طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17869

كيف تفوز بالشفاعة يوم القيامة؟ -2

المكان : المملكة العربية السعودية / الهفوف / حي الصيهد / جامع الصيهد /
التصنيف الرئيسي : الإيمان الحياة الآخرة
تاريخ النشر : 1441/11/30
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/من أنواع شفاعات النبي -عليه الصلاة والسلام- 2/الحكمة في تنقل الناس بين الأنبياء لطلب الشفاعة 3/أعمال من فعلها فلا حساب عليه ولا عذاب.
اقتباس

وتعتبر هذه الشفاعة من الشفاعات التي سيختص بها النبي-عليه الصلاة والسلام- دون سائر الأنبياء؛ ولهذا فإن المسلم ليفرح بموت أطفال المشركين؛ ليقل نسلهم من جانب، ولأن الله -تبارك وتعالى- أنقذ أولئك الأطفال من الخلود في النار بشفاعة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- لهم، فلله الحمد والمنة على واسع رحمته التي لا يدركها كثير من الناس…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:

 

أيها الأحباب: إن من عقيدة أهل السنة والجماعة إيمانهم بشفاعة النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- يوم القيامة، وقد ذكرنا في الخطبة السابقة أن للنبي -عليه الصلاة والسلام- عدة شفاعات يوم القيامة, وقد استعرضنا أول تلك الشفاعات؛ وهي الشفاعة لبدأ الحساب، وتلك الشفاعة تبين مكانة النبي -عليه الصلاة والسلام- عند الله -عز وجل- أمام سائر الأمم، إلا أن هذه الشفاعة سيستفيد منها عامة الناس مسلمهم وكافرهم، إلا أن هناك سلسلة أخرى من الشفاعات والتي منها:

أولاً: الشفاعة لاستفتاح أبواب الجنان؛ فإذا عَبَرَ المؤمنون الصراط اقتص بعضهم من بعض على قنطرة؛ لإزالة الأحقاد التي كانت بينهم في الدنيا, وإظهاراً لعدله -سبحانه وتعالى-، ثم تزلف لهم الجنة, فإذا أطلت عليهم بأسوارها وأنوارها وقصورها, طارت قلوبهم شوقاً لدخولها، إلا أنهم يفاجؤون أنَّ أبوابها الثمانية مغلقة ولا تفتح لهم، فيهب المؤمنون إلى الأنبياء -أصحاب الشرائع- الأول بعد الآخر؛ لعلهم أنْ يشفعوا لهم في استفتاح أبواب الجنة والتسريع في دخولهم فيها, فيتباعد الأنبياء عن هذه الشفاعة أيضاً, حتى تنتهي إلى نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- فيسجد لله -تعالى-؛ شافعاً لاستفتاح أبواب الجنة لدخول المؤمنين فيها.

 

وهذه خاصة به؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: “أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ, وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا“(رواه مسلم), وعن حذيفة وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: “يَجْمَعُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النَّاسَ, فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمْ الْجَنَّةُ, فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا! اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ, فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إِلاَّ خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ؟! لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ, اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ, اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى -عليه الصلاة والسلام- الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا, فَيَأْتُونَ مُوسَى -عليه الصلاة والسلام- فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ, اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ, فَيَقُولُ عِيسَى -عليه الصلاة والسلام- لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ, فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -عليه الصلاة والسلام- فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ“(رواه مسلم).

 

ولعل أحدكم يتساءل: ما الحكمة أنْ يعودَ الناسُ إلى الأنبياء للاستشفاع بهم في دخول الجنة حينما تزلف لهم بعدما علموا أنَّ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- رفضوا أنْ يشفعوا عند الله -عَزَّ وَجَلَّ- لبدأ الحساب، وإنما قال كل منهم: نفسي نفسي؟! فَلِمَ لمْ يذهب الناس إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- مباشرة حينما أزلفت لهم الجنة؛ ليشفع لهم في دخولها؟.

 

أجاب بعض العلماء: أنَّ ذلك لعله يكون لإظهار مكانة وشرف نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام-, وأضيف قائلاً: لعله -والعلم عند الله- أنَّ الذين ذهبوا إلى آدم ومن بَعْدَه من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ ليشفعوا لتعجيل الحساب هم عموم الناس وبالأخص الكفار؛ لأنهم أكثر الناس معاناة لكرب يوم القيامة, وأما المؤمنون فإنَّ عامة النصوص تفيد بأنهم لا يعانون من كرب ذلك اليوم, وإنما هو عليهم كانتظار صلاة ظهر أو عصر, ويكون للمؤمن كالزكمة, ولله الحمد, ولهذا يحتمل أنَّ الذين جاؤوا آدم للاستشفاع به في دخول الجنة لم يذهبوا إليه أول مرة, ولم يعلموا أنَّه رفض أنْ يشفع لبدأ الحساب, لهذا تكرر طلب الشفاعة من آدم ثم سائر الأنبياء.

 

ثانياً: الشفاعة لأطفال المشركين بدخول الجنة؛ اختلف العلماء في أطفال المشركين: هل يدخلون الجنة أم أنهم مع آبائهم في النار؟ وذلك على ثمانية أقوال, والراجح -والله أعلم- أنهم من أهل الجنة -إنْ شاء الله تعالى-؛ لما صح عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: “أطفال المشركين خَدَم أهل الجنة“(رواه الطبراني وحسنه الألباني).

 

ولكن يبقى السؤال المهم: كيف سيدخل هؤلاء الأطفال الجنة؟؛ إنهم سيدخلون بشفاعة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- ولله الحمد والمنة, ودليل ذلك ما رواه أنس بن مالك أنَّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: “سألت ربي اللاهين من ذرية البشر؛ أنْ لا يعذبهم فأعطانيهم“(رواه الدارقطني وحسنه الألباني), وفي رواية عنه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: “سألت ربي اللاهين، فأعطانيهم“, قلت: وما اللاهون؟ قال: “ذراري البشر“.

 

وتعتبر هذه الشفاعة من الشفاعات التي سيختص بها النبي-عليه الصلاة والسلام-  دون سائر الأنبياء؛ ولهذا فإن المسلم ليفرح بموت أطفال المشركين؛ ليقل نسلهم من جانب، ولأن الله -تبارك وتعالى- أنقذ أولئك الأطفال من الخلود في النار بشفاعة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- لهم، فلله الحمد والمنة على واسع رحمته التي لا يدركها كثير من الناس؛ فأطفال المشركين يُشفع لهم بدخول الجنة، وأما أطفال المسلمين فهم سيشفعون لوالديهم بدخول الجنة.

 

ثالثاً: الشفاعة  لتخفيف العذاب عن أحد الكفار؛ لقد جاءت الأحاديث بأن إبراهيم -عليه السلام- سيحاول أن يشفع لأبيه آزر؛ لينقذه من النار, ولكن الله -جل جلاله- سيرد هذه الشفاعة؛ لأن الشفاعة محرمة على الكافرين، إلا ما سيكون لنبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- حيث سيشفع لعمه أبي طالب, في تخفيف العذاب عنه؛ ليكون أخف الكفار عذاباً في نار جهنم, مما يجعل شفاعة النبي -عليه الصلاة والسلام- في عمه وهو كافر من الشفاعات التي يختص بها, ولا يشاركه فيها أحد؛ فقد روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله -عليه الصلاة والسلام- وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ؛ فَقَالَ: “لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ, يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ“(رواه البخاري), وعن الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -رضي الله عنه- أنه قَالَ لِلنَّبِيِّ -عليه الصلاة والسلام: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: “هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ؛ وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ“(رواه البخاري), وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عليه الصلاة والسلام- قَالَ: “أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ“(رواه مسلم), وفي رواية قال: “مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا, وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا“.

 

رابعاً: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة؛ وهي الشفاعة في زيادة درجات بعض أهل الجنة بأكثر مما يستحقون، وهذه من أفضل الشفاعات التي ينبغي أن ندعو الله -تعالى- أن نحظى بها, ودليلها دعاؤه -عليه الصلاة والسلام- لبعض أصحابه بأن يرفع درجاته في الجنة؛ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -عليه الصلاة والسلام- عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ, ثُمَّ قَالَ: “إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ“، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: “لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ“، ثُمَّ قَالَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ, وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ, وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ“(رواه مسلم.(

 

خامساً: الشفاعة عند الصراط وعند الميزان, لمن خفت موازينه أو تساوت حسناته مع سيئاته؛ يمكن الاستدلال لها بوقوفِ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عند الصراط وعند الميزان حين توزن أعمال الناس أنه لاحتمال شفاعته في جواز الصراط بسلام، وشفاعته لتثقيل موازين من تساوت حسناته مع سيئاته من أمته, حيث روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -عليه الصلاة والسلام- أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَقَالَ: أَنَا فَاعِلٌ“، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: “اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ“، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: “فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ“، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: “فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ؛ فَإِنِّي لا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلاثَ“(رواه الترمذي).

 

نسأل الله -تعالى- برحمته أن لا يحرمنا شفاعة نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وأن لا يعاملنا بما نحن أهله.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البيان والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم, ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ, وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَأشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ, الشافع المُشفَّع يوم الدين، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

 

أما بعد: ذكرنا خمسة أنواع من الشفاعات التي سيشفعها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبقي شفاعتان هما: الشفاعة لمن لا حساب عليه بدخول الجنة، والشفاعة لأهل الكبائر، دعونا نستعرض الأولى ونرجئ الثانية إلى خطبة قادمة, بإذن الله تعالى.

 

سادساً: الشفاعة لمن لا حساب عليه بدخول الجنة؛ وهي الشفاعة لدخول أكثر من خمسة ملايين مسلم الجنة بغير حساب ولا عذاب, ومصداق ذلك ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: “سألت الله الشفاعة لأمتي, فقال: لك سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب“, وروى أبو أمامة أنَّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: “وعدني ربي أنْ يدخل الجنة من أُمتي سبعين ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب, مع كل ألف سبعون ألفاً, وثلاث حثيِّات من حثيات ربي“؛ فالحديث يوضح أنه سيدخل الجنة أربعة ملايين وتسعمائة وسبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب، عدا الحثيات الثلاث!.

 

فلو قُسّم الحديث إلى ثلاث مجموعات لتسهيل عملية الحساب، لوجدنا الآتي:

المجموعة الأولى: سبعون ألفا من قوله -عليه الصلاة والسلام-: “يدخل الجنة من أُمتي سبعين ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب“.

 

المجموعة الثانية: سبعون مجموعة، في كل مجموعة سبعون ألفاً من قوله -عليه الصلاة والسلام-: “مع كل ألف سبعون ألفا“، فيكون عدد هذه الفئة: أربعة ملايين وتسعمائة ألف مسلم (70 × 70.000 = 4.900.000)؛ أي: كأنَّ كل واحد منهم سيشفع لسبعين مسلماً.

 

فيكون إجمالي المجموعتين الأولى والثانية فقط: 4.970.000 مسلماً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

 

المجموعة الثالثة: ثلاث حثيات من قوله -عليه الصلاة والسلام-: “وثلاث حَثِيَّات من حَثِيَّات ربي“، ولا ريب بأن هذه الحَثِيَّات الثلاث تحتمل الزيادة على المجموعتين السابقتين؛ إيماناً بكرم الله -تعالى- ورحمته الواسعة التي ستبلغ مائة رحمة يوم القيامة، فيكون إجمالي من سيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب يزيد على خمسة ملايين مسلم ومسلمة, ولله الحمد.

 

لقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- عن بعض فضائل الأعمال التي من فعلها فلا حساب عليه ولا عذاب؛ كما أخبر -عليه الصلاة والسلام- عن أعمال أخرى يضحك الرب -جل جلاله- إلى فاعلها، وأن الرب إذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه.

 

وأهم تلك الأعمال ما يلي:

أولاً: التوكل على الله, وترك الرقية والتطير والاكتواء؛ فعن عن عمران بن حصين أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: “يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب“، قالوا: من هم يا رسول الله؟! قال: “هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون“(متفق عليه).

 

ثانياً: الصبر على مرض الجنون؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِهَا لَمَمٌ إِلَى النَّبِيِّ -عليه الصلاة والسلام- (أي: طرف من جنون), فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَنِي، قَالَ: “إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكِ، وَإِنْ شِئْتِ فَاصْبِرِي وَلا حِسَابَ عَلَيْكِ“، قَالَتْ: بَلْ أَصْبِرُ وَلا حِسَابَ عَلَيَّ”(رواه أحمد وابن حبان).

 

ثالثاً: من يقاتل في الصف الأول فلا يلفت وجهه حتى يُقتل؛ فعن نعيم بن عمار أن رجلاً سأل رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: أي الشهداء أفضل؟ قال: “الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلا من الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه“(رواه أحمد وأبو يعلى).

 

رابعاً: من يقاتل عند انكشاف أصحابه, ومن يقوم الليل ويترك شهوته, ومن يقوم الليل أثناء السفر رغم إرهاقه وسهره؛ فعن أبي الدرداء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: “ثلاثة يحبهم الله, ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله -عز وجل-؛ فإما أن يُقتل، وإما أن ينصره الله -عز وجل- ويكفيه؛ فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟! والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل, فيقول: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب, فسهروا ثم هجعوا؛ فقام من السحر في ضراء وسراء“(رواه الطبراني).

 

اللهم إنا نرفع إليك أكف الضراعة؛ فافتح لدعائنا أبواب القبول والإجابة، واجعلنا من أهل الحوض والشفاعة، وآمن روعنا يوم تقوم الساعة.

 

 

الملفات المرفقة
كيف تفوز بالشفاعة يوم القيامة؟ -2
عدد التحميل 43
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات