طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17752

حقوق المطلقات

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/03/12
تاريخ النشر : 1441/08/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/حقوق المطلقة الرجعية: (البقاء في بيت الزوجية، النفقة والسكنى، نفقة الإرضاع، المتعة، الإرث) 2/حقوق المطلقة البائن: (النفقة والسكنى أثناء الحمل، ونفقة الإرضاع، الصداق، المتعة، الحقوق المالية التي في ذمة الزوج، الحضانة، مراعاة المشاعر).
اقتباس

كَمْ نَسْمَعُ الْيَوْمَ عَنْ رِجَالٍ طَلَّقُوا زَوْجَاتِهِمْ وَقَدْ أَخَذُوا مِنْهُنَّ حُلِيَّهُنَّ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مُمْتَلَكَاتٍ مَالِيَّةٍ أُخْرَى لَهُنَّ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، ثُمَّ طَلَّقُوهُنَّ وَأَبَوْا أَنْ يَقْضُوهُنَّ تِلْكَ الْحُقُوقَ! فَأَيْنَ أَيْنَ خَوْفُ اللهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ؟!…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ شَرَعَ اللهُ –تَعَالَى- الزَّوَاجَ لِلدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ؛ حَتَّى تَتَحَقَّقَ غَايَاتُهُ الْحَمِيدَةُ؛ مِنْ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ، وَحُصُولِ الْعِفَّةِ وَالسَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ، غَيْرَ أَنَّ طَبِيعَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَدَمُ الْبَقَاءِ عَلَى حَالٍ، فَالْأَيَّامُ فِي تَقَلُّبٍ، وَأَحْوَالُ أَهْلِهَا فِي تَبَدُّلٍ؛ إِذْ قَدْ تَتَحَوَّلُ الْمَحَبَّةُ إِلَى كَرَاهِيَةٍ، وَالِاتِّصَالُ إِلَى انْفِصَالٍ؛ فَلِذَلِكَ شَرَعَ اللهُ –تَعَالَى- الطَّلَاقَ لِيَكُونَ حَلًّا لِمُشْكِلَةٍ لَا تَنْحَلُّ إِلَّا بِهِ. “فَالطَّلَاقُ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُوجَدُ مُشْكِلَةٌ فِي الْبَيْتِ لَا يَحُلُّهَا إِلَّا الطَّلَاقُ وَالِانْفِصَالُ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ بُيُوتًا تَقَعُ فِيهَا مُشْكِلَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحَلَّ، يَصِلُونَ فِيهَا إِلَى حَالٍ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْبَلَ الْآخَرَ، وَيَكَادُ بَقَاؤُهُمَا أَنْ يَكُونَ كُرْهًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ سَوْفَ يَظْلِمُ الْآخَرَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ سَوْفَ يَتَنَكَّرُ لِحُقُوقِ الْآخَرِ“.

 

غَيْرَ أَنَّ الْمُلَاحَظَ عَلَى بَعْضِ الْأُسَرِ الْيَوْمَ -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- هُوَ التَّقْصِيرُ فِي حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ، وَهَضْمُ مَا لَهُنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَقِبَ الطَّلَاقِ، وَهَذَا ظُلْمٌ وَإِجْحَافٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ –تَعَالَى-. أَلَا يَكْفِي الْمَرْأَةَ مُصِيبَةً أَنَّهَا طُلِّقَتْ وَانْفَصَلَتْ عَنْ زَوْجٍ عَاشَتْ مَعَهُ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهَا أَوْلَادٌ مِنْهُ، وَقَدْ تَتَضَرَّرُ مَادِّيًّا مِنْ هَذَا الطَّلَاقِ؛ فَكَيْفَ تُضَافُ إِلَى هَذِهِ الْمُصِيبَةِ مَصَائِبُ أُخْرَى؛ مِنْ بَخْسِ حُقُوقِهَا الشَّرْعِيَّةِ عَقِبَ طَلَاقِهَا!

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ قَدْ يَكُونُ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ طَلَاقُهَا بَائِنًا، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُقُوقٌ؛ فَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ رَجْعِيًّا:

حَقُّ الْبَقَاءِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، إِلَّا إِذَا فَعَلْنَ فَاحِشَةً كَالزِّنَا، أَوْ إِيذَاءَ أَهْلِ الزَّوْجِ بِالْمَقَالِ أَوِ الْفِعَالِ، قَالَ –تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)[الطلاق:1]؛ “فَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُخْرِجَ زَوْجَتَهُ إِذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَهُ فِيهِ رَجْعَةٌ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا” .

 

وَقَدْ يَكُون بَقَاؤُهَا فِي الْبَيْتِ سَبَبًا لِتَرَاجُعِ الزَّوْجِ عَنِ الطَّلَاقِ، فَيُرَاجِعُهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مَقْصُودٌ وَمَحْبُوبٌ لِلشَّرْعِ.

 

فَتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْحَقِّ -يَا عِبَادَ اللهِ- وَقَارِنُوهُ بِمَا يَجْرِي فِي الْوَاقِعِ الْيَوْمَ، حِينَمَا يَغْلِبُ الْغَضَبُ، وَتَسْتَحْكِمُ الْعَادَاتُ فِي تَصَرُّفَاتِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ فَبِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ يَأْخُذُ بَعْضُ الْأَزْوَاجِ زَوْجَتَهُ -مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ- إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا، وَأَحْيَانًا تُخْرِجُ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا أَوْ تُطَالِبُ بِالْخُرُوجِ إِلَى أُسْرَتِهَا، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُمَا تَرَيُّثٌ وَبَقَاءٌ فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ الْمِيَاهَ تَعُودُ إِلَى مَجَارِيهَا، وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ أَوْ مُشْكِلَاتٍ.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ رَجْعِيًّا: النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى؛ فَيَجِبُ لَهَا مِنْ زَوْجِهَا الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالْمَسْكَنُ أَيَّامَ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا مَا زَالَتْ زَوْجَةً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِدَّتِهَا، قَالَ –تَعَالَى-: (لَاْ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق:1].

 

وَقَدْ نَهَى –سُبْحَانَهُ- الْأَزْوَاجَ عَنْ إِخْرَاجِ زَوْجَاتِهِمْ أَثْنَاءَ عِدَّتِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ تَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللهِ، وَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَحْبُوسَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ السَّكَنِ، فَعَلَيْهِ سَائِرُ أَنْوَاعِ النَّفَقَةِ.

 

وَفِي حَقِّ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا يَقُولُ –تَعَالَى-: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)[الطلاق:6], يَعْنِي: “أَسْكِنُوا الْمُطَلَّقَاتِ مِنْ نِسَائِكُمْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهِنَّ مِثْلَ سُكْنَاكُمْ عَلَى قَدْرِ سَعَتِكُمْ وَطَاقَتِكُمْ، وَلَا تُلْحِقُوا بِهِنَّ ضَرَرًا؛ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ فِي الْمَسْكَنِ”.

 

وَهَذَا الْحَقُّ لِلْمُطَلَّقَةِ -مِنَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى- سَوَاءً كَانَتْ حَامِلًا أَمْ حَائِلًا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ –تَعَالَى- فِي نِهَايَةِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)[الطلاق:6]؛ فَإِذَا وَلَدَتْ فَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ الْإِرْضَاعِ، قَالَ –تَعَالَى-: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)[الطلاق:6].

 

فَمَاذَا نَقُولُ -أَيُّهَا الْفُضَلَاءُ- وَحَالُ بَعْضِ الْأُسَرِ يَشْهَدُ بِظُلْمٍ لِبَعْضِ الْمُطَلَّقَاتِ فِي هَضْمِهِنَّ هَذَا الْحَقَّ، فَكَمْ مِنْ مُطَلَّقَةٍ تَشْكُو زَوْجَهَا وَأُسْرَتَهُ حَيْثُ تَرَكُوهَا بِلَا نَفَقَةٍ، وَلَمْ يُعْطُوهَا فِي حَمْلِهَا وَلَا وِلَادَتِهَا شَيْئًا، حَتَّى تَضْطَرَّ أُسْرَتُهَا إِلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْأَعْبَاءِ الْمَالِيَّةِ، وَقَدْ تَكُونُ أُسْرَتُهَا فَقِيرَةً تُثْقِلُ عَلَيْهَا تِلْكَ النَّفَقَاتُ! أَلَا فَلْيَتَّقِ اللهَ أُولَئِكَ الْمُطَلِّقُونَ الظَّالِمُونَ لِزَوْجَاتِهِمْ فِي هَذَا الْحَقِّ.

 

عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ رَجْعِيًّا: حَقُّ الْمُتْعَةِ، وَالْمُتْعَةُ هِيَ: “مَالٌ عَلَى الزَّوْجِ دَفَعَهُ لِامْرَأَتِهِ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ بِطَلَاقٍ”، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)[البقرة:236].

 

وَمَنْ طَلَّق زَوْجَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فَخَرَجَتْ مِنْ عِدَّتِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَتِّعَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، يُقَدَّرُ بِقَدْرِ حَالِهِ سَعَةً وَقَتْرًا، كَمَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ.

 

وَلِهَذَا الْحَقِّ حِكْمَتُهُ؛ حَيْثُ إِنَّ اللهَ “قَدْ جَعَلَ التَّمْتِيعَ جَبْرًا لِخَاطِرِ الْمَرْأَةِ الْمُنْكَسِرِ بِالطَّلَاقِ فَيُخَفِّفُ ذَلِكَ الْمَالُ بَعْضَ أَلَمِ الطَّلَاقِ وَوَحْشَتِهِ“.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ رَجْعِيًّا: حَقُّ الْإِرْثِ؛ فَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ مَا زَالَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّهَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا زَالَ زَوْجُهَا، وَهَذَا الْحَقُّ الْعَظِيمُ قَدْ يَجْهَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَوْ يَتَجَاهَلُهُ فَيَحْرِمُ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ هَذَا الْحَقَّ الشَّرْعِيَّ لَهَا، أَفَلَا يَخَافُ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ لِقَاءَ رَبّهِمْ حِينَمَا مَنَعُوا هَذَا الْحَقَّ أَهْلَهُ!

 

وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائنًا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- فَلَهَا حُقُوقٌ أَيْضًا:

فَمِنْ حُقُوقِهَا: حَقُّ الْمُتْعَةِ، وَحَقُّ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فِي حَالِ حَمْلِهَا فَقَطْ، وَحَقُّ نَفَقَةِ الْإِرْضَاعِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا غَيْرَ حَامِلٍ فَلَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى فِي عِدَّتِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ -وَقَدْ طُلِّقَتْ طَلَاقًا بَائِنًا-: “لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ طَلَاقًا بَائِنًا: حَقُّ الصَّدَاقِ، وَهُوَ الْمَهْرُ الَّذِي اتُّفِقَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ قَدْ طُلِّقَتْ بَعْدَ أَنْ سُمِّيَ الْمَهْرُ لَهَا وَبَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَيَجِبُ لَهَا كَامِلُ ذَلِكَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهُ أَدَّاهُ إِلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)[النساء: 20-21].

 

وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ قَدْ سُمِّيَ، فَيَكُونُ لَهَا حِينَئِذٍ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِقَوْلِهِ –تَعَالَى-: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)[البقرة:237]، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَهْرُ قَدْ سُمِّيَ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ، قَالَ –تَعَالَى-: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)[البقرة:241]. وَهَذِهِ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: “فَالْمُتْعَةُ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً إِلَّا لِمُطَلَّقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرًا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ”.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ طَلَاقًا بَائِنًا: إِعْطَاؤُهَا الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ الَّتِي فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ، فَإِذَا كَانَ لِلْمُطَلَّقَةِ عَلَى زَوْجِهَا دُيُونٌ عَيْنِيَّةٌ أَوْ نَقْدِيَّةٌ؛ فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فَيُوَفِّيَ مُطَلَّقَتَهُ دُيُونَهَا.

 

فَكَمْ نَسْمَعُ الْيَوْمَ عَنْ رِجَالٍ طَلَّقُوا زَوْجَاتِهِمْ وَقَدْ أَخَذُوا مِنْهُنَّ حُلِيَّهُنَّ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مُمْتَلَكَاتٍ مَالِيَّةٍ أُخْرَى لَهُنَّ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، ثُمَّ طَلَّقُوهُنَّ وَأَبَوْا أَنْ يَقْضُوهُنَّ تِلْكَ الْحُقُوقَ! فَأَيْنَ أَيْنَ خَوْفُ اللهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ؟! وَمَاذَا سَيَقُولُونَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ لِقَائِهِ، يَوْمَ يَأْخُذُ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ، وَيَقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ؟! قَال رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

نَسْأَلُ اللهَ –تَعَالَى- أَنْ يَهْدِيَ كُلَّ مُسْلِمٍ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ إِلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ لِأَهْلِهِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنْ حُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ طَلَاقًا بَائِنًا: حَقُّ الْحَضَانَةِ، وَهِيَ الْقِيَامُ بِرِعَايَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ؛ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ؛ فَالْأُمُّ الْمُطَلَّقَةُ هِيَ أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ أَوْلَادِهَا؛ لِكَمَالِ شَفَقَتِهَا، وَتَمَامِ رِعَايَتِهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُرْتَدَّةً أَوْ فَاجِرَةً أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ لَا تَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهَذَا الْحَقِّ لِمَرَضٍ فِيهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

 

وَيَبْقَى لَهَا هَذَا الْحَقُّ حَتَّى تَتَزَوَّجَ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ سَقَطَ هَذَا الْحَقُّ لَهَا. فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي؛ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ).

 

وَمِنْ حُقُوقِهَا: مُرَاعَاةُ مَشَاعِرِهِنَّ، وَالْحِفَاظُ عَلَى كَرَامَتِهِنَّ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: أَنْ لَا يُسَاءَ إِلَى الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ بِقَوْلٍ أَوْ بِفِعْلٍ؛ فَلَا يَنْشُرُ الزَّوْجُ وَلَا أُسْرَتُهُ أَخْبَارَهَا وَأَسْرَارَهَا؛ مِنْ أَجْلِ تَعْيِيبِهَا، وَتَبْرِيرِ مَوْقِفِ الزَّوْجِ مِنْ طَلَاقِهَا؛ “فَمِنَ الْأَخْطَاءِ السَّيِّئَةِ عِنْدَمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: تَرَى الزَّوْجَ أَوْ أَهْلَ الزَّوْجِ يُحَاوِلُونَ تَبْرِيرَ الْمَوْقِفِ؛ فَهُنَا تُنْشَرُ الْأَسْرَارُ الَّتِي كَانَتْ غَائِبَةً، فَيَنْشُرُ الرَّجُلُ فَضَائِحَ الْمَرْأَةِ، إِمَّا صِدْقًا وَإِمَّا كَذِبًا، يُبَرِّرُ مَوْقِفَهُ مِنْ طَلَاقِهَا وَيَنْشُرُ عُيُوبَهَا، وَيَقُولُ: قَالَتْ وَفَعَلَتْ وَفَعَلَتْ”، وَهَذَا يَجْرَحُ مَشَاعِرَهَا وَمَشَاعِرَ أُسْرَتِهَا، وَيُحَذِّرُ النَّاسَ مِنَ الزَّوَاجِ بِهِ.

 

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَبَى أَنْ يَذْكُرَهَا بِسُوءٍ.

 

فَأَيْنَ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ -يَا عِبَادَ اللهِ- مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ الَّذِينَ إِذَا طَلَّقُوا زَوْجَاتِهِمْ أَخْرَجُوا كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ مِنْ عُيُوبِهِنَّ، وَشَهَّرُوا بِهِنَّ، وَكَشَفُوا مَا كَانَ مَسْتُورًا فِي الزَّوَاجِ، فَصَارَ مَنْشُورًا بِالطَّلَاقِ!

 

وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِي أَدَاءِ حُقُوقِهَا، فَلَا يَهْضِمُهَا وَلَا يَبْخَسُهَا، وَلَا يُسَوِّفُ فِي تَسْلِيمِهَا مَا لَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)[البقرة:231].

 

أَمَّا إِذَا أَحْسَنَ إِلَيْهَا بِالْعَطَاءِ؛ فَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْعَهْدِ وَطِيبِ الْعِشْرَةِ، وَأَعْرِفُ أَخًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ فَتَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ فَقِيرٍ، فَمَا زَالَ الَّذِي طَلَّقَهَا يَصِلُهَا وَزَوْجَهَا بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ مَنٍّ وَلَا أَذًى، وَلَا مَقْصِدِ سُوءٍ.

 

وَعَلَى أُسْرَةِ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ أَنْ يَرْعَوْا حَقَّ الْمُطَلَّقَةِ، وَيُمْسِكُوا أَلْسِنَتَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِيهَا، وَتَشْهِيرِهَا بِالْمَعَايِبِ وَالْمَثَالِبِ.

 

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَلْيَحْذَرْ كُلُّ مُطَلِّقٍ زَوْجَتَهُ؛ مِنْ ظُلْمِهَا وَهَضْمِ حُقُوقِهَا؛ فَاللِّقَاءُ الْمَحْشَرُ عِنْدَ رَبٍّ لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ.

 

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعَمِّرَ بُيُوتَنَا بِالْوِفَاقِ، وَيُجَنِّبَهَا الشِّقَاقَ، وَالِاضْطِرَارَ إِلَى الطَّلَاقِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

الملفات المرفقة
حقوق المطلقات
عدد التحميل 32
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات