طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17750

سلسلة القيم الأسرية التعاون بين أفراد الأسرة -1

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/06/16
تاريخ النشر : 1441/10/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية التعاون بين أفراد الأسرة وثمرته 2/مجالات التعاون بين الزوجين 3/دور الأبناء في إعانة والديهم 4/التعاون بين الإخوة وأمثلة عليه.
اقتباس

لَقَدْ كَانَ الْبَيْتُ النَّبَوِيُّ أُنْمُوذَجًا جَمِيلًا فِي الْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “أَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُصَلِّي صَلاَتَهُ باللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ، أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ”(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: “قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ”…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ بِأَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)[المائدة: 2]؛ قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “وَالْمُتَأَمِّلُ يَجِدُ أَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخيْرِ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِهَا، أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الشَّرِّ الْمَأْمُورِ بِتَرْكِهَا؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِفِعْلِهَا بِنَفْسِهِ، وَبِمُعَاوَنَةِ غَيْرِهِ مِنْ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا، بِكُلِّ قَوْلٍ يَبْعَثُ عَلَيْهَا وَيُنَشِّطُ لَهَا، وَبِكُلِّ فِعْلٍ كَذَلِكَ”.

 

وَالأُسْرَةُ مُجْتَمَعٌ صَغِيرٌ، وَهِيَ اللَّبِنَةُ الأُولَى فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَحِينَمَا تَقْوَى الأُسْرَةُ بِتَكَافُلِهَا وَتَرَابُطِهَا وَتَرَاحُمِهَا؛ يَقْوَى الْمُجْتَمَعُ، وَتَسْرِي فِيهِ رُوحُ التَّكَافُلِ وَالتَّرَابُطِ وَالتَّرَاحُمِ؛ وَلِذَا فَإِنَّ مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْخَيْرِ، لاَ بُدَّ أَوَّلاً أَنْ نُشِيعَهُ فِي أُسَرِنَا بِأَخْلَاقِنَا وَأَعْمَالِنَا.

 

وَلَقَدْ ضَرَبَ لَنَا نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِثَالاً رَائِعًا فِي تَعَاوُنِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ؛ فَقَدْ سُئِلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: مَا كَانَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: “كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -يَعْني: خِدْمَةَ أَهْلِهِ-؛ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)؛ قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: “الْإِنْسَانُ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ فَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَصْنَعَ الشَّايَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ، وَيَطْبُخُ إِذَا كَانَ يَعْرِفُ، وَيَغْسِلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى غَسْلِهِ، كُلُّ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ، أَنْتَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ سُنَّةٍ؛ اقْتِدَاءً بِالرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَتَوَاضُعًا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-“.

 

هَذَا هُوَ أَحَدُ الْمَجَالَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُعِينَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَيُسَاعِدَهَا فِيهِ: أَنْ يَقُومَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبَيْتِ؛ لِيَرَى كَيْفَ تَتْعَبُ الْمَرْأَةُ فِي خِدْمَتِهِ؟ فَيُقدِّرُ لَهَا عَمَلَهَا، وَيَزْدَادُ لَهَا احْتِرَامًا وَحُبًّا.

 

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّجَالِ الْيَوْمَ يَأْنَفُونَ مِنَ الْعَمَلِ فِي الْبَيْتِ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى سِيرَةِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَجَدْنَاهُ خَدُومًا لِأَهْلِهِ؛ “كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَفِي رِوَايَةٍ: “كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ؛ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَمِنْ أَعْظَمِ مَجَالَاتِ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: أَنْ يَتَعَاوَنَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ -تَعَالَى-؛ وَلِذَا أَرْشَدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَرْأَةَ إِلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْخُلُقِ وَالدِّينِ، وَأَرْشَدَ الرَّجُلَ أَنْ يَظْفَرَ بِذَاتِ الدِّينِ؛ لِيُقِيمَا أُسْرَةً صَالِحَةً، وَيُرَبِّيَا أَوْلَادَهُمَا تَرْبِيَةً صَالِحَةً، قَالَ بَعْضُ الصحَابِة: لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ المَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ؟ فَقَالَ: “لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ“، وَفِي رِوَايَةٍ: “تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ)، وَقَالَ: “يَا مُعَاذُ! قَلْبٌ شَاكِرٌ، وَلِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاكَ وَدِينِكَ، خَيْرُ مَا اكْتَنَزَ النَّاسُ“(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: لَقَدْ كَانَ الْبَيْتُ النَّبَوِيُّ أُنْمُوذَجًا جَمِيلًا فِي الْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “أَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُصَلِّي صَلاَتَهُ باللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ، أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: “قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ“، وَبِهَذَا أَوْصَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأَزْوَاجَ؛ أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى وَأيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإنْ أبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ وَأيْقَظَتْ زَوْجَهَا؛ فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: أَصْبَحَتْ بُيُوتُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مَفْتُوحَةً عَلَى مِصْرَاعَيْهَا لِكُلِّ مَا يُبَثُّ فِي الْقَنَوَاتِ مِنْ فِسْقٍ وَفُجُورٍ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ فِي زَمَنٍ لَا يَتَوَرَّعُونَ فِيهِ مِنْ سَمَاعِ الْمُنْكَرَاتِ وَمُشَاهَدَتِهَا، فَقَدْ دَخَلَتِ الْبُيُوتَ عَبْرَ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهُنَا يَأْتِي التَّعَاوُنُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُنْكَرِ وَعَدَمِ السَّمَاحِ بِهِ، وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ تَعَاوُنٍ! فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي لَا تَرْضَى لِزَوْجِهَا بِحَرَامٍ وَمُنْكَرٍ، وَلَا تَضْطَرُّهُ إِلَى أَكْلِ الْحَرَامِ؛ بِكَثْرَةِ الطَّلَبَاتِ، وَالْإِلْحَاحِ الْمُسْتَمِرِّ، وَقَدْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ السَّلَفِ تُوصِي زَوْجَهَا عِنْدَمَا يَخْرُجُ إِلَى عَمَلِهِ؛ فَتَقُولُ لَهُ: “يَا أَبَا فُلَانٍ! اتَّقِ اللهَ وَلَا تَأْكُلْ حَرَامًا؛ فَإِنَّا نَصْبِرُ عَلَى جُوعِ الدُّنْيَا، وَلَا نَصْبِرُ عَلَى عَذَابِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“.

 

وَمِنَ التَّعَاوُنِ: أَنْ يُعِينَ الزَّوْجَانِ بَعْضَهُمَا عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ لِلْأَصْدِقَاءِ، كَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِاللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- غَنِيًّا مُنْفِقًا كَرِيمًا، وَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ أَتَاهُ مَالٌ لَهُ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَقَدْرُهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ يَتَمَلْمَلُ وَكَأَنَّهُ مَلْدُوغٌ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنَامَ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ الصِّدِّيقِ: مَا لَكَ؟! قَالَ: تَفَكَّرْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةَ فَقُلْتُ: مَا ظَنُّ رَجُلٍ بِرَبِّهِ، يَبِيتُ وَهَذَا الْمَالُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ وَأَخِلَّائِكَ؟! فَإِذَا أَتَى الصَّبَاحُ فَقَسِّمْ هَذَا الْمَالَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهَا: يَرْحَمُكِ اللهُ! إِنَّكِ مُوَفَّقَةٌ بِنْتُ مُوَفَّقٍ، وَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ قَسَّمَهُ بَينَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَكَدْ يَتْرُكُ لِبَيْتِه شَيْئًا!.

 

فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ كَيْفَ أَعَانَتْ زَوْجَهَا عَلَى صِلَةِ أَصْحَابِهِ! فَأَيْنَ نِسَاءُ الْيَوْمِ اللَّوَاتِي يَتَضَجَّرْنَ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاهُنَّ زَوْجَهَا يُنْفِقُ عَلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ إِخْوَانِهِ مِنْ زَوْجَةِ طَلْحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؟!

 

وَمِنْ مَجَالَاتِ التَّعَاوُنِ: أَنْ تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِمَالِهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ إِحْسَانِهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ شَرْعًا عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، لَكِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَا حَاجَةٍ فَأَعَانَتْهُ زَوْجَتُهُ وَأَنْفَقَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِحْسَانِ؛ فَإِنَّهَا  تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ؛ فَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُجْزِئُ عَنَّا أَنْ نَجْعَلَ الصَّدَقَةَ فِى زَوْجٍ فَقِيرٍ وَابْنِ أَخٍ أَيْتَامٍ فِى حُجُورِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَكِ أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ الصِّلَةِ“، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: “زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ“.

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّ مِنْ مَجَالَاتِ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: إِعَانَةَ بَعْضِهِمَا فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِمْ؛ فَلِلْأَبِ دَوْرُهُ وَلِلْأُمِّ دَوْرُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَحَمَّلُ جُزْءًا مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ تِجَاهَ الْأَبْنَاءِ، وَحِينَمَا يَحْصُلُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَحَدِهِمَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبْنَاءِ سَلْبًا فِي أَخْلَاقِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ، وَثَقَافَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَإِذَا كَانَتْ مَسْؤُولِيَّةُ الْأُسْرَةِ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْوَالِدَيْنِ؛ فَإِنَّ لِلْأَبْنَاءِ دَوْرًا عَظِيمًا فِي نَجَاحِ الْأُسْرَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا؛ فَإِعَانَتُهُمْ لِوَالِدِيهِمْ أَمْرٌ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ؛ إِذْ يُيَسِّرُ ذَلِكَ لِآبَائِهِمْ حُسْنَ تَرْبِيَتِهِمْ وَرِعَايَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ صُعُوبَاتٍ وَلَا مَتَاعِبَ، وَإِنَّ صَبْرَ الْأَوْلَادِ وَقَنَاعَتَهُمْ وَتَقْدِيرَهُمْ لِظُرُوفِ آبَائِهِمْ هُوَ إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَتَجَنُّبِهِمْ لِلْحَرَامِ، وَقَدْ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَة“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ)؛ “أَيْ: يَحْمِلُ أَبَوَيْهِ عَلَى الْبُخْلِ وَيَدْعُوهُمَا إِلَيْهِ؛ حَتَّى يَبْخَلَا بِالْمَالِ لِأَجْلِهِ، وَيَتْرُكَا الْجِهَادَ بِسَبَبِهِ“؛ فَالْأَوْلَادُ قَدْ يَكُونُونَ سَبَبًا فِي بُعْدِ وَالِدِيهِمْ عَنِ الطَّاعَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ.

 

وَإِلَيْكُمْ -أَيُّهَا الْكِرَامُ- هَذِهِ الصُّورَةَ الرَّائِعَةَ مِنْ إِعَانَةِ الابْنِ أَبَاهُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَتَقْوَاهُ، لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ “أَمَرَ بِالسُّتُورِ فَهُتِكَتْ، وَالثِّيَابِ الَّتِي كَانَتْ تُبْسَطُ لِلْخُلَفَاءِ فَحُمِلَتْ، وَأَمَرَ بِبَيْعِهَا وَإِدْخَالِ أَثْمَانِهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَتَبَوَّأُ مَقِيلًا -أَيْ: يَرْتَاحُ قَلِيلاً-، فَأَتَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! أَقِيلُ، قَالَ: تَقِيلُ وَلَا تَرُدُّ الْمَظَالِمَ! فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! قَدْ سَهِرْتُ الْبَارِحَةَ فِي أَمْرِ عَمِّكَ سُلَيْمَانَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ رَدَدْتُ الْمَظَالِمَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنْ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الظُّهْرِ؟ قَالَ: ادْنُ مِنِّي أَيْ بُنَيَّ! فَدَنَا مِنْهُ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِي مَنْ يُعِِينُنِي عَلَى دِينِي، فَخَرَجَ وَلَمْ يَقِلْ وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ: أَلَا مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ فَلْيَرْفَعْهَا“.

 

كَمَا أَنَّ إِعَانَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ بِالْمَالِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْأَوْلَادِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: “أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ”(الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ)، وَفِي الْحَدِيثِ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، قَالَ: “أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ)؛ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ لَهُ حَقٌّ فِي مَالِ وَلَدِهِ؛ وَقَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا يَرْجُوهُ وَالِدُهُ فِي كِبَرِهِ عِنْدَ فَقْرِهِ وَضَعْفِهِ؟!

 

وَقَدْ قَصَّ لَنَا الْقُرْآنُ مِثَالًا لِإِعَانَةِ الْأَبْنَاءِ وَالِدِيهِمْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ فَحِينَ خَرَجَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ مِصْرَ وَوَصَلَ مَدْيَنَ، وَجَدَ امْرَأَتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ عَنِ الرُّعَاةِ؛ (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)[القصص: 23].

 

وَمِنَ التَّعَاوُنِ فِي الْأُسْرَةِ: إِعَانَةُ الْإِخْوَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَإِذَا كَانَ الْمُؤْمِنُ مَأْمُورًا بِإِعَانَةِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا رَابِطَةُ الدِّينِ؛ فَأَخُوكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ أَوْلَى بِالْإِعَانَةِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِارْتِبَاطِكَ بِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: الدِّينِ وَالنَّسَبِ، وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي حَقُّ الْأَقْرِبَاءِ بَعْدَ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ؛ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى)[البقرة: 83]، (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)[البقرة:215]، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ”(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَحِينَ سَأَلَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ رَبِّهِ مُعِينًا لَهُ فِي دَعْوَتِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي بَالِهِ إِلَّا أَخُوهُ هَارُونَ؛ (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)[طه: 29-32]؛ أَيْ: “مُعِينًا وَظَهِيرًا، وَالْوَزِيرُ: مَنْ يُؤَازِرُكَ وَيُعِينُكَ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْكَ بَعْضَ ثِقَلِ عَمَلِكَ”؛ (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ)[القصص: 35]؛ أَيْ: نُعَاوِنُكَ بِهِ وَنُقَوِّيكَ.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّمَا تَسْعَدُ الْأُسَرُ وَتَسْتَقِرُّ إِذَا فَشَا فِيهَا خُلُقُ التَّعَاوُنِ، وَإِنَّكَ لَتَلْمَسُ هَذَا التَّعَاوُنَ فِي تَمَاسُكِ الْأُسْرَةِ وَتَرَابُطِهَا، وَتَحَابِّ أَفْرَادِهَا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَيَغْبِطُ هَذِهِ الْأُسْرَةَ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَكَاتُفٍ وَتَعَاوُنٍ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
سلسلة القيم الأسرية التعاون بين أفراد الأسرة -1
عدد التحميل 34
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات