مختصر خطبتي الحرمين 7 رمضان 1438هـ

ملتقى الخطباء - الفريق الإعلامي

2022-10-05 - 1444/03/09
التصنيفات:

اقتباس

إن أرفعَ المطالِبِ وأجلَّ المآرِبِ: مُسارَعةُ العبدِ إلى الخيرات، واغتِنامُ المواسِمِ باكتِسابِ الحسنات، وفي رمضان فُرصةٌ للتزوُّد مِن الصالِحات والتقرُّب بسائِرِ الطاعاتِ؛ وإن المُوفَّق السَّديدَ في هذه الحياةِ هو مَن يحفَظُ جوارِحَه عن المنهِيَّات، ويَصُونُ حسناتِه عن المُكدِّرات، وإن مِن الخسارةِ والبَوارِ أن يسعَى المُسلمُ ويجتَهِدُ إلى نَيلِ الحسناتِ، ثم يُسارِعُ لنَقضِ ما أبرَمَ، وهَدمِ ما عمَرَ، فذلك الإفلاسُ.

 

 

 

مكة المكرمة:

ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "أشواق الصائمين إلى الجنة"، والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان المُبارك وما فيه من النَّفَحات والبرَكات، مُذكِّرًا بما أعدَّه الله للصائِمِين وغيرِهم من الجنَّاتِ وسابِغِ الرَّحَمات، كما حثَّ على اغتِنام هذه الأوقاتِ بشتَّى الطاعاتِ.

 

واستهل الشيخ بالوصية بتقوى الله -تعالى- فقال: أما بعد: فاتَّقُوا الله - عباد الله -؛ فإنَّ تقوَاهُ أفضلُ ذُخرٍ وأحسَنُ زادٍ للمعاشِ والمعادِ.

 

وأضاف الشيخ: ها هو شهرُ رمضان المُبارك قد أشرَقَت في اُفقِ الزَّمانِ كواكِبُه، وعادَت بسلامةِ الإيابِ أمجادُهُ ومراكِبُه؛ لينضَحَ أرواحَنا اللَّهفَى بالرَّوح والرَّيحان، والقُربَى والازدِلافِ إلى المولَى الديَّان. فيا لها مِن فرحةٍ غامِرةٍ تعيشُها الأمةُ الإسلاميَّةُ الآن، بالإطلالةِ السنويَّة لهذا الموسِمِ الكريم، والإشراقَةِ النورانيَّة لهذا الشهر العظيم، فهو شهرٌ لا يُشبِهُه شهر، مِن أشرَفِ أوقاتِ الدَّهر، فضائِلُه لا تُحصَى، ومحامِدُه لا تُستقصَى، إنه شهرُ القَبُول والسُّعُود، شهرُ العِتقِ والجُود، هذا إبَّانُ الترقِّي والصُّعُود، شهرٌ أنزلَ الله فيه كتابَه، وفتَحَ فيه للتائِبِين أبوابَه.

 

فيا لله! هذا نسِيمُ القَبُول هَبَّ، وهذا سَيلُ الخَير صَبَّ، وهذا الشيطانُ قد غُلَّ. يقولُ الحسنُ البصريُّ - رحمه الله -: "إن الله جعلَ شهرَ رمضان مِضمارًا لخلقِه يستبِقُون فِيهِ بطاعتِهِ إلى مَرضاتِهِ، فسبَقَ قومٌ ففازُوا، وتخلَّفَ آخرُون فخابُوا، فالعَجَبُ مِن اللَّاعِبِ في اليوم الذي يفُوزُ فيه المُحسِنُون، ويخسَرُ فيه المُبطِلُون".

 

وأكَّد الشيخ: أن النفوسُ التي جُبِلَت على البِرِّ والصلاح، وطُبِعَت على الجَمِيلِ والإصلاحِ، تهفُو إلى الخَير وتُسَرُّ بإدراكِهِ ووقوعِهِ، وتأسَى للشرِّ وتَحزَنُ لرُتُوعِهِ، وتجتَهِدُ في العبادة تأسِّيًا بالنبيِّ المُصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك أن العُقبَى عظيمة، والجائِزةَ جِسِيمة: جنَّةٌ عرضُها السماوات والأرض، جنَّةٌ تحلَّت بأزاهِيرِ الرَّياحِين، وتجلَّت في حُلَلٍ سُندُسِيَّةٍ مِن البَسَاتِين، ذاتُ قَرارٍ ومَعِين، وظِلٍّ ظَلِيلٍ، وماءٍ سَلسَبِيلٍ.

 

وسرد الشيخ بعضًا من أوصاف الجنة فقال: إنها دارُ الكرامةِ والرِّضوان، والسلامة والسلام والأمان، أشرَقَ بهاؤُها، وطابَ فِناؤُها، ودامَ نَعِيمُها، قد تشوَّقَت لطالِبِيها، وتزَيَّنَت لمُريدِيها. فيا عجَبًا! كيف لطالِبِ الجِنانِ أن ينام؟! خاصَّةً في شهر العفوِ والغُفرانِ .. شهر الذِّكر والقُرآن .. وما أعذَبَ الحديثَ عن رَوحِ الجِنان في موسِمِ رمضان.

الله أكبر! هذه أنهارُها، أما بِناؤُها فلَبِنةٌ مِن ذهبٍ، ولَبِنَةٌ مِن فِضَّة، بينهما مِسكٌ أرفَعُ مِن أن يُعدَّ حُسنُ ذاتِهِ وطِيبُ رِيحِه وصِفاتِه، حَصباؤُها اللُّؤلؤُ والياقُوتُ.

 

وبيَّن الشيخ أنَّ في الجنَّة لشجرَةً يسِيرُ الراكِبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطَعُها، كما صحَّ ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، واقرَؤُوا إن شِئتُم: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) [الواقعة: 30]، وقال - سبحانه -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) [المرسلات: 41، 42]، مجالِسُهم في الجنَّة على سُررٍ موضُونة، أي: منسُوجةٍ مِن الذَّهبِ والياقُوتِ والجَواهِر.

 

وأوضح فضيلته أن أعظمَ نعيمٍ لأهلِ الجنَّة رُؤيةُ ربِّ العالَمين - جلَّ جلالُه -، روى مُسلمٌ في "صحيحه" من حديث صُهيبٍ - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخَلَ أهلُ الجنَّة الجنَّةَ يقولُ الله - تبارك وتعالى -: تُرِيدُون شيئًا أزِيدُكم؟ فيقُولُون: ألم تُبيِّض وُجوهَنا؟! ألم تُدخِلنا الجنَّة وتُنجِينَا مِن النار؟!»، قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَرَونَ ربَّ العزَّة - سبحانه -، فما أُعطُوا شيئًا أحبَّ إليهم مِن النَّظر إلى ربِّهم - عزَّ وجل -». الله أكبر! الله أكبر! اللهم متِّعنا بلذَّةِ النَّظر إلى وجهِك الكريم، والشَّوقِ إلى لِقائِك في غيرِ ضرَّاء مُضِرَّة، ولا فِتنةٍ مُضِلَّة.

 

وقال حفظه الله: إنَّ مواسِمَ الخيراتِ قد حلَّت، وأبوابَ الفضلِ قد هلَّت، وأبوابُ الجِنانِ على مِصراعَيها فُتِحَت. فرمضانُ نعيمٌ ثَرَّارٌ للمُتنافِسِين، ومنهَلٌ بالتُّقَى عَذبٌ للمُتسابِقِين، وها هو قد أمتَعَنا بظِلالِه، وأندَى قُلوبَنا ببِلالِهِ. وجدِيرٌ بنا في شهرِنا الذي اكتنَزَ ليلةً هي خَيرٌ مِن ألفِ شهر أن نُحدِّدَ الأهدافَ والدُّرُوبَ، ونُوحِّدَ الصُّفُوفَ والقُلُوبَ، وأن يُحرَّكَ مِن الأمةِ الهِمَمُ والعزائِمُ التي ترُومُ العِزَّة وتأبَى الهزائِم، فتأتَلِفَ على حلِّ قضاياها العالميَّة، وفي الذُّؤابَةِ مِنها قضيَّةُ القُدسِ الأبِيَّة.

 

وختم الشيخ خطبته بالحث على الإكثار من الدعاء في شهر رمضان فقال: وفي هذا الشهر العظيمِ يُندَبُ اللَّهَجُ بالدَّعواتِ الطيِّباتِ، فارفَعُوا أكُفَّ الضَّراعَةِ لكُم ولأهلِيكُم وأمَّتِكم، وألِحُّوا على البارِي - سبحانه - بالدُّعاء في حِفظِ بلاد الحرمَين الشريفَين، واستِقرارِها وأمنِها، وسلامةِ عُمَّارِها وزُوَّارِها، وتوفيقِ وُلاةِ أمرِها ورِجالِ أمنِها، والمُرابِطِين على ثُغُورِها وحُدودِها، وإحلالِ الأمنِ والسِّلمِ الدولِيَّين في تعزيزٍ لمنهَجِ الوسطيَّة والتسامُحِ والاعتِدال، وبُعدٍ عن الإرهابِ والطائفيَّة والانحِلال. وارفَعُوا إليه الشَّكوَى والنِّدا أن ينصُرَ إخوانَكم المُستضعَفِين والمُشرَّدِين، والمنكُوبِين والمأسُورِين، والمُضطهَدِين في كلِّ مكانٍ، وأن يُفرِّجَ كُروبَهم وهُمُومَهم، ويكشِفَ شدائِدَهم وغُمُومَهم.

 

 

المدينة المنورة:

ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "رمضان والحفاظُ على الحسنات"، والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان وما ينبغي للمُسلم فيه من اغتِنامِه بالطاعات والعبادات، كما يجِبُ عليه أن يحفَظَ حسناتِهِ مِن الضَّياع والخَسار؛ وذلك بأن يحفَظَ حُقوقَ المُسلمين ولا يُضيِّعها ولا يَهتِكها أو يعتَدِي عليها.

 

واستهل فضيلته خطبته بنصح المصلين بتقوى الله قائلاً: اتَّقُوا اللهَ سِرًّا وجَهرًا؛ تغنَمُوا وتسعَدُوا دُنيًا وأُخرى.

 

وأضاف الشيخ: إن أرفعَ المطالِبِ وأجلَّ المآرِبِ: مُسارَعةُ العبدِ إلى الخيرات، واغتِنامُ المواسِمِ باكتِسابِ الحسنات، وفي رمضان فُرصةٌ للتزوُّد مِن الصالِحات والتقرُّب بسائِرِ الطاعاتِ؛ وإن المُوفَّق السَّديدَ في هذه الحياةِ هو مَن يحفَظُ جوارِحَه عن المنهِيَّات، ويَصُونُ حسناتِه عن المُكدِّرات، وإن مِن الخسارةِ والبَوارِ أن يسعَى المُسلمُ ويجتَهِدُ إلى نَيلِ الحسناتِ، ثم يُسارِعُ لنَقضِ ما أبرَمَ، وهَدمِ ما عمَرَ، فذلك الإفلاسُ.

 

وبيَّن الشيخ أن الإفلاسَ الحقيقيَّ أن يُسدِيَ أحدٌ حسناتِه لغَيرِه، وذلك يكونُ بالتهاوُنِ بحُقوقِ المخلُوقِين، وظُلمِهم بشتَّى أنواعِ الظُّلم، وأذِيَّتهم بسائِرِ أصنافِ الأذَى، والاعتِداءِ عليهم بأنواعِ الاعتِداءِ مما حرَّمَه ربُّ العالمين، وحذَّر مِنه أفضلُ المُرسَلين - عليه أفضلُ الصلاة وأزكَى التسليم -. قال -صلى الله عليه وسلم- لصحابتِه في مُحاورَةٍ معهم: «أتدرُونَ مَن المُفلِسُ؟»، قالوا: المُفلِسُ فِينا مَن لا درهَمَ له ولا متاع، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ المُفلِس مِن أمَّتِي مَن يأتِي يومَ القِيامة بصلاةٍ وصِيامٍ وزكاةٍ، ويأتِي وقد شتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضرَبَ هذا، فيُعطَى هذا مِن حسناتِه، وهذا مِن حسناتِه، فإن فَنِيَت حسناتُه قبل أن يقضِي ما عليه أُخِذَ مِن خطاياهم فطُرِحَت عليه ثم طُرِحَ في النَّار» (رواه مسلم).

 

وتابع فضيلته: النَّجاةُ في هذه الدنيا في حفظِ الجوارِحِ عما حرَّم الله، والسَّعادةُ في لُزومِ الطاعاتِ وحِفظِها مما يُؤثِّرُ على آثارِها الحسنة. قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن كانت عنده لأخِيهِ مَظلَمةٌ مِن عِرضٍ أو مالٍ، فليتَحَلَّله مِنها قبل أن يأتِيَ يومٌ ليس هناك دِينارٌ ولا دِرهَم، تُؤخَذ مِن حسناتِه، فإن لم يكُن أُخِذ مِن سيِّئاتِ صاحِبه فزِيدَ على سيِّئاتِه» (رواه البخاري).

قال ابنُ هُبَيرة: "القِصاصُ يأتِي على جميعِ الحسنات حتى لا يُبقِي مِنها شيئًا".

 

لقد حذَّرَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِن مهاوِي الرَّدَى التي يُريدُها لنا الشيطانُ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «لتُؤدُّنَ الحُقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامة، حتى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحَاءِ مِن الشَّاةِ القَرناء» (رواه مسلم). والمعنى: أن الله يقتَصُّ للمظلُومِ مِن الظَّالِم بما أوضحَتْه الأحاديثُ السَّابِقةُ.

 

وأكد الشيخ أن الصائِمَ وهو في موسِمٍ تكثُرُ فيه طاعاتُ المُؤمنين، يجِبُ عليه أن يتذكَّرَ أن حقيقةَ الصِّيام هي التربِيةُ على التقوَى سِرًّا وجَهرًا، ظاهِرًا وباطِنًا، وفي التوجيهاتِ النبويَّةِ الخالِدة أعظَمُ زاجِرٍ وأوعَظُ واعِظٍ عن الوُقوعِ فيما تكونُ عاقِبَتُه على المُسلم وبَالًا وخَسارًا. فاحفَظ حسناتِك - أيها المُسلم -، وكُن على صِيانةٍ لسِياجِ قُرباتِك، حرِيصًا أشدَّ الحِرصِ وآكَده؛ فتلك حسناتٌ تُعطَى لغيرِك، وذلك مِن الغَبنِ والخَسار.

 

وختم الشيخ خطبته بتوجيه نداء وتحذير إلى الكتاب والإعلاميين بألا يفسدوا شهر رمضان على المسلمين فقال: مِن منبَرِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، نُوجِّهُ النداءَ إلى وسائلِ الإعلام وإلى الكُتَّاب والمُتحدِّثِين في الإعلام أن يتَّقُوا اللهَ - جلَّ وعلا - في المُسلمين، أن يتَّقُوا اللهَ - جلَّ وعلا - في دينِ الإسلام، أن يتَّقُوا اللهَ في أجيَالِ المُسلمين.

 

إن عليهم أن يحذَرُوا في هذه الدنيا الفانِية أن ينشُرُوا ما يُخالِفُوا الدينَ وفضائِلَه، أو فيما يطعَنُ في ثوابتِه، أو يُؤدِّي إلى الوُقوعِ في حَمئَةِ الرَّذائِلِ والقبائِحِ؛ فإن ذلك مِن أشدِّ المُنكرَات وأقبَح الأفعال. فما الفائِدةُ المرجُوَّة إلا مصالِحَ مزعُومة في أن يتوجَّهَ الإعلام مِن بعضِ المُسلمين فيما يُخالِفُ كلامَ اللهِ - جلَّ وعلا -، وسُنَّة رسولِه -صلى الله عليه وسلم-، ويُوقِعُ النَّاسَ في القبائِحِ والمُنكَرَات - والعياذُ بالله -. ورحِمَ الله الشاطبِيَّ إذ يقولُ قولَه المَتِين: "طُوبَى لمَن ماتَ وماتَت معه ذُنوبُه، والوَيلُ لمَن يمُوتُ وتبقَى ذُنوبُه مائةَ سنةٍ، أو مائتَي سنةٍ، يُعذَّبُ بها في قَبرِه، ويُسألُ عنها إلى انقِراضِها" أي: أعماله السيِّئة.

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات