قول الحق: (َمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [(الأنعام: من الآية38]
ناجي عبد الرحيم
ملتقى الخطباء: تدبر في القرآن الكريم وفي سورة الأنعام، الجزء السابع ، الحزب 14 ، آية 38،" وما من دابة في الأرض ولا طير يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم مافرطنا في الكتب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"
وقراءة في كتابات فضيلة العالم العامل أ.د. زغـلول النجـار، دعوت الله أن يفتح القلوب والعقول، وأدعو القراء الأحباب إلى التدبر ، وأسأل الله لي ولهم القبول.
سورة الأنعام،هي سورة مكية ركزت علي العقيدة الإسلامية، وفي الأية تفصيل لقواعد تصنيف الحياة، كما جاءت فبها بعض التشريعات، وبعض الاشارات إلي عدد من الأمم .
وفي استعراض وحدة الدين السماوي من لدن أبينا آدم( عليه السلام) إلي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) جاءت الاشارة إلي عدد من أنبياء الله ورسله الذين بعثوا جميعا بالاسلام.
القسم الأول : من ركائز العقيدة في سورة الأنعام
(1) الايمان بخالق السماوات والأرض وبديعهما.
(2) الإيمان بملائكة الله،وكتبه ورسله،وباليوم الآخر،وبالقدر خيره وشره،وتعهد ربنا(تبارك وتعالي) بعدم عذاب أحد من خلقه المكلفين بغير إنذار مسبق من رسول مرسل ورسالة سماوية محددة.
(3) الإيمان بعوالم الغيب التي أخبرنا بها ربنا( تبارك وتعالي) دون الخوض فيها بغير علم، لأن عالم الغيب يختلف في طبيعته وسننه وقوانينه عن عالم الشهادة الذي نعيشه.
(4) التسليم بحتمية الآخرة وبضرورتها،وتصف سورة الأنعام الحياة الدنيا بأنها لهو ولعب،وتصف الآخرة بأنها خير للذين يتقون.
(5) اليقين بأن من عمل سوءا بجهالة ممن يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح فإن الله غفور رحيم.
(6) التصديق بأن الله( تعالي) يجازي الحسنة بعشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف وإلي ما فوق ذلك لمن يشاء، ولا يجازي السيئة إلا بمثلها.
(7) الإيمان بأن الله( سبحانه وتعالي) قد ختم وحيه بالقرآن الكريم، وبسنة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم)، وأكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمه، ورضي لنا الإسلام دينا،
القسم الثاني: تحريم كل مما يلي:
الشرك بالله، وقتل الأولاد من إملاق( أي من فقر)، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتي يبلغ أشده، وأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وما أهل لغير الله به، والميتة، والدم، ولحم الخنزير( إلا من اضطر غير باغ ولا عاد)، وتحريم الاقتراب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وافتراء الكذب علي الله، ومن ذلك الادعاء الباطل بتلقي شيء من الوحي، أو بالتظاهر بالقدرة علي الإتيان بشيء من مثل القرآن الكريم.
القسم الثالث: الأمر بكل مما يلي:
التزام صراط الله المستقيم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتقوي الله( تعالي) ومراقبته في كل الأحوال، والإحسان إلي الوالدين، ووفاء كل من الكيل والميزان بالقسط، والعدل في القول، والإخلاص في العمل، والوفاء بعهود الله كلها.
القسم الرابع : من القصص القرآني في سورة الأنعام
(1) جاء في سورة الأنعام ذكر عدد من أنبياء الله ورسله الذين بعثوا قبل بعثة خاتمهم سيدنا محمد بن عبد الله( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين) وهم: نوح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، داود، سليمان، أيوب، يوسف، موسي، هارون، زكريا، يحيي، عيسي، إلياس، اليسع، ويونس( علي نبينا وعليهم من الله السلام).
(2) عرضت هذه السورة الكريمة لعدد من الأمم البائدة التي رفضت رسالات ربها، وجحدت آياته، وقاومت رسل الله وأنبياءه إليهم، علي الرغم من علمهم بهلاك الأمم التي سبقتهم إلي هذه المعاصي.
(3) أكدت سورة الأنعام ـ كما أكدت أكثر من سورة غيرها من سور القرآن الكريم ـ حقيقة انحراف اليهود عن منهج الله، وكذبهم عليه( جل جلاله)، فحرم الله( تعالي) عليهم كثيرا من أطايب الطعام.
(4) كذلك أكدت هذه السورة المباركة تكامل جميع رسالات السماء في هذا الدين الخاتم الذي بعث به النبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) لينذر به أهل مكة المكرمة، ومن حولها أهل الأرض جميعا، وذلك لثبوت توسط هذه المدينة المباركة لليابسة بالكامل.
القسم الخامس : من الآيات الكونية في سورة الأنعام
(1) التأكيد علي قضية الخلق، وعلي أن الله( تعالي) هو خالق كل شيء بالحق، وأنه علي كل شيء وكيل، وعلي أن من بديع صنع الله خلق كل من السماوات والأرض، والظلمات والنور، والنجوم وتوابعها( من الكواكب والكويكبات، والأقمار والمذنبات، والشهب والنيازك وغيرها)، وخلق الإنسان من طين، وخلق السلالة البشرية كلها من نفس واحدة، وخلق ما يسكن بالليل وما يسكن بالنهار من الكائنات.
(2) جاءت بالسورة الكريمة الاشارة الي أن كل نوع من أنواع الحياة عبارة عن خلق يشبه خلق الانسان في انبثاقه عن أصل واحد، وترابطه في أمة واحدة.
(3) الإشارة الي أن بالكون غيوبا مطلقة لا يعلمها إلا الله( تعالي)، وأن النوم هو صورة مصغرة للوفاة، وأن اليقظة من النوم تمثل البعث بعد الموت، وأن ظلمة الكون هي الأصل وأن النور هو نعمة يمن الله( تعالي) بها علي من يشاء من خلقه، وأن فلق الصبح من ظلمة الليل في كل يوم وفلق الحب والنوي لإخراج كل من السويقة والجذير من البذرة النابتة عمليتان متشابهتان، وتشهدان لله( تعالي) بطلاقة القدرة في إبداع الكون، وأن الليل مخصص للسكن، وأن النهار مخصص لعمارة الأرض وللجري وراء المعايش.
(4) استخدام ظاهرة تبادل الليل والنهار للإشارة الي حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وأن كلا من الشمس والقمر يجري بنظام محكم دقيق يمكن الانسان من حساب الزمن والتاريخ للأحداث.
(5) التأكيد علي أن الحب المتراكب في النبات يخرج أصلا من الصبغة النباتية الخضراء المعروفة باسم اليخضور، وأن القنوان الدانية تخرج من طلوع النخل، وأنه بإنزال الماء من السماء أخرج ربنا( تبارك وتعالي) جنات معروشات وغير معروشات من الأعناب، والنخل، والزيتون، والرمان، متشابها وغير متشابه، ومن الزرع المختلف أكله، وأن ثمره إذا أثمر وينعه لهو من أروع الآيات لقوم يؤمنون.
(6) الإشارة الي أن التصعد في السماء( بغير وقايات حقيقية) يجعل صدر الصاعد ضيقا حرجا.
(7) الإشارة الي توسط مكة المكرمة لليابسة.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج الي معالجة خاصة بها، وكلها يدخل من العلوم الكونية في الصميم، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الثانية فقط من القائمة السابقة والتي تشير الي خلق كل صور الحياة في تجمعات شبيهة بالتجمعات الانسانية في انبثاقها عن أب واحد وأم واحدة، وترابطها في أمة واحدة، كما جاء في الآية الكريمة رقم(38) من سورة الأنعام:
وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون.(الأنعام:38).
* في تفسيرها ما جاء في الظلال( رحم الله كاتبها برحمته الواسعة) ما نختار منه قوله: وهي حقيقة هائلة... حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم.. لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك.. وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر، ولكن علمهم لا يزيد شيئا علي أصلها!! وإلي جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها، وهي إحاطة علم الله اللدني بكل شيء، وتدبير الله لكل شيء... وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة.....
القسم السادس : من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
إن أقدم أثر للحياة علي الأرض يمتد إلي ثلاثة بلايين وثمانمائة مليون سنة، لذلك فإنه من العسير تتبع كل فرد من هذه البلايين من ملايين الأنواع مهما أوتي الانسان من علم ومهما توافر له من وسائل الإحصاء، ومن هنا كانت ضرورة التصنيف الذي أشارت إليه سورة الأنعام بقول الحق( تبارك وتعالي):
وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلي ربهم يحشرون (الأنعام:38)
والآية الكريمة تشير إلي أن وحدة التصنيف الأساسية هي النوع الذي ينقسم إلي جماعات تضم أعدادا من هذا النوع، تعيش في منطقة معينة من مناطق الأرض( أمة من الأمم) فبنو الإنسان ينقسمون إلي أعراق مختلفة، يمثل كل عرق منها أمة من الأمم، وتنتهي هذه الأمم كلها إلي أصل واحد، وأب واحد هو آدم( عليه السلام) الذي وصفه ربنا( تبارك تعالي) فكذلك كل نوع من أنواع الأحياء، ينقسم إلي عدد من الجماعات أو الأمم(Populations) التي تنتهي إلي أصل واحد، مما يؤكد تعدد النوع الواحد إلي جماعات أو أمم شتي، وعلي استقلالية كل نوع من أنواع الأحياء عن غيره من الأنواع، وإن كان هناك قدر من التشابه في البناء يشير إلي وحدانية الخالق( سبحانه وتعالي) فجميع الخلق من الذرة إلي المجموعة الشمسية إلي المجرة، ومن الخلية الحية المفردة إلي جسد الإنسان ـ كل ذلك مبني علي نسق واحد، ونظام واحد في زوجية واضحة تشهد للخالق( تقدست أسماؤه) بالخالقية والألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.
في محاولة للإلمام بهذه الأعداد اللانهائية من الخلق قام علماء الأحياء بتصنيفها إلي مجموعتين رئيسيتين هما النباتات، والحيوانات علي أساس من أن النباتات الرئيسية مثبتة في الأرض بواسطة جذورها، وقد أعطاها الخالق( سبحانه وتعالي) القدرة علي تصنيع غذائها بنفسها، أما الحيوانات فقد أعطاها الله( تعالي) القدرة علي الحركة الذاتية، وعلي جمع والتهام وهضم وتمثيل الغذاء الذي تحصل عليه من غيرها.
أثبت بالدراسة أن الفطريات تختلف عن الأوليات في أنها تمتص غذاءها من خلال جدرها الخلوية كالنباتات، ولكنها لاتقوم بتصنيع غذائها بنفسها كالنباتات، كما أنها لاتقوم بالتهام غذائها كالحيوانات، ولذلك كان لابد من فصلها في مملكة مستقلة، وبفصلها أصبحت ممالك الحياة المعروفة لنا خمسا كما يلي:
والفيديو المرفق في الرابط بصفحتي يتناول النوع الخامس من ممالك الحياة ، وهي المملكة الحيوانية(KingdomAnimalia) وتشمل كائنات حية، عديدة الخلايا، ولكل خلية نواة محددة، وجدار حي، وهي كائنات قادرة علي الحركة الذاتية والتغذي علي غيرها من النباتات أو الحيوانات.
وهذا التقسيم الوضعي هو وسيلة من وسائل الحصر التي تعين دارسي الأحياء علي الإلمام ولو بصورة تقريبية ـ بهذا الكم الذي لايكاد إنسان أن يحصيه من المخلوقات الحية، ولذلك يصفه أحد علماء الحياة البارزين في زماننا هذا بقوله:
إمعانا في تبسيط الصورة والذي أدي في الحقيقة إلي المزيد من تعقيدها، قسمت كل مملكة من هذه الممالك الخمس للأحياء إلي عدد من القبائل(Phyla) وقسمت كل قبيلة إلي عدد من الطوائف(Classes)، كما قسمت كل طائفة إلي عدد من الرتب(Orders) وقسمت كل رتبة إلي عدد من العائلات(Families) وقسمت كل عائلة إلي عدد من الأجناس(Genera)، وقسم كل جنس إلي عدد من الأنواع(Species) وقسم كل نوع إلي عد من الأصناف(Varieties) وقسم الصنف الواحد إلي عدد من السلالات(Strains) وتشتمل كل سلالة علي عدد من الأفراد.
وزيادة في التعقيد فتح الباب لمضاعفة كل وحدة من هذه الوحدات التصنيفية إلي ثلاثة أضعافها وذلك بالسماح بإضافة وحدة قبلها تسبقها المقدمة: فوق( أوSuper) ووحدة بعدها وذلك بتوظيف الإضافة: تحت( أوSub) فيقال: فوق المملكة، المملكة، وتحت المملكة وهكذا بالنسبة لجميع الوحدات التصنيفية المقترحة.
وختاماً فالصلاة والسلام علي النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقي القرآن العظيم من ربه( تعالي)، فحمله إلينا بأمانة كاملة في صفائه الرباني وإشراقاته النورانية، وبكل ما أنزل فيه من حق، وهو كله حق، والصلاة والسلام علي اله وصحبه الغر آلميامين، وعلي أزواجه الطيبين الطاهرين، وعلي كل من تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين.
سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت السميع العليم
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم