طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17696

كورونا

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب الأحداث العامة
تاريخ الخطبة : 1441/07/18
تاريخ النشر : 1441/07/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/لمحة تاريخية عن الوباء 2/كورونا: معلومات وحقائق 3/كورونا من منظور شرعي 4/كيف نقي أنفسنا من خطر كورونا (وقاية شرعية، ووقاية صحية) 5/علَّمنا كورونا.
اقتباس

الْبَشَرُ ضُعَفَاءُ عَاجِزُونَ جَاهِلُونَ أَمَامَ مَخْلُوقٍ لَا يُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ قَدْ فَعَلَ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، مَعَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُوَى وَالْقُدْرَاتِ وَالْعُقُولِ الْمُبْتَكِرَةِ وَالْخِبْرَاتِ الطِّبِّيَّةِ الْكَثِيرَةِ الْوَاسِعَةِ!؛ فَلَا تَتَكَبَّرْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى اللَّهِ مَهْمَا كَانَ لَدَيْكَ مِنْ وَسَائِلِ الْقُوَّةِ، بَلْ تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ، وَاعْرِفْ حَجْمَكَ الطَّبِيعِيَّ…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمٍ تَتْرَى، وَآلَاءٍ لَا أُدْرِكُ لَهَا حَصْرًا، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ الْأَوْفِيَاءِ، أَمَّا بَعْدُ:

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ-عِبَادَ اللَّهِ- كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)[الزُّمَرِ:16].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: رُعْبٌ كَبِيرٌ يَجْتَاحُ الْعَالَمَ، وَيَنْشُرُ فِي أَوْسَاطِ أَهْلِهِ الذُّعْرَ وَالْهَلَعَ، يَنْتَقِلُ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ وَأُسْرَةٍ لِأُخْرَى؛ بَلْ يَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، لَا يَعْرِفُ الْحُدُودَ، وَلَا يُؤْمِنُ بِضَوَابِطِ الِانْتِقَالِ الْقَانُونِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ، قَطَعَ مَسَافَاتٍ شَاسِعَةً مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ فِي وَقْتٍ قِيَاسِيٍّ، حَتَّى وَقَفَ الْعَالَمُ مَشْدُوهًا أَمَامَ آثَارِهِ، وَسُرْعَةِ انْتِقَالِهِ، وَبَقِيَ عَاجِزًا عَنْ تَحْوِيرِهِ وَعِلَاجِهِ، إِنَّهُ “كُورُونَا” فَزَعُ الْأَيَّامِ الْحَاضِرَةِ، فِي عَشَرَاتِ الدُّوَلِ الْمُعَاصِرَةِ؛ وَصَدَقَ الشَّاعِرُ حِينَ قَالَ:

أَضْحَى حَدِيثَ جَمِيعِ النَّاسِ كُورُونَا *** حَتَّى غَدَوْا فِي رُهَابٍ مِنْهُ يَشْكُونَا

سُقْمٌ تَفَشَّى وَيَسْرِي فِي مَوَاكِبِهِ *** دَاءٌ عُضَالٌ وَمَوْتَى مِنْهُ يَمْضُونَا

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ فَيْرُوسَ “كُورُونَا” وَبَاءٌ حَلَّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْبُلْدَانِ، كَمَا حَلَّ شَبِيهُهُ مِنَ الْأَوْبِئَةِ عَلَى الْبَشَرِ فِي تَارِيخِهِمُ الْمَاضِي؛ فَقَدْ مَرَّ النَّاسُ عَبْرَ حَيَاتِهِمُ الْمُمْتَدَّةِ بِأَوْبِئَةٍ وَطَوَاعِينَ قَضَتْ عَلَى عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ فِي أَوْقَاتٍ يَسِيرَةٍ؛ فَفِي تَارِيخِنَا الْإِسْلَامِيِّ حَصَلَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ طَاعُونٌ فِي الشَّامِ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: عَمْوَاسُ، وَمَاتَ بِسَبَبِهِ آلَافٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ: أَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

 

وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَقَعَ طَاعُونُ الْجَارِفِ بِالْبَصْرَةِ، فَهَلَكَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.

 

وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَعَ طَاعُونٌ بِأَرْضِ فَارِسَ مَاتَ بِسَبَبِهِ سَبْعَةُ آلَافِ إِنْسَانٍ.

 

وَتَحَدَّثَ الْمُؤَرِّخُونَ عَنْ أَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْوَبَاءِ وَالطَّاعُونِ الَّذِي كَانَ يُصِيبُ النَّاسَ بَيْنَ فَتْرَةٍ وَأُخْرَى؛ إِذًا فَلَيْسَ الْأَمْرُ-مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- بِجَدِيدٍ عَلَى حَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ يُصَابُوا بِفَيْرُوسَاتٍ وَأَوْبِئَةٍ تَفْتِكُ بِحَيَاةِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْهُمْ، بَلْ هُوَ سُقْمٌ يَنْتَابُ الْحَيَاةَ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ -تَعَالَى- مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ؛ فَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ بِيَدِهِ، تَتَعَدَّدُ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدٌ، وَمَنْ لَمْ يَلْقَ حَتْفَهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ فَسَيَلْقَاهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ، وَلَوْ تَأَمَّلْنَا فَقَطْ فِي حَوَادِثِ السَّيْرِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْعَالَمِ الْيَوْمَ فَإِنَّ نَتَائِجَهَا الْمُؤْلِمَةَ أَشَدُّ مِنْ نَتَائِجِ بَعْضِ الْأَوْبِئَةِ وَالْفَيْرُوسَاتِ، فَطِيبُوا نَفْسًا، وَقَرُّوا عَيْنًا، وَصَدَقَ اللَّهُ إِذْ يَقُولُ: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)[النِّسَاءِ: 78]

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: “كُورُونَا” اسْمٌ مُفْزِعٌ ظَهَرَ بَيْنَ النَّاسِ الْيَوْمَ وَاجْتَاحَ مِسَاحَةً جُغْرَافِيَّةً وَاسِعَةً ابْتِدَاءً مِنَ الصِّينِ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الِاتِّسَاعِ فِي نَوَاحٍ عِدَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ. وَهَذَا الْفَيْرُوسُ -كَمَا تُتَابِعُونَ- أَوْدَى بِحَيَاةِ مِئَاتِ النُّفُوسِ، وَأَصَابَ آلَافًا أُخْرَى، كَمَا أَدَّى إِلَى رُكُودٍ اقْتِصَادِيٍّ كَبِيرٍ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا، أَوِ الَّتِي تَتَخَوَّفُ قُرْبَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا، وَعَطَّلَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ مُزَاوَلَةِ أَعْمَالِهِمْ وَنَشَاطَاتِهِمْ وَهِوَايَاتِهِمْ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي بَوْتَقَةِ رُعْبٍ وَقَلَقٍ، وَأَضْحَوْا يَتَرَقَّبُونَ بِكُلِّ تَلَهُّفٍ انْتِهَاءَ زَمَنِ هَذَا الشَّبَحِ الْمُخِيفِ.

 

وَلَقَدْ رَأَيْتُمْ دَهْشَةَ عُلَمَاءِ الطِّبِّ وَحَيْرَتَهُمْ أَمَامَ هَذَا الْفَيْرُوسِ الْغَامِضِ الَّذِي لَمْ يَجِدُوا -إِلَى الْآنِ- الدَّوَاءَ الْفَعَّالَ لِعِلَاجِهِ أَوْ مَنْعِ تَفَشِّيهِ، فَقَطْ “تُوجَدُ عِلَاجَاتٌ قَيْدَ الِاسْتِقْصَاءِ، مِنْ خِلَالِ تَجَارِبَ عَنْ طَرِيقِ الْمُلَاحَظَةِ وَتَجَارِبَ سَرِيرِيَّةٍ يَخْضَعُ لَهَا الْمَرْضَى الْمُصَابُونَ بِفَيْرُوسِ “كُورُونَا” الْمُسَبِّبِ لِمُتَلَازِمَةِ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ التَّنَفُّسِيَّةِ”.

 

إِنَّ هَذَا الْفَيْرُوسَ -كَمَا تَذْكُرُ بَعْضُ الْمُنَظَّمَاتِ-كَانَ قَدْ ظَهَرَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، وَقَدْ أَعْرَبَتْ “مُنَظَّمَةُ الصِّحَّةِ الْعَالَمِيَّةُ عَنْ حَيْرَتِهَا بِشَأْنِ هَذَا الْفَيْرُوسِ الْجَدِيدِ وَنِطَاقِ انْتِشَارِهِ فِي بَيَانٍ صَحَفِيٍّ صَادِرٍ فِي 12 مَايُو لِعَامِ 2013م”، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا الِانْتِشَارِ السَّرِيعِ، حَتَّى يَغْدُوَ ظَاهِرَةً عَالَمِيَّةً.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَدِ اخْتَارَ لَنَا دِينَ الْإِسْلَامِ دِينًا شَامِلًا لِكُلِّ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ وَجَمِيعِ شُؤُونِهَا الْمُتَجَدِّدَةِ، وَعَلَيْهِ نَعْرِضُ أَحْدَاثَ حَيَاتِنَا فَنَجِدُ الْحُلُولَ النَّافِعَةَ وَالتَّعَامُلَ الْمُنَاسِبَ مَعَ شُؤُونِهِ. وَكُورُونَا مِنَ الْمَنْظُورِ الشَّرْعِيِّ مَرَضٌ وَبَائِيٌّ شَبِيهٌ بِالطَّاعُونِ فِي كَثْرَةِ ضَحَايَاهُ، وَلِلْإِسْلَامِ حَدِيثٌ عَنْ وَاجِبِ الْمُسْلِمِ فِي مُوَاجَهَةِ مِثْلِ هَذِهِ الِابْتِلَاءَاتِ وَالْأَسَالِيبِ الْوِقَائِيَّةِ مِنْهَا؛ فَمِنْ ذَلِكَ:

أَنْ يَعْلَمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْوُجُودِ إِنَّمَا هُوَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ؛ فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمِنْ ذَلِكَ حُصُولُ الْمَكَارِهِ كَالْأَمْرَاضِ وَأَسْبَابِ الْمَوْتِ، قَالَ تَعَالَى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا)[الْحَدِيدِ:22]، وَأَنَّ تِلْكَ الْمَكْرُوهَاتِ الْمُقَدَّرَةَ عَلَى الْإِنْسَانِ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ -تَعَالَى- لِعِبَادِهِ؛ لِيَبْلُوَ أَخْبَارَ عِبَادِهِ فَيَعْلَمَ الصَّابِرَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِهِ.

 

وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلَمَ الْمُسْلِمَ -فِي نَازِلَةِ “كُورُونَا” وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَكَارِهِ- أَنَّهُ لَا كَاشِفَ لِضُرِّهِ وَلَا لِخَوْفِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَعَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ كَشْفَ مَا أَصَابَهُ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الْأَنْعَامِ:17].

 

كَمَا أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَيْضًا -مَعَ سُؤَالِهِ رَبَّهُ وَتَوَجُّهِهِ إِلَيْهِ فِي كَشْفِ ضُرِّهِ-: أَنْ يَتَدَاوَى بِالدَّوَاءِ الْمُبَاحِ وَيَسْعَى إِلَى تَحْصِيلِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ مُدَافَعَةِ الْقَدَرِ بِالْقَدَرِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَالْمُبَاحَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ:

الْتِزَامُ الْحَجْرِ الصِّحِّيِّ الَّذِي جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ: عَدَمُ الذَّهَابِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الدَّاءُ حِفْظًا لِلسَّلَامَةِ، وَعَدَمُ الِانْتِقَالِ مِنْ أَرْضِ الْمَرَضِ إِلَى غَيْرِهَا حَتَّى لَا تَنْتَقِلَ الْعَدْوَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ وَسَائِلِ الْوِقَايَةِ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَأَذْكَارِ النَّوْمِ وَالِاسْتِيقَاظِ مِنْهُ، وَأْذَكَارِ دَفْعِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّرِّ. وَكَثْرَةُ دُعَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى- بِالْحِمَايَةِ مِنْ هَذَا الْوَبَاءِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَخَاصَّةً الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

 

وَأَمَّا الْوِقَايَةُ الصِّحِّيَّةُ؛ فَقُوا أَنْفُسَكُمْ -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ بِالصَّابُونِ جَيِّدًا، فَبِإِمْكَانِ الصَّابُونِ قَتْلُ الْفَيْرُوسَاتِ، وَبِتَغْطِيَةِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ عِنْدَ الْعَطْسِ أَوِ السُّعَالِ، وَغَسْلِ الْيَدَيْنِ بَعْدَهَا لِمَنْعِ انْتِشَارِ الْفَيْرُوسِ.

 

وَتَجَنُّبِ لَمْسِ الْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ حَالَ مُلَامَسَةِ الْيَدِ لِسَطْحٍ يُرَجَّحُ وُجُودُ الْفَيْرُوسِ عَلَيْهِ؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ الْفَيْرُوسُ إِلَى الْجِسْمِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَعَدَمِ الِاقْتِرَابِ مِنَ الْمُصَابِينَ بِالسُّعَالِ أَوِ الْعَطْسِ أَوِ الْحُمَّى.

 

وَتَجَنُّبِ مُلَامَسَةِ أَيِّ شَخْصٍ مُصَابٍ بِأَعْرَاضِ زُكَامٍ أَوْ تُشْبِهُ الْأَنْفَلْوَنْزَا بِدُونِ وِقَايَةٍ، وَالْتِمَاسِ الرِّعَايَةِ الطِّبِّيَّةِ فِي حَالِ الْإِصَابَةِ بِحُمَّى وَسُعَالٍ وَصُعُوبَةٍ فِي التَّنَفُّسِ. هَكَذَا ذَكَرَ أَهْلُ الطِّبِّ وَالرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: جَاءَ عَنْ رَسُولِنَا الْكَرِيمِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ تَتَحَدَّثُ عَنِ الطَّاعُونِ -وَكُورُونَا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِهِ-، فَمِنْ ذَلِكَ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَخْبَرَ أَنَّ الطَّاعُونَ شَهَادَةٌ لِلْمُسْلِمِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَنَرْجُو لِمَنْ مَاتَ بِكُورُونَا -وَهُوَ مُسْلِمٌ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ- أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ شَهَادَةً.

 

وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ رَحْمَةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَصْبِرَ وَيَمْكُثَ فِي بَلَدِهِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ وَيَحْتَسِبَ ذَلِكَ، وَلَهُ بِذَلِكَ أَجْرُ شَهِيدٍ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي “أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ عَلَّمَنَا فَيْرُوسُ كُورُونَا دُرُوسًا كَثِيرَةً، عَلَيْنَا أَنْ نَعِيَهَا جَيِّدًا؛ فَمِنْ تِلْكَ الدُّرُوسِ:

بَيَانُ أَنَّ الْبَشَرَ ضُعَفَاءُ عَاجِزُونَ جَاهِلُونَ أَمَامَ مَخْلُوقٍ لَا يُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ قَدْ فَعَلَ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، مَعَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُوَى وَالْقُدْرَاتِ وَالْعُقُولِ الْمُبْتَكِرَةِ وَالْخِبْرَاتِ الطِّبِّيَّةِ الْكَثِيرَةِ الْوَاسِعَةِ!؛ فَلَا تَتَكَبَّرْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى اللَّهِ مَهْمَا كَانَ لَدَيْكَ مِنْ وَسَائِلِ الْقُوَّةِ، بَلْ تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ، وَاعْرِفْ حَجْمَكَ الطَّبِيعِيَّ.

 

وَعَلَّمَنَا “كُورُونَا” أَنَّ الذُّنُوبَ دَمَارُ الشُّعُوبِ؛ فَهَذَا الْوَبَاءُ مِنْ أَسْبَابِهِ مَعَاصِي بَنِي آدَمَ بِلَا رَيْبٍ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[الشُّورَى:30]، وَعَلَّمَنَا كُورُونَا أَنَّ خَوْفَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى دُنْيَاهُمْ أَعْظَمُ مِنْ خَوْفِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَأَنَّ ذُعْرَهُمْ مِنْ مَرَضٍ وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ ذُعْرِهِمْ مِنْ عِصْيَانِ رَبِّهِمْ، وَعَلَّمَنَا أَيْضًا: أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ عَظِيمَةٌ، فَلَوْ رَفَعَ عَنْهُمْ جُزْءًا مِنْهَا لَهَلَكُوا؛ أَلَا فَلْنَسْتَدِمْ رَحْمَةَ اللَّهِ بِلُزُومِ حُدُودِهِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: ثِقُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ، وَعَلِّقُوا بِهِ قُلُوبَكُمْ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ دَوَامَ طَاعَتِكُمْ هِيَ أَعْظَمُ وَسِيلَةٍ لِوِقَايَتِكُمْ، وَاصْنَعُوا مِنَ الْوَسَائِلِ الْمَشْرُوعَةِ لِلْحِمَايَةِ مَا تَسْتَطِيعُهُ قُدْرَاتُكُمْ، وَسَكِّنُوا أَفْئِدَتَكُمْ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَأَزِيحُوا عَنْهَا وَارِدَاتِ التَّخْوِيفِ الْكَثِيرَةَ، وَأَيْقِنُوا أَنَّ “كُورُونَا” سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَنْقَشِعُ، وَسَيَمْضِي كَمَا مَضَى غَيْرُهُ مِنَ الْفَيْرُوسَاتِ، فَطُوبَى لِلْمُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ، وَبُشْرَاهُمْ يَوْمَ لِقَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

نَسْأَلُ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يَرْحَمَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا بِهَذَا الْوَبَاءِ، وَأَنْ يَشْفِيَ الْمَرْضَى، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا وَعَنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا الْوَبَاءَ؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْوَبَاءَ، وَادْفَعْ عَنَّا شُرُورَ الْبَلَاءِ، وَامْنُنْ عَلَيْنَا بِدَوَامِ الْعَافِيَةِ وَالشِّفَاءِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ:٥٦].

 

 

الملفات المرفقة
كورونا
عدد التحميل 41
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات