طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17684

أسباب صلاح الأسرة (3) اختيار البيئة الصالحة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/02/10
تاريخ النشر : 1441/07/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أثر البيئة الصالحة في صلاح أفرادها 2/تأثير البيئة على الأبناء 3/توفير البيئة الصالحة للنشء.
اقتباس

مَا دُمْنَا قَدْ عَلِمْنَا بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ التَّأْكِيدَ عَلَى تَأْثِيرِ الْبِيئَةِ عَلَى أَفْرَادِهَا، سَوَاءً كَانَتْ صَالِحَةً أَوْ طَالِحَةً؛ فَإِنَّنَا نُقَرِّرُ فِي إِصْرَارٍ أَنَّ مِنْ أَوْجَبِ وَاجِبَاتِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تِجَاهَ أَوْلَادِهِمْ: أَنْ يُوَفِّرُوا لَهُمُ الْبِيئَةَ الْإِيمَانِيَّةَ الَّتِي لَا صَلَاحَ لَهُمْ إِلَّا بِهَا.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

يَا عَبْدَ اللهِ: إِذَا أَخَذْتَ وَرَقَةً بَيْضَاءَ فَصَبَغْتَهَا بِصِبْغَةٍ حَمْرَاءَ أَصْبَحَ لَوْنُهَا أَحْمَرَ، وَمِثْلُهَا إِذَا صَبَغْتَهَا بِصِبْغَةٍ سَوْدَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا أَسْوَدَ، وَهَكَذَا هُوَ تَأْثِيرُ الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ النَّقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ؛ فَإِنْ وَضَعْتَهُمْ فِي بِيئَةٍ صَالِحَةٍ نَشَأُوا صَالِحِينَ، وَإِنْ غَرَسْتَهُمْ فِي بِيئَةٍ طَالِحَةٍ نَبَتُوا فَاسِدِينَ، وَمَهْمَا جَهَدْتَ وَحَاوَلْتَ لِتَجْنِيبِهِمُ التَّأَثُّرَ بِالْبِيئَةِ مِنْ حَوْلِهِمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنْ شَظَايَاهَا! وَمَا أَرْوَعَ التَّوْجِيهَ النَّبَوِيَّ الَّذِي يَقُولُ: “مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ، أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)!

 

عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أَنَّ الطِّفْلَ سَرِيعُ التَّأَثُّرِ بِمَنْ حَوْلَهُ، خَاصَّةً أَبَاهُ وَأُمَّهُ؛ فَهُمَا بِيئَتُهُ الْأُولَى، وَهُمَا مَنْ يَخْتَارَانِ لَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يَخْطُو عَلَيْهِ أَوَّلَ خُطُوَاتِهِ، وَهُمَا مَنْ يَصْطَفِيَانِ لَهُ “الصِّبْغَةَ” الَّتِي سَيَصْطَبِغُ بِلَوْنِهَا، وَمَا أَخْطَرَ هَذَا مِنْ عَمَلٍ! فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟”، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)[الروم: 30](مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَلِشِدَّةِ تَأْثِيرِ الْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ عَلَى أَفْرَادِهَا فَقَدْ أَمَرَنَا الْقُرْآنُ أَنْ نَكُونَ دَائِمًا فِي وَسَطِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119]، وَحَذَّرَنَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا أَوْ الِابْتِعَادِ عَنْهَا قَائِلًا لَنَا وَلِنَبِيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ قَبْلِنَا: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[الكهف:28].

 

وَهَذَا غُلَامٌ صَغِيرٌ، قَضَى لَيْلَةً وَاحِدَةً فِي بِيئَةٍ صَالِحَةٍ، وَلْنَرَ كَيْفَ أَثَّرَتْ فِيهِ؛ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِبِلٍ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ؛ فَلَمَّا أَتَاهُ، وَكَانَتْ لَيْلَةُ مَيْمُونَةَ، وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَأَتَى الْمَسْجِدَ؛ فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ؛ فَطَرَحَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي ثِيَابِهَا، فَأَخَذْتُ ثَوْبِي؛ فَجَعَلْتُ أَطْوِيهِ تَحْتِي، ثُمَّ اضْطَجَعْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: لَا أَنَامُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَا يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَذْهَبَ ثُمَّ قَامَ، فَخَرَجَ، فَبَالَ، ثُمَّ أَتَى سِقَاءً مُوكَئًا؛ فَحَلَّ وِكَاءَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ وَطِئَ عَلَى فَمِ السِّقَاءِ؛ فَجَعَلَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ حَتَّى فَرَغَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَأَصُبَّ عَلَيْهِ؛ فَخِفْتُ أَنْ يَدَعَ اللَّيْلَةَ مِنْ أَجْلِي، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي؛ فَقُمْتُ؛ فَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ؛ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ؛ فَتَنَاوَلَنِي بِيَدِهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ؛ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً… (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ فِي الْكُبْرَى)، فَتَأَمَّلْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: “فَقُمْتُ، فَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ”، وَانْظُرْ إِلَى تَرْكِهِ النَّوْمَ وَوَضُوءَهُ وَصَلَاتَهُ وَهُوَ الْغُلَامُ الصَّغِيرُ! إِنَّهَا الْبِيئَةُ الصَّالِحَةُ.

 

يَا أَيُّهَا الْآبَاءُ الْمُرَبُّونَ: إِنَّكُمْ لَا تَتَصَوَّرُونَ وَلَا تَتَخَيَّلُونَ مَاذَا تَفْعَلُ الْبِيئَةُ الْفَاسِدَةُ بِأَبْنَائِهَا! إِنَّهَا تَسْلَخُهُمْ مِنْ فِطْرَتِهِمُ النَّقِيَّةِ، وَتَجُرُّهُمْ جَرًّا إِلَى الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، وَتَزْرَعُ فِي قُلُوبِهِمُ الْفِسْقَ وَالْخَنَا وَالْفُجُورَ، وَتَؤُزُّهُمْ عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ! وَهَلْ بَعِيدٌ عَنَّا كَيْفَ أَزَّتِ الْبِيئَةُ الْفَاسِدَةُ رَجُلًا مِنْ أُمَّةٍ قَبْلَنَا حَتَّى قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا؟ وَلَمَّا سَأَلَ الْعَالِمَ الرَّبَّانِيَّ عَنِ التَّوْبَةِ وَعَنِ الْخَلَاصِ وَعَنِ الْحَلِّ، أَمَرَهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: أَنْ يُغَيِّرَ وَيَسْتَبْدِلَ بِيئَتَهُ الْفَاسِدَةَ بِأُخْرَى صَالِحَةٍ، فَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الْعَالِمَ قَالَ لَهُ: “انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تِرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ”، بَلْ وَلَمَّا اخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ حِينَ مَاتَ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ، كَانَ الْفَيْصَلُ بَيْنَهُمَا: إِلَى أَيِّ الْبِيئَتَيْنِ هُوَ أَقْرَبُ؟ فَفِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: “قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيِّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ؛ فَقَاسُوهُ؛ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَكَمَا أَثَّرَتِ الْبِيئَةُ الْفَاسِدَةُ فِي هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى جَعَلَتْ مِنْهُ قَاتِلًا؛ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَرْأَةِ حَتَّى تَجْعَلَهَا غَانِيَةً مُتَفَلِّتَةً؛ فَقَد رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: “إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ“، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ؟ قَالَ: “الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي الْمَنْبَتِ السُّوءِ“(رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ)، “فَشَبَّهَ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَصْلُهَا رَدِيءٌ بِالْقِطْعَةِ مِنَ الزَّرْعِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلَى غَيْرِهَا الَّتِي مَنْبَتُهَا مَوْضِعُ رَوَثِ الْبَهَائِمِ”.

 

وَلَا عَجَبَ؛ فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يُحَذِّرُ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الصَّحَابَةَ، وَيُحَذِّرُنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ التَّوَاجُدِ فِي بِيئَةٍ فَاسِدَةٍ: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)[النساء: 140]، وَمِمَّا يُرْعِبُ فِي الْآيَةِ: أَنَّ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وَلِهَذَا يُؤَاخَذُ الْفَاعِلُ وَالرَّاضِي بِعُقُوبَةِ الْمَعَاصِي حَتَّى يَهْلِكُوا بِأَجْمَعِهِمْ”(تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ)، وَلَيْسَ بَعِيدًا عَنْ هَذَا قَوْلُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[الأنعام: 68].

 

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَضْعُفُ وَيَجْبُنُ وَيَتَخَاذَلُ؛ فَيَبْقَى بِأَوْلَادِهِ دَاخِلَ الْبِيئَةِ الْفَاسِدَةِ حَتَّى يَضِيعَ مِنْهُ أَطْفَالُهُ، وَيَصْطَبِغُوا بِصِبْغَةِ تِلْكَ الْبِيئَةِ الطَّالِحَةِ؛ مُتَعَلِّلِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَرْكَ بِيئَتِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا، فَيَكُونُ عِقَابُهُمُ الْأَلِيمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء: 97]؛ فَتَرْكُ الْبِيئَةِ الطَّالِحَةِ وَاسْتِبْدَالُهَا بِبِيئَةٍ صَالِحَةٍ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا دُمْنَا قَدْ عَلِمْنَا بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ التَّأْكِيدَ عَلَى تَأْثِيرِ الْبِيئَةِ عَلَى أَفْرَادِهَا؛ سَوَاءً كَانَتْ صَالِحَةً أَوْ طَالِحَةً؛ فَإِنَّنَا نُقَرِّرُ فِي إِصْرَارٍ أَنَّ مِنْ أَوْجَبِ وَاجِبَاتِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تِجَاهَ أَوْلَادِهِمْ: أَنْ يُوَفِّرُوا لَهُمُ الْبِيئَةَ الْإِيمَانِيَّةَ الَّتِي لَا صَلَاحَ لَهُمْ إِلَّا بِهَا، وَمِنْ أَهَمِّ عَنَاصِرِ تِلْكَ الْبِيئَةِ الْإِيمَانِيَّةِ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنْ تَكُونَ لِطِفْلِكَ قُدْوَةً؛ فَصَلَاحُكَ أَيُّهَا الْأَبُ، وَصَلَاحُكِ أَيَّتُهَا الْأُمُّ هُوَ أَوَّلُ عَنَاصِرِ الْبِيئَةِ الْإِيمَانِيَّةِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا النَّشْءُ؛ فَإِنَّ طِفْلَكَ إِنْ رَآكَ صَلَّيْتَ صَلَّى خَلْفَكَ، وَإِنْ رَآكَ صُمْتَ صَامَ مِثْلَكَ، وَإِنْ عَهِدَكَ تَصْدُقُ الْحَدِيثَ تَعَلَّمَ الصِّدْقَ مِنْكَ… وَهَكَذَا، حَتَّى يَصِيرَ الْبَيْتُ مَدْرَسَةً إِسْلَامِيَّةً إِيمَانِيَّةً يَغْرِسُ الصَّلَاحَ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ.

 

ثَانِيًا: أَنْ يَخْلُوَ الْبَيْتُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ؛ فَكَمَا نُنَظِّفُ الْمَنْزِلَ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَتَطَهَّرَ الْبَيْتُ مِنْ كُلِّ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعَاصِي؛ فَتُحْذَفُ قَنَوَاتُ التِّلْفَازِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الْفِسْقِ وَالْمُجُونِ، وَتُسْتَبْعَدُ مَوَاقِعُ الشَّبَكَةِ الْعَنْكَبُوتِيَّةِ الضَّارَّةِ، كَذَلِكَ لَا يُسْمَعُ فِي هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ مَعَازِفُ وَلَا غِيبَةٌ وَلَا نَمِيمَةٌ.

 

ثَالِثًا: تَجْنِيبُ الطِّفْلِ وَتَحْذِيرُهُ مِنْ صَدِيقِ السُّوءِ؛ فَالصَّدِيقُ أَحَدُ عَنَاصِرِ الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ؛ فَإِنْ كَانَ صَالِحًا أَصْلَحَ مِنْ حَالِ طِفْلِكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَثَّرَ عَلَيْهِ بِالسَّلْبِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ)؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ مَنْعُ وَلَدِكَ مِنْ صُحْبَةِ صَدِيقِ السُّوءِ، وَمَسَاعَدَتُهُ فِي اخْتِيَارِ الصَّدِيقِ الصَّالِحِ، وَحَثُّهُ عَلَى مُلَازَمَتِهِ، وَهَذَا هُوَ فَحْوَى التَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَقُولُ: “لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

رَابِعًا: أَنْ يَجِدَ الْعَوْنَ عَلَى الطَّاعَاتِ؛ فَالْبِيئَةُ الصَّالِحَةُ مَا هِيَ إِلَّا نِتَاجٌ لِلْبَيْتِ الْمُسْلِمِ الصَّالِحِ، وَهُوَ بَيْتٌ يَتَعَاوَنُ أَفْرَادُهُ عَلَى الَبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ فَكُلَّمَا هَمَّ الْوَلَدُ بِطَاعَةٍ وَجَدَ مَنْ يُؤَازِرُهُ وَيُشَجِّعُهُ وَيُعَاوِنُهُ، وَقَدْ ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثَالًا وَقَدَّمَ لَنَا نَمُوذَجًا لِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ قَائِلًا: “رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ؛ فَإِنْ أَبَتْ رَشَّ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى؛ فَإِنْ أَبَى رَشَّتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَخِتَامًا: فَإِنَّنَا إِنْ وَفَّرْنَا لِأَطْفَالِنَا الْبِيئَةَ الصَّالِحَةَ وَالْبَيْتَ الصَّالِحَ وَالصَّدِيقَ الصَّالِحَ؛ فَصَارَ كُلُّ مَنْ حَوْلَهُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاحِ؛ أَثْمَرَ ذَلِكَ وَلَدًا صَالِحًا، ثُمَّ شَابًّا صَالِحًا، ثُمَّ رَجُلًا صَالِحًا، ثُمَّ أَبًا صَالِحًا يُرَبِّي أَوْلَادًا صَالِحِينَ، وَبِهَذَا يَتَكَوَّنُ الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ الصَّالِحُ الَّذِي يُعِيدُ إِلَى الْأُمَّةِ مَجْدَهَا وَعِزَّهَا وَشَرَفَهَا.

 

فَاللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا فَسَادَ أُمُورِنَا، وَانْشُرِ الصَّلَاحَ مِنْ حَوْلِنَا، وَارْعَ لَنَا أَوْلَادَنَا، وَنَشِّئْهُمْ نَشْأَةً تَرْضَاهَا، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَأَنْتَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

 

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

 

الملفات المرفقة
أسباب صلاح الأسرة (3) اختيار البيئة الصالحة
عدد التحميل 14
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات