طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > المكتبة الخطابية > المبحث السادس: اشتمال الخطبة على الموعظة والحث على التقوى
المبحث السادس: اشتمال الخطبة على الموعظة والحث على التقوى
18

المبحث السادس: اشتمال الخطبة على الموعظة والحث على التقوى

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

المقتطف

المبحث السادس: اشتمال الخطبة على الموعظة والحث على التقوى   وما يرقق القلوب ويزيد الإيمان في النفوس القصد الأول من الخطبة هو الموعظة، والتذكير بآيات الله تعالى، وآلائه، والحث على تقوى الله، والاستقامة على دينه، ومهما تعددت أساليب الخطبة ترغيبا وترهيبا، فإنها ينبغي أن لا تبتعد عن هذا الهدف العظيم، وقد اختلف العلماء في فروض […]


المبحث السادس: اشتمال الخطبة على الموعظة والحث على التقوى

 
وما يرقق القلوب ويزيد الإيمان في النفوس
القصد الأول من الخطبة هو الموعظة، والتذكير بآيات الله تعالى، وآلائه، والحث على تقوى الله، والاستقامة على دينه، ومهما تعددت أساليب الخطبة ترغيبا وترهيبا، فإنها ينبغي أن لا تبتعد عن هذا الهدف العظيم، وقد اختلف العلماء في فروض الخطبة، فقال ابن قدامة رحمه الله: وفروض الخطبة أربعه أشياء:
الأول: حمد الله تعالى لأن جابرا قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. " (1)
الثاني: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان.
الثالث: الموعظة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وهي القصد من الخطبة فلا يجوز الإخلال بها.
الرابع: قراءة آية، لأن جابر بن سمرة قال: " كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس " رواه أبو داود والترمذي (2).
ولأن الخطبة فرض في الجمعة، فوجبت فيها القراءة، وعن أحمد ما يدل على أنه لا يشترط قراءة آية، فإنه قال: القراءة في الخطبة على المنبر، ليس فيه شيء مؤقت ما شاء قرأ (3).
وقال ابن القيم في ذكر خصائص يوم الجمعة: فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتحميده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله صلى الله عليه وسلم وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه، وإلى جنابه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها (4).
ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده صلى الله عليه وسلم من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت، وأما اشتراط الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من القرآن، فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته صلى الله عليه وسلم لا يدل على أنه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ… إذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع، إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه بالقوارع القرآنية كان أتم وأحسن (5).
السياسة والفكر:
يغلب على بعض الخطب وبعض الخطباء الطابع السياسي أو الفكري، أو الموضوعات الاقتصادية أو الاجتماعية المحضة، ولا شك أن هذه الأمور مهمة، وهي موضوعات تمس الواقع الإسلامي، وتهم المسلم، ولكن التزام هذه الموضوعات في خطبة الجمعة، أو جعلها هي مدار الخطبة، هو تجريد للخطبة من أهم مقاصدها، وأجل أهدافها، وبالمقابل فإن قصر الخطبة على تعليم بعض المسائل أو الأحكام الفقهية وعرضها عرضا علميا مجردا ليس هو المقصود الأهم من خطبة الجمعة التي تضم حشدا من الناس كل أسبوع.
فمنبر الجمعة ليس كرسيا جامعيا لتعليم الدراسات الفقهية، أو الاقتصادية، أو السياسية أو غيرها من الدراسات الأكاديمية، وهو في الوقت نفسه يجب أن لا يكون منفصلا عن هموم الأمة، ولا مبتوتا عن نبضها، وما يصلحها في عقيدتها، وأخلاقها، وما يرفع من همتها، ويعيدها للاعتزاز بدينها قولا وعملا، حكما وتحاكما.
وعلى ذلك فإن الخطبة الجامعة المستوفية لخصال النجاح هي الخطبة التي تجمع بين التعليم والوعظ، بين الإجابة عن أسئلة الحاضر والواقع، وما يطرح على الساحة العلمية والإسلامية، وتلبية الواجبات الشرعية في ترسيخ العقيدة، وأساسيات الفقه الإسلامي، والفهم الواعي السلفي النهج للكتاب والسنة، والتحذير من الانحرافات العقدية، والسلوكية إلى جانب التحذير من مكايد العدو، وأساليب الدس والمكر التي يسلكها في تدمير الأخلاق والأسرة، والوحدة الإسلامية.
ومع كل ما يقوم به الخطيب من تنبيه وتحذير وتبصير، فإنه ينبغي أن لا يهمل دور خطبة الجمعة الأساسي من الوعظ والتذكير.
وحتى يتبين لك مدى أهمية الوعظ فإنني أسوق هذه الأدلة من الكتاب والسنة:
(أ) وصف الله تعالى القرآن بأنه موعظة:
1- قال تعالى: ( هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) (6).
2- وقال جل وعلا: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ ) (7).
3- وقال جل ذكره: ( وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (8).
4- وقال تعالى: ( وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) (9).
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ( قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) (10): يعني ذكرى تذكركم عقاب الله تعالى، وتخوفكم وعيده، ( مِّن رَّبِّكُمْ ) (11) يقول: من عند ربكم لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يفتعلها أحد فتقولوا لا نأمن أن تكون لا صحة لها، إنما يعني بذلك جل ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله (12).
(ب) أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعظ:
1- قال الله تعالى: ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) (13).
قال الطبري: يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم (14).
2- وقال جل وعلا: ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ) (15).
وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه فوعظ وذكر، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب " (16).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا " (17).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم – أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع فوعظهن (أي: النساء) وأمرهن بالصدقة… " الحديث (18).
(ج) أمر الله تعالى بالدعوة إليه بالحكمة " والموعظة الحسنة " والجدال بالتي هي أحسن: قال جل وعلا: ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (19)، فالدعوة المكتملة في أسلوبها ووسائلها لا تستغني عن الموعظة الحسنة، لما للموعظة من تأثير على النفوس، وتحريك للقلوب والمشاعر، فلا يكفي إخبار الناس بالحق مجرد إخبار وإعلام، بل لا بد من دفعهم إلى التزامه واتباعه، والاقتناع به، وأجدى سبيل إلى ذلك أن تكون الدعوة إليه بهذه الأمور الأساسية الثلاثة:
1- الحكمة: وهي مراعاة الحق والاعتدال في الخطاب.
2- الموعظة الحسنة: وهي التي تنفذ إلى شغاف القلوب ترغيبا وترهيبا.
3- المجادلة بالتي هي أحسن: أي دون تعسف ولا عنف أو تحامل.
وقال ابن جرير: ( إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ ) يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ( بِالْحِكْمَةِ ) يقول: بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك ( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه وذكرهم بها في تنزيله.
( وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أي تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك (20).
وقال صاحب الظلال: إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي بينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.
والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
والموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.
وبالجدال بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، والنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة (21).
إذا مهما كان موضوع خطبة الجمعة الذي يختاره الخطيب فإنه لن يستغني أبدا عن تضمينها الوعظ والتذكير، فبذلك ينفذ الخطيب بإذن الله تعالى إلى قلوب المخاطبين، فيوقظ مشاعرهم ويبصرهم بخطورة ما هم عليه من غفلة أو انحراف.
الوعظ بالقرآن:
لما كان القرآن موعظة من ربنا جل وعلا، فهو خير ما يعظ به، ويذكر به الخطيب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جعل معظم خطبته قراءة آيات من القرآن، أو قراءة سورة، أو بعض سورة.
وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة " ق " على المنبر إذا خطب الناس. قال النووي: قال العلماء: سبب اختيار " ق " أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة (22).
قلت: هذه السورة العظيمة اشتملت على أمور كثيرة، فابتدأت بذكر القرآن ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ " (23)، ثم ذكر البعث، ومصائر المكذبين، وما استحقوا من وعيد الله جل وعلا، ثم خلق الإنسان، وعدم خفاء شيء من وساوسه، وأقواله وأفعاله على الله تعالى، ثم ذكر مشاهد من القيامة والجنة والنار، واختتمت السورة بالأمر بالتذكير بهذا القرآن ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) (24) وأي وعظ أعظم نفاذا إلى القلب من الوعظ بالقرآن.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس " (25).
قال الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) (26) يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليك من خاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخاف أمري.
وساق بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) (27)، وعن عمرو بن قيس الملائي رضي الله عنه قال: قالوا: " يا رسول الله لو ذكرتنا، فذكر مثله " (28).
ومما تقدم يتبين لنا أهمية اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة والتذكير، واشتمالها على آيات من القرآن العظيم، خاصة الآيات التي تتضمن التذكير بلقاء الله جل وعلا، والتخويف من عقابه، والترغيب فيما عنده.
وإن لتلاوة الآيات أثرها في لمس القلوب، وجلاء الصدأ أو الرين الذي تراكم عليها، وفي هتك حجب الغفلة، وإقاظ الفطرة النقية لدى الإنسان.
ثم إن ما يورده الخطيب من آيات في خطبته ينبغي أن يكون في موضوع الخطبة، لتكون مدعمة لخطبته، مؤيدة لفكرته، إلى جانب ما تشتمل عليه من مواعظ وزواجر.
قال في توضيح الأحكام من بلوغ المرام: ينبغي أن تكون الآيات التي يقرؤها الخطيب آيات تناسب موضوع الخطبة، وتكون دليلا على ما قال، وتأييدا لخطبته، ولتكون خطبته تفسيرا لها، ومشيرة إلى معانيها، ولئلا يشتت على السامعين أذهانهم باختلاف مواضيع الخطبة (29).
ومما يؤسف له أن بعض الناس يصنف الخطب إلى خطبة فكرية، وخطبة وعظية، مقللا من قيمة الوعظ، كما يصنف الخطباء إلى خطيب مفكر، وخطيب واعظ، مشيرا إلى أن الأول هو الذي يجدر البحث عنه، والاستماع إليه، وهذا تقسيم عقيم، فإن كل خطبة مهما كان الطابع العام الذي يميزها، سواء في ذلك الفكرية، والفقهية، والسياسية. والاجتماعية إذا خلت من الموعظة، والتذكير بأيام الله وآلائه، والتخويف من جزائه وعقابه، فإنها لا تعدو أن تكون معلومات، وقد تكون معلومات قيمة، لكنها ميتة لا تدفع إلى العمل، ولا تخطو بحماسة نحو التغيير والتجديد.
وتأمل أسلوب القرآن العظيم، والسنة المطهرة في الترغيب والترهيب، والتبشير، والتحذير، يتبين لك وجه الحق واضحا جليا.
البدع الميتة:
البدعة تشوه جمال الإسلام، وتطمس معالمه، وتذهب بضيائه، ولذا فإن موقف الإسلام حاسم واضح صريح من البدع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (30) وفي رواية " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " (31).
أي: مردود على صاحبه.
والخطيب ينبغي أن يكون له دور في إماتة البدعة، وفي هتك سترها ومحاربة المنكر، ولو أطبق على ذلك الناس، أو معظمهم في حيه وفي غير حيه، لكن مما ينبغي أن يتنبه له الحذر من أن يحيي بدعة ميتة دون أن يشعر، وذلك بأن تكون البدعة لا أتباع لها، أو لا تكاد تعرف بين الناس، فيكرر الخطب بالتحذير منها، أو يركز الخطبة بالكلام عليها، وقد كانت نائمة فأيقظها، مغمورة فشهرها، ميتة فأحياها، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضا عنها، وبعضهم يسعى للتعرف عليها، وبعضهم يدفعهم الفضول لأن يقرأ حولها، ويجادل عن فكرتها، وهكذا تصبح حديث المجالس، ويغدو الناس بين مؤيد لها، ومنظر لفكرتها، ومعارض لأصلها.
إن المنهج الصحيح في التعامل مع مثل هذه البدع والمحدثات، والمنكرات هو دفنها بتركها، وعدم التحدث عنها.
وليس المقصود بهذا أن نتركها ونهملها حتى تحيا وتنتشر، بل لا بد من الإنكار على صاحبها في السر لمن علم به، وزجره، وردعه، وتخويفه، فإن ارتدع وإلا فيرفع أمره إلى ولاة الأمر ليأخذوا على يده، ويميتوا فتنته في مهدها.
وليس في دفن البدعة، وعدم التحدث عنها ستر على المبتدع، بل طمس على البدعة، وتضييق عليها لئلا تنتشر، ومن التضييق على البدعة أيضا أن نقوم بنشر السنة، وبيان الحق، والأدلة على الاتباع وفضله، والتحذير من مخالفة السنة.
أما إذا كانت البدعة قد انتشرت، أو اغتر بها فئات من الناس، وضل بها آخرون، فلا تهاون أبدا في إنكارها وإبطالها، وحشد أهل العلم للرد عليها ومحاربتها، ولا يصلح السكوت عنها.
قال في نهاية المبتدئين: ويجب إنكار البدع المتصلة، وإقامة الحجة على إبطالها، سواء قبلها قائلها أو ردها، ومن قدر على إنهاء المنكر إلى السلطان أنهاه، وإن خاف موته قبل إنهائه أنكره هو… وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: ترى للرجل يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع. فكلح في وجهه، وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس أليس هو إنما لنفسه ؟
قلت: بلى، قال: فإذا تكلم كان له ولغيره… يتكلم أفضل (32).
وقال ابن عقيل رحمه الله: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، وضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر في مواطأتهم أعداء الشريعة (33).
ومما يحذر منه في هذا المجال الإخبار عن كتاب مغمور محدود النشر يحتوي على آراء ضالة وأفكار هدامة، بقصد الرد عليه فيحصل بذلك إشهاره وتوجيه الأنظار إليه دون قصد من الخطيب، ومن هذا القبيل أيضا ذكر رأي أو فتوى شاذة لعالم مشهور من أجل الرد عليها، فتكون النتيجة عكس ما قصد إليه الخطيب، وكأنه يقول للناس: إن هذا العالم الكبير يقول بمثل هذا الرأي فلا حرج على من ذهب إلى مثل ما ذهب إليه.
فعلى الخطيب أن يكون ذا بصيرة في الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقويم النتائج المترتبة على كلامه، فرب خطبة أيقظت فتنه.

 

 

 

 

 

 

(1) النسائي صلاة العيدين (1578) ، أحمد (3/371).
(2) الكافي في فقه الإمام أحمد (1/328). والحديث رواه مسلم ( الجمعة- تخفيف الصلاة والخطبة 866) والترمذي (الجمعة- ما جاء فقصر الخطبة 507) والنسائي (الجمعة – القراءة في الخطبة الثانية 1418) وابن ماجه ( الجمعة- ما جاء في الخطبة 1106).
(3) الكافي في فقه الإمام أحمد (1/328). والحديث رواه مسلم (الجمعة- تخفيف الصلاة والخطبة 866) والترمذي (الجمعة – ما جاء فقصر الخطبة 507) والنسائي (الجمعة- القراءة في الخطبة الثانية 1418) وابن ماجه ( الجمعة- ما جاء في الخطبة 1106).
(4) زاد المعاد (1/398).
(5) انظر: الدراري المضية شرح الدرر البهية (ص 151).
(6) آل عمران:138.
(7) يونس:57.
(8) هود:120.
(9) النور:34.
(10) يونس:57.
(11) يونس:57.
(12) تفسر الطبري (6/567- 568).
(13) سورة النساء آية : 63.
(14) المصدر نفسه (4/159).
(15) سورة سبأ آية : 46.
(16) رواه أحمد (4/126) ، وأبو داود (السنة- 4607) والترمذي (العلم- 2676) وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه (المقدمة- 42).
(17) رواه البخاري (العلم رقم 68).
(18) رواه البخاري ( العلم- باب عظة الإمام النساء98).
(19) سورة النحل آية : 125.
(20) تفسير ابن جرير (7/663).
(21) في ظلال القرآن (4/2202).
(22) شرح صحيح مسلم (6/161).
(23) ق:1.
(24) ق:45.
(25) رواه مسلم (6/149، 160).
(26) ق:45.
(27) ق:45.
(28) (11/ 440) وفي الإسنادين أيوب بن سيار أبو عبد الرحمن ، وهو متروك الحديث ، والثاني: مرسل أيضا.
(29) توضيح الأحكام ، الشيخ عبد الله البسام (2/359).
(30) البخاري الصلح (2550) ، مسلم الأقضية (1718) ، أبو داود السنة (4606) ، ابن ماجه المقدمة (14)، أحمد (6/270).
(31) رواه البخاري (الصلح-2697) ، ومسلم (الأقضية – 1718).
(32) الآداب الشرعية (1/210).
(33) المصدر نفسه (1/237). ومعنى مواطأتهم: موالاتهم ومعاشرتهم.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات