طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(108)
4285

الإشاعة

1439/01/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

الإشاعة من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للأشخاص والمجتمعات، وقد لجأ لها الأعداء كوسيلة من وسائل الهدم والتدمير للمجتمع الإسلامي، فكم أقلقت الإشاعة من أبرياء، وحطمت عظماء، وهدَّمت وشائج، وتسببت في جرائم، وفككت من علاقات وصداقات، وكم هزمت من جيوش، ولكي أكون دقيقًا في وصفها تعالوا بنا نأخذ مثالاً واحدًا من حياة الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – هو حادث الإفك، فهو يعتبر حدث الأحداث في حياة النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – ولم يمكر بالمسلمين مكر أشد من تلك الوقعة، وهي مجرد فِرْية وإشاعة مختلفة بيَّن الله كذبها في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، ولولا عنايته – سبحانه وتعالى – لبيت نبيه – صلَّى الله عليه وسلَّم – لكادت هذه الإشاعة أن تعصف بالأخضر واليابس، ولا تبقى على نفس مستقرة مطمئنة، ولقد مكث مجتمع المدينة بأكمله شهرًا كاملاً وهو يصطلي نار تلك الفرية، وتعصره الإشاعة الهوجاء؛ حتى نزل القرآن يغسل آثار هذه الفتنة، ويعتبرها درسًا تربويًّا نجح فيه أقوام، ورسب فيه آخرون، وليبقى هذا الدرس لكل مجتمع بعد المجتمع المدني إلى أن يرث الله الأرض، ومَن عليها، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11].

 

وللإشاعة قدرة على تفتيت الصف الواحد والرأي الواحد، وتوزيعه وبعثرته، فالناس أمامها بين مصدق ومكذب، ومتردد ومتبلبل، وتتناقض الأخبار أمام ناظريك وسمعك، فهذا ينفي، وذاك يثبت، وذاك يشكك، وآخر يؤكِّد، فكم من حي قد قيل: إنه ميِّت، وكم من ميِّت زعموا حياته، وكم من ضالٍ شاع أمره بأنه من الأولياء وأصحاب الكرامات، وكم من رجل صالح شاع أمره أنه نكص على عقبيه، وفعل الأفاعيل، وكم من بريء قد اتُّهم، وكم من متَّهم حوله قرائن كثيرة تدل على جريمته تأتي الإشاعة، فتبرئه براءة الشمس في رابعة النهار، فيختلط الحابل بالنابل، والصحيح بالمريض، والسليم بالعليل، والأحمر بالأسود.

 

والذين يجتهدون في ترويج الإشاعة الغالب عليهم أنهم يقصدون إما النصح بمعنى أنه يرددها لنصح صاحب الشأن والدفاع عنه.

 

وإما الشماتة، وهذا على النقيض من السابق يكون قصد صاحب الإشاعة أن يشمت بمن يتحدث عنه، وإما الفضول وهذا غالب حالة الناس، فبعضهم يحب أن يسمع الناس منه، ويصغوا إلى حديثه، وأحيانًا يزيد فيها وينقص، ويجعل فيها منعطفات كثيرة؛ ليلفت نظر الناس إليه، وإما قطع الفراغ، ومِلء الأوقات، فإذا أشيع خبر ما، ترى كثيرًا من الناس يشارك وهو لا يعلم شيئًا، وإنما لئلا يفهم الناس أنه لم يعلم بالخبر، فيزيد فيه وينقص، ولا يهمه ما يترتب على هذا الأمر إطلاقًا، ومن أبرز المصادر للإشاعة أن تكون خبرًا من شخص أو خبرًا من جريدة، أو خبرًا من مجلة أو خبرًا من إذاعة، أو من تلفاز أو رسالة خطية، أو شريطًا مسجلاً، والإشاعة تكثر في المجتمع الذي يغلب عليه الجهل، وتقل في الوسط الثقافي، وتقوى في مجتمع النساء، وتقل عند العاقلات منهنَّ.

 

إن ما يسمعه المرء أحيانًا من إشاعة يجعله يكذبه لأول وهلة؛ لأن آثار الوضع بادية عليه، ولكن مع ذلك ينبغي التثبت والتروي، فإن كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب، وصدق مَن قال.

 

وقال – تعالى -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ [الانفطار: 10].

 

وقال – تعالى -: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].

 

وقال – تعالى -: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ [البقرة: 235].

 

وقال – تعالى -: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19].

 

ويقوله – تعالى -: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [النساء: 83].

 

وهذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة مما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم – أن يثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح، وما يضادها من المضار، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطًا للمجتمع، وسرورًا لهم وكيدًا لأعدائهم نشروه، وإن لم يكن فيه ذلك، بل فيه ضرر على المؤمنين، فإنهم يتركونه؛ فكم نحن بحاجة إلى الوقوف مع أنفسنا، والتثبُّت مما ينقل عنَّا ولنا، وكم نحن محاسبون على ما يصدر عن جوارحنا، فهل نعي ذلك ونحاسب أنفسنا قبل أن تُحاسب، أرجو ذلك وأتمنَّاه.

 

أسأل الله أن يحفظ على هذه البلاد أمنها، وولاة أمرها وعلماءها من كل سوء ومكروه.

 

وصلى الله وسلم على نبيِّنا وعلى أله وصحبه وسلم.

 

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/9318/#ixzz4j3DJPTb8

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات