طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > إشاعة مقتل عثمان وسبب بيعة الرضوان

ملتقى الخطباء

(213)
4360

إشاعة مقتل عثمان وسبب بيعة الرضوان

1439/01/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

: د. محمد عبد الله العوشن

 

اشتهر في كتب السيرة أن سبب بيعة الرضوان هو إشاعة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه – لما تأخرت عودته من مكة، فهل صح ذلك ؟ وما السبب الحقيقي في بيعة الرضوان ؟

 

في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بضع عشرة مئة من أصحابه إلى مكة لأداء العمرة، معهم الهدْي، فلما علمت قريش بذلك عزمت على منعهم من الدخول، ونزل المسلمون بالحديبية، وبدأت المفاوضات بين الطرفين، وأرسلت قريش أكثر من رسول لثني الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن عزمه، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قريش عثمان بن عفان ليبين لهم أن المسلمين ما جاؤا لقتال، وإنما جاؤا لأداء العمرة فحسب.

 

وأثناء وجود المسلمين بالحديبية دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه للبيعة، فبايعوه تحت شجرة كانت هناك، وأنزل الله فيهم {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} وشهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة بقوله: “لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة (*) أحد، الذين بايعوا تحتها (1)”، والحديث بطوله في المفاوضات مع رُسُل قريش في كتب الصحاح والسنن، وكذا في بيعتهم -رضي الله عنهم- للرسول -صلى الله عليه وسلم.

 

لكن سبب البيعة لم يُذكر في الأحاديث الصحيحة وقد اشتهر في كتب السيرة أن سبب البيعة هو إشاعة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه – لمّا تأخرت عودته من مكة.

 

قال ابن إسحاق: “وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال … فخرج عثمان إلى مكة … واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتل”.

 

قال ابن إسحاق: “فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: “لا نبرحْ حتى نناجز القوم”، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى البيعة (2)”. وأول الخبر فيه جهالة شيخ ابن إسحاق، فلم يُسَّم وآخره مرسل، وكما سبق قول الإِمام البيهقي -رحمه الله: “محمد بن إسحاق إذا لم يذكر اسم من حدَّث عنه لم يُفرح به (3)”.

 

قال الألباني في تخريجه لفقه السيرة: “ضعيف، أخرجه ابن إسحاق وعنه ابن هشام (2/ 229) عن عبد الله بن أبي بكر مرسلًا (4)”.

 

وأخرجه أيضًا الإِمام أحمد في (المسند) قال -رحمه الله: “حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمَّد بن إسحاق بن يسار عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: ” … فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلّغهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أرسله به، … فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين أن عثمان قد قُتل، قال محمَّد [ابن إسحاق] فحدثني الزهري أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: أئت محمدًا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنّا عامه هذا … (5)” وابن إسحاق مدلس وقد عَنْعَن، ثم صرّح بالتحديث لما أرسلت قريش سهيل بن عمرو، مما يدل على أنه لم يسمع أوله من الزهري. وربما يُقال بتقوي أحد الطريقين بالآخر.

 

سبب أخر في بيعة الرضوان

 

وقد ورد سبب أخر للبيعة ذكره البيهقي في (الدلائل) بسنده عن عمرو بن خالد قال: حدثني ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، قال عروة بن الزبير في نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحديبية: “… ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب عبد العزى ومكرز بن حفص، ليصلحوا عليهم، فكلموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعوه إلى الصلح والموادعة، فلما لان بعضهم لبعض وهم على ذلك لم يستقم لهم ما يدعون إليه من الصلح والموادعة، وقد أمن بعضهم بعضًا، وتزاوروا، فبينما هم كذلك وطوائف من المسلمين في المشركين لا يخاف بعضهم بعضًا ينتظرون الصلح والهدنة، إذا رمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر، فكانت معاركة وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو، ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان أتاهم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البيعة … “.

 

وهذا السند فيه علتان:

 

ابن لهيعة، وهو ضعيف، والإرسال، فعروة بن الزبير تابعي لم يدرك القصة، ولم يسندها من هذا الوجه، وإلا فقد روى البخاري في صحيحة من طريق عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الغزوة، والمكاتبة بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسهيل بن عمرو (6) كما أن رواية البيهقي ليس فيه إشاعة قتل عثمان، وإنما أن الفريقين ارتهن كل منهما من عنده من الطرف الآخر، لما حصلت المراماة بينهما.

 

الخلاصة

 

فالخلاصة أنه لم يثبت -والله أعلم- أن سبب البيعة كان إشاعة مقتل عثمان -رضي الله عنه.

 

أما على أي شيء كانت البيعة، ففي حديث سلمة بن الأكوع –رضي الله عنه- لما سئل على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت (7). وروى مسلم عن جابر قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت (8). وكذا قال معقل بن يسار: ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. رواه مسلم (9). وفي رواية للبخاري لما سئل نافع: على أي شيء بايعهم، على الموت؟، قال: لا، بل بايعهم على الصبر (10).

 

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): “لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ولا بدّ، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: “بل بايعهم على الصبر”، أي على الثبات وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا. والله أعلم (11)”.

 

وقال -رحمه الله- في موضع آخر: “وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفرّ لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت إما أن يَغلب أو يُؤسر، والذي يُؤسر إما أن ينجو وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه (12)”.

 

المصدر:كتاب: ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية

 

(*) روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منّا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله”. (6/ 117 فتح). وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: “لقد رأيت الشجرة ثم أنسيتها بعد فلم أعرفها”. وفي رواية: “أنه كان ممن بايع تحت الشجرة، فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا”. (7/ 447 فتح) قال الحافظ في الشرح: ” … ثم وجدتُ عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قومًا يأتون الشجرة فيصلّون عندها فتوعدهم، ثم أمر بها فقُطعت”. (الفتح 7/ 448). قال محمَّد الغزالي: “وقد قطعت الشجرة، ونسي مكانها، وذلك خير، فلو بقيت لضرِبت عليها قبة، وشدت إليها الرحال، فإن الرعاع سراع التعلّق بالمواد والآثار التي تقطعهم عن الله”. (فقه السيرة، ص 330).

(1) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، فضائل أصحاب الشجرة والأشعرين (16/ 58) نووي.

(2) الروض الأنف (6/ 459 – 460).

(3) السنن الكبرى (4/ 13).

(4) ص 329.

(5) الفتح الرباني (21/ 102).

(6) البخاري. كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط (5/ 329 فتح). وفي المغازي باب غزوة الحديبية (7/ 453 فتح).

(7) البخاري (7/ 449 فتح) مسلم (13/ 6 نووي).

(8) مسلم (13/ 2 نووي).

(9) مسلم (13/ 5 نووي).

(10) البخاري (6/ 117 فتح)

(11) فتح الباري (6/ 118).

(12) فتح الباري (7/ 448).

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات