طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

18176

يقولون ويفعلون

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - بريدة / حي الوزير / عوف بن مالك /
التصنيف الرئيسي : الأخلاق المحمودة التربية
تاريخ الخطبة : 1442/02/15
تاريخ النشر : 1442/02/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تخلف الكثيرين عن العمل في زماننا 2/نماذج قرآنية للإيجابيين 3/دوافع نحو الإيجابية والعمل 4/صور من اندفاع الصحابة نحو العمل 5/معينات تدفع المسلم للعمل.
اقتباس

أهل التنفيذ والعمل بالعلم قوم لا يعيشون في وسط ضعيف الهمة لا يهتم بمعالي الأمور, وكلما هممت بالنهوض جذبوك إلى الدنيا وغروك قائلين: “ساعة وساعة, وعليك ليل طويل فارقد”, فإن أردت همة في العمل الصالح فاحذر من مجالسة المثبطين…

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

الحمد لله ذي الملك والجلال, المتصف بصفات العظمة والكمال, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو شديد المحال, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, ذو الخلق الحسن وجميل الفعال, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

 

أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- وقولوا قولا سديدا, واعملوا صالحا؛ إنه بما تعملون بصير.

 

من عالم مليء بالكلام, متخم بالأقوال, تتلى فيه آيات وتقرأ فيه أحاديث, وفتاوى تقرع المسامع دون أن تحدث أثرا يذكر, أو تغير من واقع مؤلم!.

 

من عالم لا تعجز أن تجد فيه متكلمين كثيرين, ممن يحسنون تنميق الكلام ويتشدقون به, لكنك ستجد مشقة وعناء في الحصول على من يعمل بعلمه ويطبق ما يسمع؛ فهؤلاء وجودهم عزيز وهم في الأمة قليل!.

 

من عالم تجد فيه من يحمل المؤهلات العلمية العالية, وإذا تكلم أخذ بمجامع القلوب, لكنه لا يحسن صلاته ولا يضبط صِلاته, وله من خوارم المروءة والدين نصيب!.

 

من هذا العالم أنقلكم إلى حيث الإيجابية الحقة والتفاعل المثمر, والعمل بالعلم والتطبيق لما يسمع؛ (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)[الأحقاف: 29], (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)[الجن: 1], (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)[المائدة: 83]؛ إنها الإيجابية الحقة والتفاعل المثمر التي تمثلها الجن, وهم يستمعون الموعظة والذكرى.

 

حينما سمعوا كلمات النصح والتوجيه أبدوا رأيهم وأعلنوا حكمهم؛ (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)[الجن: 1], ولكنهم لم يكتفوا بمجرد إصدار الأحكام على الكلام بل أتبعوا ذلك بالتطبيق والعمل؛ (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)[الأحقاف: 29], (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)[الجن: 2].

 

وهكذا كانت الأجيال الفاضلة حينما كانوا لا يتجاوزون عشر آيات, حتى يتعلموا ما فيها من أحكام ويعملوا بها, وحينما كان أحدهم يسلم ويتعلم أصول دينه, ثم ينطلق إلى قومه داعيا ومنذرا!.

 

إن أهل الجدية يشغلون أنفسهم بالعمل, فإذا تكلموا أحكموا زمام ألسنتهم من أن تهذي بما ليس من طبعها, أو بما لا تستطيع الوفاء به, قال أنس -رضي الله عنه-: غاب عمي -أنس بن النضر- عن قتال بدر, فقال: يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين, لئن الله أشهدني قتال المشركين؛ ليرين الله ما أصنع, فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: “اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين-, وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-“, ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال له: إلى أين يا أنس؟! قال: يا سعد! الجنة ورب النضر, إني أجد ريحها من دون أحد, ثم قاتل حتى قتل, قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف, أو طعنة بالرمح, أو رمية بالسهم, ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون, فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه, وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)[الأحزاب: 23].

 

إن هؤلاء يتعلمون فيعملون؛ لأن جذوة الإيمان حية في قلوبهم, تهز قلوبهم كلمة “واجب”, وكلمة “حرام”, والإيمان هو مصدر الطاقات المتجددة, بل هو الحارس والحامي لصاحبه من أن يهمل أو يقصر, أو يصر على الأخطاء؛ “لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْني وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ“, وعليه فإن المسلم إذا ترك هذا الإيمان بدون تجديد وتعاهد؛ فإن جذوته ستخبو أو تضعف في النفس, وتكون العاقبة تركا للتطبيق وتهاونا بالعمل.

 

إن ذلك الجيل يسأل ليطبق ويتعلم ليعمل, وغايتهم التطبيق الفوري والتنفيذ العاجل, هذا أبو جُرَيِّ -رضي الله عنه- يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني رجل من أهل البادية وفيَّ جفاؤهم فأوصني؛ فقال: “لاَ تَسُبَّنَ أحَداً“, قال: “فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّاً, وَلاَ عَبْداً, وَلاَ بَعِيراً, وَلاَ شَاةً”, ولما قال -صلى الله عليه وسلم-: “نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ؛ لَوْ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“؛ ما ترك عبدالله بن عمر قيام الليل بعدها!.

 

ولما أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عليا وفاطمة بالتسبيح والتحميد والتهليل عند النوم, ما ترك علي -رضي الله عنه- ذلك حتى ليلة صفين؛ إنهم لا يأتون إلى  الخطب والمحاضرات والدروس من باب إبراء الذمة في العبادة, أو تقليدا وعادة, أو بحثا عن الإثارة ومعرفة الجديد, ولا يأتون مجالس الذكر والوعظ محملين بالشعور بالكمال والاستغناء, لقد ترسخ عندهم مفهوم العلم للعمل والتلقي للتنفيذ؛ لأن التنفيذ يزيد المسلم رسوخا وثباتا؛ (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا)[النساء: 66].

 

إنهم جيل يستمعون الذكر فيتبعونه بالعمل؛ لأنهم يرون في القدوات أنموذجا يحتذى في المسارعة للخيرات, واقتران القول بالفعل, حذرين من التهديد الإلهي: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)[الصف: 2]؛ ولذا فقد ترجم رسولنا -صلى الله عليه وسلم- الكثير من المعاني التي يريد إيصالها إلى الناس من خلال سيرته فيهم, ومعاشرته لهم بالمعروف والخلق الحسن.

 

إنهم لا يرون قدوات يتحدثون عن المسارعة في الخيرات وهم آخر من يأتي في الجمعة والجماعة, ويتحدثون عن الحجاب والحشمة والحياء ونساؤهم يظهر منهن التساهل, والكلام المجرد من الأفعال لا قيمة له ولا أثر!.

 

إنهم جيل التنفيذ والتطبيق؛ لأنهم يستشعرون الأجر والثواب على كل خير يدعون إليه, فإن الاستمساك بالشيء والعض عليه بالنواجذ مرتبط بالتصور الصحيح له, وللمنافع والفوائد المرتبطة به, ومن لم يكتمل عنده التصور لحقيقة هذا الأجر؛ فإنه يستلذ النوم والراحة, ويضن بالتعب والمجاهدة في سبيل الله؛ وبالتالي يتساهل بالتطبيق والتنفيذ!.

 

تأمل كيف امتلأت نفس عمير بن الحمام -رضي الله عنه- حماسة واجتهادا في طلب الشهادة, عندما تذكر أجر الجهاد وأيقن بحسن الجزاء, وعندما قال -عليه السلام-: “أنت من أهل الجنة“؟! فاستطال الحياة وألقى بتمراته وقاتل حتى قتل, ومن لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف.

 

قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فإن أهل التنفيذ والعمل بالعلم قوم لا يعيشون في وسط ضعيف الهمة لا يهتم بمعالي الأمور, وكلما هممت بالنهوض جذبوك إلى الدنيا وغروك قائلين: “ساعة وساعة, وعليك ليل طويل فارقد”.

 

فإن أردت همة في العمل الصالح فاحذر من مجالسة المثبطين من أهل التبطل والتعطل واللهو والعبث؛ فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري, وليس إعداء الجليس لجليسه بمقاله وفعاله فحسب بل حتى بالنظر إليه!.

 

إنهم جيل عرف كيف يقرن بين الخوف والرجاء, فليس هو جيل يتعلق بأحاديث الرجاء متناسين أحاديث الخوف والوعيد.

 

لقد تقاعس الكثيرون عن تطبيق الأوامر وتنفيذها استنادا إلى عفو الله ومغفرته, متناسين أن مغفرة الله لا يستحقها إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى, وأن رحمته سيكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياته يؤمنون.

 

إنهم جيل فهم حقيقة الاستقامة والتدين, وأنها ليست كلا لا يتجزأ؛ فإما استقامة كاملة, وإما إخلال كامل بأوامر الله, وارتكاب فاحش لنواهيه.

 

إنهم يستشعرون قول الحق: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)[التوبة: 102], ويوقنون بقول المصطفى: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ“, فمن أراد اللحاق بركبهم فليفعل ما يستطيع من الطاعات, وليطبق ما يقدر عليه ولو كان متلبسا بذنوب أخرى, مع المجاهدة على تركها, ولأن تلقى الله وقد خلطت عملا صالحا وآخر سيئا خير من أن تلقاه وقد أحاطت بك خطيئتك بصحيفة سوداء, قد سطرت بعظائم الأمور وكبائر الذنوب.

 

أخي المسلم: لكي تندفع نحو العمل وتتبع الموعظة تطبيقا وتنفيذا فتذكر؛ تذكر أن سلعة الله غالية وسلعته هي الجنة, وهي مطلوب كل مسلم ومفتاحها العمل, لا مجرد الاستماع والقول؛ (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[النحل: 32].

 

وتذكر أن النار التي يرهبها كل مسلم لا نجاة منها إلا بالعمل؛ (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا)[مريم: 72], وتذكر أن من عمل صالحا فلنفسه, وأن الله غني عن عباده, وتذكر أنك مسؤول أمام الله عما علمت؛ فماذا أنت قائل؟, فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل: عن علمه ماذا عمل به؟.

 

وتذكر أن العمل الصالح هو السبيل إلى عون الله وتأييده, وهو السبب في سكينة النفس وطمأنينة القلب؛ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97].

 

حاول التوفيق بين القيام بالطاعات وأداء ما عليك من الواجبات؛ فإن لربك عليك حقا, ولنفسك عليك حقا, ولأهلك عليك حقا؛ فأعط كل ذي حق حقه, واعمل فإن لم تستطع فأعن غيرك, فإن لم تستطع فكف شر نفسك.

 

والأهم ثم المهم هو ترتيب الأولويات؛ فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة, والواجب الضيق مقدم على الواجب الموسع.

 

وأخيرا: إن كنت عازما على التطبيق فاستعن على ذلك بالدعاء؛ فالتوفيق للعمل فضل من الله يؤتيه من يشاء.

 

فاسأل الله أن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته, اللهم إنا نعوذ بك أن نقول زورا أو نغشى فجورا أو أن نقول ما لا نفعل.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

الملفات المرفقة
يقولون ويفعلون
عدد التحميل 25
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات