طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17770

رمضان بين العطاء والوباء

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : باعتبار مواسم العبادات الصوم
تاريخ الخطبة : 1441/09/08
تاريخ النشر : 1441/09/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم 2/اجتماع الصوم والبلاء يزيد الأجر3/من عطاءات رمضان وبركاته 4/إن مع العسر يسرًا.
اقتباس

وَالنُّهُوضُ لِلْعِبَادَةِ وَإِتْقَانُهَا بَعِيدًا عَنْ عُيُونِ الْخَلْقِ بُرْهَانٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ الْقَلْبِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَزِيدُ الْأَجْرَ، يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “صَلَاةُ الرَّجُلِ تَطَوُّعًا حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ، تَعْدِلُ صَلَاةً عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ”، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهَا أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: أَهَلَّ رَمَضَانُ يُحِيطُهُ الْوَبَاءُ وَيَكْتَنِفُهُ التَّقْيِيدُ، لَكِنَّنَا -رَغْمَ الْوَبَاءِ وَالْبَلَاءِ- نَنْعَمُ بِعَبِيرِ الشَّهْرِ وَرَيْحَانِهِ وَنَسْتَنْشِقُهُ، وَنَشْعُرُ بِفُيُوضَاتِهِ وَبَرَكَاتِهِ تَغْمُرُ أَرْوَاحَنَا؛ فَإِنَّهُ شَهْرُ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، شَهْرُ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، شَهْرُ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْإِيمَانِيَّاتِ.

 

أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: لَا شَكَّ أَنَّنَا -جَمِيعًا- قَدْ حَزِنَّا لِمَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ، وَكُنَّا نَوَدُّ أَنْ نَسْتَقْبِلَهُ فِي الْمَسَاجِدِ؛ فَنَجْتَمِعَ فِي التَّرَاوِيحِ، وَنَحْتَفِيَ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ الْحَقَّ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ كُلَّ مَا يَقْضِيهِ اللَّهُ -تَعَالَى- خَيْرٌ، خَيْرٌ وَإِنْ ظَنَّتِ الْعُقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 216]؛ فَلَعَلَّ الْخَيْرَ فِيمَا نَكْرَهُ، وَلَكِنَّنَا لَا نُدْرِكُ الْحِكْمَةَ فِيهِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اجْتِمَاعَ الْعِبَادَةِ مَعَ الْبَلَاءِ يَزِيدُ أَجْرَ الْعِبَادَةِ، وَيُخَلِّصُ النِّيَّةَ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَيَهَبُكَ مِنَ الْبَرَكَاتِ أَضْعَافَ مَا فَاتَكَ مِنَ النَّفَحَاتِ، وَتَعَالَوْا نَسْتَعْرِضْ بَعْضًا مِنْ تِلْكَ الْفُتُوحَاتِ:

 

فَإِنْ كُنْتَ مَا تَرَكْتَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا مُضْطَرًّا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مِنْ قَلْبِكَ اشْتِيَاقَكَ إِلَى بُيُوتِهِ، فَأَبْشِرْ فَبِنِيَّتِكَ تَنَالُ الْأَجْرَ كَامِلًا، فَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَأَبْشِرْ مَرَّةً أُخْرَى؛ فَكُلُّ مَا كُنْتَ مُوَاظِبًا عَلَى فِعْلِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ فَإِنَّ لَكَ أَجْرَهُ تَامًّا غَيْرَ مَنْقُوصٍ هَذَا الْعَامَ؛ فَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ: “وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَعْمَلُ طَاعَةً فَمُنِعَ مِنْهَا، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ -لَوْلَا الْمَانِعُ- أَنْ يَدُومَ عَلَيْهَا“(فَتْحُ الْبَارِي لِابْنِ حَجَرٍ)، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَكْثَرَ تَفْصِيلًا: “إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ، ثُمَّ مَرِضَ، قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا، حَتَّى أُطْلِقَهُ أَوْ أَكْفِتَهُ إِلَيَّ“(أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

 

فَالْقَاعِدَةُ تَقُولُ: “مَنْ تَرَكَ طَاعَةً لِعُذْرٍ، فَكَأَنَّهُ فَعَلَهَا”، وَهَذَا نَمُوذَجٌ عَمَلِيٌّ لَهَا، يَتَمَثَّلُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَنْ خَرَجُوا مَعَهُ بِخُصُوصِ مَنْ لَمْ يَخْرُجُوا لِعُذْرٍ: “إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ“(الْبُخَارِيُّ)، وَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ كَذَلِكَ فِي الْأَجْرِ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، وَلَا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا، إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ“.

 

وَالنُّهُوضُ لِلْعِبَادَةِ وَإِتْقَانُهَا بَعِيدًا عَنْ عُيُونِ الْخَلْقِ بُرْهَانٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ الْقَلْبِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَزِيدُ الْأَجْرَ؛ فَعَنْ صُهَيْبِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “فَضْلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ عَلَى صَلَاتِهِ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ“(الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ)، وَفِي لَفْظٍ: “صَلَاةُ الرَّجُلِ تَطَوُّعًا حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ، تَعْدِلُ صَلَاةً عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ”، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهَا أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، وَأَطْهَرُ لِلنِّيَّةِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَدَلِيلٌ أَنَّهُ مَا قَامَ إِلَى الْعِبَادَةِ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ عَوَامِلِ زِيَادَةِ الْأَجْرِ فِي رَمَضَانَ هَذَا الْعَامَ أَنَّنَا لَا نَجِدُ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا أَمَامَ عُيُونِنَا كَمَا كُنَّا نَرَى ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ؛ مِنْ مَسَاجِدَ وَطُرُقَاتٍ تَغَصُّ بِالْعَابِدِينَ، فَالطَّاعَةُ الْآنَ أَشَقُّ وَأَصْعَبُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: “إِنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ“(الْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ).

 

وَبَرَكَةٌ أُخْرَى: فَرَمَضَانُ شَهْرُ الدُّعَاءِ؛ حَيْثُ نَزَلَتْ آيَةُ الدُّعَاءِ؛ (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبَ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[الْبَقَرَةِ: 186]، بَيْنَ آيَاتِ الصِّيَامِ، وَالدُّعَاءُ مَعَ الِاضْطِرَارِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْوَبَاءِ هُوَ الْأَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)[النَّمْلِ: 62].

 

وَإِنَّ مِنْ بَرَكَاتِ هَذَا الْبَلَاءِ الرَّمَضَانِيِّ: أَنَّهُ جَاءَ لِيُذَكِّرَ الْمُسْلِمِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي قَبْضِهِ وَبَسْطِهِ؛ فَأَعْوَامًا طِوَالًا وَرَمَضَانُ يَأْتِينَا، فَيَجْتَهِدُ مَنْ يَجْتَهِدُ وَيُقَصِّرُ مَنْ يُقَصِّرُ، وَمَا كُنَّا نَتَصَوَّرُ وَلَا نَتَخَيَّلُ أَنْ يَجِيئَنَا رَمَضَانُ يَوْمًا وَنَحْنُ مُكَبَّلُونَ عَنْهُ مَحْرُومُونَ مِنَ الْمَسَاجِدِ، لَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ أَنَّ الْبَاسِطَ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ نَفْسُهُ الْقَابِضُ، فَاغْتَنِمِ الْبَسْطَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْقَبْضُ.

 

لَقَدْ جَاءَ الْوَبَاءُ مَوْعِظَةً وَتَحْذِيرًا لِلْعُصَاةِ الْمُفَرِّطِينَ فِي نَفَحَاتِ رَمَضَانَ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَسْمَعُونَ الْأَذَانَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تُلَبُّونَهُ فِي الْمَسَاجِدِ، فَالْآنَ قَدْ أُغْلِقَتْ دُونَكُمْ، وَكُنْتُمْ تَتَكَاسَلُونَ عَنِ التَّرَاوِيحِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي رَمَضَانَ، فَالْآنَ قَدْ حُرِمْتُمْ مِنْهَا، وَكُنْتُمْ تُسَوِّفُونَ التَّوْبَةَ وَتُؤَجِّلُونَ الطَّاعَةَ وَتُفَرِّطُونَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ وَالْمَسَاجِدُ تُنَادِيكُمْ، وَالْمُنَادِي يَهْتِفُ بِكُمْ: “يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، فَالْآنَ: اسْتَغْنَتْ عَنْكُمُ الْمَسَاجِدُ إِلَى حِينٍ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُسَارِعْ إِلَى التَّوْبَةِ وَإِلَى الطَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ يَوْمًا فَلَا تُفْتَحَ.

 

جَاءَ الْوَبَاءُ لِيَقُولَ لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ: إِنْ كُنْتُ أَغْلَقْتُ مَسَاجِدَكُمْ، فَقَدْ جِئْتُكُمْ بِنِعَمٍ أُخْرَى؛ فَقَدْ أُغْلِقَتْ مَعَهَا أَمَاكِنُ الْمَعْصِيَةِ، وَفَرَّغْتُ أَيْدِيَكُمْ مِنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا، وَأَخْلَيْتُ لَكُمُ السَّاحَةَ لِلطَّاعَةِ، فَشَمِّرُوا عَنْ سَوَاعِدِ الْجِدِّ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ -وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنِ الْوَبَاءِ وَالْبَلَاءِ فِي رَمَضَانَ- أَنَّ عَطَاءَاتِ رَمَضَانَ قَدِ انْقَطَعَتْ، كَلَّا، بَلْ مَا زَالَ الْكَرِيمُ الْمَنَّانُ -عَزَّ وَجَلَّ- يُوَاصِلُ مِنَنَهُ وَأَفْضَالَهُ عَلَيْنَا فِي رَمَضَانَ هَذَا كَكُلِّ رَمَضَانَ؛ فَمَا زَالَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةً، وَأَبْوَابُ النَّارِ مُغَلَّقَةً، وَمَا زَالَتِ الشَّيَاطِينُ مُسَلْسَلَةً، مِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمَا زَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَحْتَفِي بِصِيَامِ عِبَادِهِ وَيُنَادِيهِمْ: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمَا زَالَ رَمَضَانُ هُوَ شَهْرَ الْقُرْآنِ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[الْبَقَرَةِ: 185]، وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “… وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ)؛ فَلَا تَتْرُكْ مُصْحَفَكَ حَتَّى تَخْتِمَهُ مَرَّاتٍ فِي رَمَضَانَ.

 

وَمَا زَالَتْ فِي رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي لَيْسَ كَمِثْلِهَا لَيْلَةٌ؛ (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)[الْقَدْرِ: 1-3]، فَلَوِ اجْتَهَدْتَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ وَفَّقَكَ اللَّهُ إِلَيْهَا.

 

وَمَا زَالَتْ رِقَابُ الصَّائِمِينَ تُعْتَقُ مِنَ النَّارِ، فَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ“(ابْنُ مَاجَهْ).

 

وَمَا زَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَغْفِرُ ذُنُوبَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ مُخْلِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

أَخِي الْمُسْلِمَ: رَمَضَانُ لَمْ وَلَنْ يَكُفَّ عَنِ الْعَطَاءِ؛ فَاحْرِصْ عَلَى حُسْنِ اغْتِنَامِهِ هَذَا الْعَامَ، وَلَا تُقَصِّرْ وَلَا تَتَخَاذَلْ، فَإِنَّهُ امْتِحَانٌ لِصِدْقِكَ وَلِإِخْلَاصِكَ، وَلِقُوَّتِكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الصَّائِمُونَ الْقَائِمُونَ: إِنَّ الْبَلَاءَ لَنْ يَدُومَ، وَإِنَّ الْفَرَجَ قَادِمٌ، وَإِنَّ الْغُمَّةَ مُنْكَشِفَةٌ، وَإِنَّ الْوَبَاءَ رَاحِلٌ، وَإِنَّ الْعَافِيَةَ عَلَى وَشْكِ النُّزُولِ، هَذَا ظَنُّنَا بِاللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَهَذَا وَعْدُ الْجَلِيلِ الْكَرِيمِ -سُبْحَانَهُ-: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[الشَّرْحِ: 5-6]، وَهَذَا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَائِلًا: “وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا“(الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ)، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى *** ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ

ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا *** فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ

 

وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ عِبَادَةٌ تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ، وَتُؤْذِنُ بِانْكِشَافِ الْغُمَّةِ، يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: “انْتِظَارُ رُوحِ الْفَرَجِ؛ يَعْنِي رَاحَتَهُ وَنَسِيمَهُ وَلَذَّتَهُ… يُخَفِّفُ حِمْلَ الْمَشَقَّةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ قُوَّةِ الرَّجَاءِ، أَوِ الْقَطْعِ بِالْفَرَجِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي حَشْوِ الْبَلَاءِ مِنْ رُوحِ الْفَرَجِ وَنَسِيمِهِ وَرَاحَتِهِ مَا هُوَ مِنْ خَفِيِّ الْأَلْطَافِ، وَمَا هُوَ فَرَجٌ مُعَجَّلٌ“.

 

وَإِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ الْكَرْبُ فَقَدِ اقْتَرَبَ الْفَرَجُ؛ فَإِنَّ أَشَدَّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ ظُلْمَةً تِلْكَ الَّتِي تَسْبِقُ الْفَجْرَ، وَإِنَّ الْيَأْسَ وَالْقُنُوطَ جَرِيمَةٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَمَعْصِيَةٌ لِلرَّبِّ -سُبْحَانَهُ-، يَقُولُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: “مَنْ ذَهَبَ يُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أَوْ يُقَنِّطُ نَفْسَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ“(تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ)، وَيَقُولُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: “الْقُنُوطُ اسْتِصْغَارٌ لِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَمَغْفِرَتِهِ، وَذَلِكَ ذَنْبٌ عَظِيمٌ وَتَضْيِيقٌ لِفَضَاءِ جُودِهِ تَعَالَى“.

 

إِذَا ضَاقَ أَمْرٌ فَانْتَظِرْ فَرَجًا *** فَأَصْعَبُ الْأَمْرِ أَدْنَاهُ مِنَ الْفَرَجِ

 

فَنَسْأَلُ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- فَرَجًا قَرِيبًا عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَيْرَ رَمَضَانَ مَرَّ عَلَيْنَا، وَأَنْ يُعِينَنَا عَلَى اغْتِنَامِهِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ وَالْغَلَاءَ وَالْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ…

 

وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

 

 

الملفات المرفقة
رمضان بين العطاء والوباء
عدد التحميل 43
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات