طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17881

ورجل قلبه معلَّق بالمساجد

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
تاريخ الخطبة : 1441/11/05
تاريخ النشر : 1441/11/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/حِكم الله في البلاء 2/فرحة المسلمين بعودتهم لمساجدهم 3/معنى تعلق القلب بالمساجد 4/فرح الله -عز وجل- بعودة المسلمين للمساجد 5/ما يجب الأخذ به عند العودة للمساجد 6/جهود بلاد الحرمين الشريفين لخدمة الحُجَّاج والعُمَّار
اقتباس

لم يُعرَف في ديوانِ أيِّ حضارةٍ، ولا سِجِلِّ أيِّ ثقافةٍ، مَعْلَمٌ أثَّر في مسار الإنسانية واستنقذها كمثل المسجد في حضارة المسلمين؛ فَقَدْ أَسَّسَهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، مقرَّ اجتماعهم، ومركزَ مؤتمراتهم، ومجلسَ تَشاوُرِهم، وميدانَ تآلُفِهم وتَعارُفِهم…

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ على ما وفَّق وهَدَى، وأَطْعَم وسَقَى، وكفَى وأَغْنَى وآوَى، وله الشكرُ على ما أنعَم وأَوْلَى، منحَنا سترًا يحجب ما اقترفناه، ووهَبَنا رزقًا فوق ما تمنيناه، ورزَقَنا علمًا رفَع ما جهلناه، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، حَفِظَ علينا النعمَ، ودفَع عنا النقمَ، أكرَمَنا بخيرِ العطاءِ، وسعةِ الرزقِ، ولباسِ العافيةِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، نبيُّ الرحمةِ، وسراجُ الأمةِ، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، سادةِ الأُمَمِ، ومصابيحِ الظُّلَم، والتابعينَ ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدِّين وسلَّم.

 

أما بعدُ: فأوصيكم -أيها الناسُ- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا اللهَ -رحمكم الله-، واعلموا أنه لا راحةَ مثل حُسْن الظَّنِّ، والعاجزُ مَنْ عجَز عن سياسةِ نفسِه، ومَنْ ساء خُلقُه عذَّب نفسَه، ومن عجائب أقدار الله: عثرةُ عاقل مع التوقِّي، وسلامةُ جاهِل مع التفريط، فَلِلَّهِ الحكمةُ البالغةُ، والمشيئةُ النافِذةُ، فكُنْ يا عبدَ اللهِ مُحسِنًا، وإن لم تلقَ من الناس إحسانًا، فالإحسانُ يقودُ إلى المحبَّةِ، والخلافُ يقودُ إلى العداوة، والصِّدقُ يقود إلى الثقةِ، والكَذِبُ يقود إلى التهمة، (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فُصِّلَتْ: 34-35].

 

أيها المسلمون: هكذا تجرِي سُنَنُ اللهِ في الحياةِ والأحياءِ، كثيرٌ مِنَ النِّعَمِ يَغفُلُ عنها أهلُها، لا يُدرِكُها مَنْ يُدرِكُها إلا حِينَما يمسُّهم الضرُّ، وتَحُلُّ بهم الحوادثُ، وحينئذ يُبصِرُون آلاءَ اللهِ، وقد كانت بينَ أيديهم، ولكنَّهم كانوا عنها مِنَ الغافِلِينَ.

 

عبادَ اللهِ: وإذا كان ذلك كذلك فتأمَّلُوا حينَ مَنَّ اللهُ على المسلمينَ بإعادةِ فتحِ المساجدِ، وإقامةِ صلاةِ الجُمُعةِ والجماعةِ، وتَأَمَّلُوا كيف ظهَرَت عليهم الفرحةُ والبهجةُ والسرورُ، حينَ عادوا إلى مساجِدِهم بعدَ أَنِ اجْتَاحَتْهُم هذه الجائحةُ، نسأل اللهَ الكريمَ المنَّانَ أَنْ يُعَجِّلَ بزوالها، ويمنَّ ويتفضَّلَ برفعها، إنه سميع مجيب.

 

لقد عادوا إلى محاريب الصلاة، ورياض الجنَّة، وقد قيل: الصدقُ أصدقُ مشاعرِ الحُبِّ، لِمَنْ ذاقَ لَذْعَ الصدودِ، وألذُّ الصحةِ ما كان مِنْ بعدِ مرضٍ، وأعظمُ الشعورِ، بُعْدُ الحبيبِ وهو قريبٌ.

 

معاشرَ الأحبَّةِ: لو حدَّثَتِ المساجدُ أخبارَها حين غاب عنها رِجالُها، تُحَدِّث أخبارَها عن متوضِّئينَ، متطهِّرينَ، مُبَكِّرينَ، في الظُّلَم مشَّائينَ، وإلى الصفوف الأولى مُسارِعِينَ، بالركوع والسجود مُشتَغِلِينَ، وبالتلاوة والأذكار مَشغُولِينَ، ممَّن يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِر ولا يخشى إلا الله، ممن (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)[النُّورِ: 37]، رجالٌ تعلَّقَت بالمساجد أفئدتُهم، وطابَت بينَ سوارِيها نفوسُهم، واطمأنَّت بالجلوس فيها قلوبُهم، لا يسأمون التردُّدَ عليها، ولو بَعُدَتِ المسافاتُ، يَحتَسِبُونَ خُطَاهُم، كما يحتسبون انتظارَهم، يتسابقون في التبكير، ويشتغلون بالذِّكْرِ والتكبيرِ، إنهم مِنَ السبعة الذين يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظِلُّه، رجالٌ معلَّقةٌ قلوبُهم بالمساجدِ، يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: “المعلَّق قلبُه في المساجد وفي رواية: إذا خرَج منه حتى يعود إليه يقول: فهو يحب المسجدَ، ويألَفُه لعبادةِ اللهِ فيه، فإذا خرَج منه تعلَّق قلبُه به حتى يَرجِعَ إليه، قال رحمه الله: “وهذا إنما يحصُل لِمَنْ مَلَكَ نفسَه، وقادَها إلى طاعة الله، فانقادت إليه، فإن الهوى يدعو إلى محبَّة مَواضِعِ مَنْ هوى، ولا يقصُر نفسَه على محبة بقاع العبادة إلَّا مَنْ أَحَبَّ مولاه، وخالَف هواه، المسجد قرة عينه، وشفاء صدره، وأُنْسُ فؤادِه“.

 

وإنَّ حُسْنَ ظنِّنا بربِّنا -أيها الأحبةُ- أن المسلمين -وقد جاءتهم هذه الجائحةُ فمنعَتْهُم المجيءَ إلى مساجدهم-، نحسَب أنهم مِنَ الذين تعلَّقَت بالمساجد قلوبُهم، فكان فيهم هذا الشوقُ، ومنهم هذا الحنينُ، نَعَمْ عبادَ اللهِ، إنه حبُّ المساجد، حبُّ بيوت الله، فالمؤمن يُحِبّ ما يُحِبُّ اللهُ ورسولُه، ويَبغَضُ ما يَبغَضُ اللهُ ورسولُه، يقول النووي -رحمه الله-: “حبُّ المسجدِ يكون في مُلازَمة الجماعة، والمحافَظة على الصلاة فيها“، ومِنَ الفِقْه اللطيف في ذلك، أن العلماء قالوا، في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “معلَّق بالمساجد” قالوا: إنه مأخوذٌ من العُلَاقة؛ وهي شدةُ الحُبِّ، فقلبُه معلَّقٌ بالمساجد؛ أي: شديدُ الحبِّ لها، وملازَمتِه الجماعة بها، ولزوم الوقار والسَّكِينة، في الهيئة والمشية، وفي الانتظام، وفي الانضباط، ولا يزال الرجلُ في صلاة ما انتظر الصلاةَ، ولا يزال الرجل في صلاة ما دامت الصلاةُ تَحبِسُهُ، ولا تزال الملائكة تصلِّي عليه، ما دام في مصلاه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، كيف وقد قال عليه الصلاة والسلام: “ألَا أدلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا، ويرفع به الدرجاتِ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغُ الوضوءِ على المكاره، وكثرةُ الخطى إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ، فذلكم الرباطُ، فذلكم الرباطُ“، هؤلاء قلوبُهم معلَّقةٌ بالمساجدِ، بينما آخَرون معلَّقة قلوبُهم بالأسواقِ، وغيرُهم معلَّقة بالشاشاتِ وأدواتِ التواصُلِ والقنوات، فسبحانَ مَنْ مَايَزَ بينَ قلوبٍ وقلوبٍ، يقول قتادةُ -رحمه الله-: “ما كان للمؤمنِ أن يُرَى إلا في ثلاثة مواطن: مسجد يَعمُره، وبيت يَستُره، وحاجة لا بأسَ بها“.

 

وجليسُ المسجدِ له ثلاث خصال، كما روى الإمام أحمد: “أخٌ مستفادٌ، أو كلمةٌ حكمةٌ، أو رحمةٌ منتَظَرةٌ”، ثم هنيئًا وهنيئًا، لِمَنْ يحظى بهذا الوصف الجميل، ويُنعِم اللهُ عليه بهذا النَّعتِ الكريمِ، مِنَ النبيِّ الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو يقول: “بَشِّرِ المشائينَ في الظُّلَم إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ، ومَنْ غَدَا إلى المسجدِ أو راح أَعَدَّ اللهُ له نُزُلًا في الجَنَّةِ كلما غَدَا أو رَاحَ“(متفق عليه).

 

عبادَ اللهِ: وفي مقابل هذه الفرحة والاستبشار، والذي يَحظى به هؤلاء الأخيارُ حينَ يَتوافَدُونَ على بيوتِ اللهِ، يُقابِلُهم فرحُ اللهِ -عز وجل- بهم، عائدينَ إلى بُيُوته، مُصَلِّينَ في رياضه، مُسارِعِينَ إلى رضوانه، جاء في الحديث، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “ما توطَّن رجلٌ مسلمٌ المساجدَ للصلاة والذِّكْر إلا تبشبش الله له، كما يتبشبش أهلُ الغائبِ بغائبهم إذا قَدِمَ عليهم“(رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، في صحيحهما، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني). ومعنى “تبشبش” أي: فَرِحَ بقدومهم وهشَّ وبَشَّ.

 

عبادَ اللهِ: ويأتي بعد ذلك نزولُ الملائكةِ، الذين يشهدون صلاةَ الفجرِ وصلاةَ العصرِ، والملائكةُ الذين يشهدون رياضَ الجنةِ وحِلَقَ الذِّكْرِ، والملائكة الذين يَدْعُونَ ويستغفرون لِمَنْ جلَس في مجلسه يذكر اللهَ في مصلاه.

 

عبادَ اللهِ: وهنا لفتةٌ عجيبةٌ، تُبرِز مكانةَ المسجد لدى أهل الإسلام، وعِظَمَ منزلتِه وعظيمَ أثره، وهي حقٌّ من حقوق المسجد، ومظهرٌ من أعظم مظاهر التعلُّق به؛ ذلكم ما كان يصنعه نبيُّكم محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإنه إذا آبَ من سفر فأولُّ ما يذهب إليه بيتُ الله، قبل أن يذهب إلى بيتٍ سِوَاهُ، فيدخله ويصلي فيه ركعتينِ، فيكون المسجدُ هو أول ما تطؤه قَدَمَا المسافرِ من أرض الوطن، قبل أن يلتقي والدًا أو ولدًا أو زوجةً، إنه يقف بين يدَيْ ربه في بيته، شاكِرًا لمولاه، سلامةَ الوصول، وحُسْن المنظر والمنقلب، في المال والأهل والأحبة.

 

وبعدُ عبادَ اللهِ: فإذا كانت مجالس الملوك، وعِلْيَة القوم، والأماكن المحترمة، يُجَتَنَّبُ فيها رفعُ الأصواتِ وكثرةُ الضجيجِ والحركاتِ والألفاظِ غير المسئولة فَانْظُرْ إلى ما جاء به هذا الدينُ؛ لرفعة بيوت الله، فقد طلب فيها أخذ الزينة، والمجيء إليها بسَكِينَةٍ ووقارٍ، والانتظام في الصفوف، وتسويتها، وعدم تخطِّي رقاب الناس، واجتناب الروائح الكريهة، ورفع الأصوات والمشاحَنات وإنشاد الضوالِّ، وفي الحديث: “لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، -قال-: وإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ“(رواه مسلم)، وهيشاتُ الأسواقِ هي المنازَعاتُ والخصوماتُ وارتفاعُ الأصواتِ واللَّغَطُ.

 

وإن من المطلوب هذه الأيام وفي هذه الظروف الالتزام بالتعليمات وتطبيق التوجيهات والأخذ بالإرشادات؛ حفاظًا على السلامة العامة، وصحة الجميع، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[التَّوْبَةِ: 18].

 

نفعني الله وإياكم بِهَدْيِ كتابِه، وسُنَّةِ نبيِّه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأقول قولي هذا، وأستغفر اللهَ لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنب وخطيئة، فاستغفِروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله الْمُولِي بفضلِه وإنعامِه على جميع خَلْقِه، -سبحانه وبحمده-، ما قام مخلوقٌ بحقِّه، وأشكُرُه على ما بَسَطَ من رزقه، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، جلَّ عن الشريك والولد، وعزَّ عن الاحتياج إلى أَحَدٍ، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، اختارَه واصطفاه، وأوحى إليه ما أوحاه، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، ما تحرَّكَت بِذِكْرِهِ الألسنُ والشفاهُ، وعلى آله وأصحابه ومَنْ والاه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا لا حدَّ لمنتهاه.

 

أما بعدُ، معاشرَ المسلمينِ: لم يُعرَف في ديوانِ أيِّ حضارةٍ، ولا سِجِلِّ أيِّ ثقافةٍ، مَعْلَمٌ أثَّر في مسار الإنسانية واستنقذها كمثل المسجد في حضارة المسلمين؛ فَقَدْ أَسَّسَهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، مقرَّ اجتماعهم، ومركزَ مؤتمراتهم، ومجلسَ تَشاوُرِهم، وميدانَ تآلُفِهم وتَعارُفِهم؛ إنَّه المدرسة والمعهد والجامعة، ومركز التدريب، في أرجائه كان التقاضي، وبينَ أروقته كان التشاوُرُ، ومن محرابه كانت القيادة.

 

معاشرَ الأحبةِ: ويأتي الحَرَمَانِ الشريفانِ اللذانِ لم تتوقَّف صلواتُ الجُمَعِ والجماعاتِ فيهما في هذه الأزمة، وللهِ الحمدُ، يأتي الحَرَمَانِ الشريفانِ في مقدمة مساجدِ المسلمينَ في أرجاء المعمورة كلها، يستشعرون فيهما المشهدَ الحضاريَّ في اجتماع المسلمين وتآلُفِهم؛ فالقِبْلَة قِبْلَتُهم، أحياءً وأمواتًا، والمجاوَرة فيهما من أفضلِ القُرَبِ، والعمرةُ والزيارةُ من أعظمِ ما يتطلَّع له المسلمون، أمَّا الحجُّ فهو الركنُ الخامسُ من أركان الإسلام، ثم تأتي في هذا العصر الحاضر، هذه الدولةُ المباركةُ؛ بلادُ الحرمينِ الشريفينِ، المملكةُ العربيةُ السعوديةُ، وهي التي تَعرِف لهذينِ الحرمينِ الشريفينِ، مكانتَهما ومنزلتَهما، فقامت على رعايتهما وخدمتهما، وبذَلَت الغاليَ والنفيسَ من أجلهما، وأَجْلِ قاصديهما، من الحُجَّاج والعُمَّار والزُّوَّار، وهنا قضيتانِ، تأتيانِ في أولويات الرعاية:

 

أولاهما: قضية الأمن، وقد قال عز شأنه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)[آلِ عِمْرَانَ: 96-97]، قال أهلُ العلمِ بالتفسير: “ومَنْ دَخَلَهُ كان آمِنًا؛ أي: أَمِّنُوهُ وحَافِظُوا على أَمْنِهِ، فهو خبرٌ بمعنى الأمر؛ أي: مَنْ دَخَلَه فَأَمِّنُوهُ“، وأمنُ الحرمينِ الشريفينِ يشمل كلَّ أنواع الأمن؛ من الأمن النفسي، والجسدي، والصحي، والاجتماعي.

 

وثانيهما: ثانية القضايا التطهير، وفيه قال عز شأنه: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[الْحَجِّ: 26]، فهو يشمل كلَّ أنواع التطهير؛ التطهيرَ الماديَّ، والحسيَّ، والتطهيرَ المعنويَّ.

 

معاشرَ الإخوةِ: ويجتمع الأمنُ والتطهيرُ في حِفْظِ صحةِ الإنسانِ، واتخاذِ الأسبابِ لِمَنْعِ انتشارِ الأمراضِ والأسقامِ، وبخاصة ما كان منها مُعدِيًا؛ كالأوبئةِ والطواعينِ، وإن هذه الدولة المباركة، المملكة العربية السعودية، وهي خادمةُ الحرمينِ الشريفينِ ورعايتُهما والقائمةُ على شئونهما مكانًا ومقدَّساتٍ، وقاصدينَ من المواطنين والْمُقِيمِينَ، والحُجَّاجِ والمعتَمِرِينَ والزُّوَّارِ، وهي المعروفة على طول تاريخها المجيد بحُسْنِ رعايتها لهذه المقدَّساتِ والْمَشَاعِرِ، وما تبذلُه من جهود عظيمة، وأعمال جبارة، ونفقات هائلة، في بنائهما وتوسعتهما، وخدمتهما، وتيسير الوصول إليهما والإقامة فيهما، وأداء المناسك بهما، وتهيئة كل المشاعر في مكة المكرمة والمدينة النبوية المنورة، ممَّا يشهَد له بها تاريخُها الوضَّاءُ وأعمالُها الجليلةُ وإدارتُها الحكيمةُ.

 

وحين نزلت هذه الجائحة بالعالَم كلِّه، اتخذت هذه الدولةُ المباركةُ إجراءاتٍ مُحكَمةً، من أجل سلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها، وبذلت في ذلك الغاليَ والنفيسَ؛ ممَّا يشهَد به البعيدُ قبلَ القريبِ، فقد أدارت هذه الأزمةَ بكفاءة عالية، منقطعةَ النظيرِ، ومن ذلك أنها علَّقَت العمرةَ، وقد حظي هذا القرارُ بالترحيب من جميع المسلمينَ، أفرادًا وهيئاتٍ ودُوَلًا ومنظَّماتٍ، وحين جاء هذا الموسمُ الكريمُ، موسمُ الحجِّ، والجائحةُ لا تزال جاثمةً على العالَم كُلِّه، ومعدلات الإصابة فيه في ازدياد، حَرِصَتْ كلَّ الحرص على إقامة شعيرة الحج، مُتَّخِذةً أعلى الاحتياطات، وأدقَّ الإجراءات؛ لتقوم هذه الشعيرةُ، وقد استهدفت الدولةُ -حَفِظَها اللهُ- بهذا القرارِ أمرينِ؛ الأول: إقامة الشعيرة، الثاني: المحافَظة على أمن وسلامة الحُجَّاج، والدولة -أعزَّها اللهُ- وهي تَتَّخِذُ هذه الإجراءاتِ تستحضِر حفظَ الإسلامِ للنفس البشرية، من مثلِ قولِه -سبحانه-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[الْبَقَرَةِ: 195]، وقولِه -عزَّ شأنُه-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)[النِّسَاءِ: 29]، وقولِه -جلَّ وعلا-: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)[الْمَائِدَةِ: 32]، كما تستحضِر ما وَجَّهَتْ به الشريعةُ المطهَّرةُ؛ من اتخاذ الأسباب الوقائية وما يجب من احترازات من الأوبئة، في مثل ما جاء في خبر الصحيحين في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ“، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: “لا يُورِدُ مُمرِضٌ على مُصِحٍّ“، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا سمعتُم بالطاعونِ في أرضٍ فلا تَدخُلُوها، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتُم فيها فلا تَخرُجُوا منها“، كما نظَرَت فيما يقوله المختصُّون، في الشأن الصحي والاجتماعي، مِنْ أنَّ مِنْ أعظمِ أسبابِ انتشارِ مثلِ هذه الجائحةِ هو التجمُّعاتُ والحشودُ البشريةُ، وأن التقليل من التجمعات هو الحل الأمثل -بإذن الله- حتى يأذنَ اللهُ بارتفاعها.

 

معاشرَ المسلمينَ: وهذا إجراء مؤقَّت، مرتَبِط بسببه، وهو هذه النازلة، عجَّل اللهُ برفعها.

 

وبعدُ: فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أن هذه البلاد المباركة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سليمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين محمد بن سلمان، -حَفِظَهما اللهُ وأعزَّهما- ترى من أولويات وأوليات خدمتها الترحيب بالحُجَّاج والعُمَّار والزُّوَّار، وقاصِدِي الحرمين الشريفين، حتى جعلت من خططها وسياستها استهدافَ استقبال ثلاثين مليون معتمر وزائر في العام، خدمةً للمسلمين، وتقديرًا لمشاعرهم، وحرصهم وتعلُّقِهم بالحرمين الشريفين، وإتاحة الفرصة لأكبر عدد من المسلمين، لأداء فريضة الحج والعمرة والزيارة على أكمل وجه من خلال تهيئة الحرمين الشريفين، وتحقيق رسالة الإسلام العالمية، وتقديم أفضل الخدمات قبلَ وصولهم، وأثناءَ إقامتهم وحينَ مغادَرَتِهم؛ تحقيقًا للصورة المشرِّفة والحضارية والريادية للمملكة في خدمة الحرمين الشريفين، بارك الله في الجهود، وسدَّد الخُطَى، ورفَع هذا البلاءَ عن الأمة.

 

هذا وصَلُّوا وسَلِّمُوا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمرَكم بذلكم ربُّكم في محكم تنزيله فقال -وهو الصادق في قيله-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمدٍ الحبيبِ المصطفى، والنبيِّ المجتَبى، وعلى آلِه الطيبينَ الطاهرينَ، وعلى أزواجِه أُمَّهاتِ المؤمنينَ، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِكَ وجودِكَ وإحسانِكَ، يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتَنا وولاةَ أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمَنْ خافَكَ واتقاكَ، واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامَنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وَأَعْلِ به كلمتَك، واجعله نصرةً للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى، اللهم وفقه وإخوانَه وأعوانَه لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى.

 

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسُنَّة نبيِّك محمد -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحقِّ والهدى، يا رب العالمين.

 

اللهم وأَصْلِحْ أحوالَ المسلمينَ، في كل مكان، اللهم احْقِنْ دماءَهم، واجمع على الحق والهدى والسنة كلمتهم، وول عليهم خيارهم، واكفهم أشرارهم، وابسط الأمن والعدل والرخاء في ديارهم، وأعِذْهُم من الشرور والفتن، ما ظهَر منها وما بطَن.

 

اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنُفنا بكنفك الذي لا يرام، واحفظنا بعِزِّكَ الذي لا يضام، اللهم إنَّا نسألك العافيةَ من كل بلية، والشكرَ على العافية، اللهم إنَّا نستدفع بكَ كلَّ مكروه، ونعوذ بك من شرِّه، اللهم إنَّا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيِّئ الأسقام، تحصَّنَّا بذي العزة والجبروت، واعتصمنا بذي الْمُلْكِ والملكوتِ، وتَوَكَّلْنا على الحي الذي لا يموتُ، اللهم اصْرِفْ عنَّا هذا الوباءَ، اللهم اصْرِفْ عنَّا هذا الوباءَ، وقِنَا شرَّ الداءِ، ونَجِّنا من البلاء بلطفك وقدرتك إنَّكَ على كل شيء قدير.

 

اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا، وعاف مبتلانا، واشف مرضانا، وارحم موتانا.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

 

 

الملفات المرفقة
ورجل قلبه معلَّق بالمساجد
عدد التحميل 20
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
صالح بن عبد الله بن حميد
سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته : إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة ورئيس شئون الحرمين سابقا ورئيس مجلس الشورى السعودي .
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات