طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17730

(كورونا) وما نرسل بالآيات إلا تخويفا

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب الأحداث العامة
تاريخ الخطبة : 1441/08/03
تاريخ النشر : 1441/08/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تسخير الله لعبده النعم حتى يحقق عبوديته 2/الإنسان المخلوق الوحيد الذي تمرد على الله 3/الإنسان والأمانة وصور من خيانته لها 4/حال العباد مع سنة الاستدراج 5/سنة الانتقام واختلاف صورها 6/العالم المتقدم مع كورونا 7/كورونا آية الله للبشرية فماذا تعلمت منه؟
اقتباس

لَقَدْ كَانَ هَذَا الْجُنْدِيُّ نَذِيرَ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لِيُحَسِّنَ طَرِيقَكُمْ، وَرَسُولَهُ لِيُصْلِحَ نَوَايَاكُمْ وَيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ؛ فَعَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ أَنَّ هَذَا الْجُنْدِيَّ لَمْ يَأْتِ لِيُلْبِسَنَا قُفَّازَاتٍ وَكِمَامَاتٍ بَلْ جَاءَ لِيُلْبِسَنَا لِبَاسَ التَّقْوَى…

الخطبة الأولى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ مُعِزِّ الطَّائِعِينَ وَمُذِلِّ الْمُسْتَكْبِرِينَ، هَادِي مَنْ شَاءَ بِفَضْلِهِ وَمُضِلُّ مَنْ شَاءَ بِعَدْلِهِ. وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَضَافَ أَوْلِيَاءَهُ إِلَى دَارِ النَّعِيمِ، وَسَاقَ أَعْدَاءَهُ لِدَارِ الْجَحِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا رَسُولُهُ لِلثَّقَلَيْنِ وَرَحْمَتُهُ لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؛ ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- فَهِيَ الْمُنْجِيَةُ مِنْ غَضَبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْوَاقِيَةُ مِنْ عِقَابِهِ فِي الْأُخْرَى؛ قَالَ اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الْحَشْرِ: 18].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَسَخَّرَ لَهُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ؛ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا لِيَسْتَمْتِعُوا بِهَا وَيَرْكَنُوا إِلَيْهَا غَافِلِينَ عَنْ دِينِهِمْ وَجَاعِلِينَ الْآخِرَةَ مِنْ وَرَائِهُمْ؛ بَلْ لِيُخَفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ نَوَامِيسِ هَذَا الْكَوْنِ وَيُيَسِّرَ عَلَيْهِمْ قَوَانِينَ الْعَيْشِ فِيهِ، لِيُحَقِّقُوا مَعَهُ غَايَةَ وُجُودِهِمْ، وَلِيَتَأَهَّبُوا لِلْعَيْشِ فِي جَنَّاتِ رَبِّهِمْ.

 

وَلَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ الْوَحِيدَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ، بَلْ هُنَاكَ مَخْلُوقَاتٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْهُ خَلْقًا وَأَعْظَمُ قُوَّةً؛ (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)[غَافِرٍ: 57]، وَلَمْ يَعْيَ اللَّهُ بِخَلْقِهَا وَلَا مَسَّهُ مِنْ لُغُوبٍ؛ سَمَوَاتٌ وَأَرْضٌ وَجِبَالٌ وَمَلَائِكَةٌ وَبِحَارٌ وَغَيْرُهَا، كُلُّهَا تَقُومُ بِأَمْرِهِ وَتُطِيعُهُ وَتُسَبِّحُهُ؛ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)[الْحَجِّ: 18]، الْكُلُّ يَمْتَثِلُ أَمْرَهُ وَلَا يَتَجَاوَزُ نَهْيَهُ.

 

بَيْدَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ أَصْغَرُهَا، مَعَ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الضَّعْفِ وَالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ حَمَّلَ نَفْسَهُ أَمَانَةً مَا كَانَ لَهُ حَمْلُهَا لَوْلَا تَصَدُّرُهُ لَهَا؛ ثُمَّ صَارَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا؛ فَقُلِّي بِرَبِّكَ كَيْفَ لِمَخْلُوقٍ مِثْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ أَنْ يَنْأَى عَنْ حَمْلِهَا لِعِلْمِهِ بِثِقَلِهَا فِي الدُّنْيَا وَشَدَّةِ الْحِسَابِ عَنْهَا فِي الْأُخْرَى؛ فَأَشْفَقَتْ عَنْهَا خَشْيَةَ أَلَّا تَقُومَ بِهَا؛ فَتَلَقَّفَ لَهَا مَخْلُوقٌ؛ هُوَ أَنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ!.

 

وَلِلْأَسَفِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا وَلَا كُفُؤًا إِلَّا مِنْ رَحِمَ رَبِّي؛ فَكَثِيرٌ ضَيَّعَهَا، فَلَا لِلْأَمْرِ لَزِمَ وَلَا عَنِ النَّهْيِ كَفَّ. بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ بِالْبَشَرِيَّةِ أَنْ أَنْكَرَ بَعْضُهَا الْخَالِقَ الْمُنْعِمَ سُبْحَانَهُ، فَزَعَمَ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ هُوَ الرَّبُّ فَجَعَلَ لَهُ الْقُرَبَ، وَآخَرُ قَالَ بِهِ رَبًّا لَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ إِلَهًا فَاتَّجَهَ إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ تَقَرُّبًا وَتَعْظِيمًا وَدُعَاءً، وَآخَرُ قَالَ بِهِ رَبًّا وَإِلَهًا لَكِنَّهُ تَجَاوَزَهُ حَاكِمًا وَمُشَرِّعًا فَهُوَ بَيْنَ هَوًى يَتْبَعُهُ، أَوْ قَانُونٍ وَضَعَهُ، أَوْ عَادَةٍ وَرِثَهَا، وَغَيْرُهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ إِلَهًا وَرَبًّا لَكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا عَلَيْهِ اسْتِجَابَةً وَانْصِيَاعًا؛ فَهُمْ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَيَرْتَكِبُونَ نَهْيَهُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يُمْهِلُ الْحَلِيمُ -سُبْحَانَهُ- الْمُخَالِفِينَ عَلَى كَافَّةِ أَشْكَالِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، مُتَّخِذًا مَعَهُمْ سُنَّةَ الْإِمْهَالِ وَقَانُونَ الِاسْتِدْرَاجِ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)[الْأَعْرَافِ: 183]، وَقَالَ تَعَالَى: (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)[الطَّارِقِ: 17]، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَرْصُدُ أَعْمَالَهُمْ وَيُحْصِيهَا؛ فَظَنُّوا عِنْدَهَا أَنَّ اللَّهَ عَاجِزٌ عَنْهُمْ أَوْ غَيْرُ مُعَذِّبِهِمْ أَوْ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا يَعْمَلُونَ، وَغَفَلُوا أَنَّ لِلْجَبَّارِ سُبْحَانَهُ سُنَنًا أُخْرَى تَتْبَعُ الْإِمْهَالَ وَتَعْقُبَ الِاسْتِدْرَاجَ؛ إِنَّهَا سُنَّةُ أَخْذِهِ لِلظَّالِمِينَ وَانْتِقَامِهِ مِنَ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى شَرْعِهِ النَّاكِبِينَ عَنْ صِرَاطِهِ الْمُبَدِّلِينَ لِشَرِيعَتِهِ؛ إِمَّا بِعِقَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ)[الزُّخْرُفِ: 55-56]، أَوْ بِالْعُقُوبَةِ الْمُخْزِيَةِ وَالْمَرَدِّ الْفَاضِحِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ لَهُ بَيْنَهُمَا.

 

وَسُنَّةُ الِانْتِقَامِ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- لَا تَلْزَمُ صُورَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ تَأْخُذُ شَكْلًا وَاحِدًا، بَلْ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ بِحِكْمَةٍ وَقَدَرٍ؛ فَتَكُونُ زَلَازِلَ وَبَرَاكِينَ وَصَيْحَاتٍ وَصَوَاعِقَ وَخُسُوفًا وَمَسْخًا وَقَحْطًا وَجَدْبًا وَخَوْفًا وَفَقْرًا وَغَيْرَهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- أَوْبِئَةً وَأَمْرَاضًا، وَجَمِيعُهَا جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى يَبْعَثُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مَتَى شَاءَ.

 

وَمَا يَعِيشُهُ عَالَمُنَا الْيَوْمَ مِنْ مَأْسَاةٍ بِسَبَبِ فَيْرُوسٍ صَغِيرٍ شَلَّ حَرَكَتَهَا الِاقْتِصَادِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ وَالتَّعْلِيمِيَّةَ وَالسِّيَاحِيَّةَ وَغَيْرَهَا، أَوْقَفَ كُلَّ مَصَالِحِهَا وَنَغَّصَ عَلَيْهَا مَعَايِشَهَا، جَعَلَ أَهْلَهَا فِي بُيُوتِهِمْ خَائِفِينَ، وَقُصُورَهَا خَاوِيَةً وَمُدُنَهَا خَالِيَةً؛ كُلُّ ذَلِكَ أَعْظَمُ شَاهِدٍ وَأَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَحِينَ أَرَادَ الْقَهَّارُ -سُبْحَانَهُ- أَنْ يُوقِظَ الْعَالَمَ مِنْ سُبَاتِ غَفْلَتِهِ وَيُحْيِيَهُ مِنْ مَوْتِ ضَمِيرِهِ وَيَرُدَّهُ مِنْ سُبُلِ انْحِرَافِهِ، وَيُعَرِّفَهُ حَقِيقَتَهُ وَقُدْرَتَهُ الْبَشَرِيَّةَ الْمَحْدُودَةَ، وَيُعَرِّفَهُ مَنِ الْمَالِكُ الْمُدَبِّرُ وَالْإِلَهُ الْمُقْتَدِرُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ إِنْزَالَ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ جَيْشٍ مِنَ الْأَرْضِ؛ بَلْ أَرْسَلَ لَهُمْ جُنْدِيًّا خَفِيًّا مِنْ جُنُودِهِ (كُورُونَا) لَا يُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، وَلَا يُلْمَسُ بِالْيَدِ مُبَاشَرَةً، جُنْدِيٌّ يُسَبِّحُ لِلَّهِ بِحَمْدِهِ وَيُنَفِّذُ أَمْرَهُ فِي عِبَادِهِ؛ فَيُعَاقِبُ بِهِ قَوْمًا وَيُنْذِرُ قَوْمًا وَيَصْطَفِي آخَرِينَ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَمْ يَسْبِقْ لِهَذَا الْعَالَمِ أَبَدًا أَنْ وَقَفَ جَمِيعُهُ هَذَا الْوُقُوفَ الْعَجِيبَ، وَلَا خَيَّمَ عَلَيْهِ هَذَا السُّكُونُ، وَلَا عَاشَ هَذَا الرُّعْبَ إِلَّا مَعَ بَلَاءِ (كُورُونَا)! كَيْفَ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ بِدُوَلِهِ الْعُظْمَى وَتَطَوُّرَاتِهِ وَاكْتِشَافَاتِهِ الْعِلْمِيَّةِ وَإِمْكَانِيَّاتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْهَائِلَةِ أَنْ يَقِفَ صَاغِرًا ذَلِيلًا مَدْهُوشًا؟ أَيْنَ عَبَاقِرَةُ الْعَالَمِ الْمُتَقَدِّمِ وَمُسْتَشَارُوهُ وَمُكْتَشِفُوهُ؟! أَيْنَ ذَهَبَ أَطِبَّاؤُهُ وَمُخْتَرِعُوهُ؟! أَيْنَ مُنَظَّمَاتُهُ وَمُؤَسَّسَاتُهُ وَهَيْئَاتُهُ؟! أَيْنَ مَنْ أَذَاقَ الْمُسْتَضْعَفِينَ سُوءَ الْعَذَابِ؟! أَيْنَ مَنْ أَظْهَرَ سَطْوَتَهُ وَاسْتَعْمَلَ قُوَّتَهُ فِي قَمْعِ الْأَبْرِيَاءِ؟ أَيْنَ مَنْ ذَبَحَ وَقَتَلَ وَفَجَّرَ وَهَجَّرَ؟! أَيْنَ مَنْ صَعَدَ الْقَمَرَ وَوَصَلَ إِلَى زُحَلَ وَبَطِرَ وَافْتَخَرَ؟

سَلُوا عَنْهُ كُورُونَا؛ ذَلِكَ الْفَيْرُوسَ جُنْدِيَّ اللَّهِ كَيْفَ أَخَافَهُ وَأَفْزَعَهُ؟! وَأَصَمَّهُ وَأَخْرَسَهُ؟! وَفِي الْمَصَحَّاتِ حَجَرَهُ، وَبِالْمَرَضِ أَصَابَهُ، وَمِنَ الْعَافِيَةِ سَلَبَهُ! وَفِي الْمَشْفَى أَقْعَدَهُ، وَلِلْمَوْتِ قَرَّبَهُ وَلِلْمَقَابِرِ أَوْرَدَهُ!

 

إِنَّهُ كُورُونَا الْجُنْدِيُّ الْخَفِيُّ الَّذِي أَوْقَفَ الْعَالَمَ عَنْ حُرُوبِهِ السِّيَاسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ! كُورُونَا الَّذِي أَخْلَى قُصُورَهُمْ وَفَرَّقَ جُمُوعَهُمْ وَأَوْقَفَ مُؤَامَرَاتِهِمْ لِيَشْغَلَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَصِحَّتِهِمْ وَأَذَلَّهُمْ لِيُعَرِّفَهُمْ قَدْرَهُمْ!.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَبَيْنَمَا الْبَشَرِيَّةُ فِي سُبَاتِهَا غَارِقَةً، وَالْخَلَائِقُ فِي شَهَوَاتِهَا تَائِهَةً، وَقَدْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ سَيْطَرُوا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَأَحَاطُوا عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ فَأَتَاهُمْ أَمْرُهُ فَجْأَةً؛ قَالَ الْجَبَّارُ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)[يُونُسِ: 24]؛ فَعَكَّرَ صَفْوَهُمْ وَمَلَأَ الْخَوْفُ قُلُوبَهُمْ وَأَشْغَلَ بَالَهُمْ، وَعَطَّلَ مَصَالِحَهُمْ، وَقَطَعَ أُمْنِيَاتِهِمْ؛ حَتَّى سَخَّرُوا فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْجُنْدِيِّ الصَّغِيرِ كُلَّ إِمْكَانِيَّاتِهِمْ، وَدُونَ جَدْوَى مَا زَالَ الْفَيْرُوسُ فِي انْتِشَارٍ وَالْحَالَاتُ فِي ازْدِيَادٍ؛ فَحَتَّى كِتَابَةِ هَذِهِ الْأَسْطُرِ بَلَغَ عَدَدُ الْمُصَابِينَ مَا يَزِيدُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُصَابٍ.

 

هَلْ سُمِعْتُمْ يَا كِرَامُ مَا صَرَّحَ بِهِ أَحَدُهُمْ عَنْ حَالِ بِلَادِهِ وَأَنَّهُمْ فَقَدُوا السَّيْطَرَةَ، وَأَنَّ حُلُولَ الْأَرْضِ قَدِ انْتَهَتْ بَقِيَ أَمْرُ السَّمَاءِ؟ بَيْنَمَا يَقُولُ آخَرُ: وَدِّعُوا أَحْبَابًا لَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ كُورُونَا عَنْكُمْ؟ هَلْ جَاءَكُمْ خَبَرُ تِلْكَ الْمِلْيَارَاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْجُنْدِيِّ الصَّغِيرِ كُورُونَا؟ هَلْ قَرَأْتُمْ عَنِ الْمَصَالِحِ الَّتِي عُطِّلَتْ؟ وَسَمِعْتُمْ عَنِ الْمُؤْتَمَرَاتِ وَالْأَنْدِيَةِ وَالْمَلَاعِبِ وَاللِّقَاءَاتِ وَالْمُنَاسَبَاتِ الَّتِي أُوقِفَتْ؟ وَرَأَيْتُمْ كَيْفَ تَحَوَّلَتْ تِلْكَ الْمُدُنُ الْعَامِرَةُ إِلَى مُدُنِ أَشْبَاحٍ خَالِيَةٍ؟ وَمَا كَانَ لَهَا أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ لَوْلَا هَذَا الْجُنْدِيُّ؟

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَمْ تَقِفْ مَفَاسِدُ هَذَا الْبَلَاءِ وَتَبِعَاتُهُ عِنْدَ تَعَطُّلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَذَلِكَ هَيِّنٌ وَرَبِّي؛ لَكِنْ مَا يُؤْلِمُ الْقَلْبَ أَنْ تَتَعَطَّلَ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ؛ فَلَا جُمْعَةَ وَجَمَاعَةَ وَلَا حَلَقَاتِ عِلْمٍ وَلَا دِرَاسَةَ! مَا يُبْكِي أَنْ يُنَادِيَ الْمُنَادِي: “صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ”، بَيْنَمَا بَعْضُهُمْ كَانَ يُدْعَى لَهَا فَلَا يُجِيبُونَ وَهُمْ سَالِمُونَ، مَا يُدْمِي الْفُؤَادَ أَلَّا يَتَمَكَّنَ مَنْ تَاقَتْ نُفُوسُهُمْ لِبَيْتِهِ الْحَرَامِ وَالطَّوَافِ بِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَفِي مَسْجِدِ نَبِيِّهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ حَالٌ يَغَصُّ بِهَا الْحَلْقُ، وَيُدْمِي الْقَلْبَ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ يَخْشَاهُ وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْهُ: “اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا“.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ وَالنَّذِيرَ الْمُبِينَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْجَبَّارُ لِلْبَشَرِيَّةِ لَا لِتَتَسَلَّى عَلَيْهِ أَوْ لِتَتَفَكَّهَ وتَتَنَدَّرَ بِهِ، إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَخْوِيفَ الْبَشَرِيَّةِ لِيَعُودُوا إِلَيْهِ وَيَرْجِعُوا؛ قَالَ اللَّهُ: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الْأَنْعَامِ: 42-43].

 

وَعَلَيْهِ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- يَنْبَغِي أَلَّا تَمُرَّ عَلَيْنَا أَيَّامُ هَذَا الْبَلَاءِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْهُ عِبْرَةٌ أَوْ نَتَّخِذَ مِنْهُ عِظَةً؛ فَمَا الَّذِي تَعَلَّمْنَاهُ مِنْ كُورُونَا؟!

لَقَدْ عَلَّمَنَا كُورُونَا: وُجُوبَ تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ، وَعَدَمَ التَّمَادِي فِي مُخَالَفَةِ شَرْعِهِ؛ فَلَا صَغِيرَةَ مَعَ اسْتِمْرَارٍ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، أَيْضًا عَلَّمَنَا اغْتِنَامَ فُرْصَةِ الْعُمْرِ لِمَنْ تَخَطَّاهُمْ كُورُونَا وَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ أَوْ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ يَنْتَظِرُ.

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ قُوَّةٌ فِي الْكَوْنِ أَعْظَمُ وَلَا أَكْبَرُ مِنْ قُوَّةِ اللَّهِ الْقَهَّارِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَيْسَ لِقُوَّةٍ فِي الْكَوْنِ مَهْمَا عَظُمَتْ أَنْ تَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ أَوْ تَمْنَعَهُ عِقَابَ مَنْ يَشَاءُ؛ (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)[الرَّعْدِ: 11]، بَلْ أَثْبَتَ كُورُونَا عَجْزَ الْبَشَرِيَّةِ جَمِيعِهَا بِكُلِّ قُدُرَاتِهَا.

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ، لَكِنَّهُ لَا يُهْمِلُ، وَيُمْلِي لَكِنَّهُ لَا يَغْفُلُ؛ بَلْ يَسْتَدْرِجُ الْمُجْرِمِينَ وَيُمْهِلُ الْمُسْتَكْبِرِينَ كَمَا يُتِيحُ الْفُرْصَةَ لِلْعَاصِينَ؛ وَهُوَ بِالْجَمِيعِ مُحِيطٌ يَرْصُدُ أَعْمَالَهُمْ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَتَى جَاءَ أَمْرُهُ فَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ؛ قَالَ اللَّهُ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[هُودٍ: 102].

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّهُ لَا كَاشِفَ لِلضُّرِّ وَلَا رَافِعَ لِلْبَلَاءِ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ بِيَدِهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الْأَنْعَامِ: 17]، وَأَنَّ كُلَّ الْخَلَائِقِ -مَجْمُوعِهَا وَأَفْرَادِهَا- مَتَى دَاهَمَهَا الْخَطْبُ وَانْقَطَعَتْ عَنْهَا أَسْبَابُ الْأَرْضِ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَهَا إِلَّا إِلَى الْخَالِقِ الْعَظِيمِ الْمُدَبِّرِ الْعَلِيمِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)[النَّحْلِ: 53].

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ الْفَسَادَ إِذَا انْتَشَرَ وَمَارَسَهُ الْبَشَرُ جِهَارًا وَاقْتَرَفُوا الْفَوَاحِشَ وَالْمُنْكَرَاتِ عَلَانِيَةً، فَإِنَّهُ لَنْ يَسْتَثْنِيَ أَحَدًا؛ فَيَكُونُ لِلْمُفْسِدِ عُقُوبَةً وَلِلْمُصْلِحِ مَثُوبَةً؛ (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)[الْأَنْفَالِ: 25]، وَفِي الْحَدِيثِ: “لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ؛ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا“(صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّهُ مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَمَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ؛ (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)[يُونُسَ : 98]؛ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ خَلْقَهُ وَهُمْ يَعْبُدُوهُ وَلَا لِيُعَاقِبَهُمْ وَهُمْ يَشْكُرُوهُ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)[النِّسَاءِ: 147]، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ…”(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِهِ؛ وَبَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ الدُّنْيَا لَا رَاحَةَ فِيهَا مُطْلَقَةٌ، وَلَا هَنَاءَ فِيهَا دَائِمٌ، وَمَنْ عَرَفَ حَقِيقَتَهَا وَأَدْرَكَ طَبِيعَتَهَا لَمْ يَسْتَغْرِبْ وُجُودَ الْبَلَاءِ وَالْعَنَاءِ فِيهَا، وَأَنَّ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)[النِّسَاءِ: 123].

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ نُزُولَ الْبَلَاءِ لَا يَعْنِي الِاسْتِسْلَامَ تَحْتَ مُسَوِّغِ الْيَقِينِ؛ بَلْ يَجِبُ -شَرْعًا وَعَقْلًا- دَفْعُهُ وَاتِّقَاؤُهُ، اسْتِجَابَةً لِقَوْلِهِ: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[الْبَقَرَةِ: 195]، كَمَا أَنَّ التَّدَاوِيَ لَا يُعَارِضُ التَّوَكُّلَ؛ وَأَنَّ بَذْلَ الْأَسْبَابِ مِمَّا أُمِرْنَا بِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ)[الشُّعَرَاءِ: 63]، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي تَرَكَ نَاقَتَهُ دُونَ عِقَالٍ مُتَّكِلًا عَلَى اللَّهِ: “اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ“.

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، وَمَصْلَحَةُ الْكُلِّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبَعْضِ، وَأَنَّ الْحَجْرَ الصِّحِّيَّ الَّذِي اتُّخِذَ مَعَ الْبَعْضِ خَشْيَةَ عَدْوَى الْكُلِّ، هُوَ احْتِرَامٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَعَمَلٌ بِهَا.

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الضَّرُورَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَيْهِ يَجُوزُ تَرْكُ الْمَأْمُورِ إِذَا كَانَ فِي فِعْلِهِ مَهْلَكَةٌ لِلنَّفْسِ، وَيُرْتَكَبُ الْمَحْظُورُ إِذَا كَانَ فِي فِعْلِهِ صِيَانَةٌ لَهَا؛ قَالَ الْحَكِيمُ: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[النَّحْلِ: 115]، وَفِي الْقَاعِدَةِ:

وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارِ *** وَلَا مُحَرَّمٌ مَعَ اضْطِرَارِ

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا أَهَمِّيَّةَ الْعَمَلِ بِقَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ إِذَا رَأَى أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ جَدْوَاهَا وَمَنْفَعَتَهَا، وَالْحَجْرُ الصِّحِّيُّ وَسِيلَةٌ وِقَائِيَّةٌ مُهِمَّةٌ لِلْحَدِّ مِنْ تَفَشِّي الْوَبَاءِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِمَا فِي الِاجْتِمَاعِ مِنْ ضَرَرٍ يَقِينِيٍّ وَمَهْلَكَةٍ مُحَقَّقَةٍ.

 

عَلَّمَنَا كُورُونَا قِيمَةَ التَّوَازُنِ فِي الْحَيَاةِ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَعِيشَ مَعَ بَلَاءِ كُورُونَا وَغَيْرِهِ بِقَلَقٍ وَهَوَسٍ وَلَا بِبُرُودٍ وَتَسَاهُلٍ؛ بَلْ نَتَعَامَلُ مَعَهُ كَأَيِّ قَدَرٍ مِنْ أَقْدَارِ اللَّهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَنَدْفَعُهُ مَا أَمْكَنَ دُونَ اسْتِسْلَامٍ، وَنَتَّخِذُ كُلَّ سُبُلِ الْوِقَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالطِّبِّيَّةِ؛ مَعَ يَقِينِنَا أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ كَانَ هَذَا الْجُنْدِيُّ نَذِيرَ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لِيُحَسِّنَ طَرِيقَكُمْ، وَرَسُولَهُ لِيُصْلِحَ نَوَايَاكُمْ وَيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ؛ فَعَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ أَنَّ هَذَا الْجُنْدِيَّ لَمْ يَأْتِ لِيُلْبِسَنَا قُفَّازَاتٍ وَكِمَامَاتٍ بَلْ جَاءَ لِيُلْبِسَنَا لِبَاسَ التَّقْوَى، لَمْ يَأْتِ لِيُمِيتَ أَرْوَاحَنَا بَلْ جَاءَ بِالْإِيمَانِ لِيُحْيِيَهَا، لَمْ يَأْتِ لِيَمْلَأَ حَيَاتَنَا هَمًّا وَغَمًّا بَلْ جَاءَ لِيَمْلَأَهَا سَعَادَةً وَطُمَأْنِينَةً وَرِضًى، لَمْ يَأْتِ لِيُقْعِدَنَا عَنْ مَعَايِشِنَا وَيَسْجُنَنَا فِي بُيُوتِنَا، بَلْ جَاءَ لِنُعَمِّرَهَا صَلَاةً وَذِكْرًا وَدُعَاءً وَتَرْبِيَةً وَلَا نَجْعَلُهَا قُبُورًا، جَاءَ لِيُنَقِّيَنَا مِنْ هَفَوَاتِ الْمَاضِي وَزَلَّاتِهِ لِنَسْتَقْبِلَ غَدًا مُشْرِقًا وَمُسْتَقْبَلًا مُبَارَكًا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: أَبْشِرُوا… الْبَلَاءُ سَيُرْفَعُ وَالدَّوَاءُ -بِإِذْنِ اللَّهِ- سَيَنْفَعُ، وَسَتَعُودُ الْحَيَاةُ إِلَى طَبِيعَتِهَا؛ لَكِنَّ السُّؤَالَ: هَلْ سَنَعُودُ إِلَى طَبِيعَتِنَا الْأُولَى أَمْ سَنَتَّخِذُ مِنْ كُورُونَا فُرْصَةً لِلرَّجْعَةِ وَمُهْلَةً لِلْعَوْدَةِ؟!.

 

أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْهَادِي الْبَشِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْوَبَاءَ وَالْبَلَاءَ وَالدَّاءَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَسَيِّئِ الْأَسْقَامِ.

اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا.

اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَوْبَةً قَبْلَ الْمَمَاتِ وَثَبَاتًا عِنْدَ الْمَمَاتِ.

اللَّهُمَّ ارْفَعِ الْغُمَّةَ عَنِ الْأُمَّةِ وَاشْفِ مَرْضَانَا وَعَافِ مُبْتَلَانَا.

 

الملفات المرفقة
(كورونا) وما نرسل بالآيات إلا تخويفا
عدد التحميل 312
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات