طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > المكتبة الخطابية > المبحث الثالث: ثقافة الخطيب وعلمه
المبحث الثالث: ثقافة الخطيب وعلمه
22

المبحث الثالث: ثقافة الخطيب وعلمه

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

المقتطف

المبحث الثالث: ثقافة الخطيب وعلمه الخطيب داعية، فيلزمه ما يلزم الداعية إلى الله تعالى من العلم والثقافة، ومن المعلوم بالمشاهدة أن الخطيب أو الداعية إلى الله كلما كان أوسع علما، وأشمل ثقافة كان أكثر تأثيرا، وأشد جذبا للسامعين. وثقافة الخطيب عنصر مهم من عناصر نجاحه في مهمته، فالخطيب ذو الثقافة يعرف كيف يطرح موضوعه، وأي […]


المبحث الثالث: ثقافة الخطيب وعلمه

الخطيب داعية، فيلزمه ما يلزم الداعية إلى الله تعالى من العلم والثقافة، ومن المعلوم بالمشاهدة أن الخطيب أو الداعية إلى الله كلما كان أوسع علما، وأشمل ثقافة كان أكثر تأثيرا، وأشد جذبا للسامعين.
وثقافة الخطيب عنصر مهم من عناصر نجاحه في مهمته، فالخطيب ذو الثقافة يعرف كيف يطرح موضوعه، وأي الموضوعات يطرح، وكيف يناقشه، ويعرف من يخاطب من الناس، وكيف يخاطبهم، ويعرف واقعه، وكيف يتعامل مع هذا الواقع، ويصوره للناس أدق تصوير ليبين مدى انسجامه مع الإسلام أو عدم انسجامه، ويجيد الربط بين ماضي أمته وحاضرها، وانطلاقتها إلى مستقبل واعد عزيز.
فعلى الخطيب أن لا يهمل هذا الجانب أو يتهاون فيه، فيكتفي بأن يعمد يوم الجمعة وقبل الخطبة ببضع ساعات إلى كتاب في الوعظ، أو في الحديث، أو إلى تفسير آية فيجمل الكلام في شرح حديث أو تفسير آية، في دقائق معدودة، حتى يصبح ذلك متكررا منه إلى درجة الرتابة المملة، وهيهات أن تكون الطريق إلى القلوب عبر ثقافة ركيكة، أو معلومات ضحلة، أو أسلوب متكرر معاد.
والخطيب الناجح لا يخرج عن كونه أحد الرجلين:
الأول: واع حافظ يقوم بتبليغ ما وعى وما حفظ بأسلوب حكيم، وموعظة حسنة، فينطبق عليه حديث رسول الله بمدحه المشهور: " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " (1) فهو وعاء للعلم حافظ له، ثم مبلغ مؤد له بأمانة.
الثاني: واع فقيه لهذا العلم يقوم بتبليغه ونشره وهو أعظم درجة من الأول، فهو في هذه الحال ليس وعاء للعلم فقط، بل هو يفقه ما يحفظ، ثم يدعو إلى الله تعالى على بصيرة ونور، قال جل وعلا: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (2).
والبصيرة كلمة عامة واسعة تتناول معاني عديدة، ومن معانيها: عقيدة القلب، والفطنة والفراسة، والحجة واليقين والاستبصار في الأمور (3).
قال ابن كثير في تفسير الآية: أي طريقته، ومسلكه، وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها، على بصيرة وبرهان عقلي وشرعي (4). ولذلك فإن أنواعا متعددة من الثقافة التي تلزم الخطيب لإنجاح مهمته، وتحقيق الهدف المقصود منها لا يبعد أن تنضوي تحت مفهوم البصيرة، ومن هذه الثقافات اللازمة للخطيب:
الثقافة اللغوية
وأدنى الكمال فيها أن يكون كلام الخطيب سليما من الخطأ، صحيحا فصيحا، فلا يقبل من الخطيب أن يرفع المفعول به، وينصب الفاعل، ويقدم ما حقه التأخير، أو يؤخر ما حقه التقديم في خطبته، فإن اللغة وعاء الفكرة، فإذا كانت لغة الخطيب ركيكة، وأسلوبه غير صحيح ولا فصيح فربما لا يلتفت إلى فكرته، ولو كانت في غاية الأهمية، وقد غلب على كثير من الخطباء هذا الضعف اللغوي- مع الأسف- حتى أصبح ظاهرة مؤلمة، وحتى أصبح المرء يسمع من على المنبر " إن المسلمون اليوم " ويسمع " كان المسلمون عزيزون بهذا الدين " بل غدا المرء يسمع ما هو أفحش وأقبح، مما ينبغي أن تنزه عنه المنابر، ومما لا يعد من أخطاء الخاصة، بل من أخطاء العامة التي لا يليق بحال من الأحوال وقوع الخطيب فيها.
قال ابن حبان: الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل، وأحسن إزار يتزر به العاقل… ولا يكون سيان عند ذوي الحجا رجلان: أحدهما يلحن والآخر لا يلحن.
وقال ابن هبيرة (5) في الذي لا يلحن: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه. وقال عبد الرحمن بن مهدي (6) ما ندمت على شيء ندامتي أني لم أنظر في العربية.
قال ابن حبان: وأحوج الناس إلى لزوم الأدب، وتعلم الفصاحة أهل العلم (7) ومن الثقافة اللغوية المطلوبة من الخطيب أن يكون أسلوبه رصينا يتمتع بقدر من البلاغة التي تعني قدرته على أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه (8) بفصاحة، وجلاء عبارة، مع الاقتباس والتمثيل من القرآن الكريم، ومن الحديث والشعر، والمثل، وغير ذلك، ولن يحصل للخطيب هذا الرصيد اللغوي والأدبي إلا أن يكون له صلة وثيقة بكتب الأدب واللغة، وما تضم من أساليب البيان، والحوارات الأدبية، وما تشتمل عليه من رجاحة الأحلام، وصحة العقول، وبلاغة الألسنة، وآداب الخطباء، وآداب الخطب، ومدح الفصاحة وشدة العارضة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وجودة القريحة، وما تذكره من نماذج رائعة للخطب القصار، والطوال، وخطب المناسبات، ومواعظ النساك، وتأدب العلماء، وغير ذلك مما يعظم أثره، ويطول ذكره.
وكذلك ما تشتمل عليه هذه الكتب من ذم للتشدق المتكلف، والتقعر، والعي، وكثرة الحركة، والنحنحة، وعيوب اللسان والأساليب، وغير ذلك.
فلا يستغني الخطيب عن النظر في أمهات كتب الأدب، وعلى رأسها أربعة، وهي كما قال ابن خلدون: " سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها، وفروع عنها " (9).
وهناك كتب أخرى لا تقل عن هذه الأربعة يحسن بالخطيب أن يكرر النظر إليها بين الحين والآخر، منها: عيون الأخبار لابن قتيبة، وروضة العقلاء لابن حبان، وأدب الدنيا والدين للماوردي، وغير ذلك من أشعار الحكمة، والأخلاق، كأشعار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشعر الإمام الشافعي، وديوان الحماسة، ومختارات البارودي، وأشعار العلماء المبثوثة في تراجمهم وسيرهم، فإن كتب التراجم من أعظم مصادر الإمداد الثقافي والخلقي التي لا ينبغي إغفالها.
ومن المؤلفات المعاصرة سلسلة: صور من حياة الصحابة، وصور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله، وسلسلة شعراء الدعوة الإسلامية، وغير ذلك.
وينبغي الحذر عند مطالعة كتب الأدب ونحوها من الأمور التالية:
(أ) ما تشتمل عليه من الأحاديث الواهية، والموضوعة، فمثل هذه الكتب لا تصلح أن تكون مصدرا للأحاديث النبوية لما تتسم به من تساهل في إيرادها، وذلك لعدم علم مؤلفيها بالحديث وعلومه، وعدم تحرزهم من ذكر الأخبار المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن اهتمامهم ينصب على الناحية البيانية البلاغية، فليحذر الخطيب من الاستشهاد بحديث يكون عمدته فيه كتابا من كتب الأدب، إلا أن يكون حديثا صحيحا قد بين أهل العلم صحته، وكذلك الحال بالنسبة لآثار الصحابة والتابعين، فإن كتب الأدب واللغة ليست من مظان مثل هذه الآثار.
(ب) ما فيها من سقطات تتنافى مع أدب الإسلام، مثل مدح الخمرة، ووصف المردان، والنساء، وآلات اللهو والغناء، والقيان، وغير ذلك.
(ج) عدم اعتماد الوقائع التاريخية، والأحداث الكبيرة التي مرت بالأمة الإسلامية، وسير الخلفاء، والسلاطين، فإن إثبات مثل هذه الوقائع ينبغي أن يرجع فيه إلى كتب الحديث المعتمدة، وكتب التاريخ والطبقات، وليس كتب الأدب.
(د) ما فيها من هجاء مقذع، وألفاظ بذيئة فاحشة، ومن تعرض للأعراض والحرم، وهتك ما أمر الله تعالى بستره من ذلك.
(هـ) الإكثار من قراءتها، فإن المقصود من قراءة هذه الكتب والنظر فيها إصلاح المنطق، وتقويم اللسان، وتجويد اللغة، ونحو ذلك مما يعد من الوسائل، لا من المقاصد، فلا تعطى أكثر مما تستحق من الوقت والجهد.
قال ابن الجوزي رحمه الله: معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضلة لا يحتاج إليها، وإنفاق الزمان في تحصيل هذه الفضلة مع كونها ليست بمهمة، ومع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل لكان حسنا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل (10).
الثقافة الشرعية:
وتتنوع إلى أنواع، فمنها ما هو ألزم كفقه العقيدة، وأصول الإيمان، والتوحيد بأنواعه الثلاثة، ومنها ما هو لازم للخطب وهو الأنواع التالية:
1- فقه ما يتعلق بصلاة الجمعة، وأحكام الجمعة، والخطبة.
2- فقه ما يرتبط بالمناسبة، فإذا خطب عن الحج لمناسبته، أو عن الصوم بمناسبة حلول شهر رمضان، فينبغي أن يكون فقيها بأهم أحكام الحج، وأهم أحكام الصيام، وإذا تكلم عن الربا، أو الرشوة، أو تكلم عن المخدرات، وغير ذلك فينبغي أن يكون ملما بأطراف موضوعه، فقيها بأهم أحكامه، فإنه ربما سئل عن بعض مسائله.
3- فقه عام، وهدا يعتمد على دراسة الخطيب الشرعية وعلمه، واطلاعه في هذا الجانب.
وأنبه هنا إلى ناحيتين:
الأولى: تتعلق بالخطيب، فعليه أن يتقي الله تعالى، ولا يفتي فيما لا يفقه ولا يدخل فيما لا يعلم، وما لا يحسن، ولا تحملنه إجادة القول على الإعجاب بنفسه، والإسراع إلى الفتوى، ولا سيما إذا لم يكن من طلبة العلم، أو دارسي العلم الشرعي، والتقوى تقتضي أن يكون شجاعا فيرد الأمر إلى عالمه، أو يقول لا أدري فتسلم مقالته.
الثانية: تتعلق بالمصلين و المخاطبين، عليهم أن يعلموا بأنه ليس كل من يحسن الخطابة يحسن الفتوى، ولا يفترض في الخطيب أن يكون فقيها مفتيا، وليس نقصا في الخطيب أن لا يكودن مفتيا أو مجتهدا، فلكل علم رجال، وقد يجيد المرء جانبا من جوانب العلم، ولا يجيد آخر، فعلى المصلين أن لا يحرجوا الخطيب، ولا ينزلوه فوق منزلته.
4- ومن ذلك فقه ما يرقق القلوب، وينعش النفوس من الزهد والرقائق، ولطائف السير، وأخبار الصالحين، فإنها منشطة للنفوس، باعثة للعمل والتأسي.
قال ابن الجوزي: "رأيت الاشتغال بالفقه، وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق، والنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما يرق القلب بذكر رقائق الأحاديث، وأخبار السلف الصالحين… وما أخبرتك بهذه إلا بعد معالجة وذوق فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف الزهاد في الدنيا ليكون سببا في رقة قلبك (11).
وقال في ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء: "ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن، وسماع الحديث، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة، والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة… ومن لم يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنه سلوك طريق!! (12).
إن من المفيد للخطيب في هذا أن يقتني بعض الكتب في الرقائق، والوعظ، والزهد، ومنها:
كتاب الزهد والرقائق لابن المبارك، كتاب الزهد للإمام أحمد، والزهد لوكيع، والزهد للبيهقي، كتب ابن الجوزي الوعظية مثل صيد الخاطر، والمقلق، والمدهش، وغيرها، مدارج السالكين لابن القيم، منهاج القاصدين، موعظة المؤمنين، وكلاهما مختصر لإحياء علوم الدين، أبواب الزهد والرقائق في كتب الحديث.
الثقافة العامة:
تعتمد الثقافة العامة للخطيب على شخصيته العلمية، وسعة اطلاعه، وحبه للقراءة، وكذلك على مخالطته للناس، وانخراطه في الحياة الاجتماعية، وعلي أسفاره وتجاربه الخاصة.
والثقافة العامة المقصودة هنا تتناول جوانب عديدة:
1- الاطلاع على وقائع الأمة، وحاضر العالم الإسلامي، من النواحي العامة، والاقتصادية، والأخلاقية، والسياسية، وما يحاك له من مؤامرات، وأبعاد الكيد والعداوة للإسلام والمسلمين، وجوانب الغزو الفكري، والثقافي والعلمي، وما يدبر للمرأة المسلمة، وللشاب المسلم، وللطفل المسلم، من مكايد ودسائس، وليس مطلوبا من الخطيب الإحاطة الكلية بما يجري في العالم الإسلامي، ولكن أن يكون على اطلاع بأهم أمراضه، وهمومه، وعلاج أدوائه.
2- الاطلاع على واقع المخاطبين في مسجده، وحيه، وفي مجتمعه، فإذا تكلم محذرا من بدعه من البدع مثلا فينبغي أن يكون عالما بتعريف البدعة، وأقسامها ومخاطرها على الأمة، مستشهدا بالأدلة من الكتاب والسنة، وبأقوال السلف الصالحين، مع الالتزام بأدب النصح، " فإن المؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي ويفضح " (13).
3- الاطلاع على واقع الدعوة، والدعاة في العالم الإسلامي، وواقع الحركات الإسلامية ودورها في إيقاف المد الثقافي الغربي، وما ينقصها من وعي وتخطيط وتآزر وتعاون وتناصح، مع الالتزام بالأدب واللطف، وسعة الصدر، والحرص الشديد على اتفاق القلوب على الحق، وعدم اختلافها وتنازعها، فإنه لا يسع الخطيب جهل ساحة العمل الإسلامي، وجهل العاملين في هذه الساحة.
4- فقه الحدث، أي ما يطرأ من أحداث، وكيفية التعامل معها وفق الضوابط الشرعية، فعلى الخطيب أن يحسن التعامل مع هذا الحدث لئلا يكون مزلقا من المزالق التي تسقط الثقة به، وحتى لا يكون لطريقة معالجته الخاطئة آثار نفسية أو عقدية تنعكس على العامة، وعلى الخطيب أن لا ينساق وراء التحليلات الصحفية، أو الشائعات الشعبية في الحكم على هذا الحدث، والأحداث منها ما يكون من الكوارث الطبيعية، من زلازل وبراكين، أو أمراض فتاكة، ونحو ذلك. فلا يغفل الخطيب عن ربط ذلك بالسنن الإلهية، وعن التذكير بانتقام الله تعالى، وبآثار الذنوب والمعاصي على تغير الأحوال، ومن الأحداث ما يكون حدثا علميا تدوي أصداؤه في أرجاء العالم، مثل حدث الصعود على القمر، أو حدث الاستنساخ الجيني، أو التلاعب في الخصائص الوراثية، فعلى الخطيب أن يكون حذرا في طرح مثل هذه الموضوعات إذ لا يحسن به أن يتغافلها كليا، ولا يحسن به المسارعة إلى طرحها دون الإلمام بجوانبها، ولا المسارعة إلى الفتوى بشأنها قبل صدور فتوى شرعية من مصدر معتمد من مصادر الفتوى، مثل المجامع الفقهية ونحوها من الهيئات العلمية التي تصدر الفتاوى في النوازل بعد دراسة وتمحيص من عدد من العلماء والفقهاء.
ومن الأحداث ما يكون من قبيل الفتن التي يجب أن يكون الخطيب شديد الحذر والاحتراس في الكلام بشأنها، فإن الفتنة تقبل بشبهة، وتدبر ببيان، وليكن فيها -كما قال حذيفة رضي الله عنه- كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا در فيحلب (14).
والمقصود أن يحترس من الفتوى فيها، أو التحريض، أو الكلام إلا في الدعوة إلى خير أو إصلاح بين الناس، في فرب قول أنفذ من صول، بل رب حرف قاد إلى حتف، وجر إلى بلاء، وليحذر كل الحذر أن يكون من خطباء الفتنة، وليقل خيرا أو ليصمت.

 

 

 

 

 

(1) حديث صحيح مشهور أخرجه أحمد (1/437)، والدارمي (24 المقدمة)، وأبو داود (3660)، والترمذي (5/34)، وابن ماجه (1/84)، وابن حبان (66، 69)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص 17- 18)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (ص 41- 43) من أحاديث عدد من الصحابة رضي الله عنهم.
(2) سورة يوسف آية : 108.
(3) انظر: لسان العرب، بصر (4 64- 66)، مختار الصحاح (ص54).
(4) تفسير ابن كثير (2 496- 497).
(5) هو يحيى بن محمد بن هبيرة أديب فقيه من الكتاب الوزراء ت 560هـ معجم المؤلفين (13/228).
(6) أحد أئمة الحديث وحفاظه الأعلام ت سنة 198هـ. انظر: (التقريب 4018).
(7) روضة العقلاء (ص 219- 223).
(8) وانظر: لسان العرب (10/302 بلغ).
(9) انظر: مقدمة البيان والتبيين (الصفحة الأولى).
(10) تلبيس إبليس (ص 126).
(11) صيد الخاطر (ص 197).
(12) تلبيس إبليس (ص 119).
(13) هذه العبارة من كلام الفضيل بن عياض رحمه الله، الحلية ( 190).
(14) أخرجه نعيم في الفتن ( 1 140) من كلام حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات