طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > مختصر خطبتي الحرمين 24 من ذي الحجة 1438هـ

ملتقى الخطباء

(562)
4180

مختصر خطبتي الحرمين 24 من ذي الحجة 1438هـ

1438/12/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

أين أثر الحج فيمن عاد بعد حجه مضيعًا للصلاة، مانعًا للزكاة، آكلاً للربا والرشا، متعاطيًا للمخدرات والمسكرات، قاطعًا للأرحام؟! من لبى لله في الحج مستجيبًا لندائه كيف يلبي بعد ذلك لدعوة أو مبدأ أو مذهب أو نداء يناهض دين الله الذي لا يقبل من أحد دين سواه؟! من لبى لله في الحج كيف يتحاكم بعد ذلك إلى غير شريعته، أو ينقاد لغير حكمه، أو يرضى بغير رسالته؟!..

مكة المكرمة:

ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس – حفظه الله – خطبة الجمعة بعنوان: “السلم والسلام”، والتي تحدَّث فيها عن السلامِ وأهميته في حياةِ الأُمم والمُجتمعات، مُبيِّنًا آثارَ فَقدِه على المُسلمين، كما حثَّ على وُجوبِ الحِفاظِ عليه والدعوةِ إليه.

 

واستهل الشيخ بالوصية بتقوى الله -تعالى-، فقال: فاتَّقُوا الله -عباد الله-؛ فبتَقوَاه تتحقَّقُ المطالِب، وتُبلَغُ المراتِب، وتَنجَابُ الغياهِب، وتُحازُ المَواهِب، وتُحمَدُ العواقِب.

 

وأضاف الشيخ: حاجةُ الإنسانيَّةِ إلى السلام غرِيزةٌ فِطريَّة، وضرورةٌ بشريَّة، ومصلَحةٌ شرعيَّة؛ إذ لا بِناءَ ولا إعمار، ولا رُقِيَّ ولا ازدِهار، ولا تنمِيةَ ولا ابتِكارَ إلا به، وبضِدِّه الدَّمارُ والتَّبارُ والبَوَارُ. لقد كان العالَمُ قبل الإسلام تحكُمُه العصبيَّةُ القَبَليَّة، يُشعِلُون الحُروبَ لقُرونٍ طويلةٍ مِن أجلِ سَبقٍ أو نَيل ثَأرٍ، ويُهدِرُون في ذلك الدِّماءَ ويُقيمُون العدَاوات. فجاء الإسلام وعُنِيَ عنايةً فائِقةً بالدعوةِ إلى السلام، ونَبذِ الحُروبِ والنِّزاعات، والقَتلِ والصِّراعات، ورتَّبَ على ذلك عظيمَ الأجر والجزاء.

 

وبيَّن الشيخ أن الإسلام هو دينُ السِّلم والسلام، والوِفاقِ والوِئام، وما شُرِعَت أحكامُ الشريعة إلا لمصالِحِ العباد في أُمورِ المعاشِ والمعادِ، وحيثُما وُجِدَت المصلَحةُ المُتيقَّنة فثَمَّ شرعُ الله. وليس مُصادفةً أن تكون كلمةُ “السلام” مُشتقَّةً مِن الإسلام؛ فلم يعرِف العالَمُ الإسلامَ إلا بعد بِعثةِ سيِّد الأنام – عليه الصلاة والسلام -، وفي ظلِّ شريعة الإسلام.

 

وقال حفظه الله: لقد جاءَت الشريعةُ العادِلة بحِرصِها على الأمنِ والسلامِ دُون إفساد أو تدميرِ مُمتلَكات العدُوِّ، فكيف بالأخ والصَّدِيق؟! وما تقومُ به منافِعُ العِباد، ويُصلِحُ عَمارَ الأوطان والبلاد. ولقد دلَّت وقائِعُ السيرة النبوية والفُتُوحات الإسلاميَّة على أن الدِّعامةَ الأُولى والأساسَ لانتِشار الإسلام: الدعوةُ بالحُسنَى، والموعِظة البلِيغَة، والكلمةِ الطيِّبة، والمُعاملةِ الحسنة حتى في أوقاتِ الحربِ والقتالِ. فأيُّ سلامٍ أعَمُّ وأشمَلُ وأجمَلُ، وأروَعُ وأبهَى وأكمَلُ مِن هذا السلام الذي يعُمُّ الكَونَ بكائِناتِه وجَماداتِه ونباتاتِه؟! فهل رأَت الدنيا، وسمِعَ التأريخُ بمبادِئ ومُثُلٍ أخلاقيَّةٍ وسُلوكيَّةٍ أشمَلَ وأكمَلَ مِمَّا جاءَ به الإسلام؟! فهل يعِي ذلك دُعاةُ العُنف والإرهاب؟!

 

وأوضح الشيخ أن مِن الفِرَى التي أُلصِقَت بالإسلام دُون إرواءٍ أو إحجامٍ، وكانت مَثارَ التوجُّسِ والخَوفِ مِنه: اتِّهامَه بالإرهابِ والسَّيف، والعُنفِ والظُّلم والحَيف. وتلك أُكذوبةٌ ظاهِرٌ عَوَارُها، ويُفنِّدُها أُوَارُها. فالإسلامُ كان ولا يزالُ وسيظلُّ – بإذن الله – في علُوٍّ وانتِشارٍ، وانتِصارٍ وازدِهارٍ؛ لأنه دلَفَ إلى القُلُوبِ بالحِكمةِ والمَوعِظةِ الحسَنَة والمعروفِ، لا بالغِلظةِ والحُتُوف.

 

وتابع فضيلته: لقَد أصبَحَ الأمانُ لدَى كثيرٍ مِن المُجتمعات اليوم كسَرابٍ بِقِيعَةٍ يحسبُه الظَّمآنُ مَاءً، وإن السَّلامَ الحقيقيَّ والأمنَ المُجتمعيَّ لا يكونُ بانعِدامِ التوتُّر بين الأفرادِ والبُلدان، بل بتحقيقِ العدالَةِ فيما بينَهم، فلن يسُودَ السَّلامُ هذا العالَم إلا بإقامةِ الحقِّ والعَدلِ، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.

 

والإسلامُ وبكلِّ فَخرٍ واعتِزازٍ قدَّمَ للعالَم أعظمَ حضارةٍ عرفَها التأريخ، وهو -بفضلِ اللهِ- عصِيٌّ على الغُلُوِّ أو الانهِزاميَّة والذَّوَبان.

 

وأكد الشيخ أن مِمَّا يُقَوِّضُ عمليَّةَ السَّلام أفعالَ الصَّهايِنةِ المُعتَدين ضِدَّ المسجِدِ الأقصَى المُبارَك، وما يعِيشُه إخوانُنا في بِلادِ الشَّام والعِراقِ واليمَن، وإخوانُنا في بُورما وأراكان ومُسلِمُو الرُّوهِينجَا مِن اضطِهادٍ وتقتيلٍ وتشريدٍ، في فاجِعةٍ إسلاميَّةٍ كُبرَى، وكارِثةٍ إنسانيَّةٍ عُظمَى. وكذا رَواجُ الأفكار المُتطرِّفة، والتنظيمات الإرهابيَّة، ودَعمُ الأموال وتموِيلُه، وتشجِيعُ المسِيرَات والمُظاهَرات، وبَثُّ الشَّائِعات المُغرِضَة مِن قَنَواتِ الفِتنةِ وأبواقِها.

 

وختم الشيخ خطبته بالحث على نشر ثقافة السلام في المجتمع فقال: يجِبُ العملُ على شرِ ثَقافَةِ السَّلام، لاسيَّما في مناهِجِ التعليمِ، ووسائلِ الإعلام، ومواقِعِ التواصُل الاجتماعيِّ، خاصَّةً بين فِئاتِ الشَّبابِ، وأهميةِ ترسِيخِ آلِيَّات الحِوار، في برامِج تَوعَوِيَّة لمُكافَحةِ التطرُّف، وتَعزِيزِ قِيَم التسامُحِ والتعايُشِ، وإحلالِ الأمنِ والسِّلمِ الدوليَّين، ورَفضِ أعمالِ العُنفِ والصِّراعات الدمويَّة، وخِطابِ التحريضِ والكراهِيَة، ودعَوَات العصبِيَّة والطائِفِيَّة، وما يبُثُّ الفِتنةَ، ويهُزُّ اللُّحمةَ الوطنيَّة.

 

 

 

المدينة المنورة:

ألقى فضيلة الشيخ صلاح البدير -حفظه الله- خطبة الجمعة بعنوان: “ماذا بعد الحج”، والتي تحدَّث فيها عن أهمية محاسبة النفس بعد مواسم الخيرات، والحث على الاستمرار على العمل الصالح.

 

واستهل فضيلته خطبته بنصح المصلين بتقوى الله تعالى، فقال: اتقوا الله فإن تقواه أربح بضاعة، واحذروا معصيته فقد خاب عبد فرط في أمر الله وأضاعه.

 

وأضاف الشيخ: إن عبادة العبد لربه هي رمز خضوعه ودليل صدقه وعنوان انقياده، شرف ظاهر، وعزّ فاخر، العبودية أشرف المقامات، وأسمى الغايات، اختارها المصطفى لنفسه على سائر المراتب والمقامات.

 

وقال حفظه الله: في الأيام القليلة الخالية قضى الحجاج عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أعظم القربات، تجردوا لله من المخيط عند الميقات، وهلت دموع التوبة في صعيد عرفات، خجلاً من الهفوات والعثرات، وضجت بالافتقار إلى الله كل الأصوات بجميع اللغات، وازدلفت الأرواح إلى مزدلفة للبيات، وزحفت الجموع بعد ذلك إلى رمي الجمرات، والطواف بالكعبة المشرفة، والسعي بين الصفا والمروة، في رحلة من أروع الرحلات، عاد الحجاج بعد ذلك فرحين بما آتاهم الله من فضله، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58]، خير من الدنيا وأعراضها وأغراضها التي ما هي إلا طيف خيال، مصيره الزوال والارتحال، ومتاعٌ قليل، عرضة للآفات، وصَدَف للفوات، فهنيئًا للحجاج حجُهم، وللعُبَّاد عبادتهم واجتهادهم.

 

وأوصى فضيلته الحجيج قائلاً: يا من حججتم البيت العتيق، وجئتم من كل فج عميق، ولبيتم من كل طرف سحيق، ها أنتم وقد كمل حجكم وتم تفثكم، بعد أن وقفتم على المشاعر، وأديتم تلك الشعائر، ها أنتم تتهيؤون للرجوع إلى دياركم، فاحذروا من العودة إلى التلوث بالمحرمات، والتحاف المسبات، (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) [النحل: 92]؛ فإياكم أن تكونوا مثلها، فتهدموا ما بنيتم، وتبددوا ما جمعتم، وتنقضوا ما أحكمتم.

 

وبيَّن فضيلته أنَّ للحج المبرور أمارة، ولقبوله منارة، سئل الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: ما الحج المبرور؟ فقال: “أن تعود زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة”، فليكن حجكم حاجزًا لكم عن مواقع الهلكة، ومانعًا لكم من المزالق المتلفة، وباعثًا لكم إلى المزيد من الخيرات وفعل الصالحات، واعلموا أن المؤمن ليس له منتهى من صالح العمل إلا حلول الأجل.

 

وأكَّد الشيخ أن الحاج منذ أن يُلبي وحتى يقضي حجه وينتهي فإن كل أعمال حجه ومناسكه تعرفه بالله، تذكره بحقوقه وخصائص ألوهيته جل في علاه، وأنه لا يستحق العبادة سواه، تعرفه وتذكره بأن الله هو الأحد الذي تُسلَم النفس إليه، ويوجَّه الوجه إليه، وأنه الصمد الذي له وحده تصمد الخلائق في طلب الحاجات، والعياذ من المكروهات، والاستغاثة عند الكربات؛ فكيف يهون على الحاج بعد ذلك أن يصرف حقًا من حقوق الله من الدعاء والاستعانة والذبح والنذر إلى غيره؟! وأي حج لمن عاد بعد حجه يفعل شيئًا من ذلك الشرك الصريح والعمل القبيح؟!

 

وتساءل فضيلته: كيف حجَّ من عاد بعد حجه يأتي المشعوذين والسحرة، ويصدق أصحاب الأبراج والتنجيم وأهل الطيرة، ويتبرك بالأشجار، ويتمسح بالأحجار، ويعلق التمائم والحروز؟! أين أثر الحج فيمن عاد بعد حجه مضيعًا للصلاة، مانعًا للزكاة، آكلاً للربا والرشا، متعاطيًا للمخدرات والمسكرات، قاطعًا للأرحام؟! من لبى لله في الحج مستجيبًا لندائه كيف يلبي بعد ذلك لدعوة أو مبدأ أو مذهب أو نداء يناهض دين الله الذي لا يقبل من أحد دين سواه؟! من لبى لله في الحج كيف يتحاكم بعد ذلك إلى غير شريعته، أو ينقاد لغير حكمه، أو يرضى بغير رسالته؟!

 

وختم فضيلته خطبته بالوصية لعموم المسلمين بتقوى الله وطاعته فقال: يا من ذهبت عليه مواسم الخيرات والرحمات وهو منشغل بالملاهي والمنكرات، أما رأيت قوافل الحجاج والمعتمرين والعابدين؟! أما رأيت تجرد المحرمين، وأكفّ الراغبين، ودموع التائبين؟! أما سمعت صوت الملبين المكبرين المهللين؟! فما لك قد مرّت عليك خير أيام الدنيا على الإطلاق وأنت في الهوى قد شُد عليك الوثاق؟!

 

يا من راح في المعاصي وغدا، يقول: سأتوب اليوم أو غدًا، يا من أصبح قلبه في الهوى مبددًا، وأمسى بالجهل جلمدًا، وبالشهوات محبوسًا مقيدًا، تذكر ليلة تبيت في القبر منفردًا، وبادر بالمتاب ما دمت في زمن الإنظار، واستدرك فائتًا قبل أن لا تُقال العثار، وأقلع عن الذنوب والأوزار، واعلم أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات