طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17693

التربية الأسرية في القرآن والسنة النبوية

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/02/10
تاريخ النشر : 1441/07/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/حقيقة التربية الأسرية في القرآن والسنة 2/اهتمام القرآن والسنة بتربية الأسرة 3/نماذج مشرقة من التربية الأسرية.
اقتباس

تَحَدَّثَ الْقُرْآنُ فِي حَقِيقَةِ الْأُسْرَةِ: أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَيَاتِيَّةٌ، تَقُومُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ؛ فَلَا هَضْمَ وَلَا ظُلْمَ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هَلْ تُرِيدُونَ مَنْهَلًا عَذْبًا لَا يَنْضَبُ مَعِينُهُ، وَمَوْرِدًا صَافِيًا لَا يَتَكَدَّرُ مَاؤُهُ، تَرِدُونَهُ لِتَسْتَقُوا مِنْهُ فُرَاتًا تُصْلِحُونَ بِهِ أُسَرَكُمْ، وَتُرْوُونَ بِخَيْرِهِ بُيُوتَكُمْ، وَلَا تَجِدُونَ مَعَهُ إِذَا تَضَلَّعْتُمْ مِنْهُ ظَمَأً لِغَيْرِهِ؟

 

إِذَا أَرَدْتُمْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَالسُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الشَّرِيفَةَ هُمَا الْمَوْرِدُ الْعَذْبُ لِاسْتِقَاءِ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْأُسْرَةِ، وَعَوَامِلُ بِنَائِهَا بِنَاءً دِينِيًّا وَدُنْيَوِيًّا سَلِيمًا؛ فَهَيَّا بِنَا الْيَوْمَ -عِبَادَ اللهِ- لِنَقِفَ لَحَظَاتٍ يَسِيرَةً، نَتَأَمَّلُ فِيهَا كَيْفَ كَانَ حَدِيثُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَنْ تَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ تَرْبِيَةً صَحِيحَةً؟

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ تَحَدَّثَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَنِ الْأُسْرَةِ حَدِيثًا شَيِّقًا مِنْ عِدَّةِ نَوَاحٍ، وَمِنْ ذَلِكَ:

بَيَانُهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْأُسْرَةِ تَنْشَأُ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اللَّذَيْنِ جَاءَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، قَالَ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا)[النساء:1].

 

فَيَا أَيُّهَا الزَّوْجُ: أَحْسِنْ إِلَى زَوْجَتِكَ؛ فَإِنَّهَا جُزْءٌ مِنْكَ، وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَسْعَى الْجَسَدُ فِي ضُرِّ بَعْضِ أَعْضَائِهِ؟! وَنَقُولُ لِكُلِّ زَوْجَةٍ: لَا تُسِيئِي إِلَى زَوْجِكِ؛ فَأَنْتُمَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ أَصْلُكِ وَأَنْتِ فَرْعُهُ.

 

وَبَيَّنَ الْقُرْآنُ -أَيْضًا- أَنَّ الْأُسْرَةَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا السُّكُونُ وَالْحُبُّ وَالرَّأْفَةُ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم:21].

 

فَلِلَّهِ كَمْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ مَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ جَعَلَهُمَا اللهُ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الْعَلَاقَةِ الْوَثِيقَةِ! بَلْ تَمْتَدُّ فُرُوعُ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الْأَوْلَادِ؛ فَفِي الْأُسْرَةِ يَجِدُ الْأَوْلَادُ الرَّاحَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَيَنْعَمُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ مُنْذُ الصِّغَرِ فِي ظِلِّ الْوَالِدَيْنِ؛ مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا إِلَى لِينِ جَانِبِ الْأَوْلَادِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُمَا بِتَذَلُّلٍ وَخُضُوعٍ، وَالدُّعَاءِ لَهُمَا بِالرَّحْمَةِ؛ لِإِحْسَانِهِمَا فِي تَرْبِيَتِهِمْ فِي الصِّغَرِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَإِنَّنَا نَجِدُ حَدِيثَهَا عَنْ حَقِيقَةِ الْأُسْرَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ أَصْلٌ لِلْمَرْأَةِ، وَهَذَا يُوجِبُ مَيْلَ الْمَرْأَةِ إِلَيْهِ بِالْفِطْرَةِ، وَحُبَّهَا لَهُ، وَيَسْتَدْعِي مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ الْعَطْفَ وَالرَّحْمَةَ عَلَيْهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ؛ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَهَذاَ: “فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا يَقُولُهُ الْفُقَهَاءُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زوجها)”(شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ).

 

كَمَا “فِيهِ الْإِرْشَادُ إلَى مُلَاطَفَةِ النِّسَاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا لَا يَسْتَقِيمُ مِنْ أَخْلَاقِهِنَّ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُنَّ خُلِقْنَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي لَا يُفِيدُ مَعَهَا التَّأْدِيبُ، أَوْ يَنْجَحُ عِنْدَهَا النُّصْحُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الصَّبْرُ وَالْمُحَاسَنَةُ، وَتَرْكُ التَّأْنِيبِ وَالْمُخَاشَنَةِ“(نَيْلُ الْأَوْطَارِ).

 

وَتَحَدَّثَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ كَذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةِ الْأُسْرَةِ النَّاجِحَةِ، بِأَنَّهَا الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا زَوْجَةٌ صَالِحَةٌ؛ فَبِهَا يَسْعَدُ الزَّوْجُ وَالْأَوْلَادُ، وَيَعْمُرُ الْبَيْتُ بِالْخَيْرِ وَالْعَطَاءِ.

قَالَ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ“(رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ).

 

فَانْظُرُوا -رَعَاكُمُ اللهُ- وَتَأَمَّلُوا أَنَّ مِنْ مِنَابِعِ السَّعَادَةِ: صَلَاحَ الزَّوْجَةِ؛ فَاسْعَوْا إِلَى إِصْلَاحِ الزَّوْجَاتِ بِالتَّقْوَى وَالْهُدَى؛ حَتَّى تُسْعِدُوا أَنْفُسَكُمْ وَتُسْعِدُوهُنَّ، وَلْتَحْرِصْ كَذَلِكَ الزَّوْجَةُ -الَّتِي تُرِيدُ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً- عَلَى أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً؛ حَتَّى تُسْعِدَ زَوْجَهَا فَتَسْعَدَ بِسَعَادَتِهِ.

 

عِبَادَ اللهِ: مَنْ نَظَرَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَ اهْتِمَامَهُمَا بِالْأُسْرَةِ اهْتِمَامًا كَبِيرًا مِنْ نَاحِيَةِ تَرْبِيَتِهَا وَتَقْوِيمِهَا، وَفَتْحِ السُّبُلِ الَّتِي تُسْعِدُهَا، وَإِغْلَاقِ الطُّرُقِ الَّتِي تُشْقِيهَا.

 

فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ نَجِدُ أَنَّهُ يُوكِلُ الْقِيَادَةَ فِي الْأُسْرَةِ إِلَى الرَّجُلِ؛ لِكَوْنِهِ الْأَجْدَرَ بِتِلْكَ الْمُهِمَّةِ الْكَبِيرَةِ؛ لِقُوَّتِهِ وَحَزْمِهِ، وَكَمَالِ عَقْلِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ، وَإِنْفَاقِهِ، قَالَ -تَعَالَى-: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[النساء:34].

وَهَذَا يُرَبِّي الْأُسْرَةَ عَلَى النِّظَامِ الَّذِي يُسَاعِدُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ، وَاسْتِمْرَارِهَا وَسَعَادَتِهَا.

 

وَمِنِ اهْتِمَامِ الْقُرْآنِ بِتَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ كَذَلِكَ: أَنَّهُ أَمَرَ الرَّجُلَ بِالنَّفَقَةِ؛ لِكَوْنِهِ الْمُدِيرَ لِهَذِهِ الشَّرِكَةِ الصَّغِيرَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ بَيَّنَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُكَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ فَوْقَ طَاقَتِهِ، بَلْ عَلَى قَدْرِ سَعَتِهِ، قَالَ -تَعَالَى-: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)[الطلاق:7].

 

وَهَذِهِ التَّرْبِيَةُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ تُورِثُ الْأُسْرَةَ الِاتِّفَاقَ وَالِاسْتِقْرَارَ؛ بِحَيْثُ لَا تُطَالِبُ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا بِكَثْرَةِ نَفَقَةٍ يَعْجَزُ الزَّوْجُ عَنْهَا، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَكَدُّرِ الْعَلَاقَةِ، وَرُبَّمَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ بِالطَّلَاقِ.

 

وَمِنِ اهْتِمَامِ الْقُرْآنِ بِتَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ كَذَلِكَ: أَنَّهُ حَثَّهَا عَلَى تَقْوَى اللهِ -تَعَالَى-؛ لِأَنَّ التَّقْوَى هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي إِذَا تَمَسَّكَتْ بِهَا الْأُسْرَةُ سَعِدَتْ وَاسْتَقَرَّتْ، وَنُلَاحِظُ هَذَا وَاضِحًا فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- كَرَّرَ ذِكْرَ التَّقْوَى وَبَيَّنَ ثَمَرَاتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَحِينَمَا ذَكَرَ آيَةَ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ ذَيَّلَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)[الطلاق:2-3]، وَلَمَّا ذَكَرَ آيَةَ عِدَّةِ الْيَائِسَاتِ وَالصَّغِيرَاتِ وَذَوَاتِ الْأَحْمَالِ أَعْقَبَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)[الطلاق:4]. وَعِنْدَمَا خَتَمَ الْحَدِيثَ عَنِ الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ قَالَ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاق:5].

 

أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ-؛ فَمَا أَسْعَدَ بُيُوتًا عُمِرَتْ بِالتَّقْوَى!

 

وَمِنِ اهْتِمَامِ الْقُرْآنِ بِتَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ -أَيْضًا-: أَنَّهُ أَمَرَ الْأَزْوَاجَ بِحُسْنِ مُصَاحَبَةِ الزَّوْجَاتِ صُحْبَةً مَبْنِيَّةً عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالتَّكْرِيمِ؛ فَإِنْ بَدَا مِنْهُنَّ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ يُحْتَمَلُ أَمَرَهُمُ الْقُرْآنُ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَعَسَى أَنْ يَعْقُبَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النساء: 19]. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ إِذَا قَامَ فِي الزَّوْجِ سَعِدَتِ الْأُسْرَةُ بِهِ أَعْظَمَ سَعَادَةٍ.

 

مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى سُنَّةِ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَاهْتِمَامِهَا بِتَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ؛ فَسَنُلَاحِظُ ذَلِكَ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:

تَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ مِنْ أَعْمَارِهِمْ؛ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَهَذَا الِاهْتِمَامُ مُنْذُ الصِّغَرِ بِالصَّلَاةِ يُعِينُهُمْ عَلَى إِلْفِهَا وَقْتَ الْكِبَرِ؛ فَيَبْنُونَ أُسَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

 

فَهَلْ نَحْنُ الْيَوْمَ -أَيُّهَا الْفُضَلَاءُ- نَحْرِصُ عَلَى تَرْبِيَةِ أَوْلَادِنَا عَلَى الصَّلَاةِ، أَمْ أَنَّنَا نَحْرِصُ عَلَى شُؤُونِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَنَغْفُلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الْمُهِمَّةَ؟!

 

وَمِنِ اهْتِمَامِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ بِتَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ: أَنَّهَا أَمَرَتِ الزَّوْجَةَ بِطَاعَةِ الزَّوْجِ وَتَلْبِيَةِ حَاجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهَا: “أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟” قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: “فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؟” قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: “انْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ). فَمَا أَعْظَمَ هَذِهِ الطَّاعَةَ لِلزَّوْجِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ!

 

وَمِنِ اهْتِمَامِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ بِتَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ: أَنَّهَا أَمَرَتِ الزَّوْجَ بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ زَوْجَتِهِ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ).

 

فَاللهَ اللهَ -عِبَادَ اللهِ- فِي الْعَمَلِ دَاخِلَ أُسَرِنَا بِهَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

 

نَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَنْ يُعِينَنَا عَلَى إِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا، وَإِصْلَاحِ أُسَرِنَا بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هُنَاكَ نَمَاذِجُ فَذَّةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فِي قَصَصِهَا هِدَايَاتٌ مُشْرِقَةٌ فِي تَرْبِيَةِ الْأُسْرَةِ، وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَمْثِلَةِ فِي الْقُرْآنِ: قِصَّةُ لُقْمَانَ مَعَ ابْنِهِ؛ حَيْثُ رَبَّاهُ تَرْبِيَةً صَالِحَةً، وَدَعَاهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالتَّحَلِّي بِالْآدَابِ السَّلِيمَةِ؛ فَقَدْ أَمَرَهُ بِتَوْحِيدِ اللهِ، وَنَهَاهُ عَنِ الشِّرْكِ، وَأَمَرَهُ بِشُكْرِ اللهِ وَشُكْرِ الْوَالِدَيْنِ وَطَاعَتِهمَا، وَأَمَرَهُ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَهُ فِي طَرِيقِهَا.

 

كَمَا نَهَاهُ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ؛ كَالْإِعْرَاضِ عَنِ النَّاسِ، وَالتَّكَبُّرِ فِي الْمَشْيِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. قَالَ -تَعَالَى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)[لقمان:13-19]؛ فَهَذِهِ وَصَايَا جَامِعَةٌ نَافِعَةٌ فِي إِصْلَاحِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ، حَرِيٌّ بِنَا أَنْ نُرَبِّي أَوْلَادَنَا عَلَيْهَا.

 

وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَالنَّمُوذَجُ الْمُشْرِقُ هُوَ فِي رَسُولِ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الَّذِي كَانَتْ حَيَاتُهُ الْأُسَرِيَّةُ الْمِثَالَ الْأَعْلَى لِتَمَثُّلِ الْإِسْلَامِ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْمُسْلِمِ، وَمِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ: مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي قِصَّةِ النِّسَاءِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ الَّلاتِي تَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَلَّا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا.. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِعَائِشَةَ: “كُنْتِ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ“، بَلْ إِنَّهُ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْضَلُ مِنْ أَبِي زَرْعٍ -بِلَا شَكٍّ- فِي مُعَامَلَتِهِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ تَقْرِيبَ الْأَمْرِ لَهَا، وَتَطْيِيبَ خَاطِرِهَا بِذَلِكَ.

 

فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِذَا أَرَدْنَا أَنْ تَكُونَ لَنَا أُسَرٌ صَالِحَةٌ، نَعِيشُ فِيهَا تَحْتَ ظِلَالِ السَّعَادَةِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَتَأَمَّلَ فِي نُصُوصِهِمَا وَأَخْبَارِهِمَا، وَنَقْتَبِسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْوَارَ هِدَايَةٍ تُضِيءُ لَنَا طَرِيقَ تَرْبِيَةِ أُسَرِنَا تَرْبِيَةً مُسْتَقِيمَةً، وَتُعِينُنَا عَلَى إِنْشَائِهَا تَنْشِئَةً سَلِيمَةً.

 

فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الْوَحْيَيْنِ مَصْدَرَهُ الَّذِي يُرَبِّي عَلَيْهِ أُسْرَتَهُ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْحَيَاةَ الْغَرْبِيَّةَ مَرْجَعَهُ فِي إِصْلَاحِ بَيْتِهِ الْمُسْلِمِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَشَرِ: (إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب:٥٦].

 

 

الملفات المرفقة
التربية الأسرية في القرآن والسنة النبوية
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات