طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17750

حقوق الإخوة والأخوات

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/03/12
تاريخ النشر : 1441/08/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/حقوق الأخ على أخيه 2/حقوق الأخت على أخيها 3/حقوق الأخ على أخته 4/حقوق الأخت على أختها/5آثار تأدية الحقوق بين الإخوة والأخوات.
اقتباس

فَالْأَخُ ضَعِيفٌ بِنَفْسِهِ قَوِيٌّ بِأَخِيهِ، وَالْأَخُ لِلْأَخِ تِرْسٌ وَاقٍ يَحْمِيهِ مِنْ صَوْلَةِ الصَّائِلِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَالْأَخُ لِلْأَخِ يَمِينٌ، وَفِي النَّائِبَاتِ نِعْمَ الْمُعِينُ.. والْأُخْتُ عِمَادُ أُخْتِهَا، وَعَوْنُهَا فِي تَقَلُّبَاتِ زَمَانِهَا، وَمَكَارِهِ أَيَّامِهَا…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْحَيَاةَ الْإِنْسَانِيَّةَ حَيَاةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَلَاقَاتِ وَالْوَشَائِجِ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ أَهْلِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الرَّوَابِطِ الْمَتِينَةِ: الرَّابِطَةُ الْأُسَرِيَّةُ الَّتِي أَرْسَخُ مَا فِيهَا رَابِطَةُ الْقَرَابَةِ النَّسَبِيَّةِ الَّتِي يَسْتَظِلُّ تَحْتَ ظِلَالِهَا: الْآبَاءُ وَالْأَوْلَادُ وَالْإِخْوَةُ.

 

فَبَيْنَ الْآبَاءِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَوْلَادِ اتِّصَالٌ نَسَبِيٌّ يُقَرِّبُ بَيْنَهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ لُحْمَةً وَاحِدَةً تَجْتَمِعُ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعَاوُنِ وَصِيَانَةِ الْحُقُوقِ.

 

وَلَا شَكَّ أَنَّ جِهَةَ الْأُخُوَّةِ -الَّتِي تَشْمَلُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ- جِهَةٌ قَوِيَّةُ الصِّلَةِ؛ فَقَدِ اجْتَمَعَ أَفْرَادُهَا عَلَى أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ، أَوْ أَبٍ فَقَطْ، أَوْ أُمٍّ فَقَطْ، فَكَانُوا أَخَوَاتٍ وَإِخْوَةً أَشِقَّاءَ، أَوْ لِأَبٍ، أَوْ لِأُمٍّ؛ وَلِذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -تَعَالَى- الِإْخَوةَ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَقَبْلَ الزَّوْجَاتِ؛ فَقَالَ: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[التوبة:24].

 

إِنَّ هَذَا الِالْتِقَاءَ الْأُخَوِيَّ الَّذِي جَمَعَهُمْ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ وَاحِدٍ يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْرِصُ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ؛ فَالْأَقْرَبُونَ أَوْلَى بِالْمَعْرُوفِ، وَصِلَاتُ النَّاسِ وَوَشَائِجُهُمْ، وَإِنِ انْقَطَعَتْ بِانْقِطَاعِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الصِّلَةَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا.

 

عِبَادَ اللهِ: هُنَاكَ حُقُوقٌ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ تَحُثُّ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَتَدْعُو إِلَى التَّمَسُّكِ بِهَا الْأَخْلَاقُ الْكَرِيمَةُ؛ فَهُنَاكَ حُقُوقٌ لِلْأَخِ عَلَى أَخِيهِ، وَحُقُوقٌ لِلْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا، وَحُقُوقٌ لِلْأَخِ عَلَى أُخْتِهِ، وَحُقُوقٌ لِلْأُخْتِ عَلَى أُخْتِهَا؛ فَمِنْ حُقُوقِ الْأَخِ عَلَى أَخِيهِ:

إِيصَالُ الْمَعْرُوفِ وَالْمَنْفَعَةِ وَبَذْلُ الْخَيْرِ، وَأَعْظَمُ الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ: مَا اتَّصَلَ بِالدِّينِ؛ مِنْ إِرْشَادٍ وَنَصِيحَةٍ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ؛ فَالْأَخُ مِنْ أَقْرَبِ الْأَقْرَبِينَ، وَاللهُ –تَعَالَى- قَالَ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)[الشعراء:214]، وَوَجْهُ الِاهْتِمَامِ: أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِقَبُولِ نُصْحِهِ وَتَعْزِيزِ جَانِبِهِ.

 

وَانْظُرُوا -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- فِي قِصَّةِ مُوسَى وَهَارُونَ تَجِدُوا أَنَّ أَعْظَمَ نَفْعٍ دِينِيٍّ قَدَّمَهُ أَخٌ لِأَخِيهِ: مَا فَعَلَهُ مُوسَى مَعَ أَخِيهِ هَارُونَ، قَالَ –تَعَالَى-: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)[طه:29-32].

“قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَا نَفَعَ أَخٌ أَخَاهُ كَمَا نَفَعَ مُوسَى هَارُونَ؛ فَقَدْ طَلَبَ لَهُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ وَزِيرًا لَهُ وَيُكْرِمَهُ بِالرِّسَالَةِ، فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، وَجَعَلَهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا”.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَخِ عَلَى أَخِيهِ: إِيصَالُ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي بِهِ يَصْلُحُ عَيْشُهُ، وَيَسْتَقِيمُ بِهِ حَالُهُ؛ فَإِذَا كَانَ فَقِيرًا أَعْطَاهُ، أَوْ مَرِيضًا دَاوَاهُ، أَوْ ضَعِيفًا قَوَّاهُ، أَوْ عَاجِزًا أَعَانَهُ، حَتَّى إِنَّهُ يَجُوزُ لَكَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ- أَنْ تَدْفَعَ زَكَاةَ مَالِكَ لِأَخِيكَ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: “لَا حَرَجَ فِي دَفْعِ الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ زَكَاتَهُمَا لِلْأَخِ الْفَقِيرِ وَالْأُخْتِ الْفَقِيرَةِ، وَالْعَمِّ الْفَقِيرِ وَالْعَمَّةِ الْفَقِيرَةِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ الْفُقَرَاءِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، بَلِ الزَّكَاةُ فِيهِمْ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “الصَّدَقَةُ فِي الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَفِي ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ”.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَخِ عَلَى أَخِيهِ: الِاعْتِرَافُ بِفَضْلِهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ، وَالشَّفَاعَةُ لَهُ؛ لِمَا يَتَوَفَّرُ فِيهِ مِنْ مُؤَهِّلَاتٍ؛ فَمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- اعْتَرَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِفَضْلِ أَخِيهِ هَارُونَ عَلَيْهِ فِي فَصَاحَةِ اللِّسَانِ، فَقَالَ –تَعَالَى- عَنْ ذَلِكَ: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)[القصص:34].

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَخِ عَلَى أَخِيهِ: الدِّفَاعُ عَنْهُ، وَمُؤَازَرَتُهُ، وَالْوُقُوفُ بِجَانِبِهِ فِي الْحَقِّ، وَعَدَمُ تَسْلِيمِهِ لِمَا يَضُرُّهُ، وَهَذَا خُلُقٌ كَرِيمٌ، وَحَقٌّ عَظِيمٌ؛ فَالْأَخُ ضَعِيفٌ بِنَفْسِهِ قَوِيٌّ بِأَخِيهِ، وَالْأَخُ لِلْأَخِ تِرْسٌ وَاقٍ يَحْمِيهِ مِنْ صَوْلَةِ الصَّائِلِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَالْأَخُ لِلْأَخِ يَمِينٌ، وَفِي النَّائِبَاتِ نِعْمَ الْمُعِينُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا بإِخْوَانِهِ *** كَمَا تَقْبِضُ الْكَفُّ بِالْمِعْصَمِ

وَلَا خَيْرَ فِي الْكَفِّ مَقْطُوعَةً *** وَلَا خَيْرَ فِي السَّاعِدِ الْأَجْذَمِ

 

عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْحُقُوقِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ: حُقُوقُ الْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا؛ فَمِنْ ذَلِكَ:

إِكْرَامُهَا، وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهَا بِمَا يُسْتَطَاعُ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ، وَلَا يُكْرِمُ أُخْتَهُ إِلَّا كَرِيمٌ، وَلَا يُوَاصِلُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهَا إِلَّا الْأَخُ ذُو الْمُرُوءَةِ، فَكَمْ مِنْ أُخْتٍ طَابَتْ حَيَاتُهَا، وَاسْتَقَامَتْ مَعِيشَتُهَا، وَعَزَّتْ عِنْدَ زَوْجِهَا بِسَبَبِ أَخِيهَا أَوْ إِخْوَتِهَا! حَتَّى وَلَوْ كَانُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَالثَّدْيُ الَّذِي جَمَعُهْم أَوْدَعَ فِي نُفُوسِهِمْ حُبَّ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا: مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الشَّيْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا جِيءَ بِهَا فِي السَّبْيِ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَتْ: “يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَ: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْعَلَامَةَ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا وَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّةٌ مُكَرَّمَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ؛ فَقَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي؛ فَمَتَّعَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَدَّهَا إِلَى قَوْمِهَا”، وَأَعْطَاهَا غُلَامًا وَجَارِيَةً.

 

أَرَأَيْتُمْ -إِخْوَانِي الْكِرَامُ- كَيْفَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِأُخْتِهِ مِنَ الْإِكْرَامِ وَالْإِحْسَانِ!

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا: صِلَتُهَا، وَتَفَقُّدُ أَحْوَالِهَا، وَزِيَارَتُهَا وَالسُّؤَالُ عَنْهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً لَا يَقْطَعُ التَّوَاصُلَ بِهَا، وَهَذَا الْحَقُّ إِذَا أَدَّاهُ الْأَخُ لِأُخْتِهِ شَعَرَتْ بِالدِّفْءِ، وَأَحَسَّتْ بِالْقُوَّةِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ غُصْنًا قُطِعَ مِنْ شَجَرَةِ الْأُسْرَةِ بِزَوَاجِهَا.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا: مُسَاعَدَتُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَمَدُّ يَدِ الْعَوْنِ لَهَا حِينَ الْفَاقَةِ وَلَوْ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَحَلُّ مُشْكِلَاتِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَإِكْرَامُ زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا؛ فَإِذَا كَانَتْ أَرْمَلَةً عَالَهَا، وَضَمَّهَا إِلَى إِحْسَانِهِ، وَوَاصَلَ عَلَيْهَا فَضْلَهُ؛ فَذَلِكَ هُوَ الْأَجْرُ الْمُضَاعَفُ، وَالْعَمَلُ الْفَاضِلُ عَلَى غَيْرَهُ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ مَعَ الْأَقَارِبِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاَثُ بَنَاتٍ، أَوْ ثَلاَثُ أَخَوَاتٍ، أَوْ ابْنَتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ؛ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ“، وَفِي رِوَايَةٍ: “لاَ يَكُونُ لأَحَدِكُمْ ثَلاَثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلاَثُ أَخَوَاتٍ، فَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا: إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَنْ يُرَبِّيَهَا، وَيَرْعَاهَا، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَيُعَامِلَهَا كَابْنَتِهِ، خَاصَّةً إِذَا صَارَتْ يَتِيمَةً، أَوْ مَاتَتْ أُمُّهَا.

 

وَانْظُرُوا -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- إِلَى مَا فَعَلَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِي آثَرَ أَخَوَاتِهِ الصَّغِيرَاتِ وَمَصْلَحَتَهُنَّ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ، جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ تَزَوَّجَ ثَيِّبًا وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ: “أَفَلاَ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ” قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ؛ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ.

 

فَإِذَا كَبِرَتْ أُخْتُهُ الصَّغِيرَةُ وَصَارَتْ أَهْلًا لِلزَّوَاجِ زَوَّجَهَا، وَلَا يَمْنَعْهَا مِنْ كُفْؤِهَا؛ فَإِذَا حَصَلَتْ مُشْكِلَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ جَاءَ يُرَاجِعُهَا وَهِيَ رَاغِبَةٌ فِي الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهَا إِلَّا لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ تَعْلَمُونَ)[البقرة:232].

 

وَعَنْ  مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: “زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا! لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ)[البقرة: 232]؛ فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ”(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَنَا وَإِخْوَانَنَا عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْنَا مِنَ الْحُقُوقِ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْقَطِيعَةِ وَالْعُقُوقِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

 

الْحَمْدُ للهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنَ الْحُقُوقِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ: حُقُوقُ الْأَخِ عَلَى أُختِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ:

احْتِرَامُهُ وَتَقْدِيرُهُ، وَحُبُّهُ وَتَبْجِيلُهُ، وَفَرَحُهَا بِلِقَائِهِ، وَحُزْنُهَا عَلَى فِرَاقِهِ، وَإِذَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا فَتُعَامِلُهُ كَالْأَبِ لَهَا، وَهَذَا التَّعَامُلُ الْحَسَنُ مِنْهَا يَعُودُ عَلَيْهَا بِعَطْفِهِ وَصِلَتِهِ.

وَمِنْ أَحْسَنِ النَّمَاذِجِ الَّتِي خَلَّدَهَا لَنَا الزَّمَانُ فِي حُبِّ الْأُخْتِ أَخَاهَا، وَحُزْنِهَا عَلَى فِرَاقِهِ: نَمُوذَجُ الْخَنْسَاءِ مَعَ أَخِيهَا صَخْرٍ؛ فَقَدْ أَخْصَّتْ دِيوَانَهَا الشِّعْرِيَّ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَأْبِينِهِ وَرِثَائِهِ، وَمِنْ ضِمْنِ مَا قَالَتْ فِيهِ:

أَرَاهَا وَالِهًا تَبْكِي أَخَاهَا *** عَشِيَّةَ رَزْئِهِ أَوْ غِبَّ أَمْسِ

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ *** أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

فَلَا وَاللهِ لَا أَنْسَاكَ حَتَّى *** أُفَارِقَ مُهْجَتِي وَيُشَقَّ رَمْسِي

فَقَدْ وَدَّعْتُ يَوْمَ فِرَاقِ صَخْرٍ *** أَبِي حَسَّانَ لَذَّاتِي وَأُنْسِي

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَخِ عَلَى أُخْتِهِ: طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَسَمَاعُ نُصْحِهِ، وَالِاسْتِجَابَةُ لِمَا يَدْعُوهَا إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ؛ فَفِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ السِّهَامُ الْمُوَجَّهَةُ نَحْوَ الْمَرْأَةِ فُتِنَتْ بَعْضُ النِّسَاءِ بِالِاسْتِجَابَةِ لِدَعَوَاتِ الْبَاطِلِ؛ فَيَأْتِي بَعْضُ الْإِخْوَةُ الْغَيَارَى لِيَنْصَحَ أُخْتَهُ، وَيُوَجِّهَهَا الْوِجْهَةَ الصَّحِيحَةَ فَتَأْبَى عَلَيْهِ، وَتُسَفِّهُ رَأْيَهُ، وَتَرْكَبُ هَوَاهَا، وَتَفْعَلُ مَا تُرِيدُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ، وَمَا هَكَذَا يَنْبَغِي لِلْأُخْتِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَعْصِيَ أَخَاهَا فِي الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْحَرِيصُ عَلَى سَلَامَتِهَا، وَعِرْضِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأَخِ عَلَى أُخْتِهِ: إِذَا كَانَ صَغِيرًا أَنْ تُرَبِّيَه، وَتَعْتَنِيَ بِهِ، وَتُولِيَهُ اهْتِمَامَهَا، حَتَّى يَشِبَّ وَيَقُومَ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْأُخْتُ جِهَةً مِنْ جَهَاتِ اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ، كَمَا يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ.

وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ عَظِيمٍ فِي التَّارِيخِ رَبَّتْهُ أُخْتُهُ، وَقَامَ عُرُوجُ مَجْدِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا!.

 

عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْحُقُوقِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَواتِ: حُقُوقُ الْأُخْتِ عَلَى أُختِهَا، وَمِنْهَا: بَذْلُ الْحُبِّ وَالِاحْتِرَامِ لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا، وَالْبُعْدُ عَنْ هَجْرِهَا وَقَطِيعَتِهَا، وَإِنْ جَرَتْ مُشْكِلَةٌ بَيْنَهُمَا فَلْتَبْذُلْ لَهَا عَفْوَهَا وَمُسَامَحَتَهَا.

 

وَمِنْ حُقُوقِ الْأُخْتِ عَلَى أُخْتِهَا: إِعَانَتُهَا بِمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، مِنْ مَالٍ أَوْ جُهْدٍ، أَوْ نَصِيحَةٍ وَمَنْفَعَةٍ، وَإِنْ كَانَ لَدَيْهَا زَكَاةٌ فَأُخْتُهَا الْمُحْتَاجَةُ أَوْلَى مَنْ تُعْطِيهَا؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ”(رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ).

 

وَقَدْ كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تُعِيرُ أُخْتَهَا عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مِنْ حُلِيِّهَا مَا تَتَجَمَّلُ بِهِ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأُخْتَ عِمَادُ أُخْتِهَا، وَعَوْنُهَا فِي تَقَلُّبَاتِ زَمَانِهَا، وَمَكَارِهِ أَيَّامِهَا؛ فَمَنْ تَخَلَّتْ عَنْ أُخْتِهَا وَاسْتَغْنَتْ عَنْهَا بِنَفْسِهَا فَرُبَّمَا أَحْوَجَتْهَا الْحَاجَةُ لِلرُّجُوعِ إِلَيْهَا، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا.

 

أَخَاكَ أَخَاكَ فَهُوَ أَجَلُّ ذُخْرٍ *** إِذَا نَابَتْكَ نَائِبَةُ الزَّمَانِ

وَإِنْ رُئِيَتْ إِسَاءَتُهُ فَهَبْهَا *** لِمَا فِيهِ مِنَ الشِّيَمِ الْحِسَانِ

 

فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لِتَحْرِصْ كُلُّ أَسْرَةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى تَرْبِيَةِ أَفْرَادِهَا عَلَى الْحُبِّ وَالتَّعَاوُنِ، وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ فِيمَا بَيْنَ أَفْرَادِهَا صِغَارًا كَانُوا أَمْ كِبَارًا؛ فَإِنَّ أَدَاءَهُمْ لِلْحُقُوقِ فِيمَا بَيْنَهُمْ يُعَمِّقُ الصِّلَةَ بَيْنَهُمْ، وَيُخَفِّفُ مِنْ عَنَائِهِمْ، وَيُورِثُهُمْ حُسْنَ الْقُرْبَى، وَالتَّعَاوُنَ عَلَى مَشَقَّاتِ الْحَيَاةِ، وَبِذَلِكَ يَطِيبُ عَيْشُهُمْ، وَتَحْسُنُ سُمْعَتُهُمْ، وَيَكْثُرُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ بَيْنَ النَّاسِ.

 

فَإِخْوَانَكُمْ إِخْوَانَكُمْ، وَأَخَوَاتِكُمْ أَخَوَاتِكُمْ -عِبَادَ اللهِ- أَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، وَمُدُّوا إِلَيْهِمْ يَدَ الْحُبِّ وَالْعَوْنِ؛ فَإِنَّهُمْ -بَعْدَ اللهِ- السَّنَدُ وَالْكَهْفُ الَّذِي بِهِ تَتَحَصَّنُونَ.

 

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْهُمْ فِي كُلِّ بَيْتٍ جَسَدًا وَاحِدًا نَحْوَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

الملفات المرفقة
حقوق الإخوة والأخوات
عدد التحميل 42
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات