طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17749

سلسلة القيم الأسرية: الألفة والمحبة بين أفراد الأسرة -2

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/06/16
تاريخ النشر : 1441/10/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/المحبة والألفة من مقاصد الزواج 2/وسائل زيادة الألفة والمحبة بين الزوجين 3/حاجة الأبناء إلى الحب 4/مما ينشر المحبة في بيوتنا.
اقتباس

وَفِي مَشْهَدِ حُبٍّ عَاطِفِيٍّ جَمِيلٍ، هَا هُوَ رَسُولُنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُسَاعِدُ زَوْجَهُ صَفِيَّةَ لِتَرْكَبَ عَلَى الْبَعِيرِ، يَقُولُ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: “فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ”…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

مَعَاشِرَ الْأَحِبَّةِ: إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ الْعَظِيمَةِ: مَا جَعَلَ اللهُ فِيهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ؛ لِتَسْتَقِرَّ بِهِ الْعِشْرَةُ الزَّوْجِيَّةُ وَتَسْتَمِرَّ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم: 21]؛ وَالْمَوَدَّةُ هِيَ الْمَحَبَّةُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا السَّكَنُ وَالِاسْتِقْرَارُ لِلْأُسْرَةِ؛ لِذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْمُوَ هَذَا الْحُبُّ وَيَزْدَادَ بِمُرُورِ الْأَيَّامِ، وَمِنْ دُونِهِ تُصْبِحُ الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ كَشَجَرَةِ خَرِيفٍ؛ ذَابِلَةٌ أَزْهَارُهَا، جَافَّةٌ أَوْرَاقُهَا.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْأُلْفَةَ مَشَاعِرُ إِنْسَانِيَّةٌ يَطْرَأُ عَلَيْهَا الضَّعْفُ وَالْفُتُورُ أَحْيَانًا، وَالزَّوْجَانِ الْحَكِيمَانِ يَسْتَطِيعَانِ الِاحْتِفَاظَ بِقُوَّةِ حُبِّهِمَا مَدَى الْحَيَاةِ، بَلْ كُلَّمَا تَقَدَّمَ بِهِمَا الْعُمْرُ ازْدَادَا أُلْفَةً وَمَحَبَّةً، وَهُنَاكَ أُمُورٌ تَزِيدُ الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ مِنْهَا:

إِفْصَاحُ كُلِّ شَرِيكٍ بِحُبِّهِ إِلَى شَرِيكِهِ الْآخَرِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُعْلِنُ حُبَّهُ لِأَزْوَاجِهِ؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ خَدِيجَةَ: “إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَلَمَّا سُئِلَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟”، قَالَ: “عَائِشَةُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

إِنَّ النِّسَاءَ يُحْبِبْنَ سَمَاعَ كَلِمَةِ “أُحِبُّكِ” مِنْ قِبَلِ أَزْوَاجِهِنَّ؛ فَلِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَأْثِيرُهَا عَلَى مَشَاعِرِهِنَّ، وَمِمَّا تَشْكُو مِنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الزَّوْجَاتِ الْجَفَافُ الْعَاطِفِيُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ، صَحِيحٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ زَوْجَاتِهِمْ، لَكِنَّهُمْ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ إِظْهَارِ تِلْكَ الْمَشَاعِرِ؛ إِمَّا خَجَلاً وَحَيَاءً، وَإِمَّا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ ذَلِكَ يُنَافِي الرُّجُولَةَ وَالْحَزْمَ، فَالْحُبُّ لَدَيْهِمْ مَوْجُودٌ، وَلَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ مَفْقُودٌ، وَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ: إِنَّهُ لَنْ يَنْقُصَ مِنْ قَدْرِكُمْ شَيْئًا أَنْ تُعْلِنُوا حُبَّكُمْ لِزَوْجَاتِكُمْ؛ فَالزَّوْجَةُ مُحْتَاجَةٌ لِكَلِمَةٍ لَطِيفَةٍ، مُتَعَطِّشَةٌ لِسَمَاعِهَا مِنْ زَوْجِهَا، وَقَدْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ كَانَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُظْهِرُ مَشَاعِرَ حُبِّهِ لِأَزْوَاجِهِ، بَلْ وَيُعْلِنُهَا لِلنَّاسِ جَمِيعًا؛ فَبِهِ فَاقْتَدُوا.

 

وَمِمَّا يَزِيدُ الْمَحَبَّةَ وَالْأُلْفَةَ: الْإِحْسَانُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَفِي قَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ خَدِيجَةَ: “إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا“، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: “كَانَ حُبُّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَادِ الْمَحَبَّةِ“(فَتْحُ الْبَارِي)، فَإِحْسَانُ خَدِيجَةَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَوُقُوفُهَا إِلَى جَانِبِهِ عَمَّقَ حُبَّهَا فِي قَلْبِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَالْإِنْسَانُ الْكَرِيمُ لَا يَنْسَى أَبَدًا مَنْ شَمَلَهُ بِإِحْسَانِهِ؛ فَكَيْفَ لَوْ كَانَ الْمُحْسَنُ إِلَيْهِ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً؟!

 

أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعبِدْ قُلُوبَهُمُ *** فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الْإِنْسَانَ إِحْسَانُ

 

وَمِنْ ذَلِكَ: احْتِرَامُ الزَّوْجَةِ وَتَقْدِيرُ مَشَاعِرِهَا، وَعَدَمُ التَّدَخُّلِ فِي خُصُوصِيَّاتِهَا، وَاسْتِشَارَتُهَا فِي أُمُورِ الْأُسْرَةِ، وَالْأَخْذُ بِرَأْيِهَا، وَقَدْ ضَرَبَ لَنَا نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَثَلاً رَاقِيًا فِي قَبُولِ مَشُورَةِ أَزْوَاجِهِ؛ فَفِي الْحُدَيْبِيَةَ “دَخَلَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: “يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ“؛ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَامُوا فَنَحَرُوا“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَمِنْ ذَلِكَ: الثَّنَاءُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَمَدْحُهَا، وَمُنَادَاتُهَا بِالْأَسْمَاءِ الْمُحَبَّبَةِ إِلَيْهَا، لَقَدْ كَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُنَادِي عَائِشَةَ وَيُدَلِّلُهَا؛ فَيَقُولُ: “يَا عَائِشُ!”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَيَصِفُهَا بِالْحُمَيْرَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ الْحَبَشَةُ الْمَسْجِدَ يَلْعَبُونَ، فَقَالَ لِي: “يَا حُمَيْرَاءُ! أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ؟”(سُنَنُ النَّسَائِيُّ). وَالْحُمَيْرَاءُ؛ أَيِ: الْبَيْضَاءُ، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهَا خَيْرًا؛ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: “فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ ذَلِكَ: الرِّقَّةُ فِي التَّعَامُلِ؛ بِالْكَلِمَةِ الْجَمِيلَةِ، وَالْبَسْمَةِ الصَّادِقَةِ، وَاللَّمْسَةِ الْحَانِيَةِ، وَبِالْقُبُلَاتِ وَالْأَحْضَانِ، كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُظْهِرُ حُبَّهُ لِزَوْجَاتِهِ وَاقِعًا؛ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ مَوْضِعِ شُرْبِهِنَّ، وَيَأْكُلُ مِنْ مَوْضِعِ أَكْلِهِنَّ، تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيُؤْتَى بِالْإِنَاءِ، فَأَشْرَبُ مِنْهُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، وَإِنْ كُنْتُ لَآخُذُ الْعَرْقَ فَآكُلُ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، أَيْ: يَأْكُلُ مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمٍ تَرَكَتْهُ زَوْجُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

 

وَفِي مَشْهَدِ حُبٍّ عَاطِفِيٍّ جَمِيلٍ، هَا هُوَ رَسُولُنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُسَاعِدُ زَوْجَهُ صَفِيَّةَ لِتَرْكَبَ عَلَى الْبَعِيرِ، يَقُولُ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: “فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ“(رَوَاهُ الْبُخَاريُّ).

 

وَكَانَ يَنَامُ فِي حِجْرِ زَوْجَاتِهِ، تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، بَلْ وَيَغْتَسِلُ مَعَهَا؛ تَقُولُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

بَلْ وَيَحُثُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الزَّوْجَ أَنْ يُطْعِمَ زَوْجَتَهُ بِيَدِهِ، فَيَأْخُذُ اللُّقْمَةَ وَيَرْفَعُهَا إِلَى فَمِهَا؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا؛ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِمَّا يَزِيدُ الْمَحَبَّةَ وَالْأُلْفَةَ: مُوَاسَاةُ الزَّوْجَيْنِ لِبَعْضِهِمَا، فَالْحَيَاةُ أَفْرَاحٌ وَأَتْرَاحٌ، وَمَسَرَّاتٌ وَأَحْزَانٌ، فَلْيَقِفِ الْأَزْوَاجُ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي حَالِ الشِّدَّةِ وَالْمَرَضِ؛ فَهَذَا نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَعُودُ خَائِفًا مِنْ غَارِ حِرَاءٍ، فَيَجِدُ الْحِضْنَ الدَّافِئَ، وَالْقَلْبَ الْمُحِبَّ؛ قَلْبَ زَوْجِهِ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- تُوَاسِيهِ وَتَقِفُ إِلَى جَانِبِهِ؛ فَتَقُولُ لَهُ: “كَلاَّ وَاللهِ، مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا…”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، ثُمَّ تَذْهَبُ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ، وَتَسْتَمِرُّ بِجَانِبِهِ حَتَّى بَعَثَهُ اللهُ نَبِيًّا.

 

وَفِي مَشْهَدٍ آخَرَ مِنْ مَشَاهِدِ الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ، هَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُواسِي زَوْجَهُ صَفِيَّةَ، يُخَفِّفُ عَنْهَا حُزْنَهَا؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: “كَانَتْ صَفِيَّةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَهَا فَأَبْطَأَتْ فِي الْمَسِيرِ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهِيَ تَبْكِي، وَتَقُولُ: حَمَلْتَنِي عَلَى بَعِيرٍ بَطِيءٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا وَيُسْكِتُهَا“(السُّنَنُ الْكُبْرَى)؛ فَيَا لَهَا مِنْ مَوَاقِفَ عَاطِفِيَّةٍ جَمِيلَةٍ، تَغِيبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الأَزْوَاجِ!.

 

وَمِنْهَا: تَقْدِيمُ الْهَدَايَا، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى أَثَرِ الْهَدِيَّةِ فِي تَعْمِيقِ الْمَحَبَّةِ، وَإِدَامَةِ الْأُلْفَةِ، مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “تَهَادَوْا تَحَابُّوا“(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ)؛ فَلِلْهَدِيَّةِ أَثَرُهَا فِي تَقْرِيبِ النُّفُوسِ، وَتَهْدِئَةِ الْخَوَاطِرِ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالْهَدِيَّةِ الزَّوْجُ؛ أَنْ يُهْدِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ؛ يَتَأَلَّفُ بِهِ قَلْبَهُ، وَلَيْسَتْ قِيمَةُ الْهَدِيَّةِ فِي غَلَاءِ ثَمَنِهَا، بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنْ مَشَاعِرِ الْوُدِّ وَالْمَحَبَّةِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ رَخِيصَةَ الثَّمَنِ.

 

وَمِنْهَا: تَخْصِيصُ وَقْتٍ لِقَضَائِهِ بِمَعِيَّةِ الْأُسْرَةِ، يَخْلُو الزَّوْجَانِ بِبَعْضِهِمَا؛ فَيُعَمِّقَانِ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمَا، وَيُجَدِّدَانِ الرَّابِطَةَ الزَّوْجِيَّةَ؛ “كَانَ النَبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ ذَلِكَ: الْمِزَاحُ وَالْمَرَحُ الْمَشْرُوعُ، كَانَ مِنْ هَدْيِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ يُمَازِحَ أَزْوَاجَهُ وَيَمْرَحَ مَعَهُنَّ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: “زَارَتْنَا سَوْدَةُ يَوْمًا، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي حِجْرِي، وَالْأُخْرَى فِي حِجْرِهَا، فَعَمِلْتُ لَهَا حَرِيرَةً -أَوْ قَالَ: خَزِيرَةً-، فَقُلْتُ: كُلِي، فَأَبَتْ؛ فَقُلْتُ: لَتَأْكُلِي أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ، فَأَبَتْ؛ فَأَخَذْتُ مِنَ الْقَصْعَةِ شَيْئًا فَلَطَّخْتُ بِهِ وَجْهَهَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رِجْلَهُ مِنْ حِجْرِهَا تَسْتَقِيدُ مِنِّي، فَأَخَذَتْ مِنَ الْقَصْعَةِ شَيْئًا فَلَطَّخَتْ بِهِ وَجْهِي، وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَضْحَكُ“(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ)، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ لِسَوْدَةَ: “الْطَخِي وَجْهَهَا“.

 

أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يُلَاعِبُ أَزْوَاجَهُ؟! تَحْكِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، فَتَقُولُ: “خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ؛ فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: “تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: “هَذِهِ بِتِلْكَ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ). وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَزِيدُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: نَتَكَلَّمُ عَنِ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا الْأَسَاسَ فِي بِنَاءِ الْأُسْرَةِ؛ فَإِذَا كَانَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةَ حُبٍّ وَمَوَدَّةٍ، سَرَتْ تِلْكَ الْعَلَاقَةُ إِلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمَا يَنْطَبِقُ عَلَى بَاقِي أَفْرَادِهَا؛ مِنَ الْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَاللَّعِبِ، وَالْمَرَحِ وَالْمِزَاحِ، وَغَيْرِهَا؛ فَالْأَوْلَادُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى حَنَانِ وَحُبِّ وَالِدَيْهِمَا.

 

وَقَدْ أَرْشَدَنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى عَمَلٍ يُعِمُّ الْحُبَّ فِي الْبَيْتِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلاَ أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَأَوْلَى بِهَذَا هُمْ أَهْلُ بَيْتِكَ؛ لِتَحِلَّ بَرَكَةُ هَذَا السَّلَامِ مَوَدَّةً وَمَحَبَّةً بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ جَمِيعًا؛ وَلِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “يَا بُنَيَّ! إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

وَهُنَاكَ زَوْجَاتٌ وَأَوْلَادٌ وَبَنَاتٌ فَقَدُوا الْحُبَّ فِي بُيُوتِهِمْ، قَسْوَةٌ فِي التَّعَامُلِ، جَفَافٌ فِي الْمَشَاعِرِ، فَرَاحُوا يَبْحَثُونَ عَنْهُ خَارِجًا، افْتَقَدُوا الْكَلِمَةَ الْحَانِيَةَ، وَعِبَارَاتِ الْمَدْحِ وَالتَّشْجِيعِ، وَإِبْدَاءَ الِاهْتِمَامِ، لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَحْتَرِمُ مَشَاعِرَهُمْ، وَيُشْبِعُ احْتِيَاجَهُمُ الْعَاطِفِيَّ فِي الْبَيْتِ، وَوَجَدُوا ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، لَكِنْ عِنْدَ ذِئَابٍ بَشَرِيَّةٍ اسْتَغَلَّتْ هَذَا النَّقْصَ؛ فَمَلَؤُوهُ لَهُمْ كَذِبًا وَزُورًا، ثُمَّ أَصْبَحُوا ضَحَايَا انْحِرَافٍ أَخْلَاقِيٍّ، كَانَ بِالْإِمْكَانِ عَدَمُ حُدُوثِهِ؛ لَوْ فَطِنَ الْأَزْوَاجُ وَالْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ لِهَذَا الْجَانِبِ النَّفْسِيِّ الْمُهِمِّ، وَأَشْبَعُوهُ لَدَيْهِمْ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: انْشُرُوا الْمَحَبَّةَ فِي بُيُوتِكُمْ؛ لِتُنْشِئُوا أُسْرَةً سَعِيدَةً، تَقَرُّ بِهَا أَعْيُنُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَكُلِّ مَا يُوَطِّدُ ذَلِكَ مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَفِعْلٍ حَسَنٍ، وَبَسْمَةٍ وَضِحْكَةٍ، وَإِحْسَانٍ وَخِدْمَةٍ، وَهَدِيَّةٍ وَنُزْهَةٍ، يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ الْأَزْوَاجُ؛ لِتَدُومَ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمْ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
سلسلة القيم الأسرية الألفة والمحبة بين أفراد الأسرة -2
عدد التحميل 36
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات