طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17818

التواصل والترابط الأسري (1) وأهميته ومجالاته

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/06/16
تاريخ النشر : 1441/10/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/التواصل والترابط الأسري حقيقته ومعناه 2/أهمية التواصل الأسري وأثره 3/مجالات التواصل والترابط الأسري.
اقتباس

فَمَا أَحْوَجَنَا -مَعَاشِرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ- أَنْ نَمُدَّ جُسُورَ الصِّلَةِ وَالثِّقَةِ وَالتَّفَاهُمِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَوْلَادِنَا، لِنَكُونَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ اللهِ عِصْمَةً مِمَّا يُرَادُ بِهِمْ مِنْ تَمْيِيعٍ وَتَفَسُّخٍ وَغُرْبَةٍ عَنْ دِينِهِمْ! مَا أَحْوَجَ أُسَرَنَا إِلَى أَنْ يَرْتَبِطَ الْقَلْبُ بِالْقَلْبِ وَالرُّوحُ بِالرُّوحِ وَالْوِجْدَانُ بِالْوِجْدَانِ، كَمَا ارْتَبَطَتِ الْمَصَائِرُ بِالْمَصائِرِ!

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: دَائِمًا مَا يَقُولُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: “اتَّحِدُوا”، وَنَتَوَاصَى بِقَولِه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعَا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وَنُرَدِّدُ: “الِاتِّحَادُ قُوَّةٌ وَالتَّفْرِقَةُ ضَعْفٌ”، وَنَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ -تَعَالَى-: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[الأنفال: 46]… لَكِنْ يَا تُرَى: مَا هِيَ أَحَقُّ الْكِيَانَاتِ بِذَلِكَ؟ أَوْ فَلْنَقُلْ: مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ الِاتِّحَادُ وَالتَّمَاسُكُ وَالتَّرَابُطُ؟ وَالْإِجَابَةُ الَّتِي لَا يَشُكُّ فِيهَا عَاقِلٌ: إِنَّهَا الْأُسْرَةُ، نَعَمْ؛ أَوْلَى الْكِيَانَاتِ بِالتَّرَابُطِ وَالتَّمَاسُكِ وَالِاتِّحَادِ هِيَ الْأُسْرَةُ، نَعَمْ؛ مِنَ الْأُسْرَةِ يَبْدَأُ الِاتِّحَادُ، وَلَا اتِّحَادَ لِمُجْتَمَعٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَتَّحِدَ أُسَرُهُ مِنْ دَاخِلِهَا.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّنَا نَقْصِدُ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ: أَنْ تَكُونَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ قَائِمَةً عَلَى أُسَسِ وَأُصُولٍ قَوِيَّةٍ مَتِينَةٍ؛ أَهَمُّهَا:

الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ؛ هَاتَانِ الصِّفَتَانِ اللَّتَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا رَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم:21]، “؛ أَيْ جَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ؛ فَهُمَا يَتَوَادَّانِ وَيَتَرَاحَمَانِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ مَعْرِفَةٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا سَبَبٍ يُوجِبُ التَّعَاطُفَ، وَمَا شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمَا مِنَ الآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاحُمٍ بَيْنَهُمَا إِلَّا الزَّوْجَانِ”؛ فَلَوْ سَادَتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ خَاصَّةً، ثُمَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ، حَتَّى يَكُونَ التَّعَامُلُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى أَسَاسِ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالتَّعَاطُفِ؛ صَارَتْ تِلْكَ الْأُسْرَةُ مُتَرَابِطَةً مُتَوَاصِلَةً.

 

وَمِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَقُومَ عَلَيْهَا الْأُسْرَةُ لِتَكُونَ مُتَوَاصِلَةً مُتَرَابِطَةً: أَنْ يَتَّفِقُوا جَمِيعًا فِي حَلِّ مَا يَنْشَأُ مِنْ مُشْكِلَاتٍ، وَتَخَطِّي مَا يَطْرَأُ مِنْ عَقَبَاتٍ، عَلَى أَنَّ الْفَيْصَلَ وَالْأَسَاسَ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ فَإِنَّ التَّحَاكُمَ إِلَى شَرْعِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِقْرَارِ وَالتَّمَاسُكِ وَالتَّرَابُطِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ هُوَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ وَالتَّنَازُعِ بَلْ وَالتَّقَاتُلِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ؛ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ)، وَإِنْ كَانَ هَذَا عَلَى مُسْتَوَى الْأُمَّةِ؛ فَهُوَ عَلَى مُسْتَوَى الْأُسْرَةِ كَذَلِكَ.

 

وَمِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ: الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْعَدْلِ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَأَمَرَ نَبِيُّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ؛ فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

وَمِنَ الْإِنْصَافِ أَنْ يُعْتَرَفَ لِلْمُحِقِّ بِأَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، وَيُقَرَّ لِصَاحِبِ الْفَضْلِ بِفَضْلِهِ، وَأَلَّا يَسْتَنْكِفَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَعْتَرِفَ لِلْآخَرِ بِأَنَّهُ هُوَ الْمُصِيبُ وَيُخَطِّئُ نَفْسَهُ؛ فَبِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ تَتَرَابَطُ وَتَتَمَاسَكُ الْأُسَرُ.

 

وَمِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ: مَعْرِفَةُ كُلِّ فَرْدٍ فِي الْأُسْرَةِ وَاجِبَاتِهِ، وَالْقِيَامُ بِهَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَعَدَمُ بَخْسٍ شَيْءٍ مِنْهَا؛ وَذَلِكَ تَطْبِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا…”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ فَيَقُومُ الْأَبُ بِوَاجِبِ الْقِوَامَةِ وَالْقِيَادَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَقُومُ الْأُمُّ كَذَلِكَ بِوَاجِبِ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ لِأَوْلَادِهَا، وَيَقُومُ الْأَوْلَادُ بِوَاجِبِ أَدَاءِ الطَّاعَاتِ وَبِرِّ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالطَّاعَةِ لَهُمَا.

 

وَمِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ: أَنْ يَسُودَ التَّفَاهُمُ وَاللِّينُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَتِلْكَ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ إِرَادَةِ اللهِ الْخَيْرَ بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ؛ فَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا أَرَادَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَمِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ: أَنْ يَتَوَاسَى أَفْرَادُ الْأُسْرَةِ فِي الْأَفْرَاحِ وَفِي الْأَتْرَاحِ؛ فَالْأُسْرَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ الْأَحَقُّ وَالْأَوْلَى بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ فَيَحْزُنُ بَعْضُهُمْ لِحُزْنِ بَعْضٍ، وَيَفْرَحُ لِفَرَحِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَشَاعِرَ تُنْبِتُ بَيْنَهُمْ تَرَابُطًا وَتَمَاسُكًا، وَهِيَ مِنْ أَبْرَزِ أَمَارَاتِ التَّوَاصُلِ الْجَيِّدِ بَيْنَهُمْ.

 

فَحَقِيقَةُ التَّرَابُطِ وَالتَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ تَتَكَوَّنُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْقِيَمِ؛ أُسْرَةٌ مُتَوَادَّةٌ مُتَرَاحِمَةٌ، أُسْرَةٌ مُتَفَاهِمَةٌ مُتَحَاوِرَةٌ، أُسْرَةٌ يَقُومُ كُلُّ فَرْدٍ فِيهَا بِوَاجِبِهِ، أُسْرَةٌ مُتَحَاكِمَةٌ إِلَى شَرْعِ اللهِ، أُسْرَةٌ تَعْدِلُ وَلَا تَظْلِمُ، وَتُنْصِفُ وَلَا تَبْخَسُ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَالتَّوَاصُلُ وَالتَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ مُهِمٌّ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ حَالُ الْأُسْرَةِ بِدُونِهِ، وَلَا يَسْتَمِرُّ كِيَانُهَا بِدُونِهِ، وَلَا يَصْلُحُ حَالُهَا إِلَّا بِهِ، وَأَيُّمَا أُسْرَةٍ فَقَدَتِ التَّرَابُطَ وَالتَّوَاصُلَ؛ فَقَدْ فَقَدَتْ عَوَامِلَ نَجَاحِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا؛ فَتَرَاهَا عُرْضَةً لِلتَّفَسُّخِ وَالتَّفَكُّكِ وَالِانْهِيَارِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مُجْمَلٌ؛ فَدَعُونَا الْآنَ نُفَصِّلُ فِي نِقَاطٍ مُحَدَّدَةٍ أَهَمِّيَّةَ التَّوَاصُلِ وَالتَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ.

بِدَايَةً: إِنَّ الْأَوْلَادَ إِذَا رَأَوُا اخْتِلَافًا أَوْ تَنَازُعًا بَيْنَ أَبَوَيْهِمَا نَشَأُوا وَقُلُوبُهُمْ مَفْطُورَةٌ مُتَشَقِّقَةٌ كَتَشَقُّقِ الْأَرْضِ الْيَابِسَةِ الَّتِي انْقَطَعَ عَنْهَا الْمَاءُ؛ فَإِنَّ التَّوَاصُلَ الْجَيِّدَ لِلْأَبَوَيْنِ وَتَرَابُطَهُمَا هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَرْوِي قُلُوبَ أَوْلَادِهِمَا، وَانْظُرْ إِلَى أَيِّ بَيْتٍ وَقَعَ فِيهِ شِقَاقٌ -وَلَوْ نَفْسِيٌّ- بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، تَجِدْ أَوْلَادَهُمَا مَرْضَى نَفْسِيِّينَ قَدْ غَزَتْهُمُ الْعُيُوبُ الْخُلُقِيَّةُ وَالْخَلَلُ الْفِكْرِيُّ… فَالتَّرَابُطُ وَالتَّوَاصُلُ الْجَيِّدُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ضَرُورِيٌّ للصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْأَوْلَادِ، وَلِتَوْجِيهِ طَاقَاتِهِمْ إِلَى مَكَانِهَا الصَّحِيحِ.

 

ثُمَّ مِنْ أَهَمِّيَّةِ التَّرَابُطِ وَالتَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ: تَوْحِيدُ الرُّؤْيَةِ لِقَضَايَا الْأُمَّةِ عَامَّةً، وَلِلْعَقَبَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْأُسْرَةَ خَاصَّةً؛ مِمَّا يُوَلِّدُ اجْتِمَاعًا وَتَوَحُّدًا فِي الْعَمَلِ عَلَى حَلِّهَا، بِمَا فِي ذَلِكَ الْمُشْكِلَاتُ الَّتِي تُوَاجِهُ الْأَوْلَادَ؛ فَلَوْ لَمْ يَجِدُوا تَوَاصُلًا أُسَرِيًّا بِشَأْنِهَا يُسَاعِدُ فِي حَلِّهَا؛ فَإِنَّهُمْ يَلْجَئُونَ إِلَى تَوَاصُلٍ آخَرَ مَعَ أَصْدِقَاءٍ، رُبَّمَا لَا يَكُونُونَ سَوِيِّينَ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي انْحِرَافِهِمْ.

 

أَيْضًا؛ فَإِنَّ إِهْمَالَ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ يُؤَدِّي إِلَى تَفَكُّكِ الْأُسْرَةِ وَعَدَمِ سَيْطَرَتِهَا عَلَى أَبْنَائِهَا؛ فَيَنْتِجُ عَنْهُ ارْتِفَاعُ مُعَدَّلِ الِانْحِرَافَاتِ السُّلُوكِيَّةِ، وَظُهُورُ الْمُيُولِ الْعُدْوَانِيَّةِ لَدَى الْأَوْلَادِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ أَغْلَبَ “الْأَحْدَاثِ” الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا السِّنَّ، الَّذِينَ يُقْبَضُ عَلَيْهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَرَائِمَ قَدْ خَرَجُوا مِنْ أُسَرٍ مُتَفَكِّكَةٍ قَدْ فَرَّطَتْ فِي رِعَايَةِ أَبْنَائِهَا.

 

وَمِنْ أَهَمِّيَّةِ التَّرَابُطِ وَالتَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ: أَنَّهُ يُوَلِّدُ دَاخِلَ الْفَرْدِ الشُّعُورَ بِالِانْتِمَاءِ الدَّاخِلِيِّ إِلَى الْأُسْرَةِ وَعَدَمِ الْبَحْثِ عَنِ الْأَمَانِ خَارِجَهَا، وَفِي ذَلِكَ صِيَانَةٌ لِلْأَبِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ خَلِيلَةٍ غَيْرِ زَوْجَتِهِ، وَكَذَلِكَ هِيَ، وَصِيَانَةً لِلْأَوْلَادِ أَنْ يَطْلُبُوا الْمَشُورَةَ مِمَّنْ لَا يُؤْتَمَنُ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ الْفُضَلَاءُ: إِذَا مَا عَرَفْنَا الْمَقْصُودَ بِالتَّرَابُطِ وَالتَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ، وَأَدْرَكْنَا أَهَمِّيَّتَهُ؛ فَيَبْقَى السُّؤَالُ: كَيْفَ نَتَوَاصَلُ؟ وَمَا مَجَالَاتُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ؟ وَلِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ نَقُولُ:

الْمَجَالُ الْأَوَّلُ لِلتَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ هُوَ التَّوَاصُلُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَكَمَا قُلْنَا فَإِنَّهُ قَائِمٌ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ؛ كَمَا قَرَّرَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي قُرْآنِهِ، وَمِنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ الْمَوَدَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: الْمُدَاعَبَةُ وَالْمُلَاطَفَةُ؛ فَهَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرَخِّمُ اسْمَ زَوْجَتِهِ عَائِشَةَ قَائِلًا: “يَا عَائِشُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَهَا هُوَ يُرَاقِبُ مَشَاعِرَهَا، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رِضَاهَا وَغَضَبِهَا، وَلْنَدَعْهَا هِيَ تَرْوِي فَتَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى” قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ” أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ” قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَهَا هُوَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُسَابِقُهَا فَتَسْبِقُهُ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ زَمَانٍ فَيُسَابِقُهَا فَيَسْبِقُهَا؛ فَأَسَاسُ التَّرَابُطِ وَالتَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ الصِّحِّيِّ السَّلِيمِ يَبْدَأُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ.

 

الْمَجَالُ الثَّانِي: هُوَ تَوَاصُلُ الْأَبِ مَعَ أَوْلَادِهِ: وَالَّذِي يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بـالتَّوَاصُلِ الْأَبَوِيِّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّوْجِيهُ وَالْإِرْشَادُ وَالْحَزْمُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ رَحْمَةٍ؛ فَتَوَاصُلُ الْآبَاءِ مَعَ الْأَبْنَاءِ تَوَاصُلُ اقْتِدَاءٍ وَتَعْلِيمٍ وَإِعْدَادٍ لِلْمُهِمَّاتِ وَلِمَصَاعِبِ الْحَيَاةِ، وَلَوْ نَجَحَ الْأَبُ فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِأَوْلَادِه ِالْمَرْجِعَ عِنْدَ الْحَيْرَةِ، وَالسَّنَدَ -بَعْدَ اللهِ- عِنْدَ الْأَزَمَاتِ، وَالْمَفْزَعَ الَّذِي يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ -بَعْدَ رَبِّهِمْ- فِي الْمُلِمَّاتِ، وَتِلْكَ غَايَةُ التَّوَاصُلِ وَقِمَّةُ التَّرَابُطِ.

 

الْمَجَالُ الثَّالِثُ: هُوَ تَوَاصُلُ الْأُمِّ مَعَ أَوْلَادِهَا: وَيُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ “التَّوَاصُلَ الْأُمُومِيَّ”، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْعَطْفِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ، مُكَمِّلًا بِذَلِكَ التَّوَاصُلَ الْأَبَوِيَّ، وَلَا نَنْسَى فِي هَذَا الْمَقَامِ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ الَّتِي رَوَتْهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، قَائِلَةً: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمَتْهَا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتَاهَا ابْنَتَاهَا؛ فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا فَأَعْجَبَنِي حَنَانُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَقَالَ: “إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا الْجَنَّةَ، وَأَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَاللَّفْظُ لَهُ)؛ فَتِلْكَ هِيَ الْأُمُومَةُ؛ رِقَّةٌ، وَعَطْفٌ، وَعِنَايَةٌ، وَفَيْضٌ مِنْ حَنَانٍ تَحُوطُ بِهِ أَوْلَادَهَا، تَكُونُ نَتِيجَتُهُ تَعَلُّقُ أَوْلَادِهَا بِهَا، وَتَوَاصُلُهُمْ مَعَهَا وِجْدَانًا وَعَاطِفَةً وَأَحَاسِيسَ وَمَشَاعِرَ.

 

فَمَا أَحْوَجَنَا -مَعَاشِرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ- أَنْ نَمُدَّ جُسُورَ الصِّلَةِ وَالثِّقَةِ وَالتَّفَاهُمِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَوْلَادِنَا، لِنَكُونَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ اللهِ عِصْمَةً مِمَّا يُرَادُ بِهِمْ مِنْ تَمْيِيعٍ وَتَفَسُّخٍ وَغُرْبَةٍ عَنْ دِينِهِمْ! مَا أَحْوَجَ أُسَرَنَا إِلَى أَنْ يَرْتَبِطَ الْقَلْبُ بِالْقَلْبِ وَالرُّوحُ بِالرُّوحِ وَالْوِجْدَانُ بِالْوِجْدَانِ، كَمَا ارْتَبَطَتِ الْمَصَائِرُ بِالْمَصائِرِ!

 

فَاللَّهُمَّ يَا مَالِكَ الْمُلْكِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا ذَا الْمُلْكِ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَالْعِزِّ الَّذِي لَا يُضَامُ، أَحْسِنِ الصِّلَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، ثُمَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَوْلَادِنَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَ بُيُوتِنَا، وَاجْعَلْهَا تَعْبُدُكَ وَتَخْشَاكَ وَتَدُلُّ عَلَيْكَ.

 

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ..

 

الملفات المرفقة
التواصل والترابط الأسري (1) وأهميته ومجالاته
عدد التحميل 28
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات