طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

18340

مثاقيل الحسنات والسيئات

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي الملقا / جامع الشيخ صالح الخالد /
التصنيف الرئيسي : الحياة الآخرة التربية
تاريخ الخطبة : 1442/03/20
تاريخ النشر : 1442/03/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/من مواقف يوم القيامة 2/ الأعمال التي تثقل في الميزان 3/أحوال تعظم فيها السيئات.
اقتباس

وأعظمُ الفَقْدِ هو فَقْدُ الوَلَدِ، ويزدادُ الألم إذا كان صالحا نافعا، فالصبر عند هذه المصائبِ المحزنةِ الـمُشْجِيةِ، من الحسنات الثقال، يقول -صلى الله عليه وسلم-: “بَخٍ بَخٍ ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَاللَّهُ أَكْبَرُ, وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى…

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

الحمد لله هدانا للإسلام، واختصنا بنبوة خير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه, ومن تبعهم إلى دار السلام, أما بعد:

 

إخوة الإيمان: نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِ الآخِرَةِ؛ مَا يُحْيِي القلوبَ السَّادِرَةِ، وَيُوْقِظُ النُّفُوْسَ اللَّاهِيَةِ, يومُ الآزِفَةِ أَهْوَالٌ وَفَظَائِع، وَخُطُوبٌ وَشَنَائِع، صَوَّرها القُرْآنُ وَأَعَادَ.

 

تأَمَّلْ مَعِيَ شيئاً مِنْ هذا الموقف؛ رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ، تَبعَتْهَا الرَّادِفَةُ، وَقَامَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، عارِيةً أبدانُهم، شاخصةً أبصارُهم، حافِيةً أقدامُهم، ذابِلةً شِفاهُهم، قد انخلعتْ قلوبُهم مِنْ هَوْلِ ما يَرَوْنَ؛ (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)[هود: 103].

 

في ذلك اليوم؛ يَفِرُّ المرءُ مِنْ أَخِيْهِ، وأمِّهِ وأَبِيْه، وزوجَتِه وَبَنِيْه؛ لكل امرئ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه.

 

في ذلك اليوم؛ يقول الكافرُ: يا ليتني كنتُ ترابا!، ويودُّ المجرم لو يَفْتدي بِمَنْ في الأرض جميعا؛ ليكون من الناجين.

 

في ذلك اليوم؛ يُنصب الميزان؛ لِيُوزن به أعمالُ كلِّ إنسان، ميزانٌ حسَّاسٌ دَقِيْقٌ، يَحْسُبُ الذَّراتِ والنَّقِيْر، والفَتِيْلَ والقِطْمِيْرَ؛ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء: 47].

 

عند الميزان تَطِيْشُ العُقول، ويـَحْصُلُ الذُّهولُ، وتَقُفُّ الشعور، فلا يَذْكُرُ العبدُ إلا نفسَهُ، فما بعد الميزان  إلا الجنة أو النار؛ (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)[المؤمنون: 102، 103].

 

بَكَتْ أُمُّنَا أَمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- يَوْمًا، فَسَأَلَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ سَبَبِ بُكَائِهَا؟؛ فَقَالَتْ: “ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ, فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟”، فَقَالَ -عليه الصلاة والسلام-: “أَمَّا فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ؟، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ؛ فِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَجُوزَ؟“.

 

في ذلك الموقفِ أغلى أُمْنِياتِ العبدِ حسنةٌ تُضافُ إلى ميزانِه، فما بالكم إذا جاءت تلك الحسنةُ وهي ثَقِيْلةٌ عظيمةٌ في الميزان؛ فأيُّ شعورٍ سَيَلْقَاهُ ذلك الإنسانُ؟! وأيُّ فرحةٍ تَغْمُرُ فؤادَهُ، وتَلُفُّ كَيَانْه؟!.

 

ابشروا -يا أهل الإيمان- فثمَّةَ أعمالٌ صالحات، وطاعاتٌ يسيرات، تثقُلُ بها الموازِينُ، حرِيٌّ بكلِّ عَبْدٍ يَخشى ذلك اليوم ويَوْجل، أن يتلمَّسها ويَتَمَسَّكَ بها ويَعْمَل.

 

أولى تلك الأعمال التي تثقل في الميزان: تحقيق التوحيد، للملك المجيد, إذا استقرَّ التوحيد في قيعان القلوب؛ أثمر إخلاصاً لله وحباً، وتوكلاً عليه وترهباً؛ فلا يدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه، لا يستغيث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يحلف إلا به, لا يتخذ من دون الله متبوعين، ولا يعرف طريق السحرة والمشعوذين.

 

إذا غمر التوحيد الوجدان، أخلص العبد في أعماله، فلم يراءِ ولم يُسمِّع, ولم يحدث أمراً في دينه ولم يبتدع، ولم يأتِ بما يَنْقضُ هذا التوحيد أو يُفْسده.

 

هذا العبد قال صدقاً, وعَمِلَ حقاً بكلمةِ التوحيدِ “لا إله إلا الله”؛ فلذلك تثقل في ميزانه, وتنجيه لا إله إلا الله, روى الترمذيُّ وغيرُه وهو حديث صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاصِ -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنَّ الله سَيُخَلِّصَ رجُلاً مِنْ أُمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيَنْشُرُ له تسعة وتسعين سِجلاً، كلُّ سِجلٍّ مِثْلُ مدِّ البَصَر، ثم يقول: أتُنْكرُ من هذا شيئاً؟ أظلمَك كتبتي الحافظون؟, فيقول: لا، يا ربِّ!، فيقول: أفلَك عذر؟, فيقول: لا يا رب!، فيقول الله -تعالى-: “بلَى؛ إنَّ لك عِندَنا حسنة، فإنه لا ظُلْمَ اليوم، فتُخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهَدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، فيقول: احضُرْ وزنك، فيقول: يا ربِّ! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟, فيقول: فإنَّك لا تُظْلَمُ، فتُوضَعُ السجلاتُ في كفَّة، والبطاقة في كفَّة؛ فطاشت السِّجلات، وثَقُلَتِ البطاقةُ، ولا يثْقُلُ مع اسمِ الله شيء“.

 

معاشر المؤمنين، ومن أعظم ما تثقُلُ به الموازِينُ: أن يتحلى العبد بمكارم الأخلاق، ونبل الآداب, حدثنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقَلُ من حُسن الخُلُق“(رواه أبو داود وغيرُه وهو حديث صحيح), وقد جاءت النصوص عن النبي المعصوم -صلى الله عليه وسلم- رافعة من شأن الخُلق، مبيِّنةً سَبْقَهُ على كثيرٍ من العبادات، وحللِ الطاعات.

 

أُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ جَهْدِيْ *** وَأَكْرَهُ أنْ أَعِيْبَ وَأَنْ أُعَابَا

وأَصْفَحُ عَنْ سِبَابِ النَّاسِ حِلْماً *** وَشَرُّ النِّاسِ مَنْ يَهْوَي السِّبَابَا

 

عباد الله: وأَيْسَرُ ما تَثْقُلُ به الموازين، وكم نحن فيه من المفرطين: هو ذِكرُ الله -تعالى-؛ فأذكار مخصوصات، وأوراد معلومات، محبَّبة للملك الكريم؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فصلت: 35], يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: “كلِمتانِ خفيفَتَانِ على اللِّسانِ، ثقِيلَتَان في الميزان، حبِيبَتَانِ إلى الرحمن: سُبحان الله وبحمدِه، سُبحان الله العظيم“, وفي صحيح مسلم يقول -صلى الله عليه وسلم- قال: “الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ لله تملأُ الميزانَ، وسبحان الله والحمد لله تملآن, أو تملأ ما بين السماوات والأرض“.

 

عباد الله: ومن حقِّ الميتِ المؤمن، أن يُصلَّى عليه وتُتَّبَعَ جنازتُه حتى يدفن، وهذا العملُ اليسير، هو في الميزان عظيمٌ وكبيرٌ، يقول -عليه الصلاة والسلام-: “مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا؛ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ؛ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ“، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: “مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ“(رواه البخاري), وفي رواية عند أحمد: سئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ الْقِيرَاطِ؛ فَقَالَ “مِثْلُ جبل أُحُدٍ“.

 

إخوة الإيمان: وأعظمُ الفَقْدِ هو فَقْدُ الوَلَدِ، ويزدادُ الألم إذا كان صالحا نافعا، فالصبر عند هذه المصائبِ المحزنةِ الـمُشْجِيةِ، من الحسنات الثقال، يقول -صلى الله عليه وسلم-: “بَخٍ بَخٍ!، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَاللَّهُ أَكْبَرُ, وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى؛ فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ“(أخرجه الإمام أحمد وغيره وصححه الألباني).

 

تلك -عباد الله- بعض الأعمال الصالحة التي ثبت عن نبينها -صلى الله عليه وسلم- أنها تثقل في الميزان، جعلنا الله وإياكم من أهلها العاملين، وعلى صراطه من الثابتين.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)[القارعة: 6 – 11].

 

قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ قَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

 

فيا إخوة الإيمان: وكما يثقل الميزان بأعمال صالحات؛ كذلك السيئات، ثقل في الميزان وتعظم، وثِقَلُها من حيث الكيف وليس العدد, فتعظم إذا كانت في مكانٍ شريف، كحرم الله؛ (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج: 25]، فإذا كان هذا وعيد من أراد السيئة، فكيف بمن فعلها؟!.

 

وتعظم إذا كانت في زمن فاضل؛ قال -تعالى- عن الأشهُر الحرم: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة: 36].

وتعظم السيّئة -أيضًا- إذا صدرت ممَّن هو قدوة للنَّاس، ومحلٌّ للتأسِّي به؛ (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)[الأحزاب: 30].

وتعظم السيِّئة -أيضًا- إذا ضعف داعيها؛ “ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّاب، وعائل مستكبر“(رواه مسلم).

 

وبعد -عباد الله- فحري بكل مؤمن أن يفقه مثاقيل الحسنات والسيئات، وألا يستحقر شيئاً منها؛ فلا يدري لربما كان ما صغَّرتْهُ العينان سبباً لدخول الجنان، أو البوار في النيران!.

 

ورَحِمَ اللهُ عبداً تَدَارَكَ نفْسَهُ قَبْلَ الفَوَاتِ؛ فَلَزِمَ صَالِحَ الطَّاعَاتِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالحاتِ، فَمَنْ زَرَعَ فِي دُنْيَاهُ، حَصَدَ فِي أُخْرَاهُ، وَمَنْ تَغَافَلَ عَنْ بَذْرِ الْحَصَادِ، تَأَوَّهَ نَادِمًا يَوْمَ التَّنَادِ.

 

الملفات المرفقة
مثاقيل الحسنات والسيئات
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات