طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17753

حقوق الزوجة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/03/12
تاريخ النشر : 1441/08/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ مكانة الزوجة في الإسلام. 2/ حقوق المرأة على وليها قبل الزواج، 3/ حقوق الزوجة على زوجها 4/ أثر القيام بالحقوق الزوجية على البيت والأسرة.
اقتباس

إِنَّ فِي الْتِقَاءِ شَطْرَيِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِالزَّوَاجِ سَكَنًا وَهُدُوءًا لِلرُّوحِ، وَطُمَأْنِينَةً وَرَاحَةً لِلْجَسَدِ، ثُمَّ حَرْثًا وَنَسْلًا وَامْتِدَادًا لِلْحَيَاةِ، وَلَا يُمْكِنُ لِهَذَا الِامْتِدَادِ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ كِلَا الشَّطْرَيْنِ مَا لَهُمَا مِنْ حُقُوقٍ، وَمَا عَلَيْهِمَا مِنْ وَاجِبَاتٍ؛ فَلِلزَّوْجِ حُقُوقٌ، وَلِلزَّوْجَةِ كَذَلِكَ.

الْخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: أَسْكَنَ اللهُ آدَمَ الْجَنَّةَ بِمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَاللَّذَّةِ الدَّائِمَةِ، وَخَلَقَ لَهُ مِنْ ضِلَعِهِ حَوَّاءَ شَرِيكَةً لِعُمْرِهِ، وَمُشَارِكَةً لِحَيَاتِهِ؛ لِتَكُونَ الْبِدَايَةُ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَقُصُورِهَا. تِلْكُمْ هِيَ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجَةُ، الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ مُكَمِّلَةً لِلرَّجُلِ، وَمُشَارِكَةً لَهُ فِي الْحَيَاةِ وَالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ.

 

ولَأِنَّ الرَّجُلَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ لَهُ؛ فَقَدْ جَعَلُ اللهُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةً مَتِينَةً، لَنْ نَجِدَ أَفْضَلَ مِنَ التَّصْوِيرِ الْقُرْآنِيِّ الْبَدِيعِ لَهَا؛ حَيْثُ قَالَ –تَعَالَى-: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)[البقرة: 187]، وَاللِّبَاسُ سَتْرٌ وَوِقَايَةٌ، وَكَذَلِكَ هِيَ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ.

 

فَالزَّوْجَةُ سَكَنٌ لِلزَّوْجِ؛ تَأْوِي إِلَيْهَا نَفْسُهُ، وَيَجِدُ مَعَهَا طُمَأْنِينَتَهُ، وَيَعِيشُ مَعَهَا سَعَادَتَهُ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ، وَلَا مَطِيَّةً لِلشَّهْوَةِ، وَلَا أَدَاةً لِلنَّسْلِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ لِبَاسٌ وَوِقَايَةٌ، وَمَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْلِهِ –تَعَالَى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21]؛ فَإِذَا نَظَرَ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَبْخَسَ حَقَّهَا، وَلَنْ يُطَفِّفَ فِي مِيزَانِ الْعَدْلِ لَهَا.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ فِي الْتِقَاءِ شَطْرَيِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِالزَّوَاجِ سَكَنًا وَهُدُوءًا لِلرُّوحِ، وَطُمَأْنِينَةً وَرَاحَةً لِلْجَسَدِ، ثُمَّ حَرْثًا وَنَسْلًا وَامْتِدَادًا لِلْحَيَاةِ، وَلَا يُمْكِنُ لِهَذَا الِامْتِدَادِ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ كِلَا الشَّطْرَيْنِ مَا لَهُمَا مِنْ حُقُوقٍ، وَمَا عَلَيْهِمَا مِنْ وَاجِبَاتٍ؛ فَلِلزَّوْجِ حُقُوقٌ، وَلِلزَّوْجَةِ كَذَلِكَ.

 

وَلَقَدْ فَرَضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْأَزْوَاجِ حُقُوقًا تِجَاهَ زَوْجَاتِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا؛ فَمَنْ أَدَّاهَا فَقَدْ قَامَ بِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ حَيْثُ يَقُولُ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا، وَلَمْ يُؤَدِّهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَقَدِ الْتَزَمَ غَيْرَ طَرِيقِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ الْقَائِلُ: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي”(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

عِبَادَ اللهِ: وَالزَّوْجَةُ لَهَا حُقُوقٌ قَبْلَ ارْتِبَاطِهَا بِالْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَلَهَا حَقٌّ عَلَى وَلِيِّهَا: أَلَّا يُزَوِّجَهَا إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا؛ فَإِنْ أَحَبَّهَا عَاشَرَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ أَبْغَضَهَا سَرَّحَهَا بِإِحْسَانٍ، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[البقرة: 229]. وَفِي الْحَدِيثِ: “إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ”(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ تَقِيًّا امْتَنَعَ مِنْ ظُلْمِ زَوْجَتِهِ، وَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَقَالَ: “قَدْ خَطَبَ ابْنَتِي جَمَاعَةٌ، فَمَنْ أُزَوِّجُهَا؟ قَالَ: زَوِّجْهَا لِمَنْ يَتَّقِي اللهَ؛ فَإِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا”(إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ). وَقَالَ الشَّعْبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “مَنْ زَوَّجَ فَاسِقًا فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهُ”(رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ).

 

عِبَادَ اللهِ: وَحُقُوقُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا عَلَى نَوْعَيْنِ؛ فَمِنْهَا الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ، وَمِنْهَا الْحُقُوقُ الْأُخْرَى؛ فَأَمَّا الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ فَهِيَ:

أَوَّلًا: الْمَهْرُ: وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ مِنْ زَوْجِهَا بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا، أَوْ بِالدُّخُولِ بِهَا، وَهُوَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَى الرَّجُلِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)[النساء: 4]، وَهُوَ حَقٌّ فِي مُقَابِلِ حَقٍّ، فَالرَّجُلُ بِهَذَا الْمَالِ اسْتَحَلَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْمَرْأَةِ، قَالَ -تَعَالَى-: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)[النساء: 24]، وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الْمَالِ الْمُتَرَاضَى عَلَيْهِ فِيهِ إِمْلَاكٌ لِلرَّجُلِ، وَإِعْزَازٌ لِلْمَرْأَةِ.

 

ثَانِيًا: النَّفَقَةُ: وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَتُعْتَبَرُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَبَادَلَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَالْمَرْأَةُ تَقُومُ بِحَقِّ بَعْلِهَا فِي فِرَاشِهِ وَبَيْتِهِ، وَالرَّجُلُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِمَّا رَزَقَهُ اللهُ مِنْ مَالِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ خَرَجَتْ مِنْ كَنَفِ أَبِيهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا وَحِمَايَتَهَا. وَالنَّفَقَةُ تَكُونُ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا يُكَلِّفْ نَفْسَهُ فَوْقَ طَاقَتِهَا، وَلَا يَظْلِمْ زَوْجَتَهُ فَيَحْرِمَهَا حُقُوقَهَا، يَقُولُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)[الطلاق: 7]، وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: “وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

ثَالِثًا: السُّكْنَى: فَيُهِيِّئُ لَهَا زَوْجُهَا سَكَنًا لَائِقًا حَسَبَ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ قَالَ -تَعَالَى-: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ)[الطلاق: 6]؛ فَعَلَيْهِ تَأْمِينُ السَّكَنِ لَهَا، وَعَلَيْهَا الْحِفَاظُ عَلَيْهِ، وَإِرْسَاءُ قَوَاعِدِ الْحُبِّ وَالسَّعَادَةِ فِي أَرْكَانِهِ.

 

وَأَمَّا الْحُقُوقُ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ فَمِنْهَا:

أَوَّلًا: التَّعَاوُنُ وَالنَّصِيحَةُ؛ فَالزَّوْجُ مَسْؤُولٌ عَنْ زَوْجَتِهِ، يُعَلِّمُهَا أَمْرَ دِينِهَا إِنْ جَهِلَتْ، وَيَنْصَحُهَا إِنْ خَالَفَتْ، وَيُقَوِّمُهَا إِذَا اعْوَجَّتْ؛ فَإذَا رَأَى مِنْهَا خَيْرًا ثَبَّتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَى سُلُوكًا سَيِّئًا صَرَفَهَا عَنْهُ، وَذَكَّرَهَا وَوَعَظَهَا، وَإِلَّا أَلْزَمَهَا الْحَقَّ إِلْزَامًا؛ فَهِيَ أَوَّلى النَّاسِ بِالنَّصِيحَةِ وَالتَّقْوَى، قَالَ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6]، فَيَأْمُرُهَا بِطَاعَةِ اللهِ، وَيَنْهَاهَا عَمَّا نَهَى اللهُ، وَيُعِينُهَا عَلَى صِلَةِ رَحِمِهَا، وَزِيَارَةِ أَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا، وَلَا يَمْنَعُهَا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهَا حَيَاتَهَا، وَيُدَمِّرُ بَيْتَهَا وَعَلَاقَتَهَا بِزَوْجِهَا.

 

فَهَذَا الْحَقُّ مِنْ أَعْظَمِ الْحُقُوقِ؛ إِذْ بِهِ تَسْتَمِرُّ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ، وَتَصْلُحُ الْأُسْرَةُ؛ فَلَا يَنْشَغِلُ الْمَرْءُ عَنْهُ بِجَمْعِ الْمَالِ، وَالْبَحْثِ عَنِ الرِّزْقِ؛ فَقَدْ أَشَارَ اللهُ -تَعَالَى- إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه: 132]؛ فَإِقَامَةُ شَعَائِرِ اللهِ فِي الْبَيْتِ سَبَبٌ لِلْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، وَطَرِيقٌ لِلرِّزْقِ وَالْبَرَكَةِ.

 

ثَانِيًا: الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ: وَهُوَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا اللهُ بِقَوْلِهِ: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النساء: 19]؛ فَلَا يَسْتَخْدِمْ أَسَالِيبَ التَّجْرِيحِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَلَا أَلْفَاظَ التَّقْبِيحِ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يَتَلَفَّظْ بِأَلْفَاظٍ نَابِيَةٍ، بَلْ يُكْرِمُهَا حُبًّا، وَيَرْفَعُ قَدْرَهَا احْتِرَامًا، وَيُعَظِّمُ مِنْ شَأْنِهَا أَمَامَ أَبْنَائِهَا وَأَهْلِهِ وَأَهْلِهَا. فَيَسْعَى جَاهِدًا لِحِمَايَةِ بَيْتِهِ، مُسْتَعِينًا بِاللهِ عَلَى صِيَانَةِ عَرِينِهِ.

 

وَإِنَّ الْفَطِنَ مِنَ الْأَزْوَاجِ مَنْ تَعَامَلَ مَعَ الْمَرْأَةِ بِوَصِيِّةِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِقَوْلِهِ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ؛ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ “الْإِرْشَادُ إِلَى مُلَاطَفَةِ النِّسَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا لَا يَسْتَقِيمُ مِنْ أَخْلَاقِهِنَّ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُنَّ خُلِقْنَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي لَا يُفِيدُ مَعَهَا التَّأْدِيبُ، أَوْ يَنْجَحُ عِنْدَهَا النُّصْحُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الصَّبْرُ وَالْمُحَاسَنَةُ، وَتَرْكُ التَّأْنِيبِ وَالْمُخَاشَنَةِ“(نَيْلُ الْأَوْطَارِ).

 

وَقَدْ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ). قَالَ الشَّوْكَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “فِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْبُغْضِ لِلزَّوْجَةِ بِمُجَرَّدِ كَرَاهَةِ خُلُقٍ مِنْ أَخْلَاقِهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مَعَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرٍ يَرْضَاهُ مِنْهَا“.

 

وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَهِشَّ لِلِقَائِهَا، وَيُنْصِتَ لِشَكْوَاهَا، وَيَشْكُرَهَا إِذَا أَحْسَنَتْ، وَيَعْذُرَهَا إِذَا أَخْطَأَتْ، وَيُدَاعِبَهَا تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، وَيُمَازِحَهَا إِسْعَادًا لِمَشَاعِرِهَا؛ فَرُبَّمَا ظَنَّ الْبَعْضُ أَنَّ مُمَازَحَةَ الزَّوْجَةِ يَتَنَافَى مَعَ الرُّجُولَةِ، أَوْ لَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ، وَرُبَّمَا اعْتَذَرَ آخَرُونَ بِالْمَشَاغِلِ وَالْمَتَاعِبِ، وَنَسَوْا أَنَّ سَيِّدَ الْخَلْقِ، وَهُوَ الْعَابِدُ التَّقِيُّ، وَالْخَاشِعُ الْوَلِيُّ، وَالْقَائِدُ الْحَاكِمُ، وَالَّذِي لَمْ يَتَحَمَّلْ كَاهِلُ أَحَدٍ مِنَ الْهُمُومِ وَالْأَعْمَالِ مَا تَحَمَّلَهُ كَاهِلُهُ، كَانَ يُسَابِقُ زَوْجَهُ، وَيُلَاطِفُ أَهْلَهُ، وَيَعْمَلُ فِي خِدْمَةِ بَيْتِهِ، وَيُحْسِنُ مُعَاشَرَةَ أَزْوَاجِهِ، يَسْتَمِعُ إِلَى أَخْبَارِهِنَّ، وَيُدْخِلُ السُّرُورَ إِلَى قُلُوبِهِنَّ، وَهُوَ أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا، وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا.

 

تَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ: تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي المَسْجِدِ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ؛ لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

فَاللهَ اللهَ بِالنِّسَاءِ، أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ الزَّوْجَاتُ، وَالْأُمَّهَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ، وَالْبَنَاتُ؛ فَاتَّقُوا اللهَ فِيهِنَّ.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا:

ثَالِثًا: الْعَدْلُ: لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ؛ فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُنَّ، وَالتَّسْوِيَةُ فِي حُقُوقِهِنَّ، وَعَدَمُ الْمَيْلِ لِبَعْضِهِنَّ.

 

رَابِعًا: حِفْظُ الْوُدِّ وَالْعِشْرَةِ: فَمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ عِشْرَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُمْحِيَهَا الْأَيَّامُ، وَلَا تَذْرُوهَا رِيَاحُ النِّسْيَانِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِرُوحَيْنِ الْتَقَتَا فَعَاشَتَا أَجْمَلَ اللَّحَظَاتِ، وَتَمَتَّعَتَا بِأَسْعَدِ الْأَوْقَاتِ؟ فَكَيْفَ لِهَذَا الْوُدِّ أَنْ يُنْسَى؟! وَكَيْفَ لِلْعِشْرَةِ الْجَمِيلَةِ أَنْ تَنْدَرِسَ؟!

 

إِنَّ الزَّوْجَ الْوَفِيَّ لَا يَذْكُرُ فِي زَوْجِهِ عَيْبًا، وَلَا يُفْشِي لَهَا سِرًّا، وَلَا يَنْسَى لَهَا وُدًّا، حَتَّى إِذَا لَمْ تَسْتَمِرَّ تِلْكَ الْعِشْرَةُ، فَانْفَصَمَتْ بِالطَّلَاقِ، وَتَصَرَّمَتْ بِالْفِرَاقِ؛ فَإِنَّ السِّرَّ لَا يُذَاعُ، وَالْعَيْبَ لَا يُشَاعُ، بَلْ يَبْقَى الْوُدُّ وَالْوَفَاءُ، وَاللهُ -تَعَالَى- يَقُولُ فِي حَقِّ مَنِ افْتَرَقَا عَنْ دَرْبِ الزَّوْجِيَّةِ: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[البقرة: 237].

 

وَرُويَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَلَمَّا أَرَادَتِ الِارْتِحَالَ قَالَ لَهَا: “اسْمَعِي، وَلْيَسْمَعْ مَنَ حَضَرَ: إِنِّي وَاللهِ اعْتَمَدْتُكِ بِرَغْبَةٍ، وَعَاشَرْتُكِ بِمَحَبَّةٍ، وَلَمْ أَجِدْ مِنْكِ زَلَّةً، وَلَمْ يَدْخُلْنِي عَنْكِ مَلَّةٌ، وَلَكِنَّ الْقَضَاءَ كَانَ غَالِبًا. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: جُزِيتَ مِنْ صَاحِبٍ وَمَصْحُوبٍ خَيْرًا؛ فَمَا اسْتَقْلَلْتُ خَيْرَكَ، وَلَا شَكَوْتُ ضَيْرَكَ، وَلَا تَمَنَّيْتُ غَيْرَكَ، وَلَا أَجِدُ لَكَ فِي الرِّجَالِ شَبِيهًا، وَلَيْسَ لِقَضَاءِ اللهِ مَدْفَعٌ، وَلَا مِنْ حُكْمِهِ عَلَيْنَا مَمْنَعٌ”.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ إِذَا قَامَ بِهَا الْأَزْوَاجُ أَثْمَرَتِ السَّعَادَةَ فِي الْبُيُوتِ، وَجَلَبَتِ الطُّمَأْنِينَةَ لِلنُّفُوسِ؛ فَبَقِيَ الْبَيْتُ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّعَادَةِ أَرْكَانُهُ، مُثَبَّتَةٌ عَلَى الْوِفَاقِ أَعْمِدَتُهُ، إِنْ بَدَتْ مُشْكِلَةٌ فَسُرْعَانَ مَا تَخْتَفِي، وَإِنْ ظَهَرَ خِلَافٌ فَجَدِيرٌ أَنْ يَتَلَاشَى؛ فَتَصْفُو الْحَيَاةُ، وَيَعُمُّ الْحُبُّ، وَتَسُودُ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ.

 

وَإِنَّ إِضَاعَةَ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ مُشْعِرٌ بِتَنْغِيصِ حَيَاتِهَا، وَتَنَكُّدِ عَيْشِهَا، وَعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فِي بَيْتِهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ إِضَاعَةَ حُقُوقِ الزَّوْجَاتِ أَعْظَمُ مِنْ إِضَاعَةِ حُقُوقِ الْأَزْوَاجِ؛ فَظُلْمُ النِّسَاءِ فِي حُقُوقِهِنَّ عَظِيمٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا ظُلِمَتْ ضَاقَتْ عَلَيْهَا الْأَرْضُ؛ فَتَرْفَعُ شَكْوَاهَا إِلَى بَارِئِهَا، وَتَبُثُّ حُزْنَهَا إِلَى مَوْلَاهَا؛ فَقَدْ سَمِعَ اللهُ شَكْوَى الْمُجَادِلَةِ فِي زَوْجِهَا، وَأَنْزَلَ فِي حَقِّهَا آيَاتٍ تُتْلَى إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.

 

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ فِي النِّسَاءِ، وَاسْتَوْصُوا بِهِنَّ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، وَأَسِيرَاتٌ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، وَمَقْصُورَاتٌ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَلَا تَبْخَسُوا لَهُنَّ حَقًّا؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)[البقرة: 235].

 

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ..

 

الملفات المرفقة
حقوق الزوجة
عدد التحميل 89
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات