طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17765

حقوق الأبناء على الآباء

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/03/12
تاريخ النشر : 1441/08/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ أهمية الأبناء في الإسلام2/حقوق الأبناء قبل الولادة 3/حقوق الأبناء في الصغر4/حقوق الأبناء الدينية والاجتماعية 5/أثر ضياع حقوق الأبناء.
اقتباس

الْأَبْنَاءُ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ، رُفِعَتْ لِأَجْلِهَا الْأَكُفُّ بِالضَّرَاعَةِ، وَابْتَهَلَ لِلْحُصُولِ عَلَيْهَا أَوْلَى النَّاسِ بِالطَّاعَةِ..فَهُمْ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ، وَزِينَةُ الْحَيَاةِ، وَذُخْرُ مَا بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إِلَّا مَنْ أَتْعَبَهُ الْوُقُوفُ عَلَى أَبْوَابِ الْأَطِبَّاءِ..

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْأَبْنَاءُ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ، رُفِعَتْ لِأَجْلِهَا الْأَكُفُّ بِالضَّرَاعَةِ، وَابْتَهَلَ لِلْحُصُولِ عَلَيْهَا أَوْلَى النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، فَلِأَجْلِهَا دَعَا زَكَرِيَّا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- رَبَّهُ فَقَالَ: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)[إبراهيم:38]، وَابْتَهَلَ لِلْحُصُولِ عَلَيْهَا الْخَلِيلُ فَقَالَ: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)[الصافات:100]، وَسَأَلَهَا عِبَادُ الرَّحْمَنِ فَقَالُوا: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)[الفرقان: 74]؛ فَهُمْ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ، وَزِينَةُ الْحَيَاةِ، وَذُخْرُ مَا بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إِلَّا مَنْ أَتْعَبَهُ الْوُقُوفُ عَلَى أَبْوَابِ الْأَطِبَّاءِ، وَأَضْنَاهُ الِانْتِظَارُ عَلَى عَتَبَاتِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ، يَبْحَثُ عَنْ عِلَاجٍ يَكُونُ سَبَبًا فِي ارْتِزَاقِهِ بِمَوْلُودٍ يُضِيءُ حَيَاتَهُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ بَذَلَ الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ.

 

وَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ قَدْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ؛ فَتَأَمَّلْ حَالَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: “إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ”(صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَحْرٍ! مَا تَقُولُ فِي الْوَلَدِ؟ قَالَ: هُمْ ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَنَحْنُ لَهُمْ أَرْضٌ ذَلِيلَةٌ، وَسَمَاءٌ ظَلِيلَةٌ، وَبِهِمْ نَصُولُ عَلَى كُلِّ جَلِيلَةٍ، فَإِنْ طَلَبُوا فَأَعْطِهِمْ، وَإِنْ غَضِبُوا فَأَرْضِهِمْ؛ يَمْنَحُوكَ وُدَّهُمْ، وَيُحِبُّوكَ جُهْدَهُمْ، وَلَا تَكُنْ عَلَيْهِمْ ثِقْلًا ثَقِيلًا فَيَمَلُّوا حَيَاتَكَ، وَيَوَدُّوا وَفَاتَكَ، وَيَكْرَهُوا قُرْبَكَ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- وَهَبَ الذُّرِّيَّة لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَهَا مَسْؤُولِيَّةَ الْوَالِدَيْنِ، وَرَتَّبَ لِلْأَبْنَاءِ حُقُوقًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُولَدُوا، وَبَعْد أَنْ يُولَدُوا، إِلَى أَنْ يَكْبَرُوا وَيَسْتَقِلُّوا بِحَيَاتِهِمْ، وَجَاءَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ الْحُقُوقِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَمِنْهَا:

قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6]، وَفِي السُّنَّةِ يَقُولُ الْمُرَبِّي الْكَرِيمُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلْوَلَدِ حَقًّا عَلَى أَبِيهِ وَلَا زَالَ فِي صُلْبِهِ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْتَارَ لَهُ الْأُمَّ الصَّالِحَةَ، وَالَّتِي تُعْتَبَرُ أَرْضًا طَيِّبَةً لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ؛ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً طَابَ نَبْتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ خَبِيثَةً فَلَنْ يَأْتِيَ مِنْهَا غَيْرُ الْخَبِيثِ، قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ لِبَنِيهِ: “يَا بَنِيَّ! قَدْ أَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ صِغَارًا وَكِبَارًا، وَقَبْلَ أَنْ تُولَدُوا، قَالُوا: وَكَيْفَ أَحْسَنْتَ إِلَيْنَا قَبْلَ أَنْ نُولَدَ؟ قَالَ: اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنَ الْأُمَّهَاتِ مَنْ لَا تُسَبُّونَ بِهَا، وَأَنْشَدَ:

فَأَوَّلُ إِحْسَانِي إِلَيْكُمْ تَخُيُّرِي *** لِمَاجِدَةِ الْأَعْرَاقِ بَادٍ عَفَافُهَا

 

وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ لِوَلَدِهِ: “يَا بُنَيَّ! لَا يَحْمِلَنَّكُمْ جَمَالُ النِّسَاءِ عَنْ صَرَاحَةِ النَّسَبِ؛ فَإِنَّ الْمَنَاكِحَ الْكَرِيمَةَ مَدْرَجَةٌ لِلشَّرَفِ”.

 

وَهَذَا الْحَقُّ يَكُونُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ لَا تَقْبَلُ إِلَّا صَالِحًا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَإِذَا قُدِّمَ فِي الِاخْتِيَارِ الْحَظُّ الْعَاجِلُ مِنْ جَمَالٍ وَمَالٍ، وَأُهْمِلَ الدِّينُ، فَقَدْ حَصَلَتِ الْإِسَاءَةُ لِلْأَبْنَاءِ؛ وَإِذَا فَسَدَ الْأَصْلُ فَكَيْفَ سَتَطِيبُ الْفُرُوعُ؟!

 

عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّ لِلْأَبْنَاءِ حُقُوقًا مِنْ حِينِ وِلَادَتِهِمْ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا كِبَارًا، فَمِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِمْ صِغَارًا:

تَسْمِيَتُهُمُ الِاسْمَ الْحَسَنَ، فَيَخْتَارُ الْأَبُ لِوَلَدِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ أَفْضَلَهَا، وَمِنَ الْأَلْقَابِ أَكْرَمَهَا؛ وَيَجْتَنِبُ الْأَسْمَاءَ الَّتِي لَهَا مَعَانٍ تَكْرَهُهَا النُّفُوسُ؛ كَحَرْبٍ، وَمُرَّةٍ، وَكَلْبٍ، وَحَيَّةٍ؛ فَالْأَسْمَاءُ دَالَّةٌ عَلَى الْمُسَمَّى، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَكْرَهُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْقَبَائِلِ وَيُغَيِّرُ بَعْضَهَا، فَحِينَ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ الصُّلْحِ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَصْحَابِهِ: “سَهُلَ أَمْرُكُمْ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ)، وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ: “غِفَارٌ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَحِينَ سَأَلَ جَدَّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: “مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: حَزْنٌ، فَقَالَ: أَنْتَ سَهْلٌ، قَالَ: لَا أُغيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ: “مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: جَمْرَةُ، قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ، قَالَ: أَيْنَ مْسَكَنُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ النَّارِ، قَالَ: بِأَيَّتِهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظًى، فَقَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا.

 

وَفِي تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ شَحْذٌ لِهِمَّتِهِ عَلَى التَّأَسِّي بِالْقُدْوَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ مَا كَانَ فِيهِ إِعْلَانُ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: “فَقَلَّ أَنْ تَرَى اسْمًا قَبِيحًا إِلَّا وَهُوَ عَلَى مُسَمًّى قَبِيحٍ، كَمَا قِيلَ:

وَقلَّمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ *** إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْمَوْلُودِ: حَقُّ الرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ؛ فَالرَّضَاعُ حَقٌّ قَرَّرَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَحَدَّدَ الْحَدَّ الْأَعْلَى لَهُ، فِي قَوْلِهِ –تَعَالَى-: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)[البقرة:233].

 

كَمَا أَنَّ لِلطِّفْلِ حَقَّ الْحَضَانَةِ وَالرِّعَايَةِ، وَالْقِيَامِ بِشُؤُونِهِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَنَظَافَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْمَوْلُودِ: الْعَقِيقَةُ وَالْخِتَانُ وَالنَّفَقَةُ؛ فَيُخْتَنُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِ، وَيُعَقُّ عَنِ الذَّكَرِ بِشَاتَيْنِ، وَعَنِ الْأُنْثَى بِشَاةٍ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ السِّنَّ الَّذِي يَسْتَطِيعُ بِهَا الِاعْتِمَادَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا حَقٌّ لَا يَجُوزُ التَّقْصِيرُ فِيهِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ“(حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ مَسْؤُولِيَّةٌ وَأَمَانَةٌ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ -تَعَالَى-، مَعَ بَذْلِ الْجُهْدِ وَالطَّاقَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْدَأَ الْوَالِدَانِ فِيهَا بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ. وَتَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ تَتَرَكَّزُ عَلَى جَانِبَيْنِ:

الْجَانِبُ الْأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يُغْرَسُ فِي نُفُوسِهِمْ قِيَمُ الدِّينِ، وَتَعَالِيمُ الشَّرِيعَةِ، وَتَرْسِيخُ الْإِيمَانِ، فَتِلكَ فَاتِحَةُ الْخَيْرِ، وَأَسَاسُ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ، وَتَأَمَّلْ مَعِي قَوْلَ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ فِي نَصِيحَتِهِ لِوَلَدِهِ، وَالَّتِي تُعْتَبَرُ نِبْرَاسًا فِي التَّرْبِيَةِ: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان:13]، فَبَدَأَ بِتَحْذِيرِهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ، ثُمَّ عَطَفَ بِالْوَصِيَّةِ بِتَقْوَى اللهِ، وَالصَّلَاةِ، وَبَاقِي شَرَائِعِ الدِّينِ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى الْبَدْءِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ فِي التَّرْبِيَةِ.

 

فَيَسْتَطِيعُ الْوَالِدَانِ أَنْ يَغْرِسَا تَعَالِيمَ الدِّينِ لَدَى الْأَبْنَاءِ فِي مَوَاقِفِ الْحَيَاةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَوْلَى هَذِهِ التَّعَالِيمِ: الصَّلَاةُ؛ (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)[طه:132]، وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ”(صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ)، وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُمْ كَلَامَ اللهِ حِفْظًا وَعَمَلًا؛ فَلَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرَفٌ وَمَكَانَةٌ، وَقَدْ حَرَصَ الصَّحَابَةُ عَلَى ارْتِبَاطِ أَطْفَالِهِمْ بِالْقُرْآنِ، وَحُصُولِ بَرَكَتِهِ لَهُمْ، فَقَدْ كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، ثُمَّ دَعَا لَهُمْ.

 

وَيَجِبُ تَعْوِيدُهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكِتْمَانِ التَّثَاؤُبِ، وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حِينَ كَانَ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَكَانَتْ يَدُهُ تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لَهُ: “يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ: تَقْوَى اللهِ فِيهِمْ؛ فَإِنَّ اللهَ يَحْفَظُ الْأَبْنَاءَ بِعَمَلِ الْآبَاءِ، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ –سُبْحَانَهُ-: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)[الكهف: 82]؟ فَقَدْ حَفِظَ اللهُ كَنْزَهُمَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا؛ فَلَا تَخَافُ عَلَى أَبْنَائِكَ وَإِنْ مِتَّ إِذَا كُنْتَ قَدِ ادَّخَرْتَ لِأَجْلِهِمُ التَّقْوَى، يَقُولُ -تَعَالَى-: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[النساء: 9].

 

وَجِمَاعُ هَذِهِ الْحُقُوقِ تُبَيِّنُهَا هَذِهِ الْحَادِثَةُ؛ حَيْثُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَشْكُو إِلَيْهِ عُقُوقَ ابْنِهِ؛ فَاسْتَدْعَى الْوَلَدَ وَأَنَّبَهُ عَلَى عُقُوقِ أَبِيهِ، فَقَالَ الْوَلَدُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَلَيْسَ لِلْوَلَدِ حَقٌّ عَلَى أَبِيهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْ يَنْتَقِيَ أُمَّهُ، وَيُحْسِنَ اسْمَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ: وَاللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنَّ أَبِي لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا أُمِّي فَزِنْجِيَّةٌ كَانَتْ لِمَجُوسِيٍّ، وَقَدْ سَمَّانِي جُعْلاً، -أَيِ: الْخُنْفُسَاءَ-، وَلَمْ يُعَلِّمْنِي مِنَ الْكِتَابِ حَرْفًا وَاحِدًا. فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى الرَّجُلِ وَقَالَ: جِئْتَ إِلَيَّ تَشْكُو عُقُوقَ ابْنِكَ، وَقَدْ عَقَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُقَّكَ، وَأَسَأْتَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسِيءَ إِلَيْكَ.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ أَهَمِّ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَخْلَاقِيُّ: تَعْلِيمُهُمْ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ؛ كَالْحَيَاءِ، وَاحْتِرَامِ الْكَبِيرِ وَذَا الشَّيْبَةِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ الْوَلَدُ عَلَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَلَا يَسْبِقُهُ بِالْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ الْأَلْفَاظَ اللَّائِقَةَ، وَالْعِبَارَاتِ الْجَمِيلَةَ، وَلَا يَكُونُ صَفِيقَ الْوَجْهِ، سَلِيطَ اللِّسَانِ مَعَ غَيْرِهِ.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ: تَحَرِّي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ؛ فَلَا تَمِيلُ الْكِفَّةُ إِلَى أَحَدِهِمْ عَلَى حِسَابِ آخَرَ، وَلَا يُفَضَّلُ ذَكَرٌ عَلَى أُنْثَى، وَلَا الْعَكْسُ، بَلِ الْعَدْلُ فِي الْمَالِ وَالْعَطِيَّاتِ، وَفِي الْعَطْفِ وَالْحَنَانِ؛ فَإِنَّهُ أَدْعَى لِلْبِرِّ وَالطَّاعَةِ، وَأَبْعَدُ عَنْ نُشُوءِ الْحِقْدِ وَالْكَرَاهِيَةِ، وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ حَيْثُ قَالَ: “انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَه؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذًا“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، فَإِذَا كُنْتَ تُرِيدُهُمْ فِي الْبِرِّ سَوَاءً، فَاجْعَلْهُمْ فِي الْأُعْطِيَاتِ كَذَلِكَ.

 

وَمِنَ الْحُقُوقِ الْمُهِمَّةِ -أَيْضًا-: غَرْسُ الْفَضِيلَةِ وَالثِّقَةِ فِي نُفُوسِهِمْ؛ فَلَا يَكُونُ الِابْنُ مَسْلُوبَ الْإِرَادَةِ وَالْهِمَّةِ؛ فَقَدْ يُخْطِئُ بَعْضُ الْآبَاءِ فِي هَذَا، فَيُرَبُّونَ الْأَبْنَاءَ بِالْقَسْرِ وَالْقُوَّةِ، لِيَنْشَأَ الِابْنُ مَسْلُوبَ الْإِرَادَةِ، مَهْزُوزَ الْمَكَانَةِ، ضَعِيفَ الشَّخْصِيَّةِ، فَتَكُونَ النَّتِيجَةُ أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَاقًّا قَاطِعًا لِلْحَبْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدَيْهِ؛ وَإِمَّا ذَلِيلاً خَائِفًا، لَا مَكَانَةَ لَهُ، وَلَا شَجَاعَةَ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ ضَيَاعَ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا خِيَانَةٌ لِحَقِّ الْأَبْنَاءِ، وَتَفْرِيطٌ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَتَضْيِيعٌ لِلْأَمَانَةِ؛ فَلَيْسَ سَهْلًا أَنْ تُرْزَقَ بِأَبْنَاءٍ قُلُوبُهُمْ طَاهِرَةٌ كَالصَّفْحَةِ الْبَيْضَاءِ؛ فَتَرْمِيهَا فِي مَزَابِلِ الْحَيَاةِ وَلَا تَصُونُهَا، وَتُوكِلُ تَرْبِيَتَهُمْ لِلشَّارِعِ أَوِ الْأَغْرَابِ، وَلَيْسَ سَهْلًا أَنْ تُرْزَقَ بِوَلَدٍ، ثُمَّ تُهْمِلَهُ وَلَا تَعْتَنِيَ بِهِ، وَغَيْرُكَ قَدْ كَلَّتْ قَدَمَاهُ مِنْ زِيَارَةِ الْأَطِبَّاءِ بَحْثًا عَنْ وَلَدٍ؟!

 

فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَدُّوا حُقُوقَ أَبْنَائِكُمْ، يَرْزُقْكُمُ اللهُ بِرَّهُمْ وَأَدَاءَ حُقُوقِكُمْ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ..

 

الملفات المرفقة
حقوق الأبناء على الآباء
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات