طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17686

أسباب صلاح الأسرة (1) غرس تعظيم الله

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/02/10
تاريخ النشر : 1441/07/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/وسائل غرس تعظيم الله في قلوب أفراد الأسرة 2/ثمرات تعظيم الله على الأسرة المسلمة 3/خراب القلب الخالي من تعظيم الله.
اقتباس

… فَيَقُصُّ الْوَالِدُ أَوِ الْوَالِدَةُ عَلَى أَطْفَالِهِمَا قِصَّةَ الْمُرْتَعِدِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، كَحَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَبَى أَنْ يُقْرِضَ ابْنَةَ عَمّهِ الَّتِي أَحَبَّهَا حَتَّى تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا فَعَلَتْ وَقَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِه، “أَخَذَتْهَا رَعْدَةٌ، فَقَالَتْ: أَنْشُدُكَ اللهَ أَنْ تَفُضَّ هَذَا الْخَاتَمَ بِغَيْرِ حَقِّهِ؛ فَإِنِّي وَاللهِ مَا عَمِلْتُ هَذَا الْعَمَلَ قَطُّ، فَقَامَ عَنْهَا وَأَعْطَاهَا الْمَالَ…”.

الْخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]،           أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: لَا شَكَّ أَنَّ صَلَاحَ الْأُسَرِ مِنْ أَوْلَى مَا يَهْتَمُّ بِهِ الْعُقَلَاءُ؛ فَإِنَّ فِي صَلَاحِهَا صَلَاحًا لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، وَالْفَطِنُ مَنْ تَفَكَّرَ فِي وَسَائِلِ إِصْلَاحِهَا، وَأَخَذَ بِأَسْبَابِ ذَلِكَ، وَمَوْعِدُنَا الْيَوْمَ مَعَ وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ صَلَاحِ الْأُسْرَةِ وَسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ؛ أَلَا وَهُوَ: غَرْسُ تَعْظِيمِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْقُلُوبِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ عَظُمَ قَدْرُ اللهِ فِي الْقَلْبِ أَكْبَرَ هَذَا الْقَلْبُ أَنْ يُخَالِفَ رَبَّهُ، فَالْتَزَمَ حُدُودَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي أُسْرَةٍ فَهُوَ السَّعَادَةُ الْمُطْلَقَةُ؛ (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[طه: 123].

 

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ سُؤَالٍ قَدْ تَبَادَرَ إِلَى أَذْهَانِكُمُ الْآنَ، إِنَّهُ تَسَاؤُلٌ يَقُولُ: وَكَيْفَ نَغْرِسُ تَعْظِيمَ اللهِ فِي قُلُوبِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ؟ وَأُجِيبُ مِنْ خِلَالِ الْوَسَائِلِ الْآتِيَةِ:

أَوَّلًا: مَعْرِفَةُ اللهِ: فَمَنْ عَرَفَ اللهَ -سُبْحَانَهُ- حَقَّ الْمَعْرِفَةِ اسْتَقَرَّتْ عَظَمَةُ اللهِ وَإِجْلَالُهُ وَتَوْقِيرُهُ فِي قَلْبِهِ؛ فَهَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَنْقُلُ إِلَيْنَا مَا قَالَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعَرِّفًا بِرَبِّه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، يَقُولُ أَبُو مُوسَى: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبَلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ -وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)؛ فَسُبْحَانَ الْجَلِيلِ الْعَظِيمِ -سُبْحَانَهُ-!

 

وَهُوَ مَعَ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ مُهَيْمِنٌ عَلَى هَذَا الْكَوْنِ الْفَسِيحِ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ فَهُوَ مَلِكُ الْمُلُوكِ، أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ وَأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ، فَإِذَا عَرَفْنَا اللهَ -كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ- ثُمَّ عَرَّفْنَاهُ أَوْلَادَنَا صَلَحَ حَالُنَا وَحَالُهُمْ.

 

ثَانِيًا: التَّأَمُّلُ فِي عَظَمَةِ صُنْعِهِ؛ فَعَظَمَةُ الْمَخْلُوقِ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ؛ فَالَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ الشِّدَادَ وَالْأَفْلَاكَ الْعَظِيمَةَ وَالْكَوْنَ الْمَهُولَ وَالْفَضَاءَ الْمُمْتَدَّ… لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْهَا وَأَعَزَّ وَأَشَدَّ، وَعَنْ عَظَمَةِ خَلْقِهِ فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ.

 

هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الزمر: 67](مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-: مَا عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ.

 

وَهَذِهِ السَّمَوَاتُ مَعَ شِدَّتِهَا تَكَادُ تَتَشَقَّقُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ فَوْقَهَا، يَقُولُ -تَعَالَى-: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ)[الشورى: 5]، قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: يَتَفَطَّرْنَ؛ أَيْ: يَتَشَقَّقْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ وَجَلَالِهِ فَوْقَهُنَّ(تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ بِتَصَرُّفٍ)، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَتَشَقَّقَ؛ فَمَا السَّمَوَاتُ الشِّدَادُ بِشَيْءٍ بِجَانِبِ الْكُرْسِيِّ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ آيَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ.

 

وَهَذَا مَخْلُوقٌ آخَرُ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللهِ دَعُونَا نَرَى عَظَمَةَ خَلْقِهِ لِنُدْرِكَ عِنْدَهَا عَظَمَةَ خَالِقِهِ، تَرْوِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَمَا جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَّا مَلَكٌ وَاحِدٌ مِنْ مَلَائِكَةٍ كَثِيرَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ)؛ فَسُبْحَانَ الْعَظِيمِ وَتَعَالى عَنْ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ وَتَخَيُّلِ الْمُتَخَيِّلِينَ!

 

ثَالِثًا: تَذَكُّرُ شَدِيدِ غَضَبَهِ وَعَذَابِهِ وَانْتِقَامِهِ؛ فَمِنْ عَظَمَتِهِ -تَعَالَى- أَنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ سَرِيعُ الْحِسَابِ قَوِيٌّ جَبَّارٌ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ أَسَاءَ: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم: 7]، وَقَالَ -تَعَالَى-: (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)[الحجر: 50]؛ فَمَنْ أَدْرَكَ شِدَّةَ عَذَابِهِ وَغَضَبِهِ أَدْرَكَ عَظَمَتَهُ، وَمَنْ أَدْرَكَ عَظَمَتَهُ صَلَحَ حَالُهُ، وَهَذَا مَا نَبْغِيهِ لِأُسَرِنَا.

 

رَابِعًا: تَدَارُسُ نَمَاذِجَ مِمَّنِ اسْتَقَرَّتْ عَظَمَةُ اللهِ -تَعَالَى- فِي قُلُوبِهِمْ: فَيَقُصُّ الْوَالِدُ أَوِ الْوَالِدَةُ عَلَى أَطْفَالِهِمَا قِصَّةَ الْمُرْتَعِدِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ؛ كَحَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَبَى أَنْ يُقْرِضَ ابْنَةَ عَمّهِ الَّتِي أَحَبَّهَا حَتَّى تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا فَعَلَتْ وَقَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِه، أَخَذَتْهَا رَعْدَةٌ، فَقَالَتْ: أَنْشُدُكَ اللهَ أَنْ تَفُضَّ هَذَا الْخَاتَمَ بِغَيْرِ حَقِّهِ؛ فَإِنِّي وَاللهِ مَا عَمِلْتُ هَذَا الْعَمَلَ قَطُّ، فَقَامَ عَنْهَا وَأَعْطَاهَا الْمَالَ…”(رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ).

 

وَوَاقِعَةٌ مُشَابِهَةٌ يَرْوِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: “كَانَ الكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ أَرْعَدَتْ وَبَكَتْ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ أَأَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجَةُ، فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِهِ؟ اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ، وَقَالَ: لاَ وَاللَّهِ لاَ أَعْصِي اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ).

 

وَتَرْوِي كُتُبُ التَّفْسِيرِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قُرِئَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)[الذاريات: 22-23]؛ “فَصَاحَ الأَعْرَابِيُّ وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ! مَنِ الَّذِي أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى حَلَفَ! أَلَمْ يُصَدِّقُوهُ فِي قَوْلِهِ حَتَّى أَلْجَأُوهُ إِلَى الْيَمِينِ؟ فَقَالَهَا ثَلَاثًا وَخَرَجَتْ بِهَا نَفْسُهُ”(تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ وَالنَّسَفِيِّ وَغَيْرُهُمَا)، وَمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا فَعَلَ إِلَّا اسْتِقْرَارُ عَظَمَةِ الْجَلِيلِ الْعَظِيمِ فِي قَلْبِهِ.

 

فَالْوَاجِبُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَنْ يَغْرِسَا تَعْظِيمَ اللهِ فِي قَلْبَيْهِمَا ثُمَّ فِي قُلُوبِ أَطْفَالِهِمَا؛ فَإِنْ فَعَلَا فَقَدْ سَلَكَا سَبِيلَ النَّجَاحِ وَالْفَلَاحِ وَالصَّلَاحِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَإِذَا مَا اسْتَطَاعَتِ الْأُسْرَةُ أَنْ تَكُونَ مُعَظِّمَةً للهِ فِي جَمِيعِ شُئُونِهَا؛ أَسْبَغَ ذَلِكَ عَلَيْهَا صَلَاحًا وَفَلَاحًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَثْمَرَ كَثِيرًا مِنْ ثَمَرَاتِ الْخَيْرِ، وَمِنْهَا:

أَوَّلًا: أَنْ تُصْبِحَ أُسْرَةً طَائِعَةً مُتَجَنِّبَةً لِلْمَعَاصِي؛ فَإِنَّ مَنِ اسْتَشْعَرَ عَظَمَةَ اللهِ اجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ؛ (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)[الحج: 30]، “أَيْ: وَمَنْ يَجْتَنِبُ مَعَاصِيهِ وَمَحَارِمَهُ، وَيَكُونُ ارْتِكَابُهَا عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ فَلَهُ عَلَى ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَثَوَابٌ جَزِيلٌ”(تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ). وَهَذَا أَحَدُ الصَّالِحِينَ يَقُولُ: لَوْ تَفَكَّرَ النَّاسُ فِي عَظَمَةِ اللهِ -تَعَالَى- مَا عَصَوْهُ.

 

ثَانِيًا: أَنْ تُصْبِحَ أُسْرَةً مُعْظِّمَةً لِشَعَائِرِ اللهِ؛ (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج:32]، “وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ للهِ -تَعَالَى- فِيهِ أَمْرٌ أُشْعِرَ بِهِ وَأُعْلِمَ… فَشَعَائِرُ اللهِ أَعْلَامُ دِينِهِ”(تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ)، فَلَا تَجِدُ فِي أَفْرَادِ تِلْكَ الْأُسْرَةِ مُسْتَهْزِئًا بِفَرِيضَةٍ وَلَا بِسُنَّةٍ، بَلْ تَجِدُهُمْ مُخْبِتِينَ مُعَظِّمِينَ لِأَوَامِرِ اللهِ وَنَوَاهِيهِ.

 

ثَالِثًا: أَنْ تُصْبِحَ أُسْرَةً مُتَرَابِطَةً مُتَحَابَّةً مُتَآلِفَةً، وَكَيْفَ لَا وَهِيَ أُسْرَةٌ تَحْيَا فِي ظِلِّ عَظَمَةِ الْعَظِيمِ، تُعَظِّمُ أَوَامِرَهُ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَوَامِرِ الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَرِعَايَةُ الْأَوْلَادِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ…

 

ثُمَّ الثَّمَرَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ عَدِيدَةٌ لَا نَسْتَطِيعُ هُنَا لَهَا حَصْرًا، وَإِنَّ فِيمَا ذَكَرْنَا أَمَارَةً عَلَى مَا لَمْ نَذْكُرْ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُعَظِّمُونَ للهِ: قَدْ عَرَضْنَا فِيمَا سَبَقَ غَنَائِمَ الْأُسْرَةِ الَّتِي تَغْرِسُ تَعْظِيمَ اللهِ فِي قُلُوبِ أَفْرَادِهَا، وَبَقِيَ أَنْ نُؤَكِّدَ أَنَّ كُلَّ قَلْبٍ خَلَا مِنْ تَعْظِيمِ اللهِ فَهُوَ قَلْبٌ خَرِبٌ لَا يُوَقِّرُ رَبَّهُ وَلَا يَعْرِفُ لَهُ قَدْرَهُ، يَقُولُ -تَعَالَى-: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)[نوح: 13]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مَا لَكُمْ لَا تَرَوْنَ للهِ عَظَمَةً(تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ)، “وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا تَخَافُونَ عَظَمَتَهُ”(تَفْسِيرُ الْخَازِنِ).

 

وَهُوَ قَلْبٌ وَالِغٌ فِي الذُّنُوبِ؛ يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: “وَمِنْ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ: أَنَّهَا تُضْعِفُ فِي الْقَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ -جَلَّ جَلَالُهُ- وَتُضْعِفُ وَقَارَهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَلَا بُدَّ، شَاءَ أَمْ أَبَى”.

 

وَهُوَ قَلْبٌ مُسْتَهِينٌ بِمُخَالَفَةِ الْجَلِيلِ الْعَظِيمِ -سُبْحَانَهُ-: يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ: بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ.(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

فَاللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ، وَاغْرِسْ فِي قُلُوبِ أَوْلَادِنَا بَرَكَاتِ تَعْظِيمِكَ وَإِجْلَالِكَ.

 

وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

الملفات المرفقة
أسباب صلاح الأسرة (1) غرس تعظيم الله
عدد التحميل 1
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات