طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17690

الحث على الزواج

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/02/10
تاريخ النشر : 1441/07/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الحث على الزواج وترغيب الشرع فيه 2/تحريم الامتناع عن الزواج لغير عذر 3/مقاصد الزواج ومنافعه 4/ظاهرة العزوف عن الزواج أسبابها وعلاجها.
اقتباس

إِنَّ الْعُزُوفَ عَنِ الزَّوَاجِ وَكَثْرَةَ الْعَوَانِسِ أَصْبَحَ ظَاهِرَةً تُهَدِّدُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمَةَ فِي قِيَمِهَا وَأَخْلَاقِهَا، وَمَهْمَا تَكُنِ الْأَسْبَابُ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى هَذِهِ الظَّاهِرَةِ فَهِيَ عَقَبَاتٌ وَعَرَاقِيلُ، فَرَضَتْهَا الْعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ الْمُجَانِبَةُ لِلشَّرْعِ؛ غَلَاءٌ فِي الْمُهُورِ، وَتَكَالِيفُ بَاهِظَةٌ، وَإِسْرَافٌ فِي الْوَلَائِمِ، وَمَرَاسِيمُ مُعَقَّدَةٌ، مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.

الْخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ أَنَّ تَشْرِيعَاتِهِ شَامِلَةٌ لِحَاجَاتِ الْإِنْسَانِ الْفِطْرِيَّةِ، تُشْبِعُ رُوحَهُ وَجَسَدَهُ، فَلَمْ يُهْمِلِ الشَّرْعُ غَرَائِزَ الْإِنْسَانِ، بَلْ جَعَلَ لَهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالتَّشْرِيعَاتِ مَا يُهَذِّبُهَا، وَيَرْقَى بِهَا عَنِ الْحَيَوَانِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، إِلَى أَنْ تَكُونَ عَوْنًا لِرُوحِهِ فِي سَيْرِهَا إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَمِنْ ذَلِكَ غَرِيزَةُ الشَّهْوَةِ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْجِنْسِ الْآخَرِ، فَقَدْ أَبَاحَ الْإِسْلَامُ النِّكَاحَ وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَخِصَالِ الْمُتَّقِينَ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا)[الرعد: 38]، وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)[الفرقان: 74].

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الزَّوَاجَ مِنْ آيَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَى حِكْمَتِهِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21]، وَهُوَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ امْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً)[النحل: 72]، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى وَهْمِ الْخَوْفِ مِنَ الْفَقْرِ وَأَعْبَاءِ وَتَكَالِيفِ الزَّوَاجِ، بَلْ وَعَدَ الْمُتَزَوِّجَ بِالْغِنَى مِنْ وَاسِعِ فَضْلِهِ الْكَرِيمِ؛ فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32]، وَأَبَاحَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)[النساء: 3]؛ “يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْجَوْرَ وَالظُّلْمَ، وَوَثِقَ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِنَّ، فَإِنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَةٍ”(تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ).

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَلَقَدْ رَغَّبَ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الزَّوَاجِ، وَحَثَّ الشَّبَابَ عَلَيْهِ؛ فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَبَيَّنَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّ تَرْكَ الزَّوَاجِ وَلَوْ كَانَ لِأَجْلِ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا؛ فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: “أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؛ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: “وَالرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ: الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ: مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِيِ؛ فَلَيْسَ مِنِّي”(فَتْحُ الْبَارِي)، وَفِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ “مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ لَا رَهْبَانِيَّةَ فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهُ رَاغِبًا عَنْ سُنَنِ النَّبِيِّ فَهُوَ مَذْمُومٌ مُبْتَدِعٌ“(عُمْدَةُ الْقَارِي).

 

بَلْ وَجَعَلَ الشَّرْعُ إِتْيَانَ الزَّوْجَةِ عِبَادَةً وَطَاعَةً يُؤْجَرُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ قَضَاءُ شَهْوَتِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ“، قَالُوا: يَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ فِيهَا لَهُ أَجْرٌ؟! قَالَ: “أَفَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهُ فِي حَرَامٍ، هَلْ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟” قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: “فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَنْكَرَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى النَّصَارَى تَرْكَ النِّكَاحِ بِدَعْوَى الرَّهْبَانِيَّةِ وَالِانْقِطَاعِ لِلْعِبَادَةِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)[الحديد: 27] قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: “وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْمَشَقَّاتِ، فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالنِّكَاحِ”.

 

وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: “كَالَّذِي فَعَلَهُ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ؛ فَحَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ وَالْمَطَاعِمَ الطَّيِّبَةَ، وَالْمَشَارِبَ اللَّذِيذَةَ، وَحَبَسَ بَعْضُهُمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَاِمِعِ، يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ-: فَلَا تَفْعَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ”، وَهَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ مُخَالِفَةٌ لِفِطْرَةِ اللهِ، وَلِسُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تَزَوَّجُوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى“(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَلَقَدْ أَدْرَكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ؛ فَعَلِمُوا مَكَانَةَ الزَّوَاجِ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: “لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إِلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ؛ لَتَزَوَّجْتُ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَلْقَى اللهَ عَزَبًا“، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: “لَا يَتِمُّ نُسُكُ النَّاسِكِ حَتَّى يَتَزَوَّجَ“، وَيَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: “لَيْسَتِ الْعُزُوبَةُ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ“.

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: إِنَّمَا حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى الزَّوَاجِ؛ لِمَا يُحَقِّقُهُ مِنْ مَقَاصِدَ كَرِيمَةٍ، وَمَنَافِعَ جَلِيلَةٍ؛ فَمِنْ ذَلِكَ:

أَنَّ فِيهِ رَاحَةً نَفْسِيَّةً لِلزَّوْجَيْنِ؛ لِمَا يُحَقِّقُهُ لَهُمَا مِنِ اسْتِقْرَارٍ عَاطِفِيٍّ، بِحُصُولِ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَهُمَا؛ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفْضِي إِلَى الْآخَرِ، فَيَنْسَى هُمُومَهُ وَأَحْزَانَهُ، وَيَلْجَأُ إِلَى شَرِيكِهِ مُسْتَعِينًا بِهِ حَالَ شِدَّتِهِ وَقَلَقِهِ، وَالنَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عَادَ مَرْعُوبًا إِلَى زَوْجِهِ خَدِيجَةَ؛ فَهَدَّأَتْ مِنْ رَوْعِهِ، وَسَكَّنَتْ مِنْ قَلَقِهِ، وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ بَيَّنَ مَنَافِعَ الزَّوَاجِ مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم:21].

 

وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَحْصِينٌ لِلْفَرْجِ؛ فَالشَّهْوَةُ غَرِيزَةٌ فِي الْإِنْسَانِ، إِنْ لَمْ يَصْرِفْهَا فِي الْحَلَالِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَحَصَلَ الْفَسَادُ الْأَخْلَاقِيُّ، وَشَاعَتِ الْفَوَاحِشُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ؛ تَكْنُ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَوَاقِعُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْيَوْمَ شَاهِدٌ عَلَى انْتِشَارِ الْفَوَاحِشِ وَالزِّنَا؛ بِسَبَبِ مَا وُضِعَ مِنْ عَقَبَاتٍ فِي طَرِيقِ الزَّوَاجِ.

 

وَمِنْ مَنَافِعِهِ: أَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِغَضِّ الْبَصَرِ عَنِ الْحَرَامِ، وَكَفَى بِهِ ثَمَرَةً خَاصَّةً فِي زَمَانِنَا هَذَا؛ فَالْفِتْنَةُ بِالنِّسَاءِ أَعْظَمُ؛ لِانْتِشَارِ الصُّوَرِ الْخَلِيعَةِ، وَالْأَفْلَامِ الْمَاجِنَةِ، وَتَزْيِينِ الرَّذِيلَةِ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِالزَّوَاجِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: “فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ تَكْثِيرًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَتَتَحَقَّقُ الْمُبَاهَاةُ بِكَثْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

وَمِنْهَا: الْتِمَاسُ الْأَجْرِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَغَضُّ الْبَصَرِ، وَتَحْصِينُ الْفَرْجِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ“، وَذَكَرَ مِنْهَا: “وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ“(رَوَاهُ الشَّيْخَانِ)، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِك“(رَوَاهُ مُسْلِم).

 

وَمِنْ مَنَافِعِهِ: الرِّزْقُ بِالذُّرِّيَّةِ، زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، الَّذِينَ يَكُونُونَ عَوْنًا لِوَالِدِيهِمْ، خَاصَّةً عِنْدَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ، وَحَتَّى بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِمْ يَسْتَمِرُّ النَّفْعُ بِهِمْ، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَمِنْهَا: حِفْظُ الْأَنْسَابِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ الْأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَبَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْعُزُوفَ عَنِ الزَّوَاجِ وَكَثْرَةَ الْعَوَانِسِ أَصْبَحَ ظَاهِرَةً تُهَدِّدُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمَةَ فِي قِيَمِهَا وَأَخْلَاقِهَا، وَمَهْمَا تَكُنِ الْأَسْبَابُ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى هَذِهِ الظَّاهِرَةِ فَهِيَ عَقَبَاتٌ وَعَرَاقِيلُ، فَرَضَتْهَا الْعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ الْمُجَانِبَةُ لِلشَّرْعِ؛ غَلَاءٌ فِي الْمُهُورِ، وَتَكَالِيفُ بَاهِظَةٌ، وَإِسْرَافٌ فِي الْوَلَائِمِ، وَمَرَاسِيمُ مُعَقَّدَةٌ، مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هَلَّا نَرْحَمُ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا، وَنَحْفَظُ مُجْتَمَعَاتِنَا مِنَ الْفَسَادِ، وَنَكُونُ عَوْنًا فِي نَشْرِ الْفَضِيلَةِ وَمُحَارَبَةِ الرَّذِيلَةِ؛ فَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ قَدْ أَوْدَعَ اللهُ فِيهَا غَرِيزَةَ مَيْلِ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَمَيْلِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِ هَذِهِ الْغَرَائِزِ إِلَّا بِامْتِثَالِ شَرْعِ اللهِ -تَعَالَى-؛ وَإِلَّا أَدَّتْ هَذِهِ الْغَرِيزَةُ إِلَى فَسَادٍ أَخْلَاقِيٍّ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ؛ تَكْنُ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ: تَرَوْنَ وَتَسْمَعُونَ عَنْ كَثْرَةِ الْفَسَادِ، وَكَيْفَ يُرَوِّجُ أَهْلُ الْبَاطِلِ لِلْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، بِشَتَّى الطُّرُقِ وَالْوَسَائِلِ، سَاعَدَ فِي ذَلِكَ وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ، وَبَرَامِجُ الِاتِّصَالِ، وَمَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ، وَدُخُولُهَا إِلَى كُلِّ بَيْتٍ؛ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)[النساء: 27].

 

فَمَا دَوْرُكُمْ -أَيُّهَا الْآبَاءُ- فِي إِصْلَاحِ مُجْتَمَعِكُمْ، وَالتَّخْفِيفِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ فِيهِ؟! فَهَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنْ شَبَابِ وَبَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النِّكَاحِ وَبِنَاءِ الْأُسْرَةِ؛ بِسَبَبِ عَادَاتِ الزَّوَاجِ الْمُخَالِفَةِ لِهَدْيِ الْإِسْلَامِ.

 

أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ، وَلْنَكُنْ عَوْنًا لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي عِفَّتِهِمْ وَحِفْظِ فُرُوجِهِمْ؛ بِتَيْسِيرِ سُبُلِ النِّكَاحِ وَتَسْهِيلِ أُمُورِهِ؛ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ -تَعَالَى-، وَتَحْقِيقًا لِمَنَافِعِ الزَّوَاجِ وَمَقَاصِدِهِ، وَصِيَانَةِ مُجْتَمَعَاتِنَا مِنَ الْفَسَادِ وَالْمُنْكَرَاتِ؛ فَذَلِكَ -وَاللهِ- مَسْؤُولِيَّةٌ وَأَمَانَةٌ: كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْهَادِي الْبَشِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

الملفات المرفقة
الحث على الزواج
عدد التحميل 22
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات