طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > المكتبة الخطابية > المبحث الأول: الإخلاص والصدق
المبحث الأول: الإخلاص والصدق
20

المبحث الأول: الإخلاص والصدق

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

المقتطف

المبحث الأول: الإخلاص والصدق المقصود به أن يكون الخطيب لا دافع له إلى الخطبة إلا ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فلا يحسن الخطبة لأن فلانا سيصلي معه، أو أن فلانا يحب أن يسمعه، أو لكثرة الحضور ونحو ذلك، وإنما يجرد نيته من أي غرض، وأية غاية إلا طمعه فيما عند الله سبحانه وحده. والإخلاص ليس […]


المبحث الأول: الإخلاص والصدق

المقصود به أن يكون الخطيب لا دافع له إلى الخطبة إلا ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فلا يحسن الخطبة لأن فلانا سيصلي معه، أو أن فلانا يحب أن يسمعه، أو لكثرة الحضور ونحو ذلك، وإنما يجرد نيته من أي غرض، وأية غاية إلا طمعه فيما عند الله سبحانه وحده.
والإخلاص ليس أمرا هينا، بل يتطلب منه مجاهدة ومجالدة لنفسه حتى يستخلص النية الخالصة من بين الأغراض والحظوظ الأخرى، فتصفو صفاء اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وللإخلاص ثمرته وبركاته الكثيرة على الخطيب وعلى سامعيه.
ومن ثمرات الإخلاص:
1- تحقيق طاعة الله تعالى، وامتثال أمره جل وعلا بأن تكون العبادات والطاعات والتقرب له وحده، قال سبحانه: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (1).
2- تحقيق القبول، فإن شروط قبول العمل ثلاثة، وهي: الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والإخلاص لله وحده، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- صدق اللهجة، والصدع بالحق وعدم المداهنة فيه، ومراقبة الله تعالى في كلامه، ولا يتأتى هذا إلا بأن يكون المرء مخلصا لله تعالى.
4- ثقته بنفسه، فالخطيب الذي يخلص لله تعالى يكون عظيم الثقة بنفسه لأنه لا يرهب سخط الناس، ولا يرغب فيما عندهم.
5- اكتساب ثقة الناس واحترامهم له، ووقوع كلامه في قلوبهم.
قال سفيان بن عيينة رحمه الله: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهذه الكلمات، أي: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله عز وجل أصلح الله ما بينه وبين الناس (2).
فالإخلاص عظيم البركة والنفع للإنسان، وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه عليه، فإن موقعه مخوف، ومنزلته محفوفة بخطر الرياء والسمعة، حيث إنه يخطب على مرأى ومسمع من الناس، ومن مجاهدته لتحصيل الإخلاص في هذا:
(أ) أن يراقب نيته قبل العمل، أي عند إعداد الخطبة وتحضيرها ينظر إلى نيته، فإذا رأى اعوجاجا في القصد قومه وأصلحه، وألزم نفسه الصدق مع الله تعالى والإخلاص في طاعته، فإن أحس أنه يضيف بعض العبارات، أو يحذف بعض الجمل من أجل إرضاء فلان، أو من أجل إسخاط فلان، أو أنه يتكلم في موضوع معين لحظ من حظوظ نفسه، أو لمطمع من مطامع الدنيا، فليقبل على نفسه فيذكرها الله تعالى، ويخوفها من الرياء والعجب، وليكن صادقا حازما في محاسبتها ولا يداهنها ولا يلاينها في هذا الأمر.
(ب) أن يراقب قلبه، ويحاسب نفسه في أثناء العمل، حتى يضمن أنه على الطريق المستقيم، فإن لمس في نفسه تطلعا إلى غير ثواب الله تعالى، والتفاتا إلى غير مولاه، تذكر فاستغفر وأبصر ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) (3).
وإذا شعر أنه إنما يرفع من صوته، أو يغير من نبرته، أو يكرر العبارة، أو غير ذلك من أجل إرضاء الحضور أو بعضهم بادر إلى تصحيح نيته، وتقويم قصده.
(ج) محاسبة نفسه وتقويمها بعد الخطبة، فإن وجد خيرا حمد الله تعالى على توفيقه، وإن وجد غير ذلك عزم على تدارك أمره، وإصلاح خطئه.
"وورود الرياء بعد الفراغ من العمل لا يحبطه، لأنه قد تم على نعت الإخلاص فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده، لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به، فأما إن تحدث به بعد فراغه وأظهره فهذا مخوف، والغالب عليه أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن لم يسلم من الرياء نقص أجره، فإن بين عمل السر والعلانية سبعين درجة، ووجود الرياء قبل الفراغ من العبادة إن كان مجرد سرور لم يؤثر في العمل، وإن كان باعثا على العمل… فهذا يحبط الأجر (4).
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: " قيل: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه ؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن " (5).
لكن ينبغي أن يكون فرحه بتوفيق الله تعالى له، وبإظهار الجميل من أحواله لا بحمد الناس له، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير، ويكرموه عليه فهذا رياء (6).
الخطيب من أولى الناس مطالبة بالإخلاص لله تعالى، لأنه ربما رأى مقامه وهو يخطب المئات، ويعلمهم ويذكرهم فيرى أن له فضلا عليهم، وتقدما دونهم، فتحمله نفسه على العجب، والتعالي، والغض من قدر غيره ونسبتهم إلى الجهل، فالإخلاص لله تعالى يعرفه قدر نفسه، ويقيه شرها، ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة أنه كان يبتدئ الخطبة بقوله: " إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له "… الحديث (7).
وهي كلمات عظيمة، وافتتاحية جليلة، يبتدئ بها الخطبة، فليتدبر الخطيب هذه الكلمات، ولا يجريها على لسانه دون وعي لمضمونها، فإن فيها نسبة الحمد لله تعالى استحقاقا وأنه يستعين به جل وعلا في شأنه ويستغفره لذنبه وتقصيره، ويستعيذ به سبحانه من شر نفسه، فهو لا يزكيها في هذا المقام، بل يحذرها ويستعين بالله تعالى عليها، ويحتمي به من غدراتها ووساوسها، وما تزينه له.
ومن قبح الرياء أن علاماته تلوح على صاحبه، فتنفر الناس منه، وتفقدهم الثقة فيه، وقل ما أخفي فساد السريرة ولم تفضحه لوائح الظاهر والعلانية.
قال عثمان رضي الله عنه: " ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله عز وجل على صفحات وجهه، وفلتات لسانه " (8).
وقال ابن عقيل: للإيمان روائح ولوائح لا تخفى على اطلاع كلف بالتلمح متفرس، وقل أن يضمر مضمر شيئا إلا ظهر مع الزمان على فلتات لسانه، وصفحات وجهه ا.هـ (9).

قال زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فويل للكاتم من الفاضح (10)
فصلاح القلب مستلزم لصلاح سائر الجسد، وفساده مستلزم لفساده، فإذا رئي ظاهر الجسد فاسدا غير صالح علم أن القلب ليس بصالح بل فاسد، ويمتنع فساد الظاهر مع صلاح الباطن (11) ومن هنا فإنه يحسن بالخطيب قبل أن يصعد المنبر أن يتذكر الأمور التالية:
1- فضل الله تعالى عليه ونعمته، وعظيم إحسانه إليه، وأنه لولا الله تعالى ما وقف هذا الموقف.
2- الأجر الجزيل، والثواب الجميل على الإخلاص، وصدق النية لله تعالى.
3- الوعيد الشديد للمرائين، ومن سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به.
4- أن أعمال المرائين محبطة، لا يقبلها الله تعالى، وليتذكر خبر الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، نعوذ بالله من الخذلان.
5- أن الناس كلهم لا يملكون له من الله تعالى شيئا، وأن رضاهم أو سخطهم لا يقدم ولا يؤخر، ومن أرضى الناس بسخط الله تعالى سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخطهم في رضا الله تعالى رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.
قال ابن الجوزي رحمه الله: " من لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار: أحدهما من لطف ينالونه به، والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه "، وقال: " من راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم "(12).

 

 

 

 

 

(1) البينة:5.
(2) الآداب الشرعية (1/136).
(3) الأعراف:201.
(4) الآداب الشرعية (1/32).
(5) رواه مسلم (البر والصلة- 2642).
(6) انظر: المصدر السابق.
(7) أخرجه الترمذي وحسنه (النكاح – 1105) ، والنسائي (الجمعة -3 105) ، وابن ماجه (1892) ، وأبو داود (النكاح – 2118) وإسناده جيد.
(8) انظر: الآداب الشرعية ( 1136).
(9) انظر: الآداب الشرعية ( 1136).
(10) انظر: الآداب الشرعية ( 1136).
(11) انظر: الآداب الشرعية ( 1136).
(12) صيد الخاطر (ص:253).

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات