اقتباس
عشرات السنين مرت .. وفي كل عام ننتظر ذلك الشهر بلهف وشوق عجيب .. رغم أنه يأتي حاملاً نوعًا من الحرمان .. لكنه حرمان ذو مذاق شهي .. على من ذاق حلاوةَ صحبةِ صالحٍ كرمضان .. ألف الله بين قلوبنا وقلب رمضان .. حتى أصبحنا ورمضان كخليلين لا يستغني أحدهما عن الآخر ... إذا افترقا افترقا بدموع تغطي وجناتهم .. وكدر يكاد قاتلهم .. ولا يصبرهم على ألم الفراق إلا أمل عودة اللقاء ..
عشرات السنين مرت .. وفي كل عام ننتظر ذلك الشهر بلهف وشوق عجيب .. رغم أنه يأتي حاملاً نوعًا من الحرمان .. لكنه حرمان ذو مذاق شهي .. على من ذاق حلاوةَ صحبةِ صالحٍ كرمضان .. ألف الله بين قلوبنا وقلب رمضان .. حتى أصبحنا ورمضان كخليلين لا يستغني أحدهما عن الآخر ... إذا افترقا افترقا بدموع تغطي وجناتهم .. وكدر يكاد قاتلهم .. ولا يصبرهم على ألم الفراق إلا أمل عودة اللقاء ... فإذا تلاقيا سعدا وفرحا بروعة اللقاء ... وأحسب أن لو أنفقنا ما في الأرض جميعًا ما استطعنا أن نؤلف قلوب الناس على حب شهر كحبهم لرمضان.
حتى الأطفال تحبه، فبالله عليك .. هل رأيت الأطفال في شهر يتسابقون بجد ونشاط على تعليق ألوان الزينة التي تملأ الشوارع والحارات كتسابقهم في رمضان؟! أمر عجيب .. أذكر جيدًا حين كنت طفلاً وأنا أشارك أصحابي في شراء الزينة وتعليقها، إن أبي لم يوجهني ـ ولا أمي ـ إلى ذلك أصلاً .. إنما هو دافع داخلي كان يبث نشاطا خياليًا مذهلاً بالنسبة لطفل ... جمع الأموال .. ثم شراء الزينة .. وتسلق الجدران والشجر ... كنا نفعل كل ذلك ونحن ما زلنا بأسنان اللبن. حب عميق لا يستطيع بشر أن ينشئه، ولا تفسير له إلا بتدخل اليد الإلهية في غرسه.
والأعجب أنه حب متبادل .. فإن رمضان يحبنا ربما أكثر مما نحبه، فإنه يأتي بخيرات تترى، فيحبس عنا كل شر .. ويجلب لنا كل خير.
يحبس عنا الشياطين ووساوسهم .. والمردة وأحقادهم .. فلقد علم رمضان كم أذاقتنا هذه الشياطين الويلات .. وأوردتنا المهالك .. فقد أطعناها حتى فرقت بين الخليل وخليله .. والزوج وزوجه .. وسيطر على نفوسنا الحسد والغل والبغضاء ..
حجبت أعيننا عن خير ما في الدنيا .. طاعة رب الأرض والسماء .. والانغماس في طلب مرضاته، والمسارعة في مراده .. فاستبدلت لنا الذي هو أدنى بالذي هو خير .. فوضعت المعصية مكان الطاعة .. والجحود مكان الشكر .. .. وبالجملة وضع سفهاؤنا في خيالهم الشيطان على عرش الرحمن .. فأمرهم بالقطيعة فقطعوا .. وبالشح فاقتتلوا على جمع المال .. حلالا كان أو حراما.. أمرهم بالكذب فضلوا وأضلوا .. وبالذل والهوان لأعدائهم .. فنسوا أسباب عزهم .. ومصدر قوتهم .. وعدهم الله الغنى فرفضوه .. ووعدهم الشيطان الفقر فتسارعوا إليه .. أمرهم الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى فأهملوه .. وأمرهم الشيطان بالفحشاء والمنكر والبغي فكانوا له جنودا مطيعين.
هكذا كان فعل الشياطين بنا .. أبعدتنا عن طريق الهداية .. ووضعتنا على كل سبيل غواية .. وكدنا نهلك أو نضيع .. حتى أدركَنَا وأنقَذَنا رمضان.
ورمضان يحبس عنا جهنم ولفحاتها .. وسمومها وزقومها .. وسائر شرورها.. وأخلاق أهلها .. فيحوِّل الشح إلى كرم .. والقطيعة إلى صلة .. والغضب إلى حلم .. والغل والحسد إلى حب الخير للغير .. والتفريط إلى حرص وجد واجتهاد.
ويجلب لنا رحمات متتابعة من علام الغيوب ..
رحمة ينظر بها للعصاة المفرطين ليصبحوا من الذين أنعم الرحمن عليهم بغفران الذنوب ..
ورحمة يغدقها على أهل الصلاح والتقى ليقبلهم في الطائعين ..
ورحمة يمن بها على الفقراء والمحتاجين ليخبرهم بقرب الفرج لحالهم .. وزوال همومهم ..
ورحمة للمظلومين والمغلوبين يقول لهم: هاؤم اقرءوا صفحات من رمضان وفعله بأهل المثابرة والجهاد. فاصبروا وصابروا ورابطوا .. فبينكم وبين النصر في رمضان خطوات معدودات.
ورمضان يطيل أعمارنا مع حسن في العمل .. فيهدينا ببركته أكثر من ثمانين عاما إضافة إلى أعمارنا .. فهي لنا كلها .. حقيقة لا خيال .. واقع ليس ضربا من المحال .. لنا كلها .. بصيامها وقيامها .. بسجودها وركوعها .. بذكرها وشكرها .. برقتها ودموع محرابها .. كل ذلك في ليلة واحدة .. ليلة ذات قدر .. هي بضع ساعات تورث سعادةً بمقدار عمر رجل هو في عداد المسنين .. ثمانين سنة أو يزيد .. فاهتبل الصالحون الفرصة واغتنموها .. وأضافوها طيبة هنية هينة إلى أعمارهم الصالحة ... في بساطة ويسر .. وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.
ورمضان يفتح لنا أبواب الجنة تهدينا من نسائمها ورياحينها .. قرآن وذكر .. صيام وقيام .. صدقة وصلة .. عطف على المسكين .. وتفقد للأرملة واليتيم .. حب لكل خير .. كراهية لأي شر .. تخرج علينا الجنة فيه في أبهى حللها .. وأطيب ريحها .. وأجمل زينتها .. قائلة: هلم أيها الصائمون .. أيها القائمون الساجدون الراكعون .. يا أهل الله وخاصته .. يا أهل القرآن .. يا أهل الجود والكرم والإحسان .. هلموا إليَّ فتصبروا باطلاعة على ما أعددته لكم .. فعما قريب أنتم بنا لاحقون .. لغرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار أنتم لها ساكنون .. أنهار متنوعة المشارب والمطاعم تحت أقدامكم تجري .. إنكم منها شاربون .. وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون .. لم يطمثهن قبلكم صالحون أو طالحون .. وفوق كل ما لا تبلغه عقولكم من نعيم .. ينتظركم خير لا يوصف .. (وزيادة) .. نظركم إلى وجه الكريم المنان .. الرحيم الرحمن .. الذي لا ينظر إليه إلا الصفي التقي النقي .. فينال تلك النظرة عن جد واجتهاد .. فقد صام وقام .. وذكر وشكر .. وكان من الصالحين.
وفي آخر ساعة من نهار رمضان .. حتى بعد حرمان النفس في نهاره من شهواتها .. يطيِّب خاطرنا ساعة الإفطار بأن يهدي إلينا دعوة مستجابة .. قائلا: سل ما شئت فإنه لك، ولا تبخل على نفسك، إن طلبت حب الناس فهو لك .. إن طلبت سعادة فانتقِ أفضلها .. وإن طلبت رزقا فلك أطيبه .. إن طلبت صحة فلك دوامها .. بل إن طلبت الجنة وفردوسها فتجهز لنعيمها ..
وقبل أن ينتهي شهر رمضان لا يتركنا إلا بعد أن يكون معينًا لنا على النجاة الكاملة .. فيمد لنا يد العون على عتق رقابنا من النار .. فتلهج ألسن القائمين بدعاء حار: يا رب أعتق رقابنا من النار. ومن خلفنا رمضان قائلا: اللهم استجب.
أما آخر يوم من أيامه .. فيا الله .. أعني على إكمال تلك الكلمات .. فإنه شعور لا أستطيع وصفه .. هل أقول: فرح يغلفه الكدر .. أم ابتسامة من قلب منكسر .. أم سرورُ كَبِدٍ ينفطر.
فهو قرب وداع لأوفى صديق .. ما رأيت منه إلا كل ما أحب .. وما أعطاني إلا كل خير .. وما وضع في قلبي إلا الرحمة والرقة والسعادة .. لم أعرف في أي لحظة من أيام صحبته إلا الكرم منه .. أعطاني الكثير الكثير .. ولم يأخذ مني أي شيء غير أني أحبه .. فتكاد روحي تخرج مني في لحاقه .. وهو ينظر إلي من بعيد قائلا: وداعا أيها الحبيب.
وهو في ذات الوقت يومُ استقبالٍ للعيد .. رمز الفرح والسرور .. والألفة والمحبة .. والتزاور للأحبة .. والاجتماع للأرحام ..
فتختلج في النفس مشاعر متناقضة .. متنافسة .. ترى أيهما يغلب الآخر .. حزن لفراق نسائم رمضان .. أم فرح بروعة العيد ؟!..
ولكن سرعان ما أتذكر .. أن اجتماعي بالحبيب رمضان لم ينتهِ، فليست المرة الأخيرة التي سأراه .. فأنا بين أمرين .. إما أن يُطَال في عمري حتى أدركه عامي القادم .. فأقابله بلهف وشوق جديدين .. وإما أن يقضي الله أمرًا .. فيكون خير لقاء وأبقاه بيني وبين الحبيب رمضان .. في دار هي خير من تلك الدار .. حين ألقى ربي فأفرح بين يديه بصحبة رمضان .. فيأتي صديقي الوفي رمضان بصيامه يدافع عني أمام ربي .. يظلني بحبه .. ويغلفني بوفائه ويقول ..
أي رب، منعته الطعام والشهوات فشفعني فيه ..
أي رب، صام أيامي كلها راجيا ثوابك فشفعني فيه ..
أي رب، قام لياليَّ قياما طويلاً خاشعًا فشفعني فيه ..
أي رب، حثا حثوات من ماله ووضعها في يد أرملة أو محروم رغبة فيك فشفعني فيه ..
أي رب، نسي حظ نفسه وانتقامها ووصل قاطعا له ابتغاء مرضاتك فشفعني فيه ..
أي رب، لزم المسجد أكثر من لزوم بيته طمعا في رياض جنتك فشفعني فيه ..
أي رب، دعاك بقلب خاشع خاضع ذليل اقبلني في الصالحين فشفعني فيه ..
أي رب، بكى وصب دموع الندم على التفريط صبا فشفعني فيه ..
فتكون بسببه أعظم جائزة وهدية يعطيها صديق لصديقه .. حين يجيبه ربي بقوله: قد شفعتك فيه .. هو من أهل الجنة .. ناج من عذاب النار ..
الفرحة الكبرى .. والنعيم المقيم .. ومولد جديد في أحضان إنعام المنان .. وفي أثناء ذلك إذا بصوت ينادي بأعذب ما يكون اللحن .. يا أيها الصائمون هلموا إلي .. فأنا باب الجنة الذي لم يعد لغيركم .. الريان .. آه يا ريان الخير والعطاء .. كم اشتقنا إليك .. ها نحن الصائمون قادمون .. ندخل منك بفخر وعز واشتياق ..
وما أروع ما نراه على باب الريان .. يا لها من مفاجأة مذهلة .. إنه هو .. محمد صلى الله عليه وسلم .. واقف متباهيا مفتخرا قائلا .. هؤلاء أمتي .. حقا أمتي .. من أمرتهم فأطاعوني .. من استنوا بسنتي .. وساروا على هديي .. صاموا وقاموا .. لم تلههم الدنيا بزخرفها .. عن الجنة ونعيمها .. لم ينصتوا لشياطين الإنس والجن الذين تربصوا بهم .. وكادوا لهم .. بل قذفوا في نحورهم شفرات الذكر والدعاء .. وفضحوا مكائدهم بالصلاة والبكاء .. والصيام والعطاء .. فأردوهم قتلى .. حسرات عليهم .. وما هم بخارجين من النار.
يا لروعة رمضان .. ويا لحلاوة مذاقه .. ويا لسعادة صاحبه .. في الدنيا والآخرة .. هو خير رفيق .. وأفضل صديق ..
اللهم يا ذا الجلال والإكرام .. يا ذا المنة والإنعام .. أكرمنا باغتنام رمضان خير اغتنام .. وارزقنا فيه خير الصيام .. وحسن القيام .. وجملنا فيه بتلاوة القرآن .. ووفق كل من أدرك رمضان إلى العتق من النيران .. وأنعم عليه بشفاعة الصيام والقرآن .. حتى نكون جميعا من الفائزين .. والفرحين بصحبة سيد المرسلين .. محمد الصادق الأمين .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم سلمنا إلى رمضان ... وسلم لنا رمضان ... وتسلمه منا متقبلا.
المصدر: الرسالة أون لاين
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم