طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17759

استقبال رمضان

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : رمضان باعتبار مواسم العبادات
تاريخ الخطبة : 1441/08/24
تاريخ النشر : 1441/08/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/التهيئة لاستقبال رمضان 2/أصناف الناس في استقبال رمضان 3/بِمَ نستقبل رمضان؟
اقتباس

وَنَسْتَقْبِلُهُ بِالتَّخَفُّفِ مِنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا وَأَثْقَالِهَا، كَيْ يَجِدَ الْمُسْلِمُ الْوَقْتَ الْكَافِيَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِسَاعَاتِ رَمَضَانَ، وَيَخْرُجَ مِنْ دَوَّامَةِ الْعَمَلِ وَالْكَدِّ وَيَفِيقَ مِنْ غَفَلَاتِ دُنْيَاهُ…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ:70-71]؛ أَمَّا بَعْدُ:

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: نَعِيشُ شَوْقًا وَحَنِينًا، وَتَرَقُّبًا وَانْتِظَارًا لِضَيْفٍ غَابَ عَنَّا أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَدْ أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ مَوْكِبُهُ وَأَنْ يَهِلَّ هِلَالُهُ؛ إِنَّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ الْكَرِيمُ، فَـ”اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي عَلَّمَنَا إِيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي اسْتِقْبَالِ هِلَالِ كُلِّ شَهْرٍ هِجْرِيٍّ؛ فَإِنَّهُ الْيَوْمَ لَهُ رَوْنَقٌ آخَرُ وَمَذَاقٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ هِلَالُ خَيْرِ الشُّهُورِ وَمَحَطَّةُ مُضَاعَفَةِ الْأُجُورِ.

 

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَفْرَحُ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ، قَائِلًا: “قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ…”(رَوَاهُ أَحْمَدُ)، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَاعِفُ فِيهِ الِاجْتِهَادَ وَالْعِبَادَةَ، وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأُسْوَةُ وَالْقُدْوَةُ.

 

أَيُّهَا الْمُشْتَاقُونَ إِلَى رَمَضَانَ: إِنَّ الْأَسَى يَتَمَلَّكُنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَسْعَدُ بِقُدُومِ رَمَضَانَ، بَلْ إِنَّ النَّاسَ فِي اسْتِقْبَالِهِ عَلَى أَصْنَافٍ شَتَّى؛ فَهَا هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “...مَا أَتَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا أَتَى عَلَى الْمُنَافِقِينَ شَهْرٌ شَرٌّ لَهُمْ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ لِمَا يُعِدُّ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ لِلْعِبَادَةِ، وَمَا يُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ غَفَلَاتِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ“(مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ شَاكِرٍ).

 

فَالصِّنْفُ الْأَوَّلُ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْفُطَنَاءُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِقُدُومِ رَمَضَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَكَاتٍ وَطَاعَاتٍ تُقَرِّبُهُمْ مِنْ جَنَّةِ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ يَكُونُ رَمَضَانُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً وَرَحْمَةً؛ حَيْثُ يُخَطِّطُونَ لِاغْتِنَامِ رَمَضَانَ بِالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالْعَيْشِ مَعَ الْقُرْآنِ وَمُنَاجَاةِ الْكَرِيمِ الدَّيَّانِ، وَتَرْبِيَةِ أُسَرِهِمْ عَلَى الْمُنَافَسَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْفَضِيلِ فِي سَائِرِ أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ لِيَنَالُوا مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنْ فَضَائِلِهِ وَيَنْعَمُونَ بِبَرَكَاتِهِ.

 

أَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي: فَيَكْرَهُونَ قُدُومَ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهُمْ عَنْ لَهْوِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَهَذَا ابْنُ رَجَبٍ يَرْوِي أَنَّهُ كَانَ لِلرَّشِيدِ ابْنٌ سَفِيهٌ، فَقَالَ مَرَّةً:

دَعَانِي شَهْرُ الصَّوْمِ لَا كَانَ مِنْ شَهْرِ *** وَلَا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ

فَلَوْ كَانَ يُعْدِينِي الْأَنَامُ بِقُدْرَةٍ *** عَلَى الشَّهْرِ لَاسْتَعْدَيْتُ جُهْدِي عَلَى الشَّهْرِ

 

فَأَخَذَهُ دَاءُ الصَّرَعِ فَكَانَ يُصْرَعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ.

 

وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَكْتَفُونَ بِمَا تُكِنُّهُ صُدُورُهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةٍ لِقُدُومِ رَمَضَانَ، بَلْ يُدَبِّرُونَ وَيُعِدُّونَ الْبَرَامِجَ لِصَرْفِ الْعِبَادِ عَنْ رَمَضَانَ وَاغْتِنَامِهِ؛ فَيُنْتِجُونَ الْمُلْهِيَاتِ وَيُعِدُّونَ الْمَسْرَحِيَّاتِ وَالْبَرَامِجَ غَيْرَ الْهَادِفَةِ بَلْ وَرُبَّمَا سَوَّقُوا لِلرَّذِيلَةِ! أَخْوَفُ مَا يَخَافُونَ أَنْ يُقَرِّبَ رَمَضَانُ النَّاسَ إِلَى رَبِّهِمْ! وَهَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)[النساء: 27]، كَمَا وَصَفَهُمُ الْقُرْآنُ!

 

وَصِنْفٌ ثَالِثٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ؛ وَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِالشَّهْرِ لَكِنْ لَيْسَ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ، بَلْ لِلرَّاحَةِ وَالنَّوْمِ، وَالْأَطْعِمَةِ وَالْمَشْرُوبَاتِ الَّتِي تُقَدَّمُ، وَلِلْمُسَلْسَلَاتِ الَّتِي تُعْرَضُ، فَتَجِدُ هَمَّهُمْ وَشُغْلَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُبَاحَاتِ وَالْمُلْهِيَاتِ؛ فَرَمَضَانُ عِنْدَهُمْ عَادَاتٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَأَطْبَاقٌ شَهِيَّةٌ وَمُسَلْسَلَاتٌ “رَمَضَانِيَّةٌ”… وَهَذَا الصِّنْفُ -لِلْأَسَفِ- أَكْثَرُ أَهْلِ زَمَانِنَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مُجَرَّدَ الْفَرْحَةِ الْقَلْبِيَّةِ بِقُدُومِ رَمَضَانَ لَا تَكْفِي؛ بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُهَيِّئَ نُفُوسَنَا وَأَرْوَاحَنَا وَأَحْوَالَنَا لِاسْتِقْبَالِهِ؛ فَيَأْتِي عَلَيْنَا وَنَحْنُ فِي أَكْمَلِ اسْتِعْدَادٍ، وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا نَسْتَقْبِلُ بِهِ رَمَضَانَ الْأُمُورَ التَّالِيَةَ:

نَسْتَقْبِلُهُ بِالنِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ مِنْ صِيَامٍ وَقِيَامٍ وَصَدَقَاتٍ وَتَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ… وَالْمُسْلِمُ الْفَطِنُ مَنْ يَضَعُ خُطَّةً مُتَكَامِلَةً لِاسْتِغْلَالِ رَمَضَانَ وَاغْتِنَامِ لَحَظَاتِهِ، وَهَذِهِ النِّيَّاتُ تَأْمِينٌ مَضْمُونٌ عَلَى ثَوَابِ رَمَضَانَ؛ فَإِنْ حِيلَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا نَوَى لِأَيِّ طَارِئٍ، حَصَّلَ الْأَجْرَ بِنِيَّتِهِ، نَمُوذَجُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)[النِّسَاءِ: 100].

 

وَنَسْتَقْبِلُهُ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي؛ فَإِنَّ التَّوْبَةَ وَالنَّدَمَ تَطْهِيرٌ لِلْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ مِنَ الْأَوْزَارِ الَّتِي تَتَرَاكَمُ عَلَيْهَا حَتَّى تُعْمِيَهَا، وَلَا جَلَاءَ لَهَا إِلَّا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِهَا الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا الْمُفَرِّطِينَ قَائِلًا: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النُّورِ: 31].

 

وَنَسْتَقْبِلُهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: فَصَلَاحُ الْقَلْبِ صَلَاحٌ لِلْجَوَارِحِ كُلِّهَا؛ فَهَذَا نَبِيُّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ مَا سَلِمَ مِمَّا يَشُوبُ التَّوْحِيدَ، وَمِنَ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ، وَمِنَ التَّعَلُّقِ بِالشَّهَوَاتِ.

 

وَنَسْتَقْبِلُ رَمَضَانَ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَمَكَانَتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَفَضَائِلِهِ مِنْ خِلَالِ الْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاعِ، وَكَفَانَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا؛ فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَحَدَّثُوهَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: “مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟” فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟” قَالُوا: بَلَى، قَالَ: “وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟” قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ).

 

وَنَسْتَقْبِلُهُ بِعَزِيمَةٍ مَشْحُوذَةٍ لِاغْتِنَامِ أَوْقَاتِهِ، نُحَارِبُ بِهَا الْفُتُورَ وَالْكَسَلَ وَالِانْقِطَاعَ؛ فَإِنَّ كَثِيرِينَ يَفْتُرُ حَمَاسُهُمْ وَيَقِلُّ إِقْبَالُهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْفَطِنُ الذَّكِيُّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَضْمَنُ اسْتِمْرَارَهُ وَعَدَمَ فُتُورِهِ، كَاسْتِحْضَارِ عِظَمِ الْأَجْرِ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَكَإِدْرَاكِ شَرَفِ الزَّمَانِ وَمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرَقِّي: “إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَكَمُلَاحَظَةِ سُرْعَةِ مُرُورِهِ وَانْقِضَائِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)[الْبَقَرَةِ: 184].

 

وَكَذَلِكَ الْحَذَرُ مِنْ عَاقِبَةِ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ؛ فَهَذَا جِبْرِيلُ يَدْعُو عَلَى مَنْ فَرَّطَ فِي اغْتِنَامِ رَمَضَانَ وَيُؤَمِّنُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى دُعَائِهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: “آمِينَ آمِينَ آمِينَ“، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: “إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ“(ابْنُ حِبَّانَ).

 

وَنَسْتَقْبِلُهُ بِالتَّخَفُّفِ مِنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا وَأَثْقَالِهَا، كَيْ يَجِدَ الْمُسْلِمُ الْوَقْتَ الْكَافِيَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِسَاعَاتِ رَمَضَانَ، وَيَخْرُجَ مِنْ دَوَّامَةِ الْعَمَلِ وَالْكَدِّ وَيَفِيقَ مِنْ غَفَلَاتِ دُنْيَاهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ يَقُولُ الْجَلِيلُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: “يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، وَتِلْكَ الشَّوَاغِلُ تُشَكِّلُ عَقَبَاتٍ تَعُوقُ ارْتِقَاءَ الْمُسْلِمِ إِلَى رَبِّهِ، وَمِنْهَا: مُشَاهَدَةُ بَعْضِ قَنَوَاتِ التِّلِيفِزْيُونِ الَّتِي تُشْحَنُ بِالْمُلْهِيَاتِ… وَمِنْهَا: الْمُبَالَغَةُ فِي اللِّقَاءَاتِ وَالزِّيَارَاتِ وَالسَّمَرِ مَعَ الْأَحْبَابِ…

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَإِنَّ مِمَّا نَسْتَقْبِلُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ -أَيْضًا-؛ اسْتِقْبَالُهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ: فَفِي رَمَضَانَ تُقْبِلُ الْقُلُوبُ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَتَعْرِفُ الْأَقْدَامُ طَرِيقَ الْمَسَاجِدِ، وَيُنْفَضُ الْغُبَارُ مِنْ عَلَى الْمَصَاحِفِ، فَرَمَضَانُ فُرْصَةٌ سَانِحَةٌ لِلدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ لِيُقَرِّبُوا النَّاسَ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ.

 

وَنَسْتَقْبِلُهُ بِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالتّصَالُحِ وَالتَّسَامُحِ؛ فَهُوَ الْعَمَلُ الَّذِي قَدَّمَهُ وَفَضَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ“، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: “صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكَ رَمَضَانُ وَأَنْتَ فِي نِزَاعٍ وَخِصَامٍ مَعَ مُسْلِمٍ مُوَحِّدٍ، بَلِ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

فَعَلَيْنَا -مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ رَمَضَانَ بِنُفُوسٍ أَسْمَى، وَعُقُولٍ أَصْفَى، وَأَلْسِنَةٍ أَطْهَرَ، وَأَبْدَانٍ أَصْبَرَ عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَتَتَسَامَى الْأَرْوَاحُ وَتَتَرَّقَى بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ حَتَّى تُرَفْرِفَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَتُزَاحِمَ الْمَلَائِكَةَ فِي الْخُضُوعِ وَالْإِخْبَاتِ لِرَبِّهَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَسَاعَتَهَا فَقَطْ تَكُونُ نُفُوسُنَا مُسْتَعِدَّةً وَلَائِقَةً بِأَنْ تَسْتَقْبِلَ مَجِيءَ ذَلِكَ الشَّهْرِ الْعَظِيمِ.

 

فَاللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنَا أَهْلًا لِبُلُوغِ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُوَفِّقَنَا فِيهِ لِمَا تُحِبُّ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَأَلَّا تَحْرِمَنَا خَيْرَهُ، وَأَنْ تَجْعَلَنَا فِيهِ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.

 

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

الملفات المرفقة
استقبال رمضان
عدد التحميل 74
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات