طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17858

الرغبة في الخير في خير الأيام

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : عشر ذي الحجة
تاريخ الخطبة : 1441/11/26
تاريخ النشر : 1441/11/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الراغبون في الخير هم المتقون الأنقياء 2/فضائل أيام العشر 3/عبادة الذِّكْر من أجلِّ العبادات 4/اختلاف مسالك الناس في تحصيل العمل الصالح 5/سبب تفضيل عشر ذي الحجة 6/عزاء وسلوان مَنْ حُرِمَ الوقوف بعرفة
اقتباس

ألَا فَمَنْ حُرِمَ بهذه الجائحة، مِنْ شَرَفِ الموقفِ بعرفةَ، فَلْيَقِفْ بينَ يدِي اللهِ بشرفِ الذلِّ والحبِّ والأنس والمعرفة، ومَنْ حِيلَ بينَه وبينَ المبيت بمزدلفة فَلْيَزْدَلِفْ إلى ربِّه في كل حين وآن، يشكر له ما أَزْلَفَهُ…

الخطبة الأولى:

 

الحمد للهِ واسعِ الجُودِ والعطاءِ، أحمدُه -سبحانه-، حمدًا يُبَلِّغنا الزُّلْفى إليه ويُنزِلنا منازلَ السعداءِ، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، يختصُّ برحمته مَنْ يشاء، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، خاتمُ الأنبياءِ وقدوةُ الأتقياءِ، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، وعلى آلِه وصحبهِ، صلاةً وسلامًا دائمينِ، ما دامت الأرضُ والسماءُ، والتابِعينَ ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم البعث والنشور والجزاء.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عبادَ اللهِ-، وراقِبوه، وأخلِصُوا له العملَ، فطوبى لمَنْ أخلَص عملَه لله، وابتغى إليه الوسيلةَ واتَّقاه، وأناب إليه وعَمِلَ بما يحبه -سبحانه- ويرضاه، واحرِصوا على الاستزادة من الباقيات الصالحات، (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)[الْكَهْفِ: 46].

 

أيها المسلمون: الرغبة في الخير والدأب في طلبه، وطَرْق أبوابه، وسؤالُ اللهِ التوفيقَ وحُسْن المعونةِ على بلوغ أقصى الغاية فيه، شأنُ كلِّ أوَّاب حفيظ، وديدن مَنْ خَشِيَ الرحمنَ بالغيب، وابتغى الوسيلةَ إلى رضوان ربِّه الأعلى، بكل محبوب لديه، أَرْشَدَ وهدَى عبادَه إليه، وحثَّهم على إصابةِ حظِّهم منه، والتزوُّد بنصيب واسع يصحبهم في سَيْرِهم إلى لقائه، أملًا في نزول دار كرامته، والظَّفَر بكريم موعوده، والتنعُّم بالنظر إلى وجهه الكريم، في (جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 133].

 

وإن دلائل سعة رحمته -سبحانه- وواسع فضله على عباده، وإرادته الخير بهم لَتَبْدُو جليةً بيِّنةً في سعة وتعدُّد أبواب الخير، التي أمَرَهم ووصَّاهم بها، ودلَّهم عليها، ووجَّه أنظارَهم إليها بما أنزَل عليهم من البيِّنات والهدى، في مُحكَمِ الكتابِ، وبما جاءهم به رسولُه -صلى الله عليه وسلم-، فيما صحَّ سندُه من سُنَّتِه، وما ثبَت به النقلُ من هديه وطريقته، عليه الصلاة والسلام.

 

وإنها -يا عبادَ اللهِ- أبوابُ خيرٍ مُشرَعةٌ في كل حين، فاستغرِقوا كلَّ أيام العام، فليس شهرٌ من شهوره، إلَّا ولأيامِه أو لياليه، وظائفُ يَلِجُ منها العبدُ إلى جمهرة من الطاعات، وحَشْد من القُرُبات، يَزدَلِفُ بها إلى مولاه، وتقرُّ بحُسْن الثواب عيناه.

 

عبادَ اللهِ: لقد أظلَّكم زمانٌ شريفٌ، هو من غُرَر الأيام، يجسِّد للمؤمنين العهدَ بالطاعة، ويَصِلُونَ فيه البِرَّ بالبِرِّ، ويُتبِعُونَ الحسنةَ بالحسنةِ، ويُعقِبُونَ الإحسانَ بالإحسان، وهي الأيامُ العشرُ المباركةُ، المعظَّمة من شهر ذي الحجة، التي هي خير أيام الدنيا، وأجلُّ مواسم العمر، كما جاء في الحديث، الذي (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، وأبو داود في سُنَنِه، واللفظُ له)، عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”. وهي على الصحيح الليالي العشر التي أقسَم الله بها في قوله -عزَّ اسمُه-: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)[الْفَجْرِ: 1-2]، كما بيَّن ذلك الإمامُ ابنُ رجب، رحمه الله.

 

وكلُّ ذلك يدلُّ على سُمُوِّ مكانتِها، وعِظَم فضلها، وجليل موقعها، وأنَّ الأبوابَ الْمُوصِلَةَ إلى رضوان الله فيها كثيرةٌ، وأنَّ منافذ الرحمة الربانية منها وفيرةٌ، فمَنْ فاتَه نوعٌ حَظِيَ بآخَرَ، ومَنْ عَجَزَ عن عمل فلن يعجز عن الجميع، وفي هذا -يا عباد الله- باعثٌ قويٌّ للمؤمن يحمله على اهتبال هذه الفضيلة، واغتنام هذه الفرصة، بالازدلاف إلى ربه بألوان الطاعات، والمسارَعة إلى مغفرته ورضوانه بضروب القُرُبات، وإنَّ أَوْلَى ما يتقرَّب به العبدُ لربه في هذه الأيام إقامة الفرائض، واجتناب المحارم؛ فإنها رأس التعبُّد وعموده، كما جاء في الحديث القدسي الذي (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله قال: وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إلي مما افترضتُ عليه…” الحديث، ثم يُعقِب الفرائض بضروب من التعبُّد بنوافل الطاعات؛ من صلاة وصيام وصدقة وتلاوة وصلة، فإنها تُورِثُه درجةَ المحبوبية، التي أشار إليها رسولُ الهدى -صلى الله عليه وسلم-، بقوله حكايةً عن ربِّه: “وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، وإِنْ سأَلَني لَأُعْطِيَنَّه، ولئن استعاذني لَأُعِيذَنَّه…” الحديثَ.

 

عباد الله: إن في التعبد لله -تعالى- بعبودية الذِّكْر في هذه العشر لَمِوْقِعًا متفرِّدًا، ومقامًا عَلِيًّا، ذلك أن الذِّكْر هو خير الأعمال وأزكاها عند الله -عز وجل-، كما جاء في الحديث الذي (أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي وابن ماجه في سننهما، بإسناد صحيح)، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال: “قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وخيرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-“. وكما جاء في الحديث الذي (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قالوا: وما المفرِّدونَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الذاكرونَ اللهَ كثيرًا والذاكرات“.

 

ولئن كان هذا هو شأنَ الذِّكْر في عموم الأحوال فهو في هذه العشر -يا عباد الله- أظهرُ شَرَفًا، وأعظمُ منزلةً؛ ولذا جاء تخصيصُه تعظيمًا له، واهتمامًا به من بين سائر الطاعات، كما جاء في الحديث الذي (أخرجه الإمام أحمد في مسنده)، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ“.

 

وإن على كل جارحة من الجوارح -كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله-: “إنَّ على كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقَّتة إلا الذِّكْر؛ فإنه عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقَّتة، بل هم مأمورون بذِكْر معبودِهم ومحبوبهم في كل حال، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهو جِلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غَشِيَها اعتلالُها، وكلما ازداد الذاكر في ذِكْرِه استغراقًا ازداد لِمَذْكُورِهِ محبةً وإلى لقائه اشتياقًا، وإذا تواطأ على القلب الذِّكْرُ واللسانُ نَسِيَ العبدُ في جنبِ ذِكْره كلَّ شيءٍ، وحَفِظَ اللهُ عليه كلَّ شيء، وكان له عِوَضًا من كل شيء، وهو خاتمة الأعمال الصالحة، كما هو مفتاحها، وهو قرينُها وروحُها، فمتى خلَت منه كانت كالجسد بلا روح، وذِكْرُ العبدِ لربِّه محفوفٌ بِذِكْرَيْنِ مِنْ ربِّه له، ذِكْرٍ قَبْلَه به صار العبد ذاكِرًا، وذِكْرٍ بعدَه به صار العبدُ مذكورًا، كما قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 152]، وقال فيما يرويه عنه نبيُّه -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ ذَكَرَني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومَنْ ذَكَرَني في ملأ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم” انتهى.

 

وإن كل عمل صالح في هذه العشر محبوبٌ مطلوبٌ داخلٌ في جميل الموعود وكريم الفضل، فليست هذه العشرُ مقصورةً على لونٍ واحدٍ من التعبُّد، بل هي مضمار لاستباق الخيرات، وميدان فسيح للباقيات الصالحات، يتنافَس فيه المتنافسون، ويجتهد فيه الْمُخبِتُونَ، ولهم في سلوكهم إلى الله مسالكُ شتى، كما قال رحمه الله: “فمنهم مَنْ يكون سيدُ عمله وطريقه طريق العلم والتعليم، قد وفَّر عليه زمانه، مبتغيًا به وجهَ الله، فلا يزال كذلك عاكفًا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله، ويفتح له فيها الفتح الخاص، ومن الناس مَنْ يكون سَيِّدُ عملِه الذِّكْرَ، وقد جعَلَه زادَه لمعاده، ورأسَ مالِه لمآله، فمتى فتَر عنه أو قصَّر رأى أنه قد غُبِنَ وخَسِرَ، ومِنَ الناس مَنْ يكون سيُّد عملِه وطريقِه الصلاة، فمتى قصَّر في وِرْدِه منها أو مضى عليه وقتٌ وهو غيرُ مشغولٍ بها، أو مستعدٍّ لها، أظلَم عليه وقتُه، وضاق صدرُه، ومِنَ الناسِ مَنْ يكون طريقه الإحسان، والنفع المتعدي؛ كقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللَّهَفات، وأنواع الصدقات، قد فتَح له في هذا، وسلَك منه طريقًا إلى ربه، ومِنَ الناس مَنْ يكون طريقُه تلاوة القرآن، وهي الغالب على أوقاته، وهي أعظم أوراده، ومِنَ الناسِ مَنْ يكون طريقه الصوم، فهو متى أفطَر تغيَّر عليه قلبُه، وساءت أحوالُه، ومنهم يكون طريقه الحج والاعتمار، ومنهم مَنْ يكون طريقه قطع العلائق، وتجريد الهمة، ودوام المراقَبة، ومراعاة الخواطر، وحِفْظ الأوقات أن تذهب ضائعةً، ومنهم الجامع لتلك المنافذ، السالك إلى الله في كلِّ وادٍ، الكادح إليه من كل طريق، وهو قد جعَل وظائفَ عبوديته قِبْلَةَ قَلْبِه، ونُصْبَ عينِه، يؤمُّها أين كانت، ويسير معها حيثُ سارت، قد ضرَب من كل فريق بسهم، فأين كانت العبودة وجَدْتَه هناك؛ إن كان عِلْم وجدتَه مع أهله، أو صلاة وجَدْتَه في القانتينَ، أو ذِكْر وجدتَه في الذَّاكرينَ، أو إحسان ونَفْع وجدتَه في زمرة المحسِنينَ، أو مراقَبة ومحبة وإنابة إلى الله، وجدتَه في زمرة المحبينَ المريدينَ، يدين بدِين العبودية أنَّى استقلَّت ركائبها، ويتوجَّه إليها حيث استقرَّت مضاربها، فهذا هو العبد السالك إلى ربِّه حقيقةً”.

 

فاتقوا الله -عباد الله-، وخذوا بحظ وافر من هذه الأيام المباركة، وارعوها حق رعايتها، بتمام الحرص على ذِكْر الله -تعالى- فيها، وشُكْره وحُسْن عبادته، وحذارِ من إضاعة فرصتها، وتفويت مَغنَمِها، والتفريط في جميل الموعود عليها.

 

نفعني اللهُ وإيَّاكم بهدي كتابه، وبسُنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولكافَّة المسلمين من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فيا عباد الله: إن لتفضيل هذه العشر المباركة على غيرها من أيام العام سببًا بيَّنُه الحافظُ ابنُ حجرٍ -رحمه الله- بقوله: ” “وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ؛ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَأْتِي ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ” انتهى.

 

ولَمَّا كان الله -سبحانه وتعالى- قد وضَع في نفوس المؤمنين حنينًا إلى مشاهَدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهَدته في كل عام، فرَض على المستطيع الحج مرةً واحدةً في عمره، وجعَل موسم العشر مشترَكًا بين السائرينَ والقاعدينَ، فمَنْ عَجَزَ عن الحج في عام قَدَرَ في العشر على عمل يعمله في بيته، يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.

 

ألا فَمَنْ حُرِمَ بهذه الجائحة، مِنْ شَرَفِ الموقفِ بعرفةَ، فَلْيَقِفْ بينَ يدِي اللهِ بشرفِ الذلِّ والحبِّ والأنس والمعرفة، ومَنْ حِيلَ بينَه وبينَ المبيت بمزدلفة فَلْيَزْدَلِفْ إلى ربِّه في كل حين وآن، يشكر له ما أَزْلَفَهُ، ومَنْ حُصِرَ عن البيت مخافةَ الوباء، فليُنزل حاجتَه بربِّ البيت، فإن رزقه ليس له انقضاء، وإن يدَه بالخير لَسَحَّاءُ، ومَنْ أرادَ التقربَ إلى ربه -سبحانه- بنحر الأضاحي يوم النحر فليتقرَّب إليه -عز وجل- بألَّا يأخذ من شَعْرِه وأظفارِه حتى يضحِّي، عملًا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: “إذا دخلت العشرُ وأراد أحدُكم أن يضحِّيَ فلا يمسَّ من شَعْره وبَشَرِه شيئًا“(أخرجه مسلم في صحيحه).

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ هيَّأ لكم من مواسم العمر ونفائس الأيام ما تعمرونه بعبادات تُروضُون بها ربكم، وتطمئنُّ بها قلوبكم، وتزكو بها نفوسُكم، وتطيب بها حياتُكم، واذكروا على الدوام، أن الله -تعالى- قد أَمَرَكم بالصلاة والسلام على خير الأنام، فقال في أصدق الحديث وأحسن الكلام: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير مَنْ تَجَاوَزَ وَعَفَا.

 

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائر الطغاة والمفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم، وأصلِح قادتهم، واجمَع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.

 

اللهم انصر دينَك وكتابَك وسُنَّةَ نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وهيئ له البطانة الصالحة، ووفِّقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم وفقه وولي عهده إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، يا من إليه المرجع يوم المعاد.

 

اللهم أَحْسِنْ عاقبتَنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

 

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجَاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضِيكَ آمالَنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالَنا، اللهم إنا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيِّئ الأسقام، اللهم ارفع عنَّا كلَّ داء ووباء وبلاء، اللهم ارفع عنا وعن المسلمين كلَّ داء ووباء وبلاء.

 

اللهم أَحْسِنْ عاقبتَنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، اللهم اكفنا أعداءك وأعداءنا بما شئتَ يا ربَّ العالمينَ، اللهم إنَّا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)[الْبَقَرَةِ: 286]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

 

الملفات المرفقة
الرغبة في الخير في خير الأيام
عدد التحميل 89
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات