طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > المكتبة الخطابية > الفصل الرابع: استراتيجيات الإقناع ونشر الدعوة في العصر الحديث
الفصل الرابع: استراتيجيات الإقناع ونشر الدعوة في العصر الحديث
64

الفصل الرابع: استراتيجيات الإقناع ونشر الدعوة في العصر الحديث

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

المقتطف

نشر الدعوة الإسلامية واجب على كل مسلم بالقدر الذي يطيقه، وفي حدود العلم الذي تعلمه، غير أننا يجب أن نعلم أن الدعوة الإسلامية ليست مجرد كلمات تردد، أو خطب تلهب حماس الناس، ولا فلسفة تخاطب العقول فقط، ولكنها دعوة عملية تبعث في اتباعها الحس والحركة، وتؤمن على الناس ما تتطلع إليه نفوسهم وتتشوق إليه عقولهم […]


نشر الدعوة الإسلامية واجب على كل مسلم بالقدر الذي يطيقه، وفي حدود العلم الذي تعلمه، غير أننا يجب أن نعلم أن الدعوة الإسلامية ليست مجرد كلمات تردد، أو خطب تلهب حماس الناس، ولا فلسفة تخاطب العقول فقط، ولكنها دعوة عملية تبعث في اتباعها الحس والحركة، وتؤمن على الناس ما تتطلع إليه نفوسهم وتتشوق إليه عقولهم وقلوبهم من راحة وطمأنينة في النفس وخير ورشاد في واقع الحياة(1) .. ولنا أن نعلم أن عالم اليوم مهيأ لهذه الدعوة، فقد اشتكى كثير من المصلحين وعدد من قادة الدول في الغرب من تدهور القيم الأخلاقية والدينية في العالم، خاصةً الغربي منه، نتيجةً لسيادة الفكر العلماني ونبذ قيم الإيمان والدين والبعد الغيبي للحياة، ومن هؤلاء ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلس الذي قال أمام مركز الدراسات الإسلامية في أكسفورد ببريطانيا:
"لقد أصبحت الحضارة الغربية مولعة بالكسب واستغلاله على نحو متزايد بما يتنافى مع مسؤولياتنا البيئية.. إن هذا الشعور الهام بالوجدانية والوصاية على الطابع القدسي والروحي للعالم من حولنا شيء مهم يمكن أن نتعلمه من جديد من الإسلام.. إنني على ثقة بأن بعض الناس ستسارع في اتهامي، كما يفعل عادةً بأنني أعيش في الماضي وأنني أرفض التأقلم مع واقع الحياة العصرية، إن الأمر على عكس ذلك، فما أدعو إليه هو فهم أوسع وأعمق ومتأنٍ أكثر لعالمنا، إنني أدعو إلى إيجاد بعد غيبي، بالإضافة إلى البعد المادي، لحياتنا، بغية استعادة التوازن الذي تخلينا عنه، والذي أعتقد أن غيابه سيثبت أنه مدمر في الأمد الطويل"(2).

وفي السياق ذاته، تحدث الأمير تشارلس في هيئة الإذاعة البريطانية، في شهر مايو 1997م، مؤكداً أن الحضارة الغربية فقدت إيمانها بالله، وذكر أنه استنتج ذلك من الحرج الذي يلاقيه كلما تحدث عن الدين في المجتمعات البريطانية المستنيرة، وأنه كان يحتاج إلى استجماع شجاعته الأدبية في كل مرة يريد الحديث فيها عن الدين، ثم قال: إن عقوداً من اتباع النهج العلماني في الحياة عاد بعواقب وخيمة على الغرب، وإن الأمراض والأوبئة، ومنها مرض جنون البقر في بريطانيا، ما هي إلا نتيجة للحياة المادية البحتة، التي يعيشها الناس في الغرب، ودعا إلى الاستفادة من منهج الإسلام في تحصيل العلم والمعرفة، وذلك بالعقل والقلب جميعاً، ودعا كذلك إلى إفساح المجال لعلماء الإسلام للتدريس في الجامعات الغربية والبريطانية، كما دعا إلى فهم أفضل للإسلام الذي ينظر نظرة شاملة إلى الإنسان وإلى الكون، أساسها التوحيد بالله، الذي له الوصاية على الكون، ولو حدث هذا لعرف الإنسان الغربي البعد الغيبي والروحي للحياة (3).
ومعلوم أن الضلال الذي يعيشه العالم الغربي نابع في الأساس من تحريف اليهود والنصارى لكلمة التوحيد الخالصة (لا إله إلا الله) والزعم أن:
– المخلوق والخالق شيء واحد وشخص واحد.
– وأن الوالد والمولود شيء واحد وشخص واحد.
– وأن الأب إله، والابن إله (فمن هو الأعلى؟).
– وأن عزيراً إله، وأن الله عز وجل إله (فمن هو الأول ومن الآخر؟).
– وأن لله ولداً (فكيف يكون له ولد ولم يتخذ صاحبة، أي زوجة؟).
ورغم هذا الانحراف في عقيدة الغرب الفاسدة، يدعو "فرانسيس فاكوياما" إلى تعميمها على كل العالم، بالترغيب والترهيب، ويتخذ من السلوك الأمريكي نموذجاً خاتماً يعتبره نهاية الرقي الإنساني ونهاية الثقافة والحضارة(4).
وجدير بالملاحظة أن أفكار "فرانسيس فاكوياما" قوبلت بالنقد حتى عند الغربيين.. ففي كتابه "صدام الحضارات" يقدم "صمويل هانتنغتون" مجموعة من الانتقادات لأطروحات "فاكوياما"، منها:
أن الحضارة الغربية رائعة وفريدة ولكنها ليست عالمية؛ وأن المستقبل سوف يشهد أفول الحضارة الغربية وقيام تحالف بين الحضارتين الإسلامية والصينية؛ وأن الإسلام سوف يقوى على حساب الغرب إذا امتلك الحداثة والتقانة ولم يتغرب.. ورغم هذا الموقف من "صمويل هانتنغتون" إلا أنه يعود ويحذر من تمكين الإسلام من امتلاك التقانة الغربية لأنه سوف يقوى مادياً ويظل مع ذلك متمسكاً بالتعاليم الإسلامية، وهذا خطر على الغرب  (5) وصدق الله العظيم القائل: (نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) (الحشر:19)، (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67)، وكيف تسنى لهم ذلك وهم في غمرتهم يعمهون وفي شهواتهم سادرون، ومعظم أهل الغرب اليوم يعيشون مشكلة في الصحة النفسية، وهي مشكلة أكبر وأعقد، لأنها تحتاج إلى معرفة قوى النفس وملكاتها ونوازعها، وهذه متعددة ومختلفة على حد التضارب في هذا الإنسان الذي تكاملت في طبيعته كل التراكيب.
وقد اجتهد الحكماء القدماء من مختلف الأمم، كما اجتهد أهل الفلسفة العلمية على المستوى الفردي والاجتماعي، وكذلك اجتهد علماء النفس المحدثون، في إرشاد الإنسان إلى الراحة من آلامه النفسية، وتنوعت آراؤهم بحسب ظروف حياة الأمم ونوع حضارتها، فمنهم من حاول معالجته من داخل ذاته، ومنهم من التمس العلاج من خارجها، وكلهم يحاول تجنب المعاناة والشقاء، رغم اختلافهم في السبل والوسائل!
غير أنه في عصور انحلال الحضارة وسيطرة الترف مع أزمات في الفكر والحياة، يظهر من يدعو إلى لذات الجسد ولا يرى غيرها، ومنهم – كما حكى ابن مسكويه في كتابه (تهذيب الأخلاق)- من دعا إلى استعمال الفكر في تنظيم اللذات، فيجعل أشرف ما في الإنسان خادماً لأحط ما فيه.
كل هذه الآراء تهدف إلى توفير الراحة النفسية، ومنها ما لا ضرورة له، ومنها ما قد يكون مقبولاً من الناحية العملية بقدر ما تسمح طبيعة الحياة، لكنها دعوات ليس معها إلزام ولاجزاء من جهة، ولا تحل مشكلة الإنسان من جهة أخرى، ولك أن تشاهد حياة الإنسان الغربي اليوم، فهي لا تجيب عن سؤال لا مفر منه للمفكر الجاد في أثناء معاناته للحياة أن يطرحه وهو: ما معنى حياة الإنسان ووجوده في الأرض، بكل ملكاته الرفيعة، واستعداداته للهبوط إلى مستوى الحيوان؟ وما هو قانون حياته، وما هو مصيره بعدها؟
وتبقى الإجابة الصحيحة عن هذه التساؤلات في النظرة الدينية الإسلامية.. فهي وحدها التي تشمل معنى الوجود، بمعناه المطلق، وتقدم تصوراً متكاملاً للأشياء.. فالإيمان يقوم على المعرفة والتصديق الجازم، العقلي والنفسي، بوجود صانع لهذا العالم، تام القدرة والحكمة والعناية والرحمة، فالإيمان في الإسلام بالذات ليس نوعاً من الإعلام الخبري بوجود الله وسائر أصول العقيدة، ولا هو مأخوذ من تراث الآباء، بل هو مبني على التفكير في تلك الأصول، وجعلها مسائل للبحث والدليل والبرهان، باستعمال العقل، وخصوصاً التفكير في هذا العالم وفي الإنسان ومكانه فيه، واتخاذ ذلك نقطة البداية للاستدلال(6) قال تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاواتِ وَالأْرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) (يونس:101)، وقال تعالى: (وَفِي الأْرْضِ آيَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الذاريات:20-21)، وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاواتِ وَالأْرْضِ لآيَاتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية:3-4) وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاواتِ وَالأْرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْء) (الأعراف:185).
القرآن الكريم له منهج رشيد في خطاب المدعوين، فالله عز وجل هو خالقهم، وهو أعلم بهم من أنفسهم، فخاطب كل صنف منهم بما يناسبه من التأثير والانفعال النفسي وإثارة الوجدان وتحريك العواطف حتى ينتج عن ذلك الاستجابة لما يُدْعَوْن إليه؛ لذا يجب أن يتبع الدعاة في نشر الدعوة كل أسلوب يوصلها قلوب الناس، ويحقق الغاية المطلوبة منها، وعليهم أن يطوروا هذه الأساليب حتى لا تتعارض مع دعوتهم ولا تصطدم بقواعد الدين، قال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125)، فالحكمة في الآية هي الحجج القاطعة الصحيحة، كما ذكر الشوكاني في فتح القدير، أو هي الأدلة اليقينية الموضحة للحق، المزيحة للشبهة، كما صرح بذلك البيضاوي في تفسيره.. وهذا يمثل أساس الإقناع في الخطاب الدعوي.
إن الأمر الذي ينبغي أن يعيه القائمون على أمر الدعوة لله عز وجل، أن للعمل الإسلامي المعاصر وظيفتين(7):
1- وظيفة البناء الإيماني والعقدي وإحياء ما أماته الناس من شرائع الإسلام…. وهو في هذا يدور في فلك المنهجية العلمية، يدعو إلى أصول هذا المنهج، وينشّئ رجاله على أساسه.. وقاعدته في هذا الإطار هم الملتزمون بهذا المنهج.
2- وظيفة الدفاع عن الإسلام في مواجهة الكفر المطبق في هذه الأيام، وهو في هذا حركة جهادية عامة، تدور في فلك المذهبية الإسلامية، بالمعنى العام.. وتتضمن هذه الوظيفة – فيما أرى – معنى أن يعمل الدعاة على نشر الإسلام في العالم كافة، وتبصير أهل العقائد الفاسدة، فضلاً عن الدفاع عن الشبهات والهجوم الذي يشن على الإسلام، وهذا أمر يستدعي استخدام الاستراتيجيات الثلاث للإقناع، مما يتطلب من الداعية عدَّة فكرية، بجوار العدّة الروحية والأخلاقية، فالدعوة عطاء وإنفاق.. ومن لم يكن عنده علم ولا ثقافة كيف يعطي غيره؟
لقد تبين لكثير من الباحثين في هذا المجال أن الداعية بحاجة إلى مجموعة من الثقافات، من أهمها(8):
أ- الثقافة الإسلامية.
ب- الثقافة التاريخية .
ج- الثقافة الأدبية واللغوية.
د- الثقافة الإنسانية.
ه- الثقافة العلمية.
و- الثقافة الواقعية.
وامتلاك الفرد لهذه الثقافات هو – فيما نرى- الذي يجعله يعمل على صياغة طابعه الدعوي بطريقة تقنع الآخرين بطرحه.. فمعرفة وفهم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والفقه، يمثل جوهر الثقافة الإسلامية؛ أما التاريخ فهو الذاكرة البشرية، وسجل أحداثها، وديوان عبرها، والشاهد العدل لها أو عليها، ويهمنا في ذلك تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية خاصة، وتاريخ الإنسانية عامة، وهذا يمثل أساس الثقافة التاريخية.
وإذا كانت الثقافة الدينية لازمة للداعية بالدرجة الأولى، فإن الثقافة الأدبية واللغوية لازمة كذلك، ولكن الأولى تلزمه لزوم المقاصد والغايات، والثانية تلزمه لزوم الوسائل والأدوات، فاللغة بمفرداتها ونحوها وصرفها لازمة لسلامة اللسان وصحة الأداء، فضلاً عن حسن أثرها في السامع، بل صحة الفهم أيضاً، فالأخطاء اللغوية إن لم تحرف المعنى وتشوه المداد، يمجها الطبع وينفر منها السمع.
أما الثقافة الإنسانية، فتعني مدى إلمام الداعية إلماماً مناسباً بأصول ما يعرف الآن باسم (العلوم الإنسانية) مثل علوم: النفس، والاجتماع، والاقتصاد، والفلسفة، والأخلاق.
والثقافة الخامسة المطلوب توفرها عند الداعية هي الثقافة العلمية، والعلم هنا بمفهومه الاصطلاحي الحديث كما شاع عند الغربيين، فهو ما قام على الملاحظة والتجربة وخضع للقياس والاختبار مثل علوم الفيزياء والكيمياء …إلخ، ولا يقصد هنا أن يتعمق الداعية في دراسة هذه العلوم، وإنما عليه أن يطالع بعض الكتب الميسر فهمها، فهي مهمة لفهم الحياة المعاصرة، كما أن هذه العلوم يتخذها بعضهم للتشكيك في الدين.
ومن أهم ما يلزم الداعية: الثقافة الواقعية المستمدة من واقع الحياة الحاضرة وما يدور به الفلك في دنيا الناس الآن، داخل العالم الإسلامي وخارجه.
والملاحظ أن هذه الثقافات، والتسلح بها، تعطي الداعية معرفة متكاملة باستخدام استراتيجيات الإقناع، سواء كان ذلك في المجال النفسي، أو الثقافي الاجتماعي، أو إنشاء المعاني، ومن هناك يمكن القول: إن أساسيات الخطاب الدعوي واضحة، وسمات الداعية أوضح.. ويبقى لنا الحديث عن وسائل الدعوة، ونخص منها هنا وسائل الاتصال الجماهيري، فهي الأمضى سلاحاً والأقوى أثراً في عالم اليوم.
فقد استخدم أعداء الإسلام هذه الوسائل لضرب الأمة الإسلامية في عقر دارها، ولا ينكر أحد الآثار السلبية لمحطات التلفزة والإذاعات الدولية المتمثلة في جوانب الهيمنة الاتصالية، والاستلاب الثقافي، والغزو الفكري، والاستخدام في إطار الصراع وتأجيج نيران الفتن داخل الدول الإسلامية؛ وهذه الآثار السلبية أثرت في منظومة القيم، لأنها سمحت فقط بانتشار قيم معينة تؤثر على العالم بطريقة واحدة، وأحدثت تغييرات اجتماعية عميقة يمكن ملاحظتها في أنماط السلوك السائدة في بلدان العالم الإسلامي، التي تمتلك فضائيات لم تكتمل رسالتها، لا من حيث التأثير ولا من حيث الانتشار، فهي ضعيفة المحتوى والشكل؛ والأشد خطراً هو أن هذه القنوات تفرد حيزاً كبيراً في خريطتها البرامجيه للمنتجات الإعلامية الغربية، وبذا يكون الجمهور عرضة لتأثيرين كليهما آت من الغرب، أحدهما تقوم به الوسائل الغربية والآخر تقوم به وسائلنا، وهذه قمة التبعية.
إن الصحوة الإسلامية لا تصنعها التمنيات وإنما ينهض بها فرسان الثقافة الإسلامية وأصحاب الضمائر الحية والرؤية البعيدة، وأصحاب العزائم والإرادات الذين يعملون وينتجون للفكر الإسلامي الرفيع المبتعدين عن التقليد الأعمى أو الوقوع في شباك التبعية، بالأرض والفضاء، ورحم الله تعالى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين عملوا على نشر الدعوة في أرجاء العالم كافة رغم مشقة الأسفار وحواجز اللغة وبدائية الوسائل، منطلقين في كل ذلك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً "(9)، وقوله صلى الله عليه وسلم: " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ"(10).
وبما أننا نتحدث عن وسائل نشر الدعوة، لماذا لا تكون للأمة الإسلامية قناة تلفزيونية فضائية دولية تبث برامجها بعدد من اللغات إلى أنحاء العالم كافة، يرتكز خطابها الإعلامي على الحجة والإقناع المستمد من القرآن الكريم ونهجه والسنة النبوية المطهرة وفيضها؟
على أن تقوم هذه القناة بإدارة حوار هادف خاصة مع الغرب، الذي يُعتبر الحوار معه له دواع ومبررات، منها:
– أنه ضرورة شرعية لتبليغ الرسالة .. وحمل أمانة الدعوة، فالأصل هو التفاعل التبليغي وعدم جواز السكون .. قال تعالى: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104).
– وأنه عملية ضرورية يفرضها الواقع العالمي القائم على الاتصال والتفاعل والاعتماد المشترك بين الأمم والشعوب والجماعات، قال تعالى: (يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).
– وأنه ضرورة لبناء مستقبل الأمة، ذلك أن فهم مقاصد الدين وتجسيد روح التدين الحقيقي يدعو الأمة الإسلامية إلى الانفتاح على قواعد تأخذ في الحسبان خلاصة التجارب الإنسانية والسعي لتأصيلها.. قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).
ويتناول هذا الحوار العلاقة النظرية والعلاقات الدولية، إضافة إلى العلاقة الواقعية بصورها المختلفة ومراحلها ونماذجها عبر عدة محاور، أولها الخطاب الثقافي الحضاري، ثم الخطاب السياسي، فالخطاب الاقتصادي فالخطاب الاجتماعي وأخيراً الخطاب الفني الرياضي(11).
أما الجانب الآخر الذي ينبغي أن تقوم به هذه القناة، فهو تحديد هوية الأمة الحضارية وفقاً للنموذج الإسلامي.. وحتى تقوم القناة بذلك، ينبغي الوفاء بثلاثة متطلبات هي:-
أولاً: ينبغي أن تكون النخبة السياسية والاقتصادية في الأمة بصفة عامة مؤيدة لهذا التحرك ومتحمسة له.
ثانياً: ينبغي أن يكون الرأي العام مستعداً للإذعان لإعادة التجديد، وأرى أن الأمة الإسلامية الآن على أتم الاستعداد لذلك.
ثالثاً: ينبغي أن تكون الجماعات المسيطرة في الحضارة المتلقية راغبة في تبني التحول، وهذا الطلب يتم عبر الحوار مع الغرب الذي أشرنا إليه، ولعل الأجواء مواتية خاصة ضمن مصطلح "العولمة" التي يظنها بعضنا ريحاً عاتية تندفع مرة واحدة لتكتسح كل ما يقف بوجهها ثم ينبت بعدها زرع جديد وعالم جديد مختلف كلياً عما سبق، وبالطبع هذا غير ممكن، فقد يكون فيزيائياً وعلى الطبيعة ممكناً، ولكن على المستوى الإنساني مستحيل.
إن التحولات الاجتماعية والثقافية تأخذ فترات طويلة، وتتم على مراحل متعددة، وتأخذ أحياناً شكلاً حلزونياً وليس اتجاهاً مستقيماً إلى الأمام، وهكذا بالنسبة "للعولمة" فالتغيير فيها يتم على مراحل، مما يوجد نوعاً من التداخل الواضح في عالم الاقتصاد والسياسة والثقافة، ودون أن يأخذ بعين الاعتبار الانتماء لدولة ما أو الحدود الفاصلة بين الدول، وهنا لا غرابة أن تتراءى القضية وكأنها محاولة أمريكية لصياغة العالم بما يتلاءم معها سياسة وتوجهات… فلماذا لا يكون للأمة الإسلامية دور بارز في هذه العملية؟
وإذا أردنا أن ننظر في مراحل هذه العملية الهائلة لوجدنا أن الإعلام يدخل في كل مرحلة من مراحلها، فهو المبشر لها والمروج لأفكارها، وهو الذي يقوم بدور النازع للأفكار السابقة وزرع الأفكار الجديدة، أي باختصار شديد هو الحامل لمضامين "العولمة" وهي تنتقل من خطوة إلى أخرى، إلا إن وسائل الإعلام العالمية مسيرة من قطب واحد لا تستطيع أن تخرج من نطاقه، وليس لها خيار للتخلص من أسره، فلماذا لا تكون الأمة الإسلامية مبادرة حتى تصبح القطب الثاني الذي يواجه القطب الأول، ولماذا ينتظر العالم الإسلامي حتى يترك القطب الأول فرصة زرع الأفكار الجديدة في أوساط شعوبه؟
لماذا لا نزرع أفكار الإسلام وقيمه ومثله وأخلاقياته في أوساط الشعوب الأخرى؟
غير أننا مازلنا ننتظر، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المد الإعلامي المتصل من الغرب تجاه الديار الإسلامية، فشبكة التلفزيون الأمريكية (CNN) على سبيل المثال، نظام أمريكي متكامل نصّب نفسه قيِّماً على صياغة الأحداث في العالم، فلا يستطيع جهاز إعلامي في أية دولة أو ليس في مقدور متتبع للقضايا العالمية أن يتحرك دون ترتيب (CNN) للأحداث، من الصومال إلى بورندي إلى البلقان مروراً بالشيشان وأفغانستان، والمؤسف أن قنواتنا، في الأمة العربية والإسلامية، تقع في ذات الشراك، فتعمق بذلك تبعيتها.
إن التحدي الثقافي لعملية "العولمة" هو المواجهة المتصلة من الآن فصاعداً لنماذج حضارية اجتماعية ثقافية بعينها، تلك النماذج الحضارية ذات التجربة التاريخية، التي أسهمت في بناء العالم، وأول هذه النماذج ذات الجذور الحضارية النموذج الإسلامي، وذلك ليس باعتبار أن النموذج الإسلامي تأسس على الدين وحسب وإنما لأن النموذج الحضاري الإسلامي هو نموذج داع.. فالحضارة الإسلامية داعية إلى إعمار الإنسان والعالم، فاختصاص حضارة الإسلام بالرسالة الخاتمة يستوجب أول ما يستوجب حضور المسلمين لله في هذا العالم.
هذا الحضور هو تجربة قد تفتقر إليها كثير من المجتمعات البشرية التي قد تحقق مرحلة الوجود، فأنماط القيم والأفكار والسلوكيات متساندة مع المخترعات والأدوات والمؤسسات والقنوات، وأنماط التعبير الإبداعي تعني أن مجتمعاً ما قد حقق قدراً من العمران لعمارة الأرض وبناء نموذج بشري متصرف فيها؛ فالصين اليوم قد تنزعج من مقومات "العولمة" وتباشيرها بوصف أن الصين أمة حضارة قديمة، لكن ما أن يتحقق للصين الدخول في مركز "العولمة" الاقتصادية حتى تترك هذا الانزعاج.
والفارق أن الحضارة الإسلامية بوصفها حضارة ذات تكليف إلهي فهي داعية إلى نموذج إنساني ثقافي، نموذج للاقتداء به، نمط من العلاقات بين البشر وخالقهم ومع الكون، ومن هذا يتجدد هذا التكليف في إنجاز "إنسان معيار" قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآْصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأْبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور:36-38)، في حين أن الحضارة الغربية لا تحدد "إنساناً معياراً" بل نجد أن موقع إنجازاتها التطبيقية المتلاحقة في سرعة مذهلة لا يتعدى الإنسان العادي في غمرة فرديته البسيطة وإلحاحه المستمر لإشباع حاجاته الغريزية المادية، وتوفير وسائل تسليته، والترويح عنه، وصولاً إلى حد كف نظره عن قضايا وجوده، غاية ومصيراً.
من كل ما تقدم، لابد لنا من المشاركة في عولمة العالم؛ لابد من إحياء واسترجاع دورنا الحضاري الذي انقطع منذ قرون، والأمة الإسلامية مكلفة تكليفاً لا نكوص عنه.. وهذه المسؤولية الحضارية المستعادة، لا تتحقق إلا من خلال فهمنا لجوهر حضارتنا ومسؤولية هذه الحضارة تجاه البشرية جمعاء(12).
ونرى أن القناة الفضائية الإسلامية، متعددة اللغات، يمكن أن تقوم بدور فاعل في هذا الجانب إذا ما خلصت النوايا وتكاتفت الجهود، مع ملاحظة أن الإعلام الدعوي متميز بأهدافه ومتطلباته وشرائعه والقوانين التي تحكم عمله، إنه ليس مجرد برامج دينية تنشر في خارطة البرامج، ولكنه جهود مخططة تستهدف الإبلاغ بالحقيقة وتنقية الرسالة الإعلامية من كل الشوائب والملوثات لتكون ذا منبت حسن وأهداف نبيلة؛ إنه إعلام الكلمة الطيبة الذي يسهم في بناء الإنسان وفق النهج الإسلامي ويخلصه من العبودية لغير الله في البرامج والمعالجات كافة، بدءاً من فقرات الترفيه وانتهاءً بإعلام الأزمات والشدائد(13)، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33) على أن يتم كل ذلك وفقاً للاستراتيجيات الثلاث للإقناع.
إن الإقناع في أدبيات الاتصال والإعلام، يقوم على بناء الرسالة التي تبث أو تنشر على الجمهور وأسلوب تقديمها، فالرسالة وخصائصها تظل هي المتغير الأساس والحاسم في تحقيق هدف الإقناع، الذي يتم من خلال التخطيط السليم والناجح للرسالة الإعلامية وبناؤها عبر مداخل تستهدف البناء الوجداني والبناء المعرفي.
والقرآن الكريم كرسالة إعلامية إقناعية راعى كل هذه الجوانب، فقد استخدم نفس الحروف والكلمات التي يستخدمها العرب، وفي هذا إشارة إلى ضرورة استخدام الدعاة وأهل الإعلام اللغة السائدة في المجتمع من غير مبالغة أو تكلف حتى تنساب رسائلهم إلى مستقبليهم من غير عنت أو مشقة، فتحقق بذلك أهدافها ومراميها.
ومن "التكتيكات" الإقناعية التي استخدمها القرآن الكريم: جذب الانتباه للمستقبل، والقابلية للتصديق، والتكرار، والتشخيص، والاعتماد على المصادر الموثوقة، والتجاهل المتعمد لبعض المواقف، إضافة إلى الوضوح.. وكلها "تكتيكات" نحن بحاجة لها في عالم اليوم، الذي أخفق فيه المسلمون في طرح وجهات نظرهم وتعريف الآخرين بحضارتهم وتاريخهم، الأمر الذي قاد إلى رسم صورة ذهنية سلبية عنهم، خاصة وسط سكان العالم الغربي.
فالمسلمون الآن بحاجة إلى إحسان التعامل مع وسائل الإعلام، فهناك حاجة ملحة لوجود إسلامي فاعل عبر الوسائل الإعلامية، يقدم المسلمون من خلاله المقالات والكتب والأبحاث والمعارض والندوات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية على مستوى يتفاعل مع عقول وأقلام الفكر الغربي، وبهذا وحده سنكون شهداء على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم شهيداً علينا… وإلا نكون قد ضيعنا الأمانة- قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:78).

 

 

 

 

 

 

 

(1) محمد السيد الوكيل، أسس الدعوة وآداب الدعاة، ط2 (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1986م) ص11.
(2) الأمير تشارلس، الإسلام والغرب (أكسفورد، بريطانيا: 1993م) ص20.
(3) زكريا بشير إمام، مواجهة العولمة، ط1 (الخرطوم: منشورات مركز قاسم للمعلومات وخدمات المكتبات، 2000م) ص175.
(4) فرانسيس فوكاياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، ط1 (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993م) ص35.
(5) صمويل هانتنغتون، صدام الحضارات، ترجمة طلعت الشايب، ص20.
(6) راجع في ذلك الشبكة الدولية للمعلومات، إسلام نت، د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، الصحة البدنية والنفسية في الإسلام، ص3.
(7) صلاح الصاوي، الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر، ط2 (القاهرة: دار الإعلام الدولي، 1994م) ص315.
(8) يوسف القرضاوي، ثقافة الداعية (الكويت: مطبعة الفيصل، منشورات الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، بدون تاريخ نشر) راجع الصفحات 9-193-165-180-190.
(9) أخرجه البخاري.
(10) أخرجه الترمذي، وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(11) حسن الترابي، في كتاب صمويل هانتنغتون، صدام الحضارات، ص65.
(12) أحمد عبد العال، العولمة… ثقافياً، صحيفة الصحافي الدولي، الخرطوم، السنة الثانية، العدد 516، 9 يوليو2001م، ص8.
(13) محي الدين عبد الحليم، إشكاليات العمل الإعلامي بين الثوابت والمعطيات، سلسلة كتاب الأمة رقم 64 (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1998م) ص59.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات