طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17751

عقوق الوالدين

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/08/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/عظم منزلة الوالدين 2/تحريم عقوق الوالدين 3/أسباب عقوق الوالدين 4/صور من عقوق الوالدين 5/ عاقبة عقوق الوالدين.
اقتباس

حِينَمَا قَالَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ”, تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ وَقَالُوا: “يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!”؛ فَكَيْفَ لَوِ اطَّلَعُوا عَلَى زَمَانِنَا هَذَا وَمَا فِيهِ مِنْ عُقُوقٍ لِلْوَالِدَيْنِ؟!…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)[الرحمن: 60]؛ حَقِيقَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ عِنْدَ كُلِّ صَاحِبِ فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ؛ فَمَنْ قَابَلَ الْإِحْسَانَ بِالْإِسَاءَةِ فَذَلِكَ لَئِيمٌ, وَفِعْلُهُ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ, وَحِينَمَا يَكُونُ الْإِحْسَانُ عَظِيمًا مُتَوَاصِلًا تَعْظُمُ الْإِسَاءَةُ وَتَشْتَدُّ, وَيَكُونُ صَاحِبُهَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْقُبْحِ غَارِقًا؛ وَهَذَا هُوَ حَالُ عَاقِّ الْوَالِدَيْنِ!.

 

أُمُّكَ الَّتِي حَمَلَتْكَ فِي بَطْنِهَا تِسْعَ شُهُورٍ؛ تُعَانِي مَشَقَّةَ الْحَمْلِ, وَآلَامَ الْوِلَادَةِ, ثُمَّ أَحَاطَتْكَ بِالْحُبِّ وَالرِّعَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ؛ إِذَا مَرِضْتَ فَهِيَ بِجَانِبِكَ سَاهِرَةً, وَإِذَا بَكَيْتَ بَكَتْ لِبُكَائِكَ, هِيَ مَعَكَ فِي طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ وَمَلْبَسِكَ وَنَوْمِكَ وَمَرَضِكَ, أَيَلِيقُ بِهَذَا الْإِحْسَانِ الْعَظِيمِ أَنْ يُقَابَلَ وَلَوْ بِأَدْنَى إِسَاءَةٍ؟!

 

وَالِدُكَ الَّذِي رَبَّاكَ وَتَعِبَ فِي تَرْبِيَتِكَ؛ كَمْ أَنْفَقَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْوَالٍ مُذْ كُنْتَ صَغِيرًا؟! يُنْفِقُ بِكُلِّ حُبٍّ وَرَحْمَةٍ, وَيَسْعَى لِمَا يُحَقِّقُ رَاحَتَكَ, يَقْلَقُ عَلَيْكَ وَبِكَ يَهْتَمُّ, كَمَ ظَمِئَ لِتَشْرَبَ, وَجَاعَ لِتَأْكُلَ, وَاحْتَمَلَ التَّعَبَ لِتَضْحَكَ وَتَفْرَحَ؛ أَيَلِيقُ بِهَذَا الْإِحْسَانِ الْعَظِيمِ أَنْ يُقَابَلَ بِسُوءٍ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ أَوْ عِبَارَةٍ؟!

 

لِأَجْلِ هَذَا كَانَ التَّوْجِيهُ الرَّبَّانِيُّ لِلْأَبْنَاءِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى وَالِدَيْهِمَا، وَبَذْلِ الْغَايَةِ فِي ذَلِكَ, وَتَحْرِيمِ الْعِصْيَانِ وَالْعُقُوقِ, وَقَرَنَ طَاعَتَهُمَا بِعِبَادَتِهِ -سُبْحَانَهُ-؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء: 23-24]؛ “هَذَا أَدْنَى مَرَاتِبِ الْأَذَى, نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَالْمَعْنَى: لَا تُؤْذِهِمَا أَدْنَى أَذِيَّةٍ”.

 

يَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَالْمُوبِقَاتِ؛ فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟” ثَلَاثًا, قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: “الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ“, وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: “أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ, وَشَهَادَةُ الزُّورِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ), وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مُنْتَشِرٌ بِصُورَةٍ كَبِيرَةٍ فِي زَمَانِنَا؛ بِسَبَبِ بُعْدِ النَّاسِ عَنْ تَعَالِيمِ دِينِهِمْ, وَغَرَقِهِمْ فِي الْمَادِّيَّاتِ, وَاتِّبَاعِهِمْ لِتَقَالِيدِ الْغَرْبِ وَثَقَافَاتِهِ الْمُنْحَرِفَةِ, وَلِتَأْثِيرِ الْأَصْحَابِ وَالزَّوْجَةِ السَّيِّئَةِ دَوْرٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ عُقُوقِ الْأَبْنَاءِ؛ فَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ, وَالزَّوْجَةُ إِمَّا أَنْ تُعِينَ زَوْجَهَا عَلَى بِرِّ وَالِدَيْهِ أَوِ الْأُخْرَى؛ وَمِنْ هُنَا رَغَّبَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِاخْتِيَارِ ذَاتِ الدِّينِ.

 

وَلَا شَكَّ أَنَّ لِضَعْفِ التَّرْبِيَةِ مُنْذُ الصِّغَرِ دَوْرًا مُهِمًّا فِي الْأَخْلَاقِ؛ فَمَنْ أَهْمَلَ وَلَدَهُ فِي صِغَرِهِ عَقَّهُ فِي كِبَرِهِ, وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ كَلَامًا قَيِّمًا؛ قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: “فَمَنْ أَهْمَلَ تَعْلِيمَ وَلَدِهِ مَا يَنْفَعُهُ وَتَرَكَهُ سُدًى؛ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ, وَأَكْثَرُ الْأَوْلَادِ إِنَّمَا جَاءَ فَسَادُهُمْ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَإِهْمَالِهِمْ لَهُمْ, وَتَرْكِ تَعْلِيمِهِمْ فَرَائِضَ الدِّينِ وَسُنَنَهُ, فَأَضَاعُوهُمْ صِغَارًا؛ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَنْفَعُوا آبَاءَهُمْ كِبَارًا, كَمَا عَاتَبَ بَعْضُهُمْ وَلَدَهُ عَلَى الْعُقُوقِ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّكَ عَقَقْتَنِي صَغِيرًا؛ فَعَقَقْتُكَ كَبِيرًا, وَأَضَعْتَنِي وَلِيدًا؛ فَأَضَعْتُكَ شَيْخًا“.

 

كَمْ مِنْ فَتًى قَدْ ضَاعَ وَالْجَانِي أَبٌ *** لَمْ يَرْعَ حَقَّ اللهِ فِي الْوِلْدَانِ

قَدْ أَحْضَرُوا زَادَ الْبُطُونِ وَمَلْبَسًا *** وَالرُّوحُ خَاوِيَةٌ بِلَا عُمْرَانِ

وَالْهَمُّ كُلُّ الْهَمِّ عِلمُ مَدَارِسٍ *** لِيَفُوزَ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْأَقْرَانِ

وَسَيَبْذُلُونَ الْمَالَ فِي تَعْلِيمِهِ *** أَمَّا عُلُومُ الشَّرْعِ فِي نِسْيَانِ

فَارْعَوْا بَنِيكُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ فَوْزَهُمْ *** وَفَلَاحَهُمْ أُخْرَى مِنَ النِّيرَانِ

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ أَدْنَى الْعُقُوقِ كَلِمَةٌ أُفٍّ, وَهُنَاكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ أُخْرَى لِلْعُقُوقِ؛ مِنْهَا:

عَدَمُ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا يَأْمُرَانِ بِهِ؛ فَأَحْيَانًا كَثِيرَةً قَدْ يَتَأَخَّرُ الْوَلَدُ عَنِ الِاسْتِجَابَةِ لِوَالِدَيْهِ إِذَا طَلَبَا مِنْهُ شَيْئًا, وَلَرُبَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ يَأْمُرَا ابْنًا آخَرَ مِنْ إِخْوَانِهِ بَدَلاً عَنْهُ؛ حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ يَيْأَسُ مِنْ طَلَبِ شَيْءٍ مِنِ ابْنِهِ؛ بِسَبَبِ التَّسْوِيفِ وَكَثْرَةِ الِاعْتِذَارَاتِ, وَتَكْرَارِ ذَلِكَ مِنْهُ!.

 

وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ: إِدْخَالُ الْحُزْنِ إِلَى قَلْبَيْهِمَا؛ كَأَنْ يَكُونَ الِابْنُ كَثِيرَ الْمَشَاكِلِ، يُدْخِلُ وَالِدَيْهِ فِي مَتَاعِبَ وَإِحْرَاجَاتٍ مَعَ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَالنَّاسِ, وَقَدْ يَسْمَعَانِ مِنَ النَّاسِ كَلِمَةً سَيِّئَةً تَدُلُّ عَلَى سُوءِ تَرْبِيَتِهِمَا لَهُ, فَيُؤَثِّرُ فِيهِمَا هَذَا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَىَّ يَبْكِيَانِ, فَقَالَ: “ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ: التَّسَبُّبُ فِي سَبِّهِمَا وَلَعْنِهِمَا, وَقَدْ أَوْضَحَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ذَلِكَ حِينَ قَالَ: “مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ“, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: “نَعَمْ, يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ: إِيثَارُ الِابْنِ زَوْجَهُ وَأَوْلَادَهُ وَأَصْحَابَهُ عَلَى وَالِدَيْهِ؛ فَيُسْرِعُ فِي تَلْبِيَةِ طَلَبَاتِهِمْ وَيَتَأَخَّرُ فِي طَلَبَاتِ وَالِدَيْهِ, أَوْ أَنْ يُظْهِرَ السُّرُورَ فِي وَجْهِ زَوْجِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَيَتَلَطَّفُ إِلَيْهِمْ بِالْكَلَامِ, فِيمَا لَا يَرَى الْوَالِدَانِ مِنْهُ ذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: “أُمُّكَ“, قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “ثُمَّ أُمُّكَ“, قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “ثُمَّ أُمُّكَ“, قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “ثُمَّ أَبُوكَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ: أَنْ يَتَخَلَّى الْأَبْنَاءُ عَنْ وَالِدَيْهِمْ عِنْدَ الْكِبَرِ حَالَ الضَّعْفِ, وَهُمَا فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَى الْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ وَلِذَا وَصَّى اللهُ بِهِمَا، خَاصَّةً وَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنَ الْعُمْرِ؛ فَقَالَ -تَعَالَى-: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)[الإسراء: 23]؛ فَالْكَلِمَةُ في هَذَا السِّنِّ تُؤْذِيهِمَا أَشَدَّ الْإِيذَاءِ؛ فَكَيْفَ بِقَبِيحِ الْأَفْعَالِ, وَسُوءِ الْخِصَالِ, وَالتَّنَكُّرِ لِلْجَمِيلِ؟! وَفِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْغَرْبِيَّةِ الْفَاقِدَةِ لِلْإِيمَانِ يَرْمِي الْأَوْلَادُ آبَاءَهُمْ فِي دُورِ رِعَايَةِ الْعَجَزَةِ وَالْمُسِنِّينَ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ أَعْبَائِهِمَا, وَالْقِيَامِ بِشُؤُونِهِمَا, وَالْعَجِيبُ أَنْ يَسْرِيَ هَذَا الدَّاءُ الْخَبِيثُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا خَلَاقَ لَهُ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ!.

 

وَمِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ الْأَلِيمَةِ: التَّعَدِّي عَلَى الْوَالِدَيْنِ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ, وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْمُؤْلِمَةُ مَوْجُودَةٌ حَتَّى فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ, وَفِي ذَلِكَ قِصَصٌ كَثِيرَةٌ لَوْلَا أَنَّهَا وَاقِعِيَّةٌ يَرْوِيهَا ثِقَاةٌ مَا صَدَّقَهَا عَاقِلٌ, فَحِينَ قَالَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ“, تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ وَقَالُوا: “يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!”؛ فَكَيْفَ لَوِ اطَّلَعُوا عَلَى زَمَانِنَا هَذَا وَمَا فِيهِ مِنْ عُقُوقٍ لِلْوَالِدَيْنِ؟! شَابٌّ يَطْرُدُ أُمَّهُ الْكَبِيرَةَ الضَّعِيفَةَ مِنَ الْبَيْتِ؛ فَتَخْرُجُ بَاكِيَةً إِلَى الشَّارِعِ تَسْتَجْدِي الْمَارَّةَ! وَامْرَأَةٌ تُسْكِنُ أُمَّهَا فِي الْمَطْبَخِ وَتَسْتَأْثِرُ هِيَ وَزَوْجُهَا بِالْبَيْتِ كُلِّهِ, وَأُخْرَى تَضْرِبُ أُمَّهَا الْمُصَابَةَ بِجَلْطَةٍ صَارِخَةً فِي وَجْهِهَا: مَتَى سَتَمُوتِينَ لِأَرْتَاحَ؟! وَرَجُلٌ يَضْرِبُ أُمَّهُ بِعَصًا وَهِي تَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَلَمْ يُنْقِذْهَا إِلَّا الْجِيرَانُ مِنْ غَضَبِ ابْنِهَا! بَلْ وَصَلَ الْحَالُ إِلَى أَنْ يَقْتُلَ الِابْنُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ, إِنَّهَا لَمَآسِي تُبْكِي الْحَجَرَ مِنْ هَوْلِ شِدَّتِهَا!!.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ, أَهْلٌ لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي اصْطَفَى، وَعَلَى الْآلِ وَالصَّحْبِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ وَاقْتَفَى، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ عَاقِبَةَ الْعُقُوقِ أَلِيمَةٌ وَسَرِيعَةٌ مُعَجَّلَةٌ, تَسْتَجْلِبُ غَضَبَ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ:

أَوَّلاً: أَنَّهُ يَسْتَجْلِبُ سَخَطَ اللهِ -تَعَالَى- وَغَضَبَهُ عَلَى عَبْدِهِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

ثَانِيًا: أَنَّ اللهَ يُعَجِّلُ لِصَاحِبِهَا الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا؛ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كُلُّ ذُنُوبٍ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا الْبَغْيَ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ، يُعَجِّلُ لِصَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ“(الأَدَبُ المفْرَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ), وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “اثْنَتَانِ يُعَجِّلُهُمَا اللهُ فِي الدُّنْيَا: الْبَغْيُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ“(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

ثَالِثًا: أَنَّ الْعُقُوقَ سَبَبٌ لِحُبُوطِ الْأَعْمَالِ وَرَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “ثَلاثَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ“(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ)؛ فَلَا تَنْفَعُ طَاعَةٌ للهِ -تَعَالَى- إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِطَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: “ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثَةٍ، لَا يَقْبَلُ اللهُ وَاحِدَةً بِدُونَ قَرِينَتِهَا..”, وَذَكَرَ الثَّالِثَةَ: “فَهِيَ قَوْلُ اللهِ -تَعَالَى-: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)[لقمان: 14]؛ فَمَنْ شَكَرَ اللهَ وَلَمْ يَشْكُرْ لِوَالِدَيْهِ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ”.

 

رَابِعًا: أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحِرْمَانِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ, وَمَا أَقْسَاهَا مِنْ عُقُوبَةٍ! قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلا مُدْمِنُ خَمْرٍ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ: اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِطَاعَةِ وَالِدَيْكُمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا حَتَّى حَالُ كُفْرِهِمَا؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا)[العنكبوت: 8], وَالْبِرُّ سَلَفٌ, وَكَمَا تُدِينُ تُدَانُ, وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ, تُرِيدُ بِرَّ أَبْنَائِكَ حِينَ يَكْبَرُوا وَتَكْبَرَ بِرَّ أَنْتَ وَالِدَيْكَ, أَحْسِنْ إِلَيْهِمَا يُحْسِنْ أَبْنَاؤُكَ إِلَيْكَ, ازْرَعْ مِنَ الآنِ بِرًّا لِتَجْنِيَهُ مِنْ أَبْنَائِكَ إِحْسَانًا.

 

وَمَنْ كَانَ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ؛ فَلْيَتَدَارَكْ مَا بَقِيَ لَهُ وَلَهُمْ مِنْ عُمْرٍ؛ يَذْهَبُ إِلَيْهِمَا فَيَطْلُبُ مِنْهُمَا الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ, وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا وَيُكْرِمُهُمَا, وَيُعَوِّضُهُمَا عَنْ سَنَوَاتِ عُقُوقِهِ بِرًّا وَإِحْسَانًا, وَمَنْ مَاتَ أَبَوَاهُ وَقَدْ كَانَ عَاقًّا لَهُمَا؛ فَلْيَتُبْ وَلْيَسْتَغْفِرْ, فَمَا زَالَ لَهُمَا مِنَ الْبِرِّ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِمَا؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: “نَعَمْ؛ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا“, وَفِي رِوَايَةٍ: “فَقَالَ: مَا أَكْثَرَ هَذَا وَأَطْيَبَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: “فَاعْمَلْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِمَا“.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
عقوق الوالدين
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات