طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > المكتبة الخطابية > المبحث الخامس: اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن
المبحث الخامس: اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن
17

المبحث الخامس: اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

المقتطف

المبحث الخامس: اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن (أ) تجنب التخصيص في الخطبة عندما يواجه الخطيب الناس ينبغي أن يوجد لديهم شعورا بأنه واحد منهم، غير متميز عنهم بفضل، وإن تميز عنهم بعلم أو ثقافة، ومن هنا عليه ألا يخصهم باللوم والنقد، وكأنه منزه عن ذلك. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء أسلوب التخصيص في […]


المبحث الخامس: اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن

(أ) تجنب التخصيص في الخطبة
عندما يواجه الخطيب الناس ينبغي أن يوجد لديهم شعورا بأنه واحد منهم، غير متميز عنهم بفضل، وإن تميز عنهم بعلم أو ثقافة، ومن هنا عليه ألا يخصهم باللوم والنقد، وكأنه منزه عن ذلك.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء أسلوب التخصيص في خطبته، وأكثر ما يكون هذا مؤلما عندما يخص الخطيب إنسانا بعينه باللوم، أو بتحمل المسؤولية في مشكله معينة، وهذا من شأنه أن يكسر نفس المخصوص باللوم، أو يجعله يتخذ موقفا عدائيا من الخطيب، وربما حذا حذوه أقاربه، ومعارفه، وأنصاره، فليس من حق الخطيب أن ينصب نفسه قاضيا في قضية لم ترفع إليه، ولم يستكمل حق النظر فيها من حيث البينات والقرائن والملابسات المختلفة، ولا يكفي أن يكون قد أخبره بذلك بعض الثقات، فإن الثقة ربما وهم أو أخطأ، وربما تلقى الخبر عن غير متثبت.
والخطيب يجب أن يكون حريصا على تآلف القلوب، ووحدة الأمة، واجتماع الكلمة، وعليه أن يتجافى عن كل ما من شأنه أن يفرق وحدة المسلمين، حتى ولو كان ما يقوله حقا، فقد " قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ، وكان يصلي بالناس إماما ويتلو عليهم كلام الله تعالى: " أفتان أنت يا معاذ؟ " (1) وتدبر كلمة "فتان " المشتقة من الفتنة، والتي جاءت بصيغة المبالغة، فالأخوة بين المؤمنين ليست خيار مصلحة، أو مطلبا اقتصاديا، أو اجتماعيا، أو سياسيا أو جغرافيا، بل هي واجب شرعي، وفريضة إسلامية، قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )  (2).
وقال تعالى: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (3). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المسلم أخو المسلم " (4).
وقال صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو… " الحديث " (5).
وكل إخلال بهذه الحقيقة إنما هو إخلال، وتقصير في فريضة، فكيف يأتي هذا التقصير من قبل الخطيب، وهو يعلم أن هذا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، والنصوص فيها أكثر من أن تحيط بها هذه الورقات.
لذا فإن على الخطيب أن يحذر من كل سبب يؤدي إلى اهتزاز هذه الحقيقة في النفوس، وأن يجتنب كل عبارة أو فكرة تؤدي إلى زعزعتها، ومن ذلك:
1- تخصيص شخص معين بالنقد.
2- تخصيص جماعة معينة بذلك.
3- تخصيص بلد أو جنسية معينة بالفساد وسوء الأحوال.
وهذا لا يقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقصد به مداراة الفساد والمفسدين أيا كانوا، فمما لا يخفى أن هذه المحاذير لا تحول بين الخطيب وبين الصدع بالحق، وهتك أستار الباطل، وتعرية المفسدين دون الحاجة إلى التعيين والتخصيص.
فهدي النبي صلى الله عليه وسلم خير الهدي، وأكمله، وأنفعه، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم عدم التخصيص إلا عندما تدعو مصلحة شرعية راجحة لذلك، ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك من الأحاديث الصحيحة:
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: " صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية " (6).
2- عن عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة قالت: " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، إنما الولاء لمن أعتق " (7).
3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول، ولكن يقول: " ما بال أقوام يقولون كذا وكذا " (8).
4- " عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهر أفضل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، وقال مرة: الذرية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بال قوم جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية "… الحديث " (9).
5- عن أنس " أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أثر صفرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قلما يواجه رجلا في وجهه بشيء يكرهه، فلما خرج قال: " لو أمرتم هذا أن يغسل ذراعيه " (10).
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم " (11).
7- عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين " (12).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، وهي داله على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الحفاظ على مشاعر المسلمين، وعدم مواجهتهم باللوم، وعدم مجابهتهم بالتعنيف.
فتوسع بعض الخطباء في هذا المجال من منطلق الصدع بالحق، وعدم المداهنة فيه، لا يخلو من مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في النصح، وعدم إحكام لفقه الموازنات، وترجيح المصلحة الشرعية، ودرء المفاسد.
(ب) تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات والأحزاب أم الأشخاص
ينفذ الخطيب بحسن أدبه، وقوة بيانه، وجزالة أسلوبه، ورقة عاطفته إلى قلوب الناس وأرواحهم، فيملؤها تأثرا، ومما يعين الخطيب على تحقيق مراده من التأثير إلى جانب ما ينبغي أن يتحلى به من صفات المسلم الكريمة، وخصاله النبيلة، أن يتجنب التجريح في خطبه، فإن تجريح المعينين فضح لأمرهم على رؤوس الأشهاد، ونقل لأخطائهم وعيوبهم من حال السر والستر إلى حال الفضح والعلن. والمسلم مأمور بأن يستر على أخيه المسلم، والمطلوب هنا ستر المسلم العاصي لا ستر المعصية أو التستر على الفساد، ثم الستر عليه من أجل انتشاله من معصيته، وإنقاذه من خطيئته.
فالمنكر لا ينكر بأي أسلوب كان، ولا على أي حال، ومهما كانت نتيجته، بل لإنكار المنكر آداب، وضوابط قد بينها العلماء في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن الستر على العاصي يعني توسيع الفرصة له للأوبة إلى الحق، والرجعة إلى الله تعالى، والتوبة الصادقة من الذنب، ويعني الفسح له في المجلس حتى يجد مكانا بين الصالحين، والستر عليه يعني الصلة بينه وبين أهل الإيمان حتى لا ينفرد به الشيطان فيمعن في إضلاله.
ولئن كان الجرح مشروعا في مواطن مثل جرح الرواة لصيانة الدين، وجرح الشهود، وفي الاستشارة، ونحو ذلك مما بينه العلماء بدليله، فإن مجال الخطبة ليس من هذه المجالات، لأن الجرح في الخطبة تشهير، وإبراز لعيوب الشخص، ونشرها على الملأ، في حين أن الخطيب ينبغي أن يكون حريصا على التقويم لا على التأثيم، وعلى التغيير لا على التعيير، كما أنه ينبغي أن يلتزم بأدب الإسلام في النصح، وأن يراعي ضوابط النصيحة، ولا يجدر به أن يكون أداة لأي اتجاه سياسي، أو حزبي، أو مذهبي لا يستند إلى أصل شرعي، فيندفع إلى الطعن والتجريح بدافع التعصب دون مراعاة لآداب الإسلام وهديه.
ومن المعلوم أن من عرف بالفساد والمجاهرة بالمعاصي، والتمادي في الطغيان، فإنه لا يستحب أن يستر عليه، لكن لا يكون ردعه عن طريق التشهير به، وفضح أمره في الخطب العامة، بل ينصح، ويخوف، فإذا لم يرتدع رفع أمره إلى من له الولاية وحق الردع بالقوة.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: " واعتبر الشيخ تقي الدين المصلحة- أي في هجر المبتدع- وذكر أيضا أن المستتر بالمنكر، ينكر عليه ويستر عليه، فإن لم ينته فعل ما ينكف به إذا كان أنفع في الدين، وأن المظهر للمنكر يجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتا إذا كان فيه كف لأمثاله، فيتركون تشييع جنازته " أهـ.
قال: " وهذا لا ينافيه وجوب الإغضاء، فإنه لا يمنع وجوب الإنكار سرا جمعا بين المصالح " (13).
وقال النووي في شرح صحيح مسلم في قوله صلى الله عليه وسلم " من ستر مسلما ستره الله عز وجل يوم القيامة " (14) وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم. ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، ويؤدي إلى جسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو يعد متلبسا فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيره، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة (15).
إن على الخطيب أن يفرق بين الستر الواجب الذي يكون فيه مصلحة شرعية، وبين ما لا يكون فيه مصلحة شرعية، بل تكون فيه مفسدة، بل ربما فتح باب فتنة وشقاق، أما إذا كان الإنكار للخلاف في الرأي والاجتهاد فإنه لا يسوغ للخطيب أن يذكر اسم شخص أو جماعة معينة، فيصمها بالفساد، أو سوء النية، أو الابتداع في الدين، فإن المنابر ما شيدت للانتصار للرأي، والرد على المخالفين وتقريعهم وتجريحهم، مما يؤدي إلى نشر المنازعات والاختلافات، وتعميق النفرة، وبلبلة العامة، كما أن للآخرين منابرهم التي يقفون عليها، ويردون من فوقها، ويجرحون ويطعنون، إن بني عمك فيهم رماح.
قال العلماء: ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه، أو قلد مجتهدا فيه (16).
وكلما استغنى الخطيب في ألفاظ الجرح عن التعيين كان أولى، إلا أن تكون المصلحة الشرعية بضوابطها تقتضي هذا التعيين، كأن يكون المعين إماما في البدعة، رأسا في الضلالة يخشى على الأمة من ضلاله وبدعته، أو يكون قد حصل لبدعته رواج واغتر بها بعض العامة.
قيل للإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي، ويعتكف، أحب إليك ؟ أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، وهذا أفضل (17).
ولا ينبغي أن يفهم أن جواز التجريح في بعض الأحوال يعني أن للخطيب أن يطلق لسانه بألفاظ السباب والشتائم، واللعنات، والكلمات النابية التي تجرح المسامع فإن المسلم يترفع عن مثل هذه الألفاظ، فليس هو بالسباب، ولا اللعان، والطعان، فإذا كان الخطيب قويا في رده، واضحا في عرضه، دامغا بحجته، أوصل الحجة إلى الناس، وأوضح الحق، وهذا هو الذي يؤثر في قلوب الناس ويملؤها قناعة وثقة، وليس السباب والشتائم.
(ج) تجنب المبالغة والتهويل في الخطبة
النفوس بطبائعها تنفر من المبالغة الزائدة عن الحق، وتفر من التهويل في الكلام، فاتباع الخطيب لهذا الأسلوب من شأنه أن يهز ثقة المخاطبين به، ويفقدهم المصداقية المطلوبة للإقناع والتأثير.
إن المسلم يتمتع بثبوت قياساته للأحداث والوقائع، ودقة موازينه للأمور، ومنهجه في هذا هو الوسطية، التي تعد من خصائص هذه الشريعة، ومن خصائص هذه الأمة.
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (18).
وإنما استحقت الأمة هذه المكرمة، وهي الشهادة على الناس بهذا المنهج الذي تتبعه، وبهذه الشريعة التي تدين بها.
قال الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا في الترهيب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله تعالى أوسطها. أهـ (19).
فهذا الثبوت في ميزان المسلم للأمور، وهذا الوضوح في رؤيته للواقع، جعله أهلا لأن يزن أخبار الناس، وتصوراتهم، وأنماط حياتهم المختلفة، بميزان دقيق، لا يحيف ولا يطيش، فلا يضخم الواقع فيجعله أكبر من حجمه مرات، ولا يصغره ويحقره فيجعله دون ذلك بدرجات.
(وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها، لتعرفها، ولتشعر بضخامتها، ولتقدر دورها حق قدره، ولتستعد له استعدادا لائقا.
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال… في التفكير والشعور، في التنظيم والتنسيق، في الارتباط والعلاقات…. " (20).
المبالغة في المدح
ومن صور المبالغة والتهويل التي على الخطيب أن يتجنبها:
1- المبالغة في المدح:
وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإطراء، والإطراء هو المبالغة في المدح، والمبالغة في هذا تجاوز بالإنسان عن القدر الذي هو له، والمكانة التي يستحقها، وهي في مخالفة الحق لا تختلف عن ذم الإنسان، وأن ينسب إليه من النقص والعيب ما ليس فيه، ومن مساوئ المبالغة في المدح أن الشيطان يستجري المادح، ويستدرجه إلى تقديس الممدوح، وربما إلى تأليهه وعبادته، كما وقع للنصارى مع عيسى عليه السلام، وكما وقع لطوائف من غلاة الرافضة، والمتصوفة، مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مع آل بيته.
روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن مطرف قال: قال لي أبي: " انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله تبارك وتعالى "، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان " (21).
وعن أنس رضي الله عنه " أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: " أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل " (22).
وعن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله " (23).
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: " سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: " أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل " (24).
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: " أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ويلك قطعت عنق صاحبك… ثلاثا " ثم قال: "من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدا، أحسب كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه " (25).
وعن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إياكم والتمادح فإنه الذبح " (26).
وقد تأدب بهذا الأدب الكريم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من العلماء، والصالحين، المهتدين بهديه، عن أيوب أن رجلا قال لابن عمر: يا خير الناس، وابن خيرهم، فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خيرهم، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه (27).
وقال أبو عثمان الشافعي لأحمد بن حنبل: لا يزال الناس بخير ما من الله عليهم بلقائك، فقال له: لا تقل هذا يا أبا عثمان ومن أنا في الناس؟! (28).
وقال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين قال: دخلنا على أبي عبد الله فقال له شيخ من أهل خراسان: يا أبا عبد الله، الله الله، فإن الناس يحتاجون إليك وقد ذهب الناس، فإن كان الحديث لا يمكن، فمسائل، فإن الناس مضطرون إليك، فقال أبو عبد الله: إلي أنا ؟ واغتم من قوله، وتنفس الصعداء، ورأيت في وجهه أثر الغم.
وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: قيل لعمر بن عبد العزيز: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: لا بل جزى الله الإسلام عني خيرا (29).
فعلى الخطيب أن يكون مقتصدا في المدح، وأن لا يجاوز الأدب المشروع فيه سواء أكان الممدوح زعيما، أو قائدا، أو عالما، فليس أجمل ولا أكمل من أدب الإسلام في إنزال الناس منازلهم، وأشد ما يكون المدح إذا جاوز الحد، وكان في الوجه، فإنه لا يؤمن على الحي الفتنة، والله المستعان.
2- المبالغة في الذم:
قال مطرف لابنه: يا بني الحسنة بين السيئتين يعني بين الإفراط والتقصير، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة (30).
وكما أن على الخطيب أن لا يتجاوز الحد في المدح، فإنه لا ينبغي له أن يتجاوز الحد في الذم فيكون عيابا، أو أن يدخل في دائرة الفجور في الخصومة، والمنبر لا يصلح أن يكون منصة للقذائف والتهم والسباب والشتائم، فينبغي على الخطيب أن يتجنب التجريح بالذم للمعين كما تقدم، وليكن ذمه منصبا على ذم المعصية، والهوى، وعلى غير المعينين من أهل البدع، والفساد.
3- المبالغة في ذم الدنيا:
من الأساليب التي يلجأ إليها بعض الخطباء المبالغة والإفراط في ذم الدنيا مما يصور الإسلام بأنه يحارب العمل، والتجديد في الوسائل، ويحذر من الغنى، ويكره للمسلم الاتساع في المكاسب، وهذا فهم خاطئ للإسلام، وإلا فكيف يحث الإسلام المسلم على الإنفاق، والبذل ويجعل يد الباذل هي العليا، ويحثه على تفريج الكربات، وعلى العمل الشريف إذا كان يذم هذا الأمر ويمقته.
إن الإسلام لا يذم الدنيا، بل يذم التكالب عليها، والغفلة بها عن الآخرة، ولا يذم المال بل يذم كسبه من الحرام، وتبذيره في الحرام، وإضاعته فيما لا يحل، ويذم الشح به، والحرص الشديد عليه، حتى يصبح المرء عبدا له، كما قال صلى الله عليه وسلم " تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم والقطيفة " الحديث (31).
قال ابن مفلح: يسن التكسب ومعرفة أحكامه حتى مع الكفاية، نص عليه، قاله في الرعاية، وقال أيضا: يباح كسب الحلال لزيادة المال والجاه، والترفه والتنعم، والتوسعة على العيال، مع سلامة الدين والعرض والمروءة، وبراءة الذمة، وقال ابن حزم: اتفقوا على أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق الله تعالى قبله مباح، ثم اختلفوا فمن كاره وغير كاره.
ويجب على من لا قوت له، ولمن تلزمه نفقته، ويقدم الكسب لعياله على كل نفل، وقد يتعين عليه لقوله صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " (32) ، وهذا الخبر رواه أبو داود، وفي مسلم معناه (33).
ويكره ترك التكسب مع الاتكال على الناس… ويجب التكسب ولو بإيجار نفسه لوفاء ما عليه من دين ونذر وطاعة، وكفارة، ومؤونة تلزمه (34).
فعلى الخطيب حين يعرض للكلام على الدنيا، والغنى، والمال، أن يعرض موقف الإسلام من ذلك عرضا كاملا، مبينا متى تذم الدنيا، ومتى لا تذم، ثم لا تكون كل خطبة مركزة على ذم الدنيا، والمال، وعلى الترغيب في الزهد، والحث عليه، بل يعطي كل ذي حق حقه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قيل له: " ذهب أهل الدثور بالأجور.. " ( ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ) (35) (36).
وأنقل هنا كلاما نفيسا لابن الجوزي رحمه الله في كتابه القيم (تلبيس إبليس) حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث في كسب المال وحفظه: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة. (37).
وليوازن بين المصالح بذكر الترغيب في مقامه، والترهيب في مقامه.
4- التهويل في تصوير الواقع ، والإخبار عن الأحوال والأحداث المتعلقة بالأمة فيكبرها أحيانا مئات المرات، ويصغرها أحيانا أخرى مئات المرات، وتبرز مظاهر هذا التهويل في أمور منها:
1- التهويل في وصف حال المسلمين ومدى ضعفهم، فيصل إلى حكم قاطع بأن الأمة لا شفاء لها من أمراضها، ولا يقظة لها من رقدتها، أو يحكم على المجتمعات عامة بالكفر أو الضلال ومحاربة الإسلام، وليستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا " إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم " (38).
2- التهويل في وصف حال غير المسلمين، وتصوير تلك المجتمعات بأنها تخلو من أي خير، وأنها مجتمعات غاب، وأنها في غضون بضعة سنوات ستسقط وتدمر، والعدل يقتضي أن يذكر مفاسد هذه المجتمعات، وما آلت إليه دون أن يتجاوز الحقيقة في ذلك.
قال الله تعالى: ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (39).
3- التهويل في جعل بعض الأمور عليها مدار عزة الأمة، وتركها هو السبب في ذل الأمة، ولا يعني هذا إهمال هذه الأمور، وعدم الاهتمام بها، لكن يجب أن نضع الأشياء حيث وضعها الشرع، ونحكم عليها بحكمه، فللإسلام أركان، وهناك واجبات، وسنن، وآداب، ومروءات، فالجهاد ليس كقص الشارب، والصلاة ليست كإعفاء اللحية، مع أن الكل من الدين.
لكن بعض الخطباء يجعل موضوع خطبته سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون موضوع خطبته حول خلق من الأخلاق الإسلامية، فيسوق كل ما يستطيع من الأدلة، والقصص والأشعار وغير ذلك، ثم يربطه ربطا غير موزون بحال الأمة، وأسباب هزائمها، وتأخرها عن ركب الأمم مما يرسخ في ذهن السامعين أن أسباب ذلك كله تنحصر في هذا الأمر بعينه، بل ربما قال ذلك صراحة.
4- التهويل في الربط بين الأحداث، بحيث يجعل كل مؤتمر وراءه مؤامرة، وكل خبر وراءه مكيدة، وكل جديد قصد به المكر والإفساد، وهكذا يتم الربط عشوائيا، ودون مستند بين الأحداث صغيرها وكبيرها.
نعم لا ينكر أن يكون المسلمون دائمي الحذر واليقظة، وأن لا يحسنوا الظن بعدوهم، وأن يكونوا على قدر كبير من الوعي بالعالم من حولهم، والنظرة الثاقبة للأساليب الخفية التي تحاك لتدمير الأخلاق، وشيوع الفساد، لكن تهويل الأمور والوسوسة بكل شيء حوله ليس من الوعي في شيء، ولا من اليقظة في شيء.
5- التهويل في الحكم على الأشخاص كالحكم على ظالم معين بأنه من أهل النار، أو أنه ملعون، أو أكفر من فرعون وهامان، أو الحكم لشخص معين بأنه شهيد قطعا، أو أنه يتقلب في الجنة، ونحو ذلك من الأحكام القاطعة التي تتنافى مع عقيدة المسلم وثوابته، وتتعارض مع منهج الإسلام الذي يوجب العدل في الرضا والغضب، والقصد في الحب والبغض، وأن لا يجزم لأحد بجنة أو نار إلا من ثبت فيه نص.
عن علي رضي الله عنه أنه قال: هل تدري ما قال الأول ؟ أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما (40).
وعن عمر رضي الله عنه قال: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، فقلت: كيف ذاك ؟ قال: إذا أحببت كلفت كلف الصبي، وإذا أبغضت أحببت لصاحبك التلف. (41).
ومن هذا التهويل المبادرة إلى التكفير، والتفسيق، والتسرع في التبديع والتأثيم، والقول: والله لا يغفر الله لفلان، وفلان لا يشم رائحة الجنة، ونحو ذلك من الألفاظ والأحكام التي فيها تأل على الله تعالى، وقول عليه بغير علم، ومنه كذلك اعتماد أسلوب التهييج، والتحميس الزائد عن الحد لقضية لا تستحق مثل هذا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر يقول: مذنب، فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه، فيقول: خلني وربي، حتى وجده يوما على ذنب يستعظمه، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا ؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي ؟ فقال: لا يا رب، قال: اذهبوا به إلى النار"(42). هذه نماذج من المبالغات والتهويلات التي لها آثار سيئة تنعكس على الأمة، فعلى الخطيب أن يتجنبها، ومن هذا القبيل التهويل من دور الأعداء، كالتهويل من شأن اليهود، وأنهم يملكون القدرة على كل شيء، ويملكون من الطاقات والقدرات المادية والعقلية ما ليس له حدود، وأنهم يديرون العالم كله صغيره وكبيره، ومثل هذا التهويل قد يكون لليهود أنفسهم دور في صناعته ونشره بين الناس لما يحصدون من جراء ذلك من مكاسب ومصالح.
ويحسن بنا هنا أن نذكر قصة يهود بني النضير مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يملكون من الحصون والقلاع، والأموال ما جعل كثيرا من معاصريهم يبهر بقوتهم وحصونهم، ولا يتصور أن يغادروا هذه الحصون في يوم من الأيام.
قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (43).
(د) تجنب التيئيس وما يولد الإحباط عند المخاطبين
الخطابة من المهام القيادية في الناس، والخطيب قائد بهذا المعنى لفصيل من فصائل المجتمع يعده ويوجهه، ولا يصح أن يفت في عضده، فيملأ نفوس أفراده بالوهن واليأس، ويقتل فيهم الثقة والطموح، والتطلع إلى التغيير والإصلاح.
ولا يصح أن يخاطبهم بروح المهزوم المحبط، فإن الخطيب إذا سرت إلى نفسه روح اليأس سرت إلى مستمعيه، وإلى مجتمعه، فكان خاذلا متخاذلا، وما زال للخطباء البارعين دور كبير في إيقاظ الأمة، وفي رفع الهمم، ودرء الفتن، وكم من خطبة حولت الهزيمة إلى نصر، والضعف إلى قوة، والقلة إلى كثرة، وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان.
واليأس إذا استولى على فرد أحاله إلى عضو مشلول في مجتمعه لا يصنع خيرا، ولا يدفع ضرا، وإذا استولى على أمة من الأمم أحالها إلى أمة واهنة خائرة تستسهل الهوان، وتألف الذل، وتستمرئ التقليد، وتكون نهبا لأعدائها، وقصعة مباحة لآكليها.
ومن هنا فقد حذر الإسلام من اليأس، وجعله على النقيض من الإيمان فلا يلتقيان في قلب، إيمان كامل ويأس مطبق.
قال الله تعالى: ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (44).
قال الطبري في تأويلها: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه ( إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (45) يعني القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء تكوينه (46).
فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييئسون من روح الله، ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق، وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب (47).
ومما يمنع المسلم من اليأس مهما حاصرته الخطوب، وأحدقت به وبأمته المحن الأمور التالية:
1- الإيمان القوي بقضاء الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان، وأصول العقيدة.
2- الثقة بوعد الله سبحانه، وبنصره لمن أطاعه، وبدفاعه عن الذين آمنوا، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، ولكنه يبتلي العباد.
قال جل وعلا ( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (48).
وقال جل ذكره: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) (49).
وقال سبحانه: ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (50).
3- الوعيد الشديد على اليأس، لكونه قنوطا من رحمة الله، وسوء ظن بالله جل وعلا، واستبعادا لوعد الله تعالى ونصره، وهذا إنما يتصف به الضالون لا المؤمنون، قال جل ذكره: ( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ)   (51).
وقال ابن عباس: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله " (52).
قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد العاصي في حاشيته على كتاب التوحيد: " القنوط استبعاد الفرج، واليأس منه- والفرق بينهما لطيف- وسوء الظن بالله، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم منافيان لكمال التوحيد.. " وقال الشيخ: " القنوط بأن الله لا يغفر له، إما بكونه إذا تاب لا يقبل توبته، وأما أن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة، بل هو مغلوب معها، فهو ييئس من توبة نفسه ".
وقال في معنى اليأس من روح الله: وذلك إساءة ظن بالله، وجهل بسعة رحمته، وجوده ومغفرته (53).
4- ثمرة اليأس المرة، ونتائجه الوخيمة على الفرد خاصة، وعلى الأمة عامة، فاليأس بالنسبة للفرد قطع لأسباب الأمل، وإغلاق لأبواب التوبة في وجهه، أما بالنسبة للأمة فهو هدم لعزتها، وقطع لاتصالها بأسباب التقدم والإبداع، فعلى الخطيب أن يحذر من أسلوب التيئيس الذي يبث الوهن والخذلان في الأمة، ويقذف اليأس والإحباط في نفوس أبنائها، بل عليه أن يبث فيها روح العزة، والاستعلاء الإيماني، وعظيم الثقة بالله تعالى، والثقة بوعده وبنصره وحفظه لدينه، فإن الأمم تجري عليها سنن الله، وهذه بعض النصوص التي تبين حتمية الظهور لهذا الدين، وأنه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، والله غالب على أمره، وله الأمر من قبل ومن بعد.
(أ) قال الله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (54 ) وقال جل وعلا: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (55).
(ب) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها " (56).
(ج) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر- أي: طين وشعر- إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل " (57).
(د) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مدينة هرقل تفتح أولا، يعني القسطنطينية "       (58).
(هـ) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (59).
(و) عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا أراد أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت " (60).
ومما يجنب المسلم الشعور باليأس، ويملأ نفسه ثقة وأملا بالله تعالى، ويجعله مغتنما لفرص الحياة حتى اللحظة الأخيرة منها ما روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها " (61).
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: " إن سمعت بالدجال قد خرج، وأنت على ودية تغرسها، فلا تعجل أن تصلحها، فإن للناس بعد ذلك عيشا " (62).
إن من مهام الخطيب أن يعمل على بعث روح العزة في الأمة، وأن المستقبل لديها، وأن الرفعة لها، والكرامة والتمكين في الأرض ما استمسكت بهذا الدين، واعتصمت بحبل الله المتين، وهذا ليس ادعاء يدعيه، ولا وهما يخدر به عقول الناس وأفكارهم بل هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو ما شهد به كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم، ونطقت به حوادث التاريخ، وشاهد السنن الإلهية.
أما الكبوة الحاضرة، والعلة القائمة فمرض طارئ، واعتلال عارض ما يلبث أن تبل الأمة منه إن شاء الله تعالى، بالعودة الصادقة إلى دينها الحق.

(1) البخاري الأدب (5755) ، مسلم الصلاة (465) ، النسائي الإمامة (835) ، أبو داود الصلاة (790) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (986) ، أحمد (3/299) ، الدارمي الصلاة (1296).
(2) سورة الحجرات آية : 10.
(3) سورة الأنبياء آية : 92.
(4) رواه مسلم (البر والصلة- 2580).
(5) رواه البخاري (الأدب- 6101) ، ومسلم ( البر والصلة – 2586).
(6) رواه البخاري (الأدب- 6101).
(7) رواه البخاري (العتق 5 167) ومسلم (العتق رقم 1504).
(8) رواه أبو داود (الأدب- 4788) بإسناد لا بأس به.
(9) رواه أحمد (3 435) والدارمي (2 223) والحاكم (2 123) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، وانظر: (سلسلة الأحاديث الصحيحة 402).
(10) رواه أبو داود (الترجل- 4182) والبخاري في الأدب المفرد (ص155 رقم 437).
(11) رواه مسلم (الصلاة- 117 ، 118).
(12) رواه مسلم (2 591) ، وودعهم أي: تركهم.
(13) الآداب الشرعية ( 1 234).
(14) البخاري المظالم والغصب (2310) ، مسلم البر والصلة والآداب (2580) ، الترمذي الحدود (1426) ، أبو داود الأدب (4893) ، أحمد (2/91).
(15) شرح مسلم (16 135).
(16) الآداب الشرعية ( 1 166).
(17) مجموع الفتاوى (28 231).
(18) سورة البقرة آية : 143.
(19) تفسير ابن جرير (2 8-9).
(20) في ظلال القرآن ( 1 130- 131) بتصرف.
(21) المسند (4 25) ، سنن أبي داود (الأدب- 4806) ولفظه لا يستجرينكم.
(22) رواه البيهقي بإسناد جيد.
(23) رواه البخاري (الأنبياء- 3445).
(24) رواه البخاري (الشهادات- 2663) ومسلم (الزهد- 3001).
(25) رواه البخاري (الشهادات- 2662) ومسلم (الزهد – 3000).
(26) ابن ماجه بإسناد حسن (الأدب- 3743).
(27) الآداب الشرعية (3 456).
(28) الآداب الشرعية (3 454).
(29) الآداب الشرعية (3 455).
(30) الحقحقة: أسرع السير وأتعبه. وانظر: عيون الأخبار لابن قتيبة ( 1 447- 448).
(31) أخرجه البخاري (الجهاد- 2886).
(32) مسلم الزكاة (996) ، أبو داود الزكاة (1692) ، أحمد (2/195).
(33) رواه أبو داود (الزكاة- باب في صلة الرحم 1692) ومسلم بلفظ: أن يحبس عمن يملك قوته (996).
(34) الآداب الشرعية (3 265).
(35) سورة المائدة آية : 54.
(36) رواه البخاري ( الأذان- 843) ومسلم هذا لفظه (المساجد- 595).
(37) تلبيس إبليس (ص 179).
(38) رواه مسلم (البر والصلة – 139) ، والبخاري في الأدب المفرد (760) ، وأهلكهم: ضبط بضم الكاف وفتحها.
(39) سورة المائدة آية : 8.
(40) رواهما البخاري في الأدب المفرد (1328- 1329).
(41) رواهما البخاري في الأدب المفرد (1328- 1329).
(42) حديث صحيح رواه أحمد (2 222) وأبو داود (الأدب – النهي عن البغي 4901).
(43) سورة الحشر آية : 2.
(44) سورة يوسف آية : 87.
(45) سورة يوسف آية : 87.
(46) جامع البيان في تأويل القرآن (7 284).
(47) في ظلال القرآن (4 2026).
(48) سورة الروم آية : 47.
(49) سورة الحج آية : 38.
(50) سورة غافر آية : 51.
(51) سورة الحجر آية : 56.
(52) أخرجه عبد الرزاق.
(53) حاشية كتاب التوحيد (ص 256).
(54) سورة التوبة آية : 32.
(55) سورة التوبة آية : 33.
(56) رواه مسلم (الفتن- 3889). <

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات