هشام 1: 22).

 

 

ب- إشاعة الفرقة بين الأعداء:

 

وكانت وسيلة المُسلمين في ذلك الاتصال الشخصي؛ لعدم توافُر وسائل الإعلام الموجودة اليوم، وغاية المسلمين في ذلك: التخذيل بينهم وإضعافُهم؛ حتى لا يكونوا يدًا واحدةً ضدَّ المسلمين، وقصة نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب معروفة في السِّيرة؛ إذ استَطاع أن يُفرِّق بين قريش وبني قريظة بإرشاد رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – وقال له بعد أن جاءه مُسلمًا، ولم يعلم قومه بإسلامه: ((إنما أنتَ فينا رجل واحد، فخذِّل عنا إن استطعتَ، فإن الحرب خَدْعة))؛ (البداية والنهاية؛ لابن كثير 4: 111، وحديث: ((الحرب خدعة)) رواه البُخاري).

 

 

جـ- الشائعات:

 

وهي مِن أفتكِ أسلحة الحرب النفسيَّة؛ لما لها مِن خاصية الانتشار السريع، واستخدامُ الشائعة يحتاج إلى حُنكة وذكاء لبثِّ الرعب في قلوب الأعداء، يَذكُر لنا التاريخ أن خالد بن الوليد – رضي الله عنه – استخدم الشائعة في حربه النفسيَّة مع الروم قبل وقعة اليرموك؛ إذ إن ماهان – قائد الروم – طلب خالدًا ليَبرُز إليه فيما بين الصفَّين، فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان: “إنا قد علِمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلمُّوا إلى أنْ أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوةً وطعامًا وتَرجِعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المُقبِل بعثْنا لكم بمثلها، فقال خالد: إنه لم يُخرِجنا من بلادنا ما ذكرتَ، غير أنا قوم نشرَبُ الدِّماء، وأنه بلَغَنا أنه لا دمَ أطيبُ مِن دم الروم؛ فجئنا لذلك، فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نُحدَّث به عن العرب”، وكلمات خالد فعلَت فِعلَها في زرع الخوف في نفوس جيش الروم؛ مما عجَّل انتِصار المسلمين عليهم في وقعة اليرموك؛ (البداية والنهاية؛ لابن كثير) (7: 10).

 

 

وقد علَّم الإسلام المسلمين كيف يتصدَّون للدعاية العدوَّة، ومِن أهمِّ الطرُق التي أرشد إليها الشارع لمقاومة الحرب النفسية العدوَّة:

 

  • الإيمان المتين؛ فالمؤمن لا يخاف إلا الله، قال تعالى واصفًا المؤمنين: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ [المائدة: 54].

 

  • الوعي بأساليب العدو في الحرب النفسيَّة، وتتضمَّن فضح محاولات التفرِقة بين المُسلمين، وكشف مُحاولات التثبيط للعزائم والتخذيل.

 

  • كِتمان الأسرار، ومنع ترويجِ الشائعات في المُجتمع المسلم.

 

  • التصدِّي للقوى المُضادة المُستترِة والتي تعيش في المجتمع المسلم.

 

  • مواجهة الشائعات بالحقائق؛ حتى يُقضى عليها في مهدِها.

 

 

الحرب النفسية العدوَّة في الوقت الحاضر:

 

تتعرَّض الأمة الإسلامية إلى حرب نفسيَّة رهيبة من قِبل أعدائها العريقين في عداوتهم – والذي يُمثِّلهم الثالوث اليهودي والصليبي والشيوعي – مستخدمةً وسائل الإعلام كافة، وبكلِّ أنواع الأٍسلحة؛ مِن دعاية كاذبة، أو شائعة مُغرِضة، أو ضغْط اقتصاديٍّ، أو تَخويف وإرهاب، حتى عمليات غسيل الدماغ الإعلامية والفكرية والمادية داخل السجون والمُعتقلات للأفراد والجَماعات.

 

 

وهدف الأعداء الأول والأخير تحطيم عقيدة هذه الأمة، وقطع العُرى التي تَربِطها بدينها وأخلاقِها، ومِن ثَمَّ تمزيق شملِها ووَحدتها، ومِن ثمَّ إضعافها، وضمان تبعيتها له في كل أمر من الأمور السياسية والاقتصادية، وحتى الفِكرية والاجتماعية.

 

لذا نحن أبناء هذه الأمة في أشدِّ الحاجة إلى فَهْم ذلك، والوعي الكامل بما يُخطِّط له الأعداء؛ لإحباط هذه المُخطَّطات بإذن الله.

 

 

فالعدو اليهودي استطاع بتخطيط رهيب، وتخطيط دعائي، أن يُنشئ من شذاذ الآفاق دولة له، وبعد استِتباب الأمر له لجأ إلى تحريف الإسلام وتشويهِه في فلسطين؛ عن طريق المؤلَّفات الفِكرية، والأفلام السينمائية، وسخَّرت اليهودية النصرانيَّة لتنفيذ مآربِها، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية[6]، وسيطَرت على جميع وسائل الإعلام الغربية والأمريكية بشكل خاص، ومدَّت نفوذَها على وكالات الأنباء الأربع المحتكرة للأنباء العالمية.

 

 

والعدوُّ الشيوعي للأمة الإسلامية الذي استطاع بتخطيط ومكْر، أن يَقضي على معالم الإسلام في البلاد الإسلامية التي استعمَرَها بعد الحرب العالمية الأولى، والتي سمَّاها زورًا وبهتانًا (جمهوريات الاتحاد السوفيتي)، وقد حاول ابتلاع دولة إسلامية أخرى، هي أفغانستان؛ للوصول إلى المياه الدافئة حُلْم القياصِرة الأول، وقد خاب فَأْلُهم، وانتصرَت أفغانستان وسقطَت الشيوعية في بلادِها بشكل كامل.

 

 

والدعاية الشيوعيَّة التي هي أمضى سلاح نفسي، تلبس الثياب البراقة المُزيَّفة بالعدالة والاشتراكية والحرية، أما تحت الثياب، فالحقد الشديد على الإسلام والمسلمين[7].

 

 

أما العدو الصليبي، الذي تُحرِّكه أحقاده من قرون عديدة مِن عهد صلاح الدين الأيوبي، فحربُه النفسيَّة لم تتوقَّف، فقد بدأت قبل الحرب الصليبيَّة وأثناءها واستخدمَت الاستِشراق والتبشير في تنفيذ مآربها[8] في مرحلة ما بعد الحروب الصليبيَّة، وها هي اليوم تَشُنُّ الحرب النفسيَّة المُستترة والمُعلَنة ضد الإسلام والحركات الإسلامية والجماعات والدعاة، وكل من يرفع صوته بالإسلام، عن طريق جميع وسائل الإعلام والاتصال وتصمهم بالإرهاب والتطرُّف، وتَحيك لهم المؤامَرات للقضاء عليهم، وفي بحثِنا عن الصحافة الغربية سنرى – بإذن الله – جزءًا من هذه الحرب واستِخدامها للصحافة في ذلك.

 

 

وبعد أن عرفنا هذا عن الحرب النفسيَّة العدوة، هل يدفعنا هذا إلى إعادة النظر في إعلامنا ووسائله وأسلوبه وخططه، مع دراسة الحرب النفسية دراسةً عِلميَّة دقيقة؛ حتى نستطيع الرد على عدوِّنا اللدود، بحرب نفسية مُضادَّة؛ لنردَّ كيده في نحره، ونفوِّت عليه أهدافه وخططه؟

 

[1] ارجع إلى:

 

  • الإعلام تاريخه ومذاهبه؛ د. عبداللطيف حمزة.

 

  • الأسس العلمية لنظريات الإعلام؛ جيهان رشتي.

 

  • الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية، مقال؛ د. زين العابدين الركابي.

 

[2] حديث صحيح؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم، عن أنس – رضي الله عنه – ارجع إلى صحيح الجامع الصغير (جـ: 3، 4) ناصر الدين الألباني، وأيضًا سنن الدارمي (2: 213) دار الفكر، القاهرة، 1398هـ.

 

[3] ارجع إلى مقال: الرأي العام الدولي والسلوك السياسي؛ د. حامد ربيع، مجلة السياسة الدولية، أكتوبر 1966م القاهرة.

 

[4] السيرة النبوية؛ لابن هشام (1: 378) رجل مُذمَّم: أي مذموم جدًّا (القاموس المحيط فصل الذال).

 

[5] الحديث: عن جابر بن عبدالله أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرعب مسيرة شَهرٍ، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصلِّ، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة))؛ رواه البخاري، باب التيمم.

 

[6] ارجع إلى تقرير أحمد سعد في نيويورك – الذي قدمه إلى مؤتمر الإعلام الإسلامي في إندونيسيا – جاكرتا عام 1400هـ، والمنشور في مجلة البلاغ الكويتيَّة العدد (564) 24 ذو الحجة 1400هـ.

 

[7] اقرأ بإمعان الكتب الآتية لمعرفة حقيقة الشيوعية:

 

  • الشيوعية والأديان؛ تأليف د. طارق حجي.

 

  • المسلمون في الاتحاد السوفيتي؛ مؤلفون فرنسيون.

 

  • مذهب ذوي العاهات؛ عباس محمود العقاد.

 

  • الصنم الذي هوى؛ مجموعة مؤلفين غربيِّين رجعوا عن الشيوعية.

 

  • وما زال الحقد على الإسلام والمسلمين مُستمرًّا مِن قِبَل الدولة الشيوعية الكُبرى (سابقًا) التي لبسَت مُسوح النصرانيَّة المذهبيَّة، فها هي تدعم الصِّربَ المُجرِمين في يوغسلافيا السابقة ضد المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا، وتقف هي والصين – التي ما زالت على الشيوعية – في مجلس الأمن ضدَّ أي قرار ضدَّهم، وليس معنى هذا أن الدول المُسيطِرة على مَجلِس الأمن أقل عداء منها للإسلام والمسلمين، فها هي الدول الأوربية وحِلف شمال الأطلسي يتهدَّد الصرب في كل يوم – أثناء ارتكابهم المجازِر الوحشية في البوسنة والهرسك وكوسوفا – ولكنه لا يُنفِّذ تهديداته، وما تهديداته هذه إلا لخداع المسلمين في العالم، وإظهارهم بمظهَر المدافع عن العدالة والحق.

 

[8] ارجع إلى الكتب الآتية لمعرفة دَور المستشرقين والمُبشِّرين في العالم الإسلامي:

 

  • الاستشراق والمستشرقون؛ للدكتور مصطفى السباعي – رحمه الله.

 

  • المستشرقون والمُبشِّرون في العالم العربي والإسلامي؛ للدكتور إبراهيم خليل أحمد.

 

  • التبشير والاستعمار؛ د. عمر فروخ ومصطفى الخالدي.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات